Announcing: BahaiPrayers.net


كتب أكثر من قبل دراسات بهائيه

(مطالع الانوار (ملخص
الدين البهائي بحث ودراسة
القاموس المبسط لكتاب الإيقان
بهاءالله والعصر الجديد
ظهور حضرة بهاءالله - المجلد الأول
ظهور حضرة بهاءالله - المجلد الثاني
مَطَالِعُ الأَنوَار تاريخ النبيل
Free Interfaith Software

Web - Windows - iPhone








دراسات بهائيه : مَطَالِعُ الأَنوَار تاريخ النبيل
مَطَالِعُ الأَنوَار
تاريخ النبيل عن وقائع الأيام الأولى للأمر البهائي
مَطَالِعُ الأَنوَار
ضريح حضرة الباب من الداخل
مَطَالِعُ الأَنوَار

تاريخ النبيل عَن وَقائِع الأيَّام الأولى لِلأمر البَهَائي

٭٭٭٭٭٭٭٭

أقِفُ وَرُوحي في يَدي مُسْتَعدّاً لعَلَّ بفَضل الله وَكرمِهِ يضحّي

هذَا الحَرفُ المُنزَل الظاهِر حَيَاته فدَاءً في سَبيل

النقطَة الأولى الكَلمَة العُليَا
بَهَاءالله
(مُترجمًا)
٭٭٭٭٭٭٭٭

هَذّبَهُ وتَرجَمهُ مِنَ اللّغة الفَارسيَّة إلى اللّغة الإنگليزيّة

شَوْقي أفنْدي رَبَّاني
٭٭٭٭٭٭٭٭
عَرَّبَهُ مِنَ اللّغة الإنگليزيَّة
عَبد الجليل سَعْد
إعادة طبع وتنقيح: سيفي سيفي
تدقيق: عبد المجيد دلشاد وفرزانه جابري
دار البديع للطباعة والنشر
ص ب 1484-90
بيروت – لبنان
آذار 2008م
إلى
الوَرقَة العُليَا
آخر الأحيَاء مِنْ عَصر البُطولة المجَيد
أُقَدّم هَذا الكِتَاب
تذْكَارًا

لما أنَا مدين بِهِ لهَا مِنْ عَظيمِ المَحَبَّة والفَضْل

صفحة خالية
المحتوى
كلمة الناشر
IX
فهرس الوقائع التاريخية
XI
- الجزء الأول: الأيام التي سبقت الدعوة
XI
- الجزء الثاني: ظهور حضرة الباب
XII
فهرس الصور
XXXIII

صور خط يد حضرة الباب في ألواحه لحروف الحي وحضرة بهاءالله

XLIII
مقدمة
XLV
اعتراف
LXXXVII
ديباجة
LXXXIX
استدراك لمترجم السفر إلى اللغة العربية
XCI
الجزء الأول (الفصل الأول والثاني)
1-40
الجزء الثاني (الفصل الثالث حتى السادس والثلاثين)
41-604
خاتمة
605
ملحق
623
فهرس الأعلام
633
صفحة خالية
كلمة الناشر

يسر دار البديع أن تقدم طبعة جديدة للترجمة العربية لكتاب "مطالع الأنوار" والذي يعتبر المصدر الأهم لدراسة تاريخ الدعوة البابية والاطلاع على التفاصيل المتعلقة بالسنوات التسع الأولى من نشأتها. نشر الكتاب للمرة الأولى في مصر عام 1940، وسرعان ما نفدت نسخه. على الرغم من ذلك، لم تتم إعادة طبع "مطالع الأنوار" بعد ذلك إلى أن قام، قبل عدة سنوات، عدد من الأشخاص المهتمين بتاريخ البابية بمراجعة الطبعة الأولى وتنقيحها لجهة بعض الأخطاء التقنية التي كانت موجودة في الطبعة الأولى المصرية. بدورها، تفخر دار البديع ان تقدم "مطالع الأنوار"، الذي طال انتظاره، في حلة جديدة سعينا، قدر المستطاع، أن تكون لائقة لهذا الكتاب الذي يسرد تاريخًا دينيًا تلازمت فيه المآسي والانتصارات، وتآلف عبرها حبر العلماء مع دم الشهداء. واليوم، وبالتحديد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تحولت النواة التي تمثلها شخصيات هذا الكتاب وأحداثها إلى جامعة بهائية عالمية منتشرة في شتى أصقاع المعمورة وتساهم مساهمة فعالة في نشر القيم الروحية التي ضحى مطالع الأنوار بأرواحهم وبكل ما يملكون في سبيلها. تتلخص تلك القيم في مبدأ تحقيق وحدة العالم الإنساني ونشر السلام والاتحاد بين الأنام.

تود دار البديع أن تعبر عن شكرها العميق لكل الذين ساهموا في إخراج هذه الطبعة الجديدة لكتاب "مطالع الأنوار" إلى النور، وتخص بالذكر السيد سيفي سيفي والسيدة فرزانه جابري والسيد عبد المجيد دلشاد. كما تأمل أن يكون في نشر هذا الكتاب فوائد معنوية وعلمية للمؤمنين بالرسالة التي يعرض الكتاب تاريخ انبعاثها، وكذلك للباحثين المهتمين بدراسة الأديان وتاريخ الشرق الأوسط في بدايات العصر الحديث.

صفحة خالية
فهرس الوقائع التاريخية
يشمل أهم مواضيع التاريخ
الجزء الأول: الأيام التي سبقت الدعوة
الفصل الأول: رسالة الشيخ أحمد الأحسائي
الصفحة

مغادرته البحرين إلى العراق....................................................................................

2

زيارته للنجف وكربلاء ........................................................................................

2

رحلته إلى شيراز ..............................................................................................

3

إقامته في يزد ..................................................................................................

4

أ) مراسلاته مع فتح علي شاه ........................................................................

4

ب) علاقاته بالحاج عبد الوهاب ......................................................................

5

ج) رواية ميرزا محمود القمصري ...................................................................

6

د) وصول السيد كاظم الرشتي .......................................................................

9

حجه إلى مشهد ................................................................................................

9

دخوله المظفر إلى طهران .....................................................................................

11

مغادرته إلى كرمانشاه .........................................................................................

11

عودته إلى كربلاء .............................................................................................

13

رحلته إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ووفاته ...............................................................

14
الصفحة
الفصل الثاني: رسالة السيد كاظم الرشتي

علاقاته بالحاج السيد محمد باقر الرشتي ........................................................................

17

إشاراته إلى الموعود ...........................................................................................

22

حكاية الشيخ حسن الزنوزي ....................................................................................

23

أ) زيارة السيد كاظم لحضرة الباب ..................................................................

23

ب) حضور حضرة الباب في درس السيد كاظم ......................................................

26

ج) زيارة حضرة الباب لمقام الإمام الحسين ..........................................................

26

د) زيارة الشيخ حسن إلى شيراز وماه كو ............................................................

27

ﻫ) لقاؤه مع حضرة بهاءالله في كربلاء ..............................................................

28

الإشارات إلى الموعود في كتابات السيد كاظم ..................................................................

29

حصار كربلاء .................................................................................................

31

تلميح السيد كاظم إلى تلاميذه غير المخلصين ...................................................................

33

رواية الشيخ أبو تراب .........................................................................................

34

نصائح السيد كاظم لتلاميذه .....................................................................................

36

لقاء السيد كاظم مع راعي الأغنام العربي ......................................................................

38

وفاة السيد كاظم ................................................................................................

40
الصفحة
الجزء الثاني: ظهور حضرة الباب
الفصل الثالث: إعلان دعوة حضرة الباب

وصول الملاّ حسين إلى كربلاء ................................................................................

41

دلالة سنة الستين ..............................................................................................

42

مغادرة الملاّ حسين إلى النجف وبوشهر .......................................................................

44

مقابلة الملاّ حسين مع حضرة الباب في شيراز .................................................................

46

وصول الملاّ علي البسطامي ورفاقه إلى شيراز ................................................................

59

وصول القدوس إلى شيراز ....................................................................................

64

الأيام الأولى لحضرة الباب ....................................................................................

64

أ) مولده ............................................................................................

64

ب) أيام المدرسة ....................................................................................

64

ج) زواجه ..........................................................................................

68

د) إقامته في بوشهر ................................................................................

69

حروف الحي ..................................................................................................

71

الإشارة إلى الطاهرة ...........................................................................................

73

تفسير معنى مصطلح بالاسري .................................................................................

76

توديع الملاّ حسين .............................................................................................

76

مغادرة الملاّ علي البسطامي شيراز ............................................................................

78

قصة عبد الوهاب ..............................................................................................

78

معاناة الملاّ علي البسطامي ....................................................................................

80

خطابة حضرة الباب في توديع حروف الحي ...................................................................

82

كلمات حضرة الباب للملاّ حسين حين وداعه ...................................................................

86
الصفحة
الفصل الرابع: رحلة الملاّ حسين إلى طهران

زيارة الملاّ حسين إلى إصفهان ................................................................................

87

أ) علاقاته بتلاميذ الحاج السيد محمد باقر ............................................................

87

ب) قصة مغربل القمح ..............................................................................

88

ج) إيمان الملاّ صادق الخراساني ....................................................................

90

إقامته في كاشان وقم ...........................................................................................

91

مشاهداته في طهران ...........................................................................................

91

أ) علاقاته بالحاج ميرزا محمد الخراساني ............................................................

91

ب) لقاؤه بالملاّ محمد النوري ورسالته لحضرة بهاءالله ...............................................

92
الفصل الخامس: رحلة حضرة بهاءالله إلى مازندران

إشارته لميرزا بزرگ ..........................................................................................

97

زيارته لنور قبل وصول الملاّ حسين إلى طهران ...............................................................

98

أ) لقاؤه بميرزا محمد تقي النوري ...................................................................

98

ب) الرؤيتان اللتان رآهما ميرزا محمد تقي النوري في المنام ........................................

99

زيارته لنور بعد وصول الملاّ حسين إلى طهران ...............................................................

100

أ) علاقاته بعمه عزيز ...............................................................................

101

ب) لقاؤه بالملاّ محمد ...............................................................................

105

ج) محادثته مع الدرويش ............................................................................

105

د) نتائج زيارة حضرة بهاءالله لنور ..................................................................

106

رؤيا الوزير الخاصة بحضرة بهاءالله ..........................................................................

106

علاقات حضرة بهاءالله بالحاج ميرزا آقاسي ...................................................................

107
الصفحة
الفصل السادس: رحلة الملاّ حسين إلى خراسان

تعليمات حضرة الباب لحروف الحي ............................................................................

111

أوائل المؤمنين في خراسان ....................................................................................

113

رسالة الملاّ حسين لحضرة الباب ...............................................................................

115

الفصل السابع: حج حضرة الباب إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة

الحادثة التي رواها الحاج أبو الحسن الشيرازي .................................................................

118

الإشارة إلى رحلة الحج في "البيان" الفارسي ....................................................................

119

الوصول إلى جدة والحادثة في الطريق إلى مكة المكرمة .......................................................

120

طواف حضرة الباب حول الكعبة المشرفة ......................................................................

121

إعلان دعوته لميرزا محيط الكرماني ...........................................................................

122

رسالته لشريف مكة ورواية الحاج نياز البغدادي ................................................................

125

زيارته للمدينة المنورة .........................................................................................

126
الفصل الثامن: إقامة حضرة الباب في شيراز بعد الحج

عودة حضرة الباب إلى بوشهر ووداعه للقدوس ................................................................

129

زيارة القدوس لخال حضرة الباب في شيراز ...................................................................

130

لقاء القدوس بالملاّ صادق الخراساني ...........................................................................

130

البلايا التي حلت بالقدوس والملاّ صادق ........................................................................

133

أ) استجواب حسين خان للملاّ صادق ................................................................

133

ب) رواية شاهد عيان عن الاضطهاد ................................................................

134

عودة حضرة الباب إلى شيراز .................................................................................

135
الصفحة

أ) رواية رئيس حرس حضرة الباب .................................................................

135

ب) لقاء حضرة الباب بحسين خان ...................................................................

136

ج) إعلان حضرة الباب في مسجد الوكيل ............................................................

138

الإشارة إلى الذين اعتنقوا الأمر في شيراز .....................................................................

141

رسالة حضرة الباب إلى المؤمنين في كربلاء ...................................................................

144

وصول المؤمنين إلى كنگاور، واجتماعهم بالملاّ حسين .........................................................

144

مغادرتهم مع الملاّ حسين إلى إصفهان .........................................................................

145

مغادرة الملاّ حسين إلى شيراز .................................................................................

146

وصول ستة من الأحباء إلى شيراز ............................................................................

146

رواية الملاّ عبد الكريم القزويني ...............................................................................

147

لقاء النبيل بالملاّ عبد الكريم القزويني ..........................................................................

150

الفصل التاسع: إقامة حضرة الباب في شيراز بعد الحج (تكملة)

مغادرة الملاّ حسين إلى خراسان ...............................................................................

155

مقابلات السيد يحيى بحضرة الباب .............................................................................

157

إيمان الملاّ محمد علي الزنجاني ................................................................................

163

زيارة القدوس لكرمان وطهران ومازندران .....................................................................

164

أ) علاقاته بالحاج السيد جواد الكربلائي ..............................................................

164

ب) زيارته لطهران .................................................................................

167

ج) إقامته في بارفروش .............................................................................

167

زيارة الملاّ صادق ليزد ........................................................................................

167

أ) علاقاته بميرزا أحمد الأزغندي ...................................................................

168
الصفحة

ب) تجربته في مسجد يزد ...........................................................................

169

معاناة الملاّ يوسف الأردبيلي وآخرين ..........................................................................

170

الإشارة إلى الحاج السيد جواد الكربلائي .......................................................................

171

رواية الشيخ سلطان الكربلائي .................................................................................

173

حلول النوروز الثاني ..........................................................................................

173

الإشارة إلى والدة حضرة الباب وزوجته .......................................................................

174

نشاطات حسين خان ...........................................................................................

175

أ) تقرير رئيس جواسيسه ............................................................................

175

ب) تعليمات حسين خان لعبد الحميد خان ............................................................

177

اعتقال حضرة الباب، وانتشار الوباء ...........................................................................

178

أ) فرار حسين خان ..................................................................................

179

ب) شفاء ابن عبد الحميد خان .......................................................................

179

ج) الإفراج عن حضرة الباب ........................................................................

179

وداع حضرة الباب لأقربائه، ومغادرته شيراز ..................................................................

179
الفصل العاشر: إقامة حضرة الباب في إصفهان

رسالته إلى منوچهر خان ......................................................................................

181

ترحيب إمام الجمعة به .........................................................................................

183

أ) تكريم السكان لحضرة الباب .......................................................................

183

ب) احترام إمام الجمعة لحضرة الباب ...............................................................

183

ج) تفسير حضرة الباب لسورة "والعصر" ............................................................

183

د) مقابلة حضرة الباب لمنوچهر خان ................................................................

184
الصفحة

مخاوف الحاج ميرزا آقاسي ...................................................................................

187

زيارة حضرة الباب لمنوچهر خان .............................................................................

187

الإشارة إلى الملاّ محمد تقي الهراتي .........................................................................

189

مأدبة ميرزا إبراهيم لحضرة الباب .............................................................................

190

الحكم الصادر على حضرة الباب بالإعدام من علماء إصفهان ..................................................

190

خطة منوچهر خان لمغادرة حضرة الباب وعودته إلى إصفهان .................................................

191

لقاء الأحباء بحضرة الباب .....................................................................................

193

تنبؤ حضرة الباب بقرب وفاة منوچهر خان ....................................................................

194

أواخر أيام منوچهر خان .......................................................................................

194

الأمر الصادر للأحباء بالتفرق .................................................................................

195

رسالة گرگين خان إلى محمد شاه ..............................................................................

195

مغادرة حضرة الباب إلى كاشان ...............................................................................

196
الفصل الحادي عشر: إقامة حضرة الباب في كاشان

رؤيا الحاج ميرزا جاني .......................................................................................

197

إقامة حضرة الباب ثلاثة أيام في منزل الحاج ميرزا جاني ......................................................

199

أ) الإشارة إلى السيد عبد الباقي ......................................................................

199

ب) لقاء مهدي بحضرة الباب ........................................................................

201

الفصل الثاني عشر: رحلة حضرة الباب من كاشان إلى تبريز

اقترابه من قم ..................................................................................................

204

إقامته في قرية قمرود ..........................................................................................

204

وصوله إلى قلعة كنارگرد ......................................................................................

205
الصفحة

إقامته في قرية كلين ...........................................................................................

205

أ) وصول عدد من الأحباء ...........................................................................

208

ب) سرور حضرة الباب بهدية حضرة بهاءالله .......................................................

208

ج) حادثة أثناء الرحلة ...............................................................................

209

د) رسالة محمد شاه إلى حضرة الباب ...............................................................

210

ﻫ) مخاوف الحاج ميرزا آقاسي وخططه ودوافعه ....................................................

212

آخر مراحل رحلة حضرة الباب إلى تبريز .....................................................................

215

أ) وصول الأحباء إلى قرية سياه دهان ...............................................................

215

ب) تدخل الحجة الزنجاني ...........................................................................

216

ج) وداع حضرة الباب لحراسه ......................................................................

217

د) ترحيب بحضرة الباب من قبل تلميذه الشاب ......................................................

218

وصول حضرة الباب إلى تبريز ................................................................................

219

أ) الترحيب الحماسي من أهالي تبريز ................................................................

219

ب) لقاء حضرة الباب بالحاج محمد تقي الميلاني والحاج علي عسكر ...............................

219

ج) رواية الحاج علي عسكر .........................................................................

220
الفصل الثالث عشر: حبس حضرة الباب في قلعة ماه كو

رواية السيد حسين اليزدي .....................................................................................

223

موقع ماه كو، ووصف سكانها .................................................................................

223

تعلق سكان ماه كو بحضرة الباب ..............................................................................

224

وصول الشيخ حسن الزنوزي، ورسالة حضرة الباب له ........................................................

226

رؤيا علي خان الماه كوئي .....................................................................................

226
الصفحة

تغير مسلك علي خان ..........................................................................................

227

الإشارة إلى "البيان" الفارسي ...................................................................................

228

زيارة تلاميذ حضرة الباب إلى ماه كو .........................................................................

231

أحداث في حياة حضرة الباب في ماه كو .......................................................................

232

رؤيا حضرة الباب قبل إعلانه الدعوة ..........................................................................

232

المصائب التي حلت بمحمد شاه وحكومته .......................................................................

233

مغادرة الملاّ حسين من مشهد للحج إلى ماه كو .................................................................

234

أ) الهدف من مغادرته ...............................................................................

234

ب) زيارته إلى طهران ..............................................................................

235

ج) وصوله إلى ماه كو ورؤيا علي خان ............................................................

235

كلمات حضرة الباب إلى الملاّ حسين ...........................................................................

238

اتهام علي خان، وبالتالي نقل حضرة الباب إلى چهريق .........................................................

239

وداع حضرة الباب للملاّ حسين ................................................................................

239
الفصل الرابع عشر: رحلة الملاّ حسين إلى مازندران

مغادرة الملاّ حسين إلى طهران ................................................................................

241

إقامته في منزل القدوس في بارفروش ..........................................................................

241

ملاحظات بخصوص الحاج ميرزا آقاسي والملاّ حسين .........................................................

243

تعليمات القدوس للملاّ حسين ...................................................................................

244

مقابلة الملاّ حسين مع سعيد العلماء .............................................................................

245

مغادرة الملاّ حسين، ووصوله إلى مشهد .......................................................................

246
الصفحة

الفصل الخامس عشر: رحلة الطاهرة من كربلاء إلى خراسان

الإشارة إلى حضرة بهاءالله ....................................................................................

248

رسالة حضرة الباب إلى الأحباء ................................................................................

248

استجابة الطاهرة لنداء حضرة الباب ............................................................................

248

أ) نشاطاتها في كربلاء ..............................................................................

249

ب) نشاطاتها في بغداد ..............................................................................

251

ج) إقامتها في كرمانشاه وهمدان .....................................................................

251

د) حبسها في قزوين .................................................................................

254

1- إجابتها للملاّ محمد .........................................................................

254

2- وصول الملاّ عبد الله واغتيال الملاّ تقي ....................................................

255

3- سجن المتهم في طهران، وتوسط حضرة بهاءالله وحبسه ....................................

256

4- تقديم الطلب إلى محمد شاه .................................................................

257

5- إعدام أول شهيد بهائي في إيران ...........................................................

258

6- موقف الحاج ميرزا آقاسي وتدخل الصدر الأردبيلي ........................................

258

7- مذبحة قزوين ..............................................................................

259

8- تأثير المذبحة في طهران ...................................................................

260

ﻫ) خلاصها على يد حضرة بهاءالله ..................................................................

261

1- نقلها إلى طهران ...........................................................................

261

2- نتائج مغادرتها قزوين ......................................................................

262

3- موقفها من حضرة الباب وحضرة بهاءالله ...................................................

262

و) مغادرتها إلى خراسان ............................................................................

264
الصفحة

1- تعليمات حضرة بهاءالله إلى آقا كليم ........................................................

264

2- مغادرتها طهران ...........................................................................

264
الفصل السادس عشر: مؤتمر بدشت

مغادرة حضرة بهاءالله طهران .................................................................................

265

مغادرة القدوس إلى مازندران ..................................................................................

265

لقاء حضرة بهاءالله بالقدوس في شاهرود .......................................................................

268

وصولهم إلى بدشت ............................................................................................

269

أ) أهمية الاجتماع في بدشت .........................................................................

269

ب) رواية الشيخ أبو تراب ...........................................................................

269

ج) الاختلافات بين الأحباء ..........................................................................

271

د) التوافق الذي حققه حضرة بهاءالله .................................................................

273

ﻫ) مغادرة بدشت ....................................................................................

274

حادثة نيالا كما رواها حضرة بهاءالله ..........................................................................

275

نتائج تلك الحادثة ..............................................................................................

276
الفصل السابع عشر: حبس حضرة الباب في قلعة چهريق

موقف سكان چهريق من حضرة الباب .........................................................................

278

تعليمات حضرة الباب إلى الخادم ...............................................................................

279

قبول العلماء وموظفي الحكومة للدعوة الإلهية ..................................................................

280

أ) ميرزا محمد علي وأخوه ..........................................................................

280

ب) ميرزا أسد الله ...................................................................................

281

ج) درويش من الهند ................................................................................

281
الصفحة

الطلب من الأحباء مغادرة چهريق ..............................................................................

282

الحادثة الخاصة بميرزا محمد علي .............................................................................

283
الفصل الثامن عشر: التحقيق مع حضرة الباب في تبريز

زيارته إلى أروميه .............................................................................................

285

وصوله إلى تبريز .............................................................................................

288

التحقيق معه من قبل العلماء ....................................................................................

291

الإهانة الموجهة إليه ...........................................................................................

295

عودته إلى چهريق، ورسالته إلى الحاج ميرزا آقاسي ...........................................................

297
الفصل التاسع عشر: ملحمة مازندران

مغادرة الملاّ حسين مشهد ......................................................................................

300

وفاة محمد شاه .................................................................................................

301

نداء سعيد العلماء إلى سكان بارفروش .........................................................................

302

هجوم سكان بارفروش على الملاّ حسين وأصحابه ..............................................................

304

صد الملاّ حسين للهجوم .......................................................................................

305

رواية ميرزا محمد الفروغي ...................................................................................

306

استسلام سكان بارفروش .......................................................................................

309

إعادة المحاولة من أصحاب الملاّ حسين لرفع الأذان ...........................................................

312

غارة من خان سبزه ميدان .....................................................................................

312

توسط أعيان بارفروش .........................................................................................

312

التعليمات الموجهة إلى خسرو القاديكلائي ......................................................................

314

حادثة في غابة مازندران ......................................................................................

315
الصفحة

الوصول إلى مرقد الشيخ الطبرسي .............................................................................

316

رؤيا حارس مرقد الشيخ الطبرسي .............................................................................

317

هجوم خيالة قاديكلا وصدّه .....................................................................................

318

زيارة حضرة بهاءالله إلى قلعة الشيخ الطبرسي .................................................................

321

تحرير القدوس .................................................................................................

322

الإشارة إلى الرايات السود .....................................................................................

323

حبس القدوس في منزل ميرزا محمد تقي .......................................................................

323

وصول القدوس إلى قلعة الشيخ الطبرسي .......................................................................

324

رواية ميرزا محمد الفروغي ...................................................................................

325

أحداث في قلعة الشيخ الطبرسي بخصوص االقدوس ............................................................

326

رسالة سعيد العلماء إلى ناصر الدين شاه .......................................................................

330

حشد جيش عبد الله خان التركماني قرب قلعة الشيخ الطبرسي ..................................................

332

الغارة الأولى من قلعة الشيخ الطبرسي .........................................................................

334

رسالة الأمير مهدي قلي ميرزا إلى الملاّ حسين ................................................................

335

الغارة الثانية من قلعة الشيخ الطبرسي ..........................................................................

337

جرح القدوس ..................................................................................................

339

اجتهاد حضرة بهاءالله للانضمام إلى المدافعين عن قلعة الشيخ الطبرسي .......................................

341

الإشارة إلى نشاطات حضرة بهاءالله قبل إعلانه دعوته .........................................................

347
الفصل العشرون: ملحمة مازندران (تكملة)

الغارة الثالثة، وسقوط الملاّ حسين ..............................................................................

350

اللحظات الأخيرة من حياة الملاّ حسين .........................................................................

352
الصفحة

الإشارة إلى دفنه وإنجازاته .....................................................................................

352

تحذير القدوس لأصحابه .......................................................................................

355

خيانة السيد حسين المتولي .....................................................................................

355

هجوم عباس قلي خان اللاريجاني ..............................................................................

356

الغارة الرابعة، والهزيمة الساحقة للأعداء ......................................................................

357

إرسال المدفعية من طهران ....................................................................................

359

كرب المحاصرين .............................................................................................

359

نصائح القدوس إلى أصحابه ....................................................................................

360

الغارة الخامسة، ومقتل جعفر قلي خان .........................................................................

363

تفاقم كرب الأصحاب ..........................................................................................

364

إعلان القدوس .................................................................................................

365

الغارة السادسة والأخيرة .......................................................................................

366

تشاور الأمير مع رؤساء أركانه ................................................................................

366

حادثة رواها آقا كليم ...........................................................................................

366

انسحاب عدد من الأصحاب ووقوعهم في الأسر ................................................................

368

قسم الأمير بضمان سلامة المحاصرين .........................................................................

368

ترك القلعة .....................................................................................................

370

أسر عدد من الأصحاب ........................................................................................

372

المذبحة العامة .................................................................................................

372

مصير ثلاثة من الأصحاب .....................................................................................

373

استشهاد القدوس ...............................................................................................

378

قائمة بأسماء الشهداء ...........................................................................................

383
الصفحة
الفصل الحادي والعشرون: شهداء طهران السبعة

آثار كارثة مازندران على حضرة الباب ........................................................................

399

إرسال السياح إلى مرقد الطبرسي ..............................................................................

400

زيارة السياح إلى طهران، ولقاؤه مع حضرة بهاءالله ............................................................

401

نبذة عن أوائل أيام حياة النبيل ..................................................................................

403

إعدام الشهداء السبعة ...........................................................................................

414

أ) الحاج ميرزا سيد علي ............................................................................

414

ب) ميرزا قربان علي ...............................................................................

417

ج) الحاج الملاّ إسماعيل القمي ......................................................................

420

د) السيد حسين الترشيزي ...........................................................................

422

ﻫ) الحاج محمد تقي الكرماني .......................................................................

423

و) السيد مرتضى ...................................................................................

424

ز) محمد حسين المراغي ............................................................................

424

أحداث رواها حضرة بهاءالله ...................................................................................

428

دفن الشهداء السبعة ............................................................................................

429
الفصل الثاني والعشرون: ملحمة نيريز

رحلة وحيد إلى طهران ويزد ..................................................................................

431

الاحتفال بعيد النوروز في يزد .................................................................................

432

نشاطات نواب رضوي ........................................................................................

434

هيجان العدو وهزيمته ..........................................................................................

436

إعلان وحيد إلى أهالي يزد ....................................................................................

437
الصفحة

صد قوات العدو قرب قلعة نارين ..............................................................................

438

بلاغ وحيد إلى سكان يزد ......................................................................................

438

الغارة التي أمر بها وحيد ......................................................................................

438

مغادرة زوجة وحيد إلى منزل والدها ...........................................................................

439

تعليمات وحيد إلى خادمه حسن .................................................................................

439

مغادرة وحيد إلى نيريز .......................................................................................

440

نداء وحيد إلى أهالي نيريز .....................................................................................

443

الغارة الأولى من قلعة خواجه ..................................................................................

447

الغارة الثانية من قلعة خواجه ..................................................................................

447

توزيع المهام في القلعة .........................................................................................

448

اعتراض رسالة زين العابدين خان .............................................................................

448

تجديد النداء إلى الأمير فيروز ميرزا ...........................................................................

449

الغارة الثالثة من قلعة خواجه ...................................................................................

450

أسماء الشهداء .................................................................................................

451

قسم الأعداء بالتوصل إلى السلم ................................................................................

453

استجابة وحيد لدعوة الأعداء ...................................................................................

453

رسالة وحيد إلى أصحابه، وخيانة الحاج السيد عابد .............................................................

455

أسر الأصحاب ................................................................................................

456

استشهاد وحيد .................................................................................................

457

مصير أصحاب وحيد ..........................................................................................

459
الصفحة
الفصل الثالث والعشرون: استشهاد حضرة الباب

دوافع أمير النظام لإعدام حضرة الباب .........................................................................

464

أوامر أمير النظام إلى نواب حمزة ميرزا ......................................................................

467

تخلص حضرة الباب من وثائقه ................................................................................

468

وصول حضرة الباب إلى تبريز ................................................................................

469

الأمر الصادر من أمير النظام ..................................................................................

469

حبس حضرة الباب في الثكنات ................................................................................

470

الحادثة التي رواها السيد حسين ................................................................................

470

تحذير حضرة الباب للفراش باشي ..............................................................................

471

رفض ميرزا محمد علي إنكار عقيدته ..........................................................................

471

إصدار فتوى قتل حضرة الباب ................................................................................

472

طلب سام خان من حضرة الباب ...............................................................................

473

معجزة نجاة حضرة الباب ......................................................................................

474

استعفاء الفراش باشي ..........................................................................................

476

استعفاء سام خان ..............................................................................................

476

المحاولة الثانية والأخيرة للقضاء على حضرة الباب ............................................................

477

رواية الحاج علي عسكر .......................................................................................

481

نقل رفات حضرة الباب إلى طهران ............................................................................

484

الإشارة إلى ميرزا آقا خان النوري .............................................................................

484

نتائج استشهاد حضرة الباب ....................................................................................

486
الصفحة
الفصل الرابع والعشرون: ملحمة زنجان

الإشارة إلى بلايا حضرة الباب .................................................................................

490

نشاطات الحجة قبل إيمانه ......................................................................................

492

قبول الحجة لدعوة حضرة الباب ...............................................................................

493

اتهام الحجة واستدعاؤه إلى طهران .............................................................................

494

رسالة حضرة الباب إلى الحجة .................................................................................

495

تجدد الشكاوى ضد الحجة، ونقله إلى طهران ...................................................................

496

وصول حضرة الباب إلى زنجان ومغادرته إلى تبريز ..........................................................

497

حبس الحجة في طهران ........................................................................................

500

نجاة الحجة من الحبس ومغادرته إلى زنجان ...................................................................

501

ظروف هجوم الأعداء على الحجة وأصحابه ...................................................................

503

تهيؤ الأعداء لمواصلة الهجوم ..................................................................................

504

دخول الحجة إلى قلعة علي مردان خان ........................................................................

507

محاولة هجوم من قبل سيد .....................................................................................

507

إرشادات الحجة لأصحابه ......................................................................................

508

تكليف أمير النظام لصدر الدولة بحصار القلعة .................................................................

508

معاناة المحاصرين وجهودهم والإغراءات التي تعرضوا لها ....................................................

510

بطولة زينب، الفتاة القروية ....................................................................................

511

تأثير الإجهار بالدعاء من قبل الأصحاب .......................................................................

514

عريضة الحجة إلى ناصر الدين شاه ............................................................................

515

اعتقال حامل العريضة وإرسال التعزيزات .....................................................................

516

تأثير خبر استشهاد حضرة الباب على الأصحاب ...............................................................

516
الصفحة

إرسال الأمير تومان للمزيد من التعزيزات .....................................................................

517

لقاء عزيز خان المكري بالحجة ................................................................................

517

الانقضاض على القلعة .........................................................................................

518

تحذير أمير النظام إلى الأمير تومان ............................................................................

518

صد الهجوم المشترك للأعداء ..................................................................................

519

وفاة محسن ....................................................................................................

520

حفلات زفاف في القلعة ........................................................................................

520

وفاة خمسة من أبناء الكربلائي عبد الباقي ......................................................................

521

بطولة أم أشرف ...............................................................................................

522

العون المقدم من النسوة ........................................................................................

522

محاولة الأمير تومان خداع الأصحاب ..........................................................................

523

نصيحة الحجة لأصحابه .......................................................................................

526

استئناف هجوم الأعداء .........................................................................................

527

إصابة الحجة ..................................................................................................

528

الاستيلاء على القلعة، وتأثيره على المحاصرين ................................................................

529

صد الهجمات اللاحقة على الأصحاب ..........................................................................

530

مشورة الأمير تومان مع مساعديه ..............................................................................

530

حفر سراديب تحت الأرض ....................................................................................

530

وفاة زوجة الحجة وطفله .......................................................................................

531

وفاة الحجة ودفنه ..............................................................................................

531

المعركة الأخيرة ...............................................................................................

532

المعاملة التي لقيها الناجون .....................................................................................

532
الصفحة

الإساءة لجثمان الحجة، ومصير عائلته .........................................................................

537

عدد الشهداء ...................................................................................................

538

مصادر المعلومات .............................................................................................

538

الفصل الخامس والعشرون: رحلة حضرة بهاءالله إلى كربلاء ونتائجها

أحداث رواها حضرة بهاءالله ...................................................................................

540

لقاء النبيل بميرزا أحمد وحضرة بهاءالله في كرمانشاه ..........................................................

543

الإشارة إلى السيد بصير الهندي ................................................................................

545

دوافع مغادرة حضرة بهاءالله إلى كربلاء .......................................................................

547

مغادرة النبيل مع ميرزا أحمد إلى طهران ......................................................................

547

نشاطات حضرة بهاءالله في كربلاء ............................................................................

548

الفصل السادس والعشرون: الشروع في قتل الشاه ونتائجه

وفاة أمير النظام ...............................................................................................

551

عودة حضرة بهاءالله إلى طهران ...............................................................................

553

مقابلة حضرة بهاءالله مع "عظيم" ...............................................................................

553

محاولة اغتيال الشاه ...........................................................................................

553

سجن حضرة بهاءالله في سياه چال .............................................................................

557

مصير الذين حاولوا قتل الشاه ..................................................................................

565

عهد الرعب ...................................................................................................

567

الإشارة إلى الحاج سليمان خان ................................................................................

570

الإشارة إلى توبة أمير النظام ...................................................................................

571

حادثة رواها حضرة الغصن الأعظم ...........................................................................

571
الصفحة

استشهاد الحاج سليمان خان ....................................................................................

572

استشهاد الطاهرة ...............................................................................................

577

استشهاد السيد حسين ...........................................................................................

585

أحداث في سياه چال، كما رواها حضرة بهاءالله ................................................................

586

محاولات لإدانة حضرة بهاءالله ................................................................................

588

اعتراف "عظيم" ومقتله .........................................................................................

591

نهب ممتلكات حضرة بهاءالله في مازندران ....................................................................

591

نتائج الاضطرابات في يزد ونيريز .............................................................................

596

إطلاق سراح حضرة بهاءالله ونفيه إلى بغداد ...................................................................

604
***
فهرس الصور
الصورة الافتتاحية وهي ضريح حضرة الباب من الداخل
صور ألواح حضرة الباب لحروف الحي وحضرة بهاءالله:
صورة لوح أول حروف الحي الملاّ حسين البشروئي
صورة لوح ثاني حروف الحي محمد حسين (أخوه)
صورة لوح ثالث حروف الحي محمد باقر (ابن عمه)
صورة لوح رابع حروف الحي الملاّ علي البسطامي

صورة لوح خامس حروف الحي الملاّ خدا بخش القوچاني (تسمى فيما بعد بالملاّ علي)

صورة لوح سادس حروف الحي الملاّ حسن البجستاني
صورة لوح سابع حروف الحي السيد حسين اليزدي

صورة لوح ثامن حروف الحي ميرزا محمد روضة خان اليزدي

صورة لوح تاسع حروف الحي سعيد الهندي
صورة لوح عاشر حروف الحي الملاّ محمود الخوئي

صورة لوح الحادي عشر من حروف الحي الملاّ جليل الأرومي

صورة لوح الثاني عشر من حروف الحي الملاّ أحمد إبدال المراغي

صورة لوح الثالث عشر من حروف الحي الملاّ باقر التبريزي

صورة لوح الرابع عشر من حروف الحي الملاّ يوسف الأردبيلي

صورة لوح الخامس عشر من حروف الحي ميرزا هادي (ابن الملاّ عبد الوهاب القزويني)

صورة لوح السادس عشر من حروف الحي ميرزا محمد علي القزويني

صورة لوح السابع عشر من حروف الحي الطاهرة
صورة لوح الثامن عشر من حروف الحي القدوس
صورة اللوح التاسع عشر لحضرة الباب نفسه
صورة اللوح العشرين لحضرة بهاءالله "من يظهره الله"
الصفحة

محمد الزرندي، الملقب ﺑ"النبيل الأعظم" ..................................................................

LXXXVIII

الشيخ أحمد الأحسائي ....................................................................................

XCII

منظر عام للنجف ........................................................................................

5

فتح علي شاه وأنجاله ....................................................................................

7

رسم ميرزا بزرگ (والد حضرة بهاءالله) ................................................................

9

منظر كربلاء ............................................................................................

23

مدخل ضريح الإمام الحسين في كربلاء ..................................................................

24

ضريح الإمام الحسين في كربلاء ........................................................................

25

منظر الكاظمين ..........................................................................................

37

جانب من مسجد براثة ...................................................................................

38

موقع مرقد السيد كاظم (وأزيل الآن الشاهد) .............................................................

39

منزل الملاّ حسين في بشرويه ...........................................................................

43

مناظر مسجد إيلخاني في شيراز .........................................................................

45

منظر عام لشيراز .......................................................................................

46

الغرفة التي تقابل فيها حضرة الباب مع الملاّ حسين في مسجد إيلخاني ....................................

47

شجرة البرتقال التي غرسها حضرة الباب في فناء منزله في شيراز .......................................

48

موقد حضرة الباب وسماوره .............................................................................

49

الغرفة (في الجهة اليسرى) التي ولد فيها حضرة الباب في شيراز ........................................

50

ضواحي شيراز حيث كان يتنزه حضرة الباب ............................................................

50

مناظر الغرفة العليا في منزل حضرة الباب في شيراز حيث أعلن دعوته .................................

52

مناظر منزل حضرة الباب في شيراز تظهر غرفة نومه وغرفة والدته وغرفة جلوسه .....................

55
الصفحة

مناظر منزل حضرة الباب في شيراز حيث أعلن دعوته، ويبدو الباب والشباك

الأصليين، والدرجات المؤدية إلى غرفة إعلان الدعوة، والمدخل ....................................

57

مناظر الحمّام العمومي في شيراز، الذي ذهب إليه حضرة الباب في صباه ................................

61

أطلال ومدخل مقهى الأولياء في شيراز، المدرسة التي ذهب إليها حضرة الباب ..........................

65

الشجرة المدلة على مرقد نجل حضرة الباب الطفل في باب دختران، شيراز ..............................

67

مرقد زوجة حضرة الباب في شاه چراغ، شيراز .........................................................

67

صورة خط يد الطاهرة ..................................................................................

69

موقع بوابة كازران، شيراز ..............................................................................

77

سوق الوكيل، شيراز ....................................................................................

77

مدرسة نيم آورد، إصفهان ...............................................................................

85

مناظر طهران ...........................................................................................

92

آقا كليم، أخو حضرة بهاءالله .............................................................................

93

مناظر منزل حضرة بهاءالله في طهران ..................................................................

94

الطريق المؤدي إلى أطلال منزل حضرة بهاءالله الأصلي في تاكر، مازندران ............................

98

أطلال منزل حضرة بهاءالله في تاكر، مازندران .........................................................

99

الكتابة التي نقشها الوزير، ميرزا بزرگ، فوق باب منزله في تاكر، مازندران ............................

100

مناظر المنزل الذي كان حضرة بهاءالله يقطنه في تاكر، مازندران .......................................

102

مناظر غرفة حضرة عبدالبهاء في تاكر ..................................................................

103

مناظر مسجد گوهر شاد في مشهد، تظهر المنبر الذي كان الملاّ حسين يبلّغ منه ..........................

112

منظر "البابية" في مشهد ..................................................................................

113

منظر "البابية" في مشهد ..................................................................................

114

رسم مكة المكرمة .......................................................................................

117
الصفحة

القفطان الذي كان حضرة الباب يرتديه تحت الجبة .......................................................

121

القلنسوة التي كان حضرة الباب يلف العمامة حولها .......................................................

122

لباس الإحرام الذي ارتداه حضرة الباب في طوافه حول الكعبة المشرفة ..................................

123

رسم المدينة المنورة .....................................................................................

125

مناظر مسجد نوّ .........................................................................................

131

مناظر مسجد الوكيل، شيراز، تظهر قسمًا من الداخل، والمنبر الذي اعتلاه

حضرة الباب مخاطبًا المصلين، والمدخل ...........................................................

139

مناظر منزل والد القدوس في بارفروش ..................................................................

166

السيد جواد الكربلائي ....................................................................................

171

داخل منزل الحاج ميرزا سيد علي في شيراز (خال حضرة الباب) .......................................

174

منزل الحاج ميرزا سيد علي (خال حضرة الباب) ........................................................

176

منظر إصفهان ...........................................................................................

181

مناظر منزل إمام الجمعة في إصفهان، تظهر المدخل والفِناء .............................................

182

مناظر مسجد الجمعة في إصفهان، تظهر المنبر الذي صلى حضرة الباب أمامه ...........................

185

مناظر منزل معتمد الدولة في إصفهان ...................................................................

188

منظر عمارة خورشيد في إصفهان، وأطلال القسم الذي شغله حضرة الباب ...............................

192

منوچهر خان، معتمد الدولة ..............................................................................

193

منظر كاشان ............................................................................................

197

بوابة العطار، كاشان ....................................................................................

199

مناظر منزل الحاج ميرزا جاني في كاشان، تظهر الغرفة التي شغلها حضرة الباب .......................

200

مناظر قم، تظهر حرم المعصومة ........................................................................

203

قرية قمرود .............................................................................................

205
الصفحة

أطلال قلعة كنارگرد .....................................................................................

206

مناظر قرية كلين ........................................................................................

207

محمد شاه ...............................................................................................

209

الحاج ميرزا آقاسي ......................................................................................

214

منظر عام لتبريز ........................................................................................

216

قلعة تبريز حيث سجن حضرة الباب ويظهر داخل وخارج (x) غرفة حبسه ..............................

218

قلعة ماه كو .............................................................................................

221

منظر ميلان في آذربيجان ...............................................................................

236

المنازل التي عاشت فيها الطاهرة في قزوين .............................................................

252

مكتبة الطاهرة في منزل والدها في قزوين ويظهر أحد اقاربها ............................................

253

قرية شاهرود ............................................................................................

268

قرية بدشت ..............................................................................................

270

الهودج الفارسي .........................................................................................

273

قلعة چهريق .............................................................................................

277

المنزل الذي شغله حضرة الباب في أروميه وتظهر الغرفة العليا (بالاخانه) (x)

التي سكنها .........................................................................................

287

ناصر الدين شاه طفلاً وميرزا أبو القاسم القائم مقام على يمينه والحاج ميرزا

آقاسي على يساره، وفي أقصى اليسار (x) منوچهر خان، معتمد الدولة .............................

289

ناصر الدين شاه .........................................................................................

290

ناصر الدين شاه .........................................................................................

291

مشاهير المجتهدين في إيران .............................................................................

293

نمازخانه شيخ الإسلام في تبريز .........................................................................

294
الصفحة

الركن (x) الذي جلد فيه حضرة الباب على قدميه ........................................................

295

قرية نيشاپور ............................................................................................

301

مناظر قرية ميامى، تظهر خارج وداخل المسجد الذي صلى فيه الملاّ حسين

وأصحابه ..........................................................................................

303

منزل سعيد العلماء في بارفروش، مازندران .............................................................

310

مناظر خان سبزه ميدان في مازندران ....................................................................

311

ضريح الشيخ الطبرسي ..................................................................................

318

مناظر قلعة الطبرسي، تظهر قبر الشيخ وموقع الحصن الذي ضم الضريح ...............................

320

مدخل ضريح الشيخ الطبرسي في مازندران .............................................................

322

مخططات ورسوم قلعة الشيخ الطبرسي ..................................................................

323

منزل ميرزا تقي، المجتهد، في ساري، مازندران ........................................................

325

قرية أفرا ................................................................................................

333

قرية شيرگاه .............................................................................................

334

قرية ريزآب ............................................................................................

336

قرية فيروزكوه ..........................................................................................

336

قرية وسكس .............................................................................................

336

منظر آمل ...............................................................................................

340

منزل حاكم آمل .........................................................................................

340

المكان (x) الذي فتحت فيه ثغرة في حائط المسجد .......................................................

344

مسجد آمل ..............................................................................................

345

الشجرة التي أصيب منها الملاّ حسين بمقذوف ............................................................

351

قرية ديزوا ..............................................................................................

369
الصفحة

مناظر مدرسة ميرزا زكي في بارفروش وهي مرقد القدوس .............................................

379

محمد رضا (أحد أصحاب القدوس، الذي نجا من ملحمة الشيخ الطبرسي) .................................

394

ميرزا أبو طالب (أحد أصحاب القدوس الذي نجا من ملحمة الشيخ الطبرسي) .............................

396

مناظر مسجد الشاه في طهران ...........................................................................

406

مدرسة ميرزا صالح في طهران .........................................................................

409

مدرسة الصدر في طهران، تظهر الغرفة (x) التي شغلها حضرة بهاءالله .................................

410

مدرسة دار الشفاء بمسجد الشاه في طهران ..............................................................

412

سبزه ميدان في طهران حيث استشهد العديد من الأحباء ..................................................

423

بوابة نوّ، طهران ........................................................................................

424

منظر عام ليزد ..........................................................................................

428

منزل وحيد في يزد ......................................................................................

432

مناظر قلعة نارين، يزد ..................................................................................

435

منظر عام لنيريز ........................................................................................

442

منزل وحيد في نيريز ....................................................................................

444

قلعة خواجه .............................................................................................

445

غرفة وحيد في القلعة ....................................................................................

445

المسجد الجامع في نيريز ................................................................................

454

موقع استشهاد الأصحاب في نيريز ......................................................................

458

قبور الشهداء في نيريز ..................................................................................

458

مرقد وحيد في نيريز ....................................................................................

461

ميرزا تقي خان، أمير النظام .............................................................................

463

سبحة حضرة الباب وخاتمه ..............................................................................

466
الصفحة

مصحف حضرة الباب ...................................................................................

466

أطلال منزل الملاّ محمد الممقاني، مجتهد تبريز ..........................................................

472

ساحة ثكنة تبريز حيث استشهد حضرة الباب والمكان (x) الذي علّق فيه

وأطلق عليه الرصاص .............................................................................

475

موقع الخندق الذي أحاط بتبريز، حيث طرح جثمان حضرة الباب ........................................

480

مناظر إمام زاده حسن في طهران، حيث حفظت رفات حضرة الباب .....................................

482

منظر زنجان ............................................................................................

489

مناظر المسجد الذي بناه أصحاب الحجة له ...............................................................

491

خان ميرزا معصوم الطبيب في زنجان، والغرفة (x) التي شغلها حضرة الباب ...........................

498

قبر أشرف (1) وقبر والدته (2) .........................................................................

521

مدخل منزل الحجة المتهدم في زنجان ....................................................................

528

الميدان في زنجان الذي ترك فيه جثمان الحجة معروضًا ثلاثة أيام .......................................

535

الحاج إيمان (x) أحد الناجين من ملحمة زنجان ..........................................................

536

قرية أفچه، قرب طهران (ويظهر منزل حضرة بهاءالله بين الأشجار) ....................................

554

منزل حضرة بهاءالله في أفچه، قرب طهران .............................................................

554

مرغ محله، مصيف حضرة بهاءالله في شميران ..........................................................

555

منظر نياوران قرب طهران .............................................................................

557

المفوضية الروسية في قرية زركنده ......................................................................

558

الجزء الجنوبي من طهران حيث كان يعدم المجرمون والذي قتل فيه العديد

من الشهداء البهائيين، وموقع سياه چال (x) .........................................................

563

عائلة بهائية استشهدت في إيران .........................................................................

566

اجتماع الأحباء حول جثمان شهيد ........................................................................

567
الصفحة

منزل الكلانتر في طهران حيث حبست الطاهرة (الغرفة العلوية خلف الشجرة

هي الغرفة التي سكنتها) ............................................................................

576

أزياء سيدات إيران في أواسط القرن التاسع عشر (المنزلي والخارجي) ...................................

579

موقع حديقة إيلخاني حيث استشهدت الطاهرة .............................................................

580

منظر عام لتاكر في مازندران ...........................................................................

592

أطلال منزل حضرة بهاءالله وكان ملكًا لوالده الوزير، في تاكر، مازندران ................................

593

منظر آباده ..............................................................................................

597

حديقة الرحمن، مدفن رؤوس شهداء نيريز ...............................................................

598

مناظر بغداد .............................................................................................

603

منزل حضرة بهاءالله في بغداد ...........................................................................

615

مناظر ضريح حضرة الباب مزينًا بالأنوار على جبل الكرمل .............................................

620

خريطة إيران ...........................................................................................

631
صفحة خالية
صور خط يد حضرة الباب في ألواحه
لحروف الحيّ وحضرة بهاءالله
صفحة خالية
صورة لوح حضرة الباب لأول حرف من حروف الحيّ
صفحة خالية
صورة لوح حضرة الباب إلى ثاني حرف من حروف الحيّ
صفحة خالية
صورة لوح حضرة الباب إلى ثالث حرف من حروف الحيّ
صفحة خالية
صورة لوح حضرة الباب إلى رابع حرف من حروف الحيّ
صفحة خالية
صورة لوح حضرة الباب إلى خامس حرف من حروف الحيّ
صفحة خالية
صورة لوح حضرة الباب إلى سادس حرف من حروف الحيّ
صفحة خالية
صورة لوح حضرة الباب إلى سابع حرف من حروف الحيّ
صفحة خالية
صورة لوح حضرة الباب إلى ثامن حرف من حروف الحيّ
صفحة خالية
صورة لوح حضرة الباب إلى تاسع حرف من حروف الحيّ
صفحة خالية

صورة لوح حضرة الباب إلى الحرف العاشر من حروف الحيّ

صفحة خالية

صورة لوح حضرة الباب إلى الحرف الحادي عشر من حروف الحيّ

صفحة خالية

صورة لوح حضرة الباب إلى الحرف الثاني عشر من حروف الحيّ

صفحة خالية

صورة لوح حضرة الباب إلى الحرف الثالث عشر من حروف الحيّ

صفحة خالية

صورة لوح حضرة الباب إلى الحرف الرابع عشر من حروف الحيّ

صفحة خالية

صورة لوح حضرة الباب إلى الحرف الخامس عشر من حروف الحيّ

صفحة خالية

صورة لوح حضرة الباب إلى الحرف السادس عشر من حروف الحيّ

صفحة خالية

صورة لوح حضرة الباب إلى الحرف السابع عشر من حروف الحيّ

صفحة خالية

صورة لوح حضرة الباب إلى الحرف الثامن عشر من حروف الحيّ

صفحة خالية

صورة لوح حضرة الباب إلى الحرف التاسع عشر من حروف الحيّ

صفحة خالية
صورة لوح حضرة الباب لمن يظهره الله (بهاءالله)
صفحة خالية
مقدمة

اشتهرت الحركة البهائية الآن في جميع أنحاء العالم وجاء الوقت الذي فيه يهتم القراء بتصفح تاريخ النبيل الفريد عن أوائل حوادث هذه الحركة التي وقعت في أظلم عهود إيران. فهذا التاريخ الذي دُوّن برعاية وتكريس عظيمين مدهش من جهات متعددة. ففيه فقرات مثيرة للمشاعر، ويكتسب الكتاب قيمة تاريخية كبيرة وقوة معنوية فائقة نظرًا لبهاء مواضيعه الرئيسة وسنائها. فأنواره لامعة ذات أثر بليغ لأنها تبدو كالشمس الطالعة وسط ديجور الليل الحالك. والرواية عبارة عن ملاحم واستشهادات، وعديدة هي مناظرها المؤثرة وحوادثها المفجعة. ونجد كيف تكاتف الفساد والتعصب والقسوة ضد الحركة الإصلاحية للقضاء عليها، وينتهي هذا المجلد من التاريخ إلى حيث تكون سورة البغض والعدوان قد أتمت هدفها وانتهت في إيران بنفي وقتل كل رجل وامرأة وطفل يجرؤ على إظهار تعاطف مع تعاليم الباب.

وكان النبيل الذي شارك في بعض الأدوار التي يقصها قد أمسك بقلمه الفريد ليكتب الحقيقة عن رجال ونساء اضطُهدوا بلا رحمة ولا شفقة، وعن حركة انتُهكت بنحو خطير.

ويكتب تاريخه بسلاسة ويسر، وعندما تهيج مشاعره بقوة ينشط أسلوبه ويتفعّل. ولا يعرض دعاوى بهاءالله ومبشره وتعاليمهما بنظام معين. بل كان هدفه بسيطًا يتلخص في استرجاع بدايات الظهور البهائي وتخليد ذكرى مناقب أبطاله الأوائل. فيسرد سلسلة

من الأحداث ويتحرى مصدر كل خبر يرويه ويذكره بالدقة ويذكر اسم راويه. لذلك فإن لأثره الأدبي قيمة كبيرة كرواية حرفية متطابقة لما يعرفه أو يمكنه أن يكتشفه من مصادر موثوقة عن بدايات تاريخ الأمر، وإن كان ذلك الأثر الأدبي لا يعتمد كثيرًا على المهارة والفلسفة.

ومن أهم معالم تاريخه، التي تتحدث بلغة واضحة يمكن لأي قارئ أن يفهمها، نجد شخص الباب البطل القدسي الرئيس الوديع الهادئ الراسخ، ونجد إخلاص أتباعه في وجه الظلم بشجاعة وإقدام وأحيانًا بشغف ولذة، ونجد حنق المؤسسة الدينية المتعصبة أي العلماء الذين أشعلوا لمصالحهم الشخصية نيران التعصبات في قلوب العوام المتعطشين لسفك الدماء. وليس من السهل متابعة ذلك التاريخ بكل تفاصيله أو تقدير ذلك العمل المذهل الذي اضطلع به بهاءالله ومبشره دون الإطلاع ولو قليلاً على حالة النظام الديني والحكومي في إيران وعلى عقلية الشعب وعقلية رؤسائه. وقد اعتبر النبيل الحالة المذكورة بأنها معروفة للقارئ، لهذا كله رأينا أن نبسط للقارئ الغربي بعض المعلومات عن الموضوع، ذلك لأن النبيل لم يسافر خارج حدود بلاد الشاه والسلطان إلا نادرًا إن لم يكن قطعًا فلم يخطر بباله عمل مقارنة بين مدنية بلاده والمدنيات الأجنبية. ولم يكن يخاطب القارئ الغربي. ومع أنه كان يعلم أن المعلومات التي جمّعها سوف لا تقتصر في ذيوعها على أهل وطنه أو على البلاد الإسلامية وأنها لا بد أن تذاع في القريب العاجل شرقًا وغربًا حتى تعم العالم، ومع ذلك فهو شرقي يكتب بلغة شرقية لأولئك الذين يستخدمون تلك اللغة، وكان العمل الأدبي الذي أنجزه فريدًا عظيمًا شاقًا.

وهناك كتابات أدبية بالإنگليزية عن إيران في القرن التاسع عشر تعطي القارئ الغربي معلومات وافية حول الموضوع. كما يمكنه أن يجد في بعض الكتابات الفارسية التي ترجمت إلى اللغات الأجنبية، وفي كتب السائحين من الأورپيين أمثال اللورد كرزون والسير ج. مالكولم وكثير غيرهما، صور واقعية واضحة، وإن كانت غير جميلة، عن الأحوال الفاسدة التي كان على الباب أن يواجهها عندما أسس الحركة في أواسط القرن التاسع عشر.

ويتفق المراقبون جميعهم على أن إيران مملكة ضعيفة متأخرة منقسمة على نفسها بما دبّ فيها من عوامل الرشوة والتعصبات الوحشية. وامتلأت البلاد بالبؤس والتعاسة وعدم الفاعلية نتيجة الانحلال الخلقي. فمن أعلى درجات المجتمع إلى أدناها لم تبدُ هناك قدرة على خلق وسائل للإصلاح أو حتى الإرادة الجادة لتأسيس الإصلاحات. فالغرور القومي جعل الناس راضين بعظمة موهومة. فلبست جميع الأشياء رداء الجمود وأصبح التقدم مستحيلاً من تأثير الشلل العقلي العام.

ومما يؤسف له ما يظهر لدارس التاريخ من عوامل الفساد التي دبت في أمة كان لها نفوذ وعظمة في الماضي. وكان عبدالبهاء، رغم المظالم التي وقعت على بهاءالله والباب وعليه شخصيًا، يحب أمّته، ويسمي ذلك الانحطاط في كتابه "أسرار المدنية الإلهية" بمأساة الأمة، وفي كتاب "قوى الحضارة الخفية" سعى لتحريك قلوب مواطنيه للعمل على إصلاحات جذرية، وكان ينوح على ما آل إليه حال ذلك الشعب بعد أن كان في الأزمان القديمة يمد فتوحاته شرقًا وغربًا ويقود المدنية الإنسانية. وكتب يقول: "إن إيران كانت في الأزمان الخالية قلب العالم وأضاءت بين جميع الأمم كالسراج الوهاج وأخذ مجدها ورخاؤها يظهران في أفق الإنسانية كالفجر الصادق الناشر لأنوار المعرفة وأضاءت أمم الشرق والغرب. وكانت شهرة ملوكها الظافرين قد وصلت أسماع سكان قطبَي الأرض. وكانت عظمة ملك الملوك فيها قد أخضعت وأذلّت ملوك اليونان وروما وامتلأ جميع الحكماء رهبة من حكمتهم في الحكم واحتذى ملوك العالم حذوها في صياغة القوانين مقتفين آثارها ومتتبعين سياستها. وامتاز الفرس من بين ملل الأرض بأنهم أمة الفتوحات، وكانت جديرة بالإعجاب لحضارتها وعلومها. وأصبحت بلادهم مركزًا للعلوم والمعارف والصنائع ومعدنًا للتربية والثقافة ومنبعًا للفضائل والكمالات... والآن انظر كيف أظلمت أشعة السعادة والرخاء في هذه المملكة الفائقة وأشرفت على الزوال بسبب ما دبّ فيها من عوامل الكسل والغرور وعدم المبالاة وانعدام التعليم وفقد التنظيم وزوال الحماس والطموح!"

كما وصف هذه الأحوال التعيسة التي تكلم عنها عبدالبهاء كتّاب آخرون.

ففي الوقت الذي أعلن فيه الباب دعوته كانت حكومة البلاد، حسب ما قاله اللورد كرزون، "عبارة عن حكومة دينية مرتشية قاسية فاسقة. وكان الإسلام المتشدد هو الأساس الذي استولى على شئون الحكومة وحياة الأهالي الاجتماعية. وليس سواها من قوانين ولا أحكام ولا مواثيق يسترشد بها في العلاقات العامة. ولم يكن لديهم مجلس أعيان ولا مجلس نواب ولا مجمع ديني ولا مجلس لوزراء الدولة بل كان الشاه هو الحاكم المطلق المستبد وأمره نافذ على جميع الموظفين من وزير أو حاكم إلى أحقر كاتب أو أقصى زعيم. ولا توجد محكمة مدنية لتوقف أو تعدل أحكامه أو تحد من السلطة التي يعطيها لأي مرؤوس. وإذا كان هناك قانون فهو كلمته، فله أن يفعل ما يشاء ويعين أو يطرد الوزراء أو الموظفين والضباط والقضاة. وله وحده السلطة على حياة أو موت أي فرد من أفراد أسرته أو حاشيته سواء كانوا مدنيين أو حربيين فهو وحده يملك حكم الإعدام وبيده جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية فلا حد لامتيازه ولا رادع من قانون مكتوب.

وكان أنجال الشاه يوظفون في الحكومة ويحشرون في الوظائف التي تدر عليهم بالخيرات في طول البلاد وعرضها وبمرور الأجيال ملأوا أيضًا الوظائف الصغيرة مما لا يعد ولا يحصى حتى أثقلوا كاهل البلاد بهذا الجيش الجرار من الزنابير الملكية الذين لا سبب لتوليتهم المناصب الحكومية إلا مجرد دمهم الملكي حتى اشتهر بسبب ذلك مثل قائل ’إن الجِمال والقمل والأمراء موجودون في كل مكان.‘

وحتى إذا أراد الشاه أن يحكم في مسألة أو يتخذ قرارًا بالعدل والصواب في أية قضية ترفع إليه فلا يستطيع ذلك لأن المعلومات التي تصله لا يمكن التعويل عليها إذ يعمل الوزراء الفاسدون وغيرهم من ذوي المصالح على إخفاء الحقائق عنه أو تقديمها إليه مشوهة. أما نظام الرشوة فأصبح في إيران نافذًا ومن الأنظمة المعترف بها ووصفها اللورد كرزون بما يأتي:

﴿والآن آتي على وصف نظام الإدارة الإيرانية الأساسي الفريد. فإن الحكومة بل الحياة نفسها في تلك المملكة يمكن أن يقال عنها أنها عبارة عن تبادل الهدايا. وقد يظن

من الوجهة الاجتماعية أن هذه العادة إنما تعبر عن إحساس شعب ودود ولو أن لها هنا وجهًا مظلمًا غير عاطفي عندما يهنئ المهدى له نفسه على استلام هدية ثم يجد أن عليه أن يعيد مثلها للواهب، فضلاً عن إلزامه أيضًا بأن يهدي لحامل الهدية جزءًا نسبيًا لقيمتها وأحيانًا يكون ذلك هو كل ما يملكه المهدى له بل وربما ما يقتات به. أما من الوجهة السياسية فإن عادة الإهداء ولو أنها متعلقة بقواعد وتقاليد الشرق الجامدة إلا أنها تنطبق كل الانطباق على ذلك النظام غير المشرف. وهو الذي اتبعته حكومة إيران من قرون عديدة وهو الذي يقف حجر عثرة في سبيل الإصلاح الحقيقي. فمن الشاه إلى أصغر موظف لا يوجد مسؤول لا يقبل الهدايا ولا تكاد توجد وظيفة لا يكون التعيين فيها بغير الهدايا ولا يوجد إيراد مكدس إلا من الهدايا وكل موظف يشتري وظيفته بمبلغ يقدمه إما إلى الشاه مباشرة أو للوزير أو الحاكم الأعلى الذي يعينه. وإذا كان لوظيفة واحدة جملة طلاب فالذي تكون هديته أكبر هو الذي يكون مقبولاً فيها.

... إن نظام "المداخل" من الأنظمة القومية المحبوبة في إيران، ويعتبر تحصيلها بآلاف الطرق والأشكال التي تتعدد تدابير تحصيلها بتعداد أنواعها، قمة مصالح ومباهج المواطن الإيراني ويقول السيد واطسون أنه لا توجد أي كلمة في اللغة الإنگليزية يمكن أن تعبر بدقة عن هذا النظام. فيمكن ترجمة كلمة "مداخل" بكلمات العمولة والمنحة والرشوة والمكافأة والغنيمة والنشل والمربح، وذلك تبعًا للسياق الحاضر التي استعملت فيها. وتعني بوجه عام ذلك التوازن في المنفعة الشخصية التي يعبر عنها بمبلغ من النقود مما يُدفع لقاء كل معاملة. فيصح وجودها أثناء مفاوضة بين فريقين يعتبر أحدهما متبرعًا والآخر مستلمًا أو بين رئيس ومرؤوس وفيما بين اثنين من المتعاملين المتعاقدين المتكافئين في إيران ولا بد أن يكون أحد الفريقين هو الدافع للهدية لغرض الحصول على منفعة والآخر هو الذي يستلم مبلغًا معينًا من النقود في مقابل الخدمة التي يؤديها له. ويمكن الاعتراض طبعًا بأن الطبيعة البشرية هي واحدة في كل مكان في العالم وأن مثل هذا النظام موجود في مملكتنا كما هو في الممالك الأخرى تحت اسم آخر، وأن الناقد الفيلسوف سيرحب في الإيراني رجلاً وأخًا. ورغمًا من أن هذا الاعتراض وجيه إلى حد ما، إلا أنني لم أشاهد أو أسمع

بأي دولة في العالم يوجد فيها نظام مكشوف إلى هذا الحد ومنتشر بشكل عام ولا حياء فيه كما هو الحال في إيران. وفضلاً عن أنه لم يكن قاصرًا على دائرة الاقتصاد المحلي أو المعاملات التجارية فإنه يتغلغل في كل عمل ويقترن بجميع المرافق الحياتية. وبمزاولته محيت صفة الكرم أو الخدمة المجانية من قائمة الفضائل الاجتماعية في إيران ورُفع الجشع إلى منزلة المبدأ الرئيس في السلوك الإنساني... وقد تأسست بسبب ذلك سلسلة من الهيئات المتوالية الحسابية للسلب والنهب من الملك إلى أفراد الرعية، وكل وحدة في السلم التنازلي تنتفع من الوحدة التالية الأدنى في الرتبة، وأصبح الفلاح المسكين هو الضحية الأخيرة. فلا عجب أن تكون الوظائف بمقتضى هذا النظام هي السبيل العادي للحصول على الثروة. خصوصًا وقد شوهد في كثير من الأحوال أن الموظفين أصبحوا بعد الفقر المدقع من ذوي الثروات العظيمة ويقطنون في منازل فخمة تحوطهم حاشية كبيرة من الخدم والحشم يعيشون في رغد من العيش كالأمراء. وكانت القاعدة المتبعة عند أغلب الناس عند دخولهم في الحياة العامة هي "اجمع من المال كل ما تستطيع طالما كنت تستطيع." ولم تكن هذه الأعمال ممقوتة من الوجهة الاجتماعية قط وكان الناس يعتبرون من تهيأت له الفرصة ولم يملأ جيوبه من هذه (المداخل) أنه شخص لا يحترم نفسه ولم يفكر أحد من الرؤساء في هؤلاء البؤساء غير المشتكين ممن تسلب من عرق جبينهم هذه المداخل المتلاحقة لتصرف على بناء وتهيئة المنازل الريفية الفخمة وعلى البضائع الأوروپية وعلى الحاشية الكبيرة.﴾

ومن قراءة ما تقدم من السطور يمكن أن يفهم مقدار الصعوبة التي عاناها حضرة الباب في رسالته وكذلك سيفهم من السطور الآتية مما قاله اللورد مقدار الخطر الذي كان يتهدد حياة حضرة الباب وتجعل القارئ يستعد لأن يسمع رواية القسوة الوحشية الممقوتة التي عومل بها:

﴿وقبل أن أترك موضوع القانون الإيراني والإدارة الإيرانية دعني أضيف بعض الكلمات في موضوع العقوبات والسجون. فلا شيء يدهش القارئ الأوروپي أكثر من وصف العقوبات الوحشية والتعذيب المفجع أثناء قراءته صفحات تاريخ إيران الملطخة

بالدماء والإجرام في القرن المنصرم -وفي القرن الحالي بدرجة أخف نوعًا ما- وكلها تشهد بالقسوة الوحشية والخبث الشيطاني. وكانت غرائز أهل إيران تميل إلى استنباط الحيل في اختراع أنواع العقوبات ولم يكن عندهم اكتراث بالآلام الناتجة عنها. ويظهر ذلك بجلاء في ميدان التنفيذات القضائية التي هي محل ظهور كلتي الطبيعتين. وكان من عهد قريب وفي حدود الحكم الحالي يصلب المجرمون أو يقذفون من المدافع أو يدفنون أحياء أو يعدمون بإجلاسهم على الخازوق أو ينعلون بحوافر كالخيول أو يشطرون شطرين بواسطة ربطهم في رأس شجرتين تضمان على بعضهما بقوة ثم يفك ربطهما حتى تعودان إلى مكانهما الطبيعي وتكون الجثة في هذه الأثناء قد انفسخت شطرين أو تعمل منهم مشاعل إنسانية أو تسلخ جلودهم وهم أحياء.

... وكان من جراء وجود نظام حكم مزدوج -كالذي وصفته بأن يكون العامل في إدارته شخصان أحدهما راشي والآخر مرتشي ويكون الإجراء القضائي بلا قانون ولا محاكم– عدم وجود أي ثقة في الحكومة ولا في أي شعور بالواجب ولا في الفخر بالشرف ولا في الثقة المتبادلة ولا في التعاون (إلا على الضرر) ولا خجل في الفضيحة ولا فائدة في الفضائل وفوق ذلك لا روح وطنية.﴾

ومن أول يوم قام فيه حضرة الباب على الدعوة تنبأ بالاستقبال الذي سيبديه مواطنوه لتعاليمه وبالمصير الذي سوف يلاقيه على أيدي الملاّوات (العلماء). ولكنه لم يسمح للاعتبارات الشخصية أن تمنعه من إعلان دعوته بكل صراحة ولا عن إظهار أمره جليًا. وكانت التجديدات التي أعلنها شديدة الوقع ولو أنها كانت دينية محضة. وكان إعلان مقامه مدهشًا خطيرًا. فإنه أظهر نفسه بأنه القائم الموعود والرسول الجليل أو المسيح المنتظر الذي كان العالم الإسلامي يترقب ظهوره بفروغ صبر. وأضاف إلى ذلك إعلانه أنه الباب الذي يعبر منه مظهر آخر أعظم منه إلى عالم الإنسان.

وإذ طبق الأحاديث الإسلامية على شخصه وأظهر أنه هو المقصود من النبوات وقع بينه وبين أصحاب الأفكار الجامدة العتيقة نزاع لأنهم يفسرون هذه الأحاديث على خلاف ما يدعيه. ومع أن كلتي الفرقتين العظيمتين من الفرق الإسلامية وهما

الشيعة وأهل السنة علّقتا أهمية كبيرة على وديعة دينهم المقدسة إلا أنهما لم يتفقا على تفسيرها ودلالتها. فتقول الشيعة التي منها ظهرت الحركة البابية بظهور اثني عشر إمامًا خلفاء للرسول وهم يعتقدون أن كلاً منهم ملهم بمواهب وقوى روحية. وأن واجب المؤمنين إطاعته وأن تعيينه لا يكون بالانتخاب بل أن كل سلف منهم يعين كل خلف. وكان آخر هؤلاء الأئمة الملهمين يدعى محمد ويسمونه بالإمام المهدي حجة الله وبقية الله وقائم آل محمد، وتولى منصب الإمامة سنة 260 هجرية ولكنه اختفى فجأة عن الأنظار وكان يتصل مع أتباعه بواسطة وسيط مختار اسمه الباب. وظهر من هؤلاء الأبواب أربعة وتتابعوا بموافقة الإمام. ولما حضرت منية الباب الرابع أبي الحسن عليّ لم يوصهم بآخر بعده بل قال لهم إن لله شأنًا آخر. وبوفاته انقطعت الصلة بين الإمام وهيئته الدينية. ويعتقد الشيعة أيضًا أن الباب حيّ ومنتظر في مكان مجهول ومحاط بفئة من الأتباع وأنه لا يعود لمعاشرة قومه إلا عند مجيئه مقتدرًا لتأسيس العصر الألفي السعيد في أنحاء العالم.

أما أهل السنة فلا ينظرون إلى خلفاء الرسول الكريم بهذا النظر السامي فهم يعتبرون خلافته مسألة مادية لا علاقة لها بالروحانية. والخليفة في نظرهم هو حامي الدين ويرتبط تعيينه بانتخاب الناس وقبولهم.

ورغم أهمية تلك الفروق، فإن كلا الفريقين ينتظر ظهورين. فالشيعة تنتظر ظهور القائم الذي يظهر في أواخر الأيام، وتنتظر كذلك رجعة الإمام الحسين. أما أهل السنة فينتظرون ظهور المهدي ورجعة يسوع المسيح. ولما ابتدأ حضرة الباب بإظهار دعوته تلقب أولاً بالقائم ثم بالباب فلم يفهم بعض المسلمين مقصده من اللقب الثاني، وظنوه الباب الخامس الذي خلف أبا الحسن عليّ. ولكن الذي قصده الباب كان مخالفًا لهذا الظن كما قرر ذلك بنفسه. فهو القائم الموعود، ومع أنه نبي عظيم، إلا أنه بالنسبة للظهور الذي يتلوه كان كيوحنا المعمدان بالنسبة للمسيح مبشرًا بظهور أعظم منه. وكان أمره ينقص وأمر من جاء بعده يعلو ويزيد. وكما كان يوحنا المعمدان مناديًا وبابًا للمسيح كذلك كان حضرة الباب مناديًا وبابًا لحضرة بهاءالله.

هناك العديد من الأحاديث الصحيحة التي تدل أن القائم عند ظهوره يأتي بأحكام جديدة تنسخ الأحكام القديمة. ولكن هذا المفهوم لم يكن مقبولاً عند العلماء الذين كانوا يعتقدون في قرارة أنفسهم أن الأمر الجديد لا يمكن أن يؤسس دينًا أقوى من القديم، بل يروج النظام القديم الذي يقومون هم على تنفيذه، وأن الأمر الجديد سيزيد في احترامهم وتبجيلهم إلى حد كبير، وينشر سلطتهم شرقًا وغربًا بين الأمم ويلزم الشعوب بالخضوع التام لهم والامتثال لأوامرهم. فلما أظهر حضرة الباب كتابه "البيان" وأتى بشريعة جديدة وأسس إصلاحًا أدبيًا واجتماعيًا متينًا ليكون مقتداهم ونبراسًا لهم شعر هؤلاء بالخطر الداهم. ووجدوا أن امتيازهم قد تقوض وأن أطماعهم قد تبددت وأن حياتهم وثروتهم قد انحطت في درجات الاحتقار. فقاموا لذلك ضده قومة رجل مندهش متذرع بالديانة وقرروا أمام الشاه والرعية أن هذا المدّعي عدو للعلم السليم، وموهن للإسلام، وخائن لدين محمد، وخطر لا على الدين المقدس فحسب بل على الهيئة الاجتماعية وعلى الدولة نفسها.

فكان إنكار حضرة الباب وأمره واضطهاده شبيهًا في جوهره بإنكار المسيح واضطهاده ولو كان المسيح لم يأت بكتاب جديد ولم يردد سوى الأصول الروحية التي علّمها موسى بل لو كان أمر باستمرار قوانين موسى لكان يعتبر مصلحًا أدبيًا وينجو من انتقام الكتبة والفريسيين. ولكن مجرد الادعاء بأن أي جزء من قوانين أو شريعة موسى حتى الأوامر المتعلقة بالأمور المادية كالطلاق وحفظ السبت يمكن تغييرها بمعرفة شاب من قرية الناصرة يعتبر خطرًا على مصالح الكتبة والفريسيين أنفسهم، لأنهم كانوا وكلاء موسى ووكلاء الله، وإن ذلك التغيير عبارة عن تجديف على الحق. وما كاد مقام المسيح يُعرف حتى ابتدأ اضطهاده، فلما امتنع عن الرجوع عن دعوته قتلوه.

لمثل هذه الأسباب اتهم الباب من أول أمره من رؤساء الديانة بأنه هادم لأساس الدين. ومع ذلك، وحتى في تلك المملكة المظلمة المتعصبة، لم يجد الملاّوات (مثل الكتبة في فلسطين قبل ثمانية عشر قرنًا) ذريعة سهلة يقدمونها لإهلاك ذلك الشخص الذي اعتقدوه عدوهم.

لم يدوّن في الصحائف ذكر مشاهدة أي أوروپي للباب إلا أثناء الفترة التي كان مضطهدًا فيها، فإن طبيبًا إنگليزيًا مقيمًا في تبريز اسمه الدكتور كورمِك دعي من السلطات الإيرانية لفحص قوى الباب العقلية. وكان خطاب الطبيب الذي أرسله إلى زميل في الإرسالية الأمريكية إلى إيران قد أورده الپروفسور براون في كتابه المسمى "مواد لدراسة الدين البابي". وكتب الدكتور: ’وإنك تسألني عن تفاصيل مقابلتي لمؤسس هذه الفرقة المعروفة بالبابية. لم يحصل في هذه المقابلة أمر مهم لأن الباب كان يعلم أني أرسلت مع اثنين من الأطباء الإيرانيين لفحص قواه العقلية حتى يمكن الفصل في إمكان إعدامه من عدمه، ولذلك كان يكره الإجابة عن أسئلتنا. وردًا على كافة الأسئلة كان ينظر إلينا نظرة هادئة وهو يتلو، على ما أعتقد، مناجاة بصوت منخفض موسيقي. وكان يوجد معه سيّدان من الأشراف من أعز أصحابه، وأعدما أيضًا فيما بعد، وكان عنده أيضًا اثنان من موظفي الحكومة. ولم يجبني سوى مرة واحدة عندما قلت له إنني لست مسلمًا وأريد أن أعلم شيئًا عن ديانته لأني ربما اعتنقتها. فدقق النظر فيّ إذ ذاك وأجاب إنه لاشك عنده أن جميع الأوروپيين سوف يؤمنون بدينه. فقدمنا تقريرنا إلى الشاه وقتئذ يوصي بعدم إعدامه. ولكنه أعدم فيما بعد بأمر أمير النظام، ميرزا تقي خان. وأما بعد تقديم تقريرنا مباشرة فقد أوقعوا عليه فقط عقوبة الجلد على قدميه، وفي أثناء ذلك ضربه الفرّاش على وجهه، سواء قصدًا أو دون قصد، فأحدث كدمًا كبيرًا في الوجه. ولما سُئل هل يرغب في حضور طبيب إيراني فأبدى إنه يرغب حضوري أنا لمعالجته. فعالجته بضعة أيام ولكنه في هذه المقابلات لم يمكن التكلم معه سرًا لأن بعض موظفي الحكومة كانوا دائمًا حاضرين للمراقبة لأنه كان سجينًا. وكان شاكرًا جدًا لعنايتي به. كان لطيفًا جدًا ورقيق الملامح ذا جسم نحيف أبيض البشرة بالنسبة لإيراني، وله صوت ناعم موسيقي أثّر فيّ كثيرًا. ولما كان سيدًا كان يرتدي ملابس الأشراف كعادة هذه الفئة، وكذلك كان صاحباه. وعلى وجه العموم كانت هيئته وتصرفه على شأن يجعل المرء يميل إليه. ولم أسمع منه شيئًا خاصًا بديانته ولو أنه شاع أن في دينه شبهًا كبيرًا بالمسيحية. وقد رآه كثير من النجارين الأرمن، الذين أرسلوا لإجراء صيانة في السجن، وكان يقرأ الكتاب المقدس ولم يجتهد

في إخفائه بل بالعكس كان يتكلم معهم بخصوصه. وبكل تأكيد لا يوجد في دينه ذلك التعصب الإسلامي بالنسبة للديانة المسيحية ولا فيه ذلك التقييد المفرط للمرأة.‘

على هذا النحو كانت آراء رجل إنگليزي مهذب فيما يختص بشخصية حضرة الباب. ومنذ أن انتشرت تعاليمه وآدابه في الغرب لم يعلم أن شاهده أحد آخر من الأوروپيين خلاف من ذكر.

ويندر أن تجد مثل أخلاقه في النبل والحسن. وشخصيته وديعة ولكنها قوية ومؤثرة، ويمتزج لطفه بالحكمة واللباقة حتى إنه بعد إعلان دعوته عرف بسرعة في جميع أنحاء إيران بشخصيته المحببة. وكان حلو الحديث جذابًا لكل من يقابله أو يتصل به وكثيرًا ما كان سجّانوه يعتقدون في دينه وكان يتمكن من قلب أخلاق المفسدين إلى محاسن الأخلاق فيصبحون من أصحابه المعجبين به.

لم يكن من السهل في إيران في أواسط القرن الماضي إرغام مثل هذا الشخص على السكوت بسهولة دون إثارة سخط الأهالي ولو بدرجة محدودة، أما بالنسبة لأتباع حضرة الباب فكان الأمر على خلاف ذلك.

ولم يجد الملاّوات (بخصوص أتباع الباب) داعيًا للتعويق ولم يكونوا في احتياج إلى التدبير أو الاحتيال لأن التعصب الموجود في نفوس الجميع من الشاه إلى أحقر شخص يمكن إثارته بسهولة ضد أي إصلاح ديني كما أنه يسهل اتهام البابيين بعدم الطاعة أو الولاء للشاه ويمكن بذلك إسناد الأغراض السياسية الشنيعة إلى أنشطتهم. وفضلاً عن ذلك فإن أتباع حضرة الباب كانوا عديدين وكان كثير منهم ميسوري الحال وبعضهم أغنياء ذوي ثروات طائلة وكان القليل منهم يمتلك عقارات يحسدهم عليها الجيران ويودّون من صميم أفئدتهم تملّكها وإذ تذرع الملاّوات بتخويف السلطات وبأهواء التعصبات القومية والجشع العام أثاروا حربًا شعواء للتخريب والتدمير نفّذا بوحشية وبلا رحمة حتى قضوا مآربهم للنهاية.

قص النبيل كثيرًا من حوادث هذه الرواية المحزنة في تاريخه وخاصة في ذكر وقائع مازندران ونيريز وزنجان التي اقترنت بمآثر الشجاعة الصادرة من البابيين إلى أن

انتهت هذه الحوادث الثلاث التي اضطر البابيون فيها أن ينسحبوا من منازلهم ويلتجئوا إلى المعاقل التي اتفقوا عليها بينهم حيث رأوا أنهم في حالة يأس تام واشتغلوا بتحصين مراكزهم حتى أمنوا من الهجوم عليهم. ويظهر لكل مراقب منصف أن ادعاء الملاّوات عليهم بأنهم قاموا بدافع سياسي كان كاذبًا، فكثيرًا ما أعلن البابيون استعدادهم للعودة إلى منازلهم إذا تأكدوا أن العامة لا تهاجمهم أو تتعدى عليهم بسبب معتقداتهم. ويؤكد النبيل حرصهم على عدم التعدي. فكانوا لا يقاتلون إلا للدفاع عن النفس فقط بمهارة وقوة، وما كانوا يهاجمون. حتى في معمعان القتال كانوا لا يضربون ضربة غير لازمة ولا يستغلون موقف القوة.

وقال عنهم حضرة عبدالبهاء في "مقالة سائح" (الصفحتان 23-24، الطبعة العربية، وجرى هنا بعض التعديل على الترجمة) ذاكرًا موقفهم الخلقي بما يأتي:

’أجل، أصدر الوزير (ميرزا تقي خان) بالاستقلال التام دون استشارة ولا استئذان الأمر إلى أطراف إيران بتأديب البابيين وتعذيبهم فألْفَت الحكام وولاة الأمور سبيلاً إلى الاكتساب ووجد المأجورون وسيلة لاغتنام المنافع. وقام العلماء المعروفون على رؤوس المنابر يحضّون ويحرّضون الناس عمومًا على القيام بهجوم عام. فتحاضنت قوتا التشريع والتنفيذ واصطلحا على مقاومة وقمع تلك الطائفة التي لم تكن بعد واقفة على قواعد وأسرار مبادئ الباب وتعاليمه كما يليق وينبغي وما كان لها إلمام بالتكاليف نفسها، وكانت تصوراتها وأفكارها حسب العوائد الماضية وسيرها وسلوكها طبق التقاليد القديمة. وطريق الوصول إلى الباب والاقتباس منه مسدود ونار الفتنة مشتعلة مشهودة من كل الجهات. وبفتوى مشاهير العلماء شرع الحكام والولاة بل الغوغاء والعامة في جميع الأنحاء بكل البطش والقهر تشن الغارات عليهم وتغتصب أموالهم وتنكل بهم وتستبيح دماءهم ظنًا أن ذلك يطفئ من لهيب هذه النار ويخمد أنفاسهم. وفي المدن التي كان تعدادهم فيها قليلاً غُلّت أيديهم جميعًا وصاروا برمتهم طعمة السيف. أما في المدن التي كان عددهم فيها كثيرًا دافعوا عن أنفسهم حسب العقائد السابقة إذ كان السؤال عما يجب فعله غير ميسور أمامهم وجميع أبواب النجاة مسدودة.‘

أما حضرة بهاءالله، فعند إعلان دعوته بعد ذلك ببضع سنين، لم يترك مجالاً للشك بخصوص الحكم الوارد في دورته عند حصول تلك المصائب حيث يؤكد: "خير لكم أن تُقتلوا من أن تَقتلوا."

ومهما يكن من أمر المقاومة التي حصلت من البابيين هنا وهناك، فلم تكن ذات نفع. وتغلبت عليهم كثرة الجموع. وأخذوا الباب نفسه من زنزانته وأعدموه. أما كبار تلاميذه الذين أعلنوا إيمانهم به، فلم يتركوا أحدًا منهم حيًّا سوى بهاءالله، الذي نفي هو وأسرته وبعض المخلصين من الأتباع وسجن في بلاد أجنبية.

ومع أن النار أطفئت فإنها لم تخمد. بل كانت تشتعل في قلوب المنفيين الذين انتقلوا بها من قطر إلى آخر بينما هم يرتحلون. وحتى في موطنهم في إيران كانت قد تأسست وتأصلت تأصلاً عميقًا بحيث يصعب إطفاؤها بالقوة الغاشمة بل بقي وميض النار في القلوب منتظرًا هبوب أنفاس من الروح ليضطرم إلى لهب نار مشتعلة لا تبقي ولا تذر.

أما الظهور الإلهي الثاني الأعظم فقد أعلن طبقًا للنبوءة الصادرة من الباب في الوقت والسنة التي أنبأ عنها. ففي السنة التاسعة من ظهور الباب، أي في سنة 1853م، أعلن بهاءالله في بعض أشعاره أنه هو المقصود من تلك النبوءات وبعد مرور عشر سنوات بينما كان مقيمًا في بغداد أعلن نفسه لأصحابه أنه هو الموعود.

والآن ظهر الأمر العظيم الذي كان الباب يهيئ الطريق إليه وابتدأ في دور عظمته بكل قوة، ومع أن بهاءالله عاش وتوفي وهو منفي سجين ولم يكن معروفًا للأوروپيين إلا قليلاً فإن ألواحه التي أعلن فيها الظهور الجديد قد أرسلها لعظماء الملوك في نصفَي الكرة الأرضية من شاه إيران إلى البابا ورئيس الولايات المتحدة. وبعد صعوده قام نجله عبدالبهاء وسافر بنفسه لإعلان الأمر في مصر وفي العالم الغربي. وزار عبدالبهاء إنگلترا وفرنسا وسويسرا وألمانيا وأمريكا معلنًا في كل مكان أن السماء قد فتحت وأن دورة جديدة قد بدأت ومعها البركات الإلهية لتحل على أبناء الإنسان. وتوفي في نوڤمبر /تشرين الثاني سنة 1921م. واليوم عادت هذه النار لتضطرم مرة أخرى في جميع أنحاء إيران بعد أن بدت أنها أطفئت إلى الأبد. وترسخت في القارة الأمريكية وفي كل قطر في العالم. والآن

قد تناولت الأيدي كتابات بهاءالله وعبدالبهاء وشرحوا تعاليمها حتى نتجت عن ذلك مؤلفات جسيمة في شرحها وشواهدها وفي الأصول والمبادئ الإنسانية والروحية التي جاء بها منذ عشرات السنين في أظلم بقاع الأرض والتي تأسست بمعرفته في نظام ملائم، ويقتفي العالم الآن أثرها واحدة تلو الأخرى دون أن يشعر بالمصدر الذي انبثقت منه هذه المدنية الراقية فامتلأ جميع المفكرين شعورًا بأن العالم قد انقطعت صلته بالماضي القديم وأن الآراء والهداية القديمة لا تصلح في نجاة العالم طبقًا لمستلزمات ومقتضيات الأحوال الحاضرة وأضحت شكوكهم كبيرة من هذه الوجهة وخابت منهم الآمال إلا الذين تمكنوا من أن يتعلموا، من تاريخ بهاءالله، معنى كل هذه المخاوف والإنذارات في هذا العصر.

والآن قد تعاقبت ثلاثة أجيال تقريبًا من ابتداء الحركة. فالذين كانوا من أتباعها الأولين ونجوا من السيف ومنصة الإعدام، قضوا نحبهم منذ زمن طويل. وأغلق إلى الأبد الباب الذي يمكن الوصول منه إلى معرفة شيء عن الرئيسين العظيمين وعن تلاميذهما الأبطال ممن عاصروا أيامهما وحياتهما. أما تاريخ النبيل فهو مجموعة من الحقائق التي دونت بالصدق والدقة وتم في زمان حياة بهاءالله وله قيمته الفريدة. وكان المؤلف يبلغ من العمر 13 عامًا عندما أعلن الباب دعوته، وولد في قرية زرند في إيران في اليوم الثامن عشر من شهر صفر سنة 1247ﻫ. وكان في كل أدوار حياته معاشرًا لرؤساء الأمر. ولم يكن إلا طفلاً وقت أن كان على أهبة الالتحاق بجماعة الملاّ حسين في قلعة الشيخ الطبرسي إذ علم بالمذبحة التي وقعت على البابيين بطريق الخيانة والغدر، وبذلك تبددت آماله. ويذكر في تاريخه أنه قابل في طهران الحاج ميرزا سيد علي خال الباب وكان في ذلك الوقت عائدًا من زيارة الباب في قلعة چهريق، وكان لمدة سنتين مصاحبًا ملازمًا لميرزا أحمد كاتب الباب.

تشرف بمحضر بهاءالله في كرمانشاه وطهران قبل النفي إلى العراق وكان فيما بعد في خدمته ببغداد وأدرنة كما كان في مدينة السجن عكاء. وأرسله مرارًا للتبليغ في إيران ولتشجيع جماعة المؤمنين المضطهدين. وفي وقت صعود بهاءالله سنة 1892م كان قاطنًا في عكاء وتوفي بطريقة مؤثرة ومحزنة لأنه تملكه الأسى من وفاة محبوبه العظيم حتى

إنه ألقى بنفسه في البحر وغرق وعُثر على جسده بعد ذلك على الشاطئ قريبًا من مدينة عكاء.

ابتدأ في تدوين تاريخه سنة 1888م بمساعدة ميرزا موسى أخو بهاءالله. وأتم التدوين في مدة سنة ونصف وتمت مراجعة بعض فصوله ووافق عليها بهاءالله وفصول أخرى بمعرفة عبدالبهاء.

يشمل الكتاب بأكمله تاريخ الحركة إلى حين وفاة بهاءالله سنة 1892م.

والجزء الأول منه ينتهي بنفي بهاءالله من إيران وهو ما تدون بالجزء الحالي هنا. وله أهميته الواضحة وستستمر قراءته على توالي الأزمان بما حواه من صور الشهامة والشجاعة والإيمان الثابت الذي لا يتزعزع وخاصة تلك القطع المؤثرة التي حواها فضلاً عن الأهمية الدائمة لتلك الحوادث التي وصفها ببيان بديع وتدوين فريد منقطع النظير.

***
حالة انحطاط إيران
في أواسط القرن التاسع عشر
أولاً - سلاطين القاجار

’إن النظام الذي كان المُلك قائمًا عليه في إيران هو الملكية المطلقة وإن كلمة الملك هي القانون. والمثل القائل ’إن شريعة الميديين والفرس لا تتغير‘ هو مجرد مواربة قديمة لتبرير استبداد الملك. فهو الذي يعين ويقيل الوزراء والضباط والموظفين والقضاة. وله السلطة العامة التامة على أفراد أسرته وخدمه وعلى الموظفين المدنيين والعسكريين في خدمته، فله حق الحياة والموت عليهم دون الرجوع إلى أية محكمة. وكذلك أملاك كل شخص يعدم أو يعزل فهو المسيطر عليها وتعود إليه حتى إن حق الإعدام امتياز خاص له ويمكنه أن ينيب

عنه فيه من يشاء من ولاته وجميع الأملاك التي لم تكن قد وهبها لأحد أو اشتراها منه أحد وجميع العقارات التي لا صاحب لها تكون ملكه وله أن يتصرف فيها كيف يشاء ولا يمكن التسليم بأي شيء من الحقوق والامتيازات الخاصة بالمرافق العامة أو موارد البلاد الطبيعية إلا بأمره وذلك كالأشغال العامة وأعمال التعدين والتلغراف والطرق العمومية والسكك الحديدية والترام، إذ يجب شراؤها منه قبل التمكن من استغلالها ففي شخصه تجتمع القوى الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وليس عليه أي واجب خلاف المواظبة على مراسيم الدين الخارجية، وبالاختصار هو المحور الذي تدور حوله حركة الحياة العامة.

’وهذا هو نظام الملكية الذي كان متبعًا نظريًا إلى عهد قريب في إيران فلم يتنازل الملك عن أي من هذه الامتيازات تنازلاً صريحًا. وكانت اللغة التي يخاطب بها الشاه أتباعه هي لغة التكبر والغطرسة ولا يزالون يخاطبونه بها كما كان أرتحشستا أو داريوس يخاطب الملايين من الأتباع كما هو منقوش في آثار قصورهم وقبورهم. فهو يدعى شاهنشاه وقبلة العالم وظل الله وكوكب زحل المتعالي ومنبع العلم وموطئ أقدام العلويات والمليك الأعلى الذي صورت الشمس فوق أعلامه والذي يوجد بهاؤه في السموات وهو ملك الجيوش التي لا تعد ولا تحصى. وللآن يستشهد الإيرانيون بقول سعدي: ’إن الرذيلة إذا وافق عليها السلطان تنقلب فضيلة وإن الذي يخالف أمره في ذلك يغمس يديه في دمه.‘ ومع تقدم الأزمان لم يكن عليه رقيب لا من مجلس ديني ولا مجلس ملّي ولا مجلس علماء أو شيوخ ولم تدخل في سياستهم الأنظمة الانتخابية ولا البرلمانية التي دأبها المعارضة ولا يوجد أي رادع كتابي يمكن أن يقاوم الامتياز الملكي.

’... وهكذا كان تأله الذي ارتقى العرش في إيران لدرجة أن الشاه لا يأكل مع أحد على مائدة عامة إلا في عيد النوروز مع كبار أفراد أسرته الذكور. وكانت اللغة التي يخاطبه بها أقرب الوزراء لغة الطاعة والانقياد والتملق. فكانت عبارة: ’جعلت فداك يا ملجأ العالمين‘ هي صيغة الخطاب الدارج حتى من أعلى موظفي الشاه مرتبة. ففي حاشيته لا يوجد أحد يقول له الحق أو ينصحه بنصيحة خالية عن الغرض. ولا يقدر أن يعلم حقائق

الأمور إلا من وزراء الدول الأجنبية الذين هم المنبع الوحيد لإسداء النصح الخالي عن الغرض أو التملق. أما بالنسبة لإجراء الإصلاحات وعمل التدابير اللازمة لتحسين حالة المملكة فهو عاجز عن تنفيذ أي مشروع لأنه بمجرد أن يخرج أي مشروع من يده للتنفيذ يقع في أيدي الموظفين المرتشين الذين يبحثون عن المنافع ولا يصل إلى مقره النهائي نصف المبالغ التي يتقرر صرفها على المشروع بل تدخل في جيوب الموظفين الذين بمهارتهم الفنية يعملون على اقتناصها وبذلك لا يتحقق نصف المشاريع التي يأمر بها ويتكل الوزير المأمور بالتنفيذ على نسيان الملك وعلى اشتغاله في أهوائه وأخيرًا يحصل التجاوز عنه ويهمل أو يترك كلية.

’... وكان هذا النظام الممقوت متبعًا إلى ما قبل قرن، فكانت تسمل أعين كل طامح في الملك وكان من المسموح به في العقوبات تقطيع الأجسام إربًا أو الحكم بالأسر وبالحبس الأبدي أو بالذبح القاسي أو سفك الدماء المنظم ولم يكن العزل من الوظائف بأقل مفاجأة من الترقية وفي كثير من الأحيان يكون القتل رفيقًا للعزل.

’... وكان فتح علي شاه... ولودًا هو وخلفاؤه وأغلب أولادهم من الذكور وبذلك ضمن استمرار تغلب هذه الدولة فلم توجد في العالم أسرة حاكمة تكاثر عدد أفرادها إلى درجة تكاثر أسرة فتح علي شاه لا في عدد الزوجات أو في عدد الذرية... وما هو معروف عنه على العموم من القوة والاقتدار في الأحوال المنزلية يمكن أن يفهم من عدد المحظيات والذرية، كما تدل على ذلك القوائم العديدة المختلفة الموجودة في الكتب المدونة عن إيران. وقد أحصى العقيد دروفيل في سنة 1813م عدد زوجاته وذريته فبلغن 700 زوجة و 64 ابنًا و 125 بنتًا. وعدّ له العقيد ستيوارت، الذي كان في إيران، ألف زوجة و 105 أولاد. وعددت له المدام دولافوي أسماء 5000 شخص من الذراري وذلك بعد مضي 50 سنة من تاريخه، وهو ما يتراءى قريب الاحتمال، وأما التقدير الذي قدره صاحب ناسخ التواريخ، وهو كتاب تاريخ إيراني حديث، فهو أزيد من ألف زوجة و 260 من الذرية عاش منهم 110 بعد وفاة والدهم. ومن ذلك نتج المثل الإيراني الشائع القائل ’إن الإبل والقمل والأمراء موجودون في كل مكان.‘ ... ولم تكن الآية الموجودة

في الكتاب المقدس(1) "عوضًا عن آبائك يكون بنوك تقيمهم رؤساء في كل الأرض"، أكثر انطباقًا على أي أسرة ملكية في العالم كأسرة الشاه. فإنه لا تكاد تكون وظيفة أو عمل حكومي في إيران إلا وهو مشغول بأحد هؤلاء الأمراء. والآن أصبح هذا النسل من أولاد الشاه عظيمًا ومعدودًا بالآلاف وصار لعنة على المملكة رغمًا عن أن بعض هؤلاء العاطلين الملكيين الذين يلتهمون أغلب إيراد المملكة بالمهايا والمعاشات يشغلون فعلاً أصغر الوظائف الحكومية ابتداءً من كتبة التلغراف والسكرتاريين وغيرهم. ورسم فريزر صورة واضحة عما عمّ البلاد من البلاء في سنة 1842م أي منذ خمسين سنة من جراء وجود هذه "السلالة من الدبابير الملكية" الذين ملأوا وظائف الحكومة ليس فقط في سائر المقاطعات بل في كل إقليم أو مدينة أو بلدة أيضًا. ويوجد لكل منهم حاشية وحريم كبير، ويستنزفون دماء الأهالي كسرب من الجراد... وكان فريزر قد مرّ في آذربيجان سنة 1834م ولاحظ النتائج المفجعة لهذا النظام الذي وزع بمقتضاه فتح علي شاه جيشه الجرار من الذراري الذكور على كل وظيفة حكومية في طول البلاد وعرضها، وكتب يقول: ’’إن أظهر نتيجة لهذه الحالة هو إنزال اللعنة العامة على جنس القاجار وهو إحساس عام في كل قلب وهو ما تلوكه الألسنة جميعها.‘‘

’... وكما جمع (ناصر الدين شاه) أثناء أسفاره الأوروپية، أشياء كثيرة مما يعد غريبًا في نظر العقل الشرقي حتى تكدست بها غرف القصر المتنوعة أو وضعت في المخازن ونسيت، فكذلك كان حال السياسة والإدارة العامة التي فيها مشاريع متعددة تلعب بها الأهواء وتهمل وتترك لتموت وتنقرض. ففي أسبوع يهتمون بمشروع للغاز ثم بمشروع للأنوار الكهربائية ثم بمشروع إنشاء كلية أركان عسكرية أو مستشفى حربي ثم بالأزياء العسكرية الروسية ثم بمشروع شراء باخرة حربية ألمانية للخليج الفارسي. وصدر أمر جديد للجيش هذا العام، ثم صدر وعد بسن قانون جديد في العام القادم. ولا ينفذ شيء من هذه المشاريع الرائعة، وقد ملئت عنابر القصر بالعدد والآلات المتكسرة والأدوات المتروكة وكذلك الحال فيما يتعلق بجهات الحكومة بما فيها من المشاريع الخائبة والميتة.

________________________
(1) مزامير، الأصحاح 45، الآية 16.

’... وفي إحدى الغرف العلوية في القصر نفسه أمر محمد شاه (والد الشاه الحالي) أن يُقتل القائم مقام، الوزير الكبير، ميرزا أبو القاسم خنقًا سنة 1835م، متبعًا في ذلك عادة سلفه ومدليًا بها لخلفه الذي اتبع هذا العمل نفسه. ومن النادر في التاريخ أن يجد الإنسان ثلاثة ملوك متوالين يقتلون رؤساء وزاراتهم الشاغلين لأكبر المناصب بداعي الحسد وحده مع أنهم هم الذين أجلسوهم على العرش، أو كانوا في قمة السلطة عندما فقدوا حظوتهم. وبهذه الصورة امتاز حكم كل من فتح علي شاه ومحمد شاه وناصر الدين شاه.‘

ثانيًا- الحكومة

’إن العامل الشخصي هو المتصاعد في مملكة متأخرة كإيران خالية من النظام البرلماني والقوانين واللوائح ومختوم عليها بطابع التقاليد العتيقة الشرقية وما كانت حكومة إيران إلا عبارة عن سلطة استبدادية ووحدات متسلسلة متنازلة من الملك إلى رئيس القرية، ولم يكن عند صغار الموظفين من رادع سوى خوف الرؤساء الذين يسهل إسكاتهم، ولا رادع للموظفين سوى الخوف من الملك وهذا أيضًا يمكن إرضاؤه. وأما الملك فهو لا يخاف من أهل مملكته وإنما خوفه من الانتقادات المعادية ومن الآراء الأوروپية التي تظهر عندهم في الجرائد... ويعتبر الشاه في هذه اللحظة أحسن مثال لملك مستبد معتدل لأنه داخل الحدود السابق ذكرها غير مسؤول عن شيء وله السلطة التامة على حياة وأملاك أي شخص من رعيته. وليس لأنجاله قوة مستقلة إذ يمكنه إذلالهم وإفقارهم في أقل من لمح البصر. أما الوزراء فيعينون ويعزلون تبعًا للإرادة الملكية. فالملك وحده هو القوة المنفذة وجميع الموظفين مساعدون له. ولا يوجد في المملكة محاكم نظامية تحد من سلطته.

’... وأما بالنسبة لشخصيات الوزراء في البلاط الملكي وأعمالهم، فقد كتب السير ج. مالكولم في تاريخه في ابتداء القرن الحالي (التاسع عشر) ما يأتي: ’’إن الوزراء وكبار رجال البلاط هم من الرجال المثقفين والماهرين في الأعمال كل في دائرته، وهم ذوو ملاحظات دقيقة ومحادثات شيقة وأخلاق خاشعة وهذه الصفات هي كل ما يملكون ولم يكن ينتظر من أشخاص يهتمون بالأشكال والصور أن يكون عندهم اطلاعات علمية

أو فضائل لأنهم يستقون معيشتهم من أحط الموارد وكل همهم منصرف إلى الفتن بقصد حفظ أنفسهم وإهلاك غيرهم، واتقاءً للخطر لا يقدرون أن ينطقوا أو يتكلموا بغير التملق والخداع وهم متبعون سبل الشهوات والباطل وقد توالى على إيران جملة من الوزراء ممن لا يصح بحال وضعهم في صف غيرهم من ذوي السيرة الرديئة ولكنهم كانوا، بمن فيهم من كبار المثقفين، مضطرين لمجاراة الأحوال نوعًا لحفظ مراكزهم ولولا ثقة الملك فيهم بكيفية تمنع عنهم كيد أعدائهم لألجأتهم الضرورة إلى تتبع المنافع والمواربة والمهادنة التي تخالف طريق الحق والصدق، ذلك الطريق الذي يجلب الاحترام لعظماء الرجال.‘‘ وهذه الملحوظات إنما تمليها العدالة والتأمل الشديد ويظهر أنها تنطبق على الجيل الحاضر كما كانت تنطبق على الأجيال السالفة.‘

ثالثًا – الرعية

’... والآن أذكر العامل الرئيس المعول به في الإدارة الإيرانية. فإن الحكومة بل الحياة نفسها في تلك المملكة عبارة عن تبادل الهدايا. وقد يظن من الوجهة الاجتماعية أن هذه العادة إنما تعبر عن إحساس كريم من شعب ودود ولو أن لها هنا وجهًا كئيبًا بعيدًا عن العواطف، كأن تجد نفسك سعيدًا بتلقي هدية، ثم تكتشف أن عليك أن تقدم مثلها للواهب. فضلاً عن إلتزامك أيضًا بأن تهب حامل الهدية جزءًا نسبيًا من قيمتها (وأحيانًا يكون ذلك هو كل ما تملكه بل وربما ما تقتات به). أما من الوجهة السياسية فإن عادة الإهداء، ولو أنها متعلقة بقواعد وتقاليد الشرق الجامدة، إلا أنها تنطبق كل الانطباق على ذلك النظام في كل مكان والموصوفة بأسماء أقل قبولاً. وهذا هو النظام الذي اتبعته حكومة إيران قرونًا عديدة وهو الذي يقف حجر عثرة في سبيل الإصلاح الحقيقي. فمن الشاه إلى أصغر موظف لا يوجد أحد لا يقبل الهدايا ولا تكاد توجد وظيفة لا يكون التعيين فيها بغير الهدايا ولا يوجد إيراد مكدس إلا من الهدايا وكل موظف يشتري وظيفته بمبلغ يقدمه إما إلى الشاه مباشرة أو للوزير أو الحاكم الأعلى الذي يعينه. وإذا كان لوظيفة واحدة جملة طلاب فالذي تكون هديته أكبر هو الذي يكون مقبولاً فيها.

’... وكان نظام "المداخل" من الأنظمة القومية المحبوبة في إيران وتحصيلها بآلاف الطرق والأشكال وتتعدد تدابير تحصيلها بتعدد أنواعها. وإن شئت قلت أنها هي الحياة الإيرانية نفسها ومصالحها الرئيسة. ويقول المستر واطسون إنه لا توجد أي كلمة في اللغة الإنگليزية يمكن أن تعبر بدقة عن هذا النظام. فيمكن ترجمة كلمة "مداخل" بكلمات النهب والنشل والإكرام والمنافع والرشوة والهدية والحلوان والراتب وذلك تبعًا للكيفية التي استعملت فيها. وهي على وجه العموم ميزان المنافع الشخصية التي يمكن تشخيصها في مبلغ من النقود مما يستخرج أو يطلب في أي معاملة. فيصح وجودها أثناء مفاوضة بين رئيس ومرؤوس وفيما بين اثنين من المتعاملين المتعاقدين في إيران ولا بد أن يكون أحد الفريقين هو الدافع للهدية لغرض الحصول على منفعة والآخر هو الذي يستلم مبلغًا معينًا من النقود في مقابل الخدمة التي يؤديها له. ويمكن الاعتراض بأن الطبيعة البشرية هي واحدة في كل مكان في العالم، وأن مثل هذا النظام موجود في مملكتنا كما هو في الممالك الأخرى تحت اسم آخر وأن الناقد الفيلسوف يرحب بالرجل الإيراني كأخ له في هذا السبيل. ورغمًا عن أن هذا الاعتراض وجيه إلى حد ما، إلا أني لم أشاهد أو أسمع بأي مملكة يوجد فيها نظام مكشوف إلى هذا الحد وهو عام في جميع بلاد إيران ولا حياء فيه. وفضلاً عن أنه لم يكن مقصورًا على دائرة الاقتصاد السياسي أو المعاملات التجارية فإنه يشمل كل المرافق الحيوية ويلهم معظم الأعمال الحياتية. وبه محيت صفة الكرم من قائمة الفضائل الاجتماعية في إيران وأصبح الجشع هو العامل القوي في الحياة الاجتماعية الإنسانية... وقد تأسست بسبب ذلك سلسلة من المتواليات الحسابية للسلب والنهب ابتداءً من الملك إلى أفراد الرعايا، وكل وحدة في السلم الحسابي تنتفع من الوحدة المجاورة الأدنى منها. وأصبح الفلاح المسكين هو الفريسة الأخيرة. فلا عجب في هذه الظروف أن تكون الوظائف هي السبيل العادي للحصول على الثروة، وهناك شواهد كثيرة لموظفين أصبحوا بعد الفقر المدقع من ذوي الثروات الطائلة ويقطنون في منازل فخمة تحوطهم حاشية كبيرة من الخدم والحشم يعيشون في رغد من العيش كالأمراء. وكانت القاعدة المتبعة عند أغلب الناس قبل دخولهم الحياة العامة هي: ’’اجمع من المال كل ما تستطيع وبقدر ما تستطيع.‘‘ ولم

تكن هذه الأعمال ممقوتة من الوجهة الاجتماعية قط وكان الناس يعتبرون من تهيأت له الفرصة ولم يملأ جيوبه من هذه "المداخل" أنه شخص لا يحترم نفسه. ولم يفكر أحد من الرؤساء في هؤلاء البؤساء الذين تسلب من عرق جبينهم هذه "المداخل" لتصرف على بناء وتهيئة المباني الفخمة وعلى البضائع الأوروپية وعلى الحاشية الكبيرة.

’... ومن بين مظاهر الحياة العامة في إيران التي هي غريبة في نظر الأجنبي ومن نتائج هذا النظام هو زيادة عدد الأتباع والحاشية الذين يلتفون حول الوزير أو الموظف من أي نوع كان. ففي حالة الموظفين من ذوي المراتب العالية يختلف عددهم من 50 إلى 500. ويقول بنيامين أن لرئيس الوزراء حاشية تبلغ 3000 نفر. إذًا يفهم من ذلك أن نظرية المراسيم التقليدية الاجتماعية المتبعة في إيران، وحتى في أنحاء الشرق، هي المسؤولة عن تلك الظاهرة، وأن أهمية الشخص تتوقف على عدد الحاشية والخدم الذين يصطفون حوله في الاحتفالات وفي المناسبات المتنوعة. وأساس كل هذه المفاسد والشرور هو نظام "المداخل" والتلصص الحاصل فيه. فإذا كان الحاكم أو الوزير مضطرًا لدفع مرتبات للذين حوله فإن عدد الحاشية ينقص نقصًا بينًا سريعًا. فإن أغلبهم لا يتقاضى مرتبًا وفقط يحومون حول أسيادهم انتهازًا للفرص التي تدر عليهم بالأموال فيعيشون بذلك على السلب والنهب. ومن ذلك يعلم فداحة المصيبة القومية الناتجة عن وجود هذا الجيش الجرار من الذين يشتغلون في استنزاف أموال المساكين. فهم المثال الحقيقي للعامل غير المنتِج، يمتصون الثروة دون إنتاجها، وهم بوجودهم أقل قليلاً من كارثة وطنية... ومن آداب الفرس أن الإنسان عندما يزور آخر يأخذ معه عددًا من الحاشية على قدر طاقته وبأكبر عدد يمكنه ويسير إما ماشيًا أو راكبًا وتعلم أهمية الزائر من عدد أفراد حاشيته.‘

رابعًا – النظام الديني

’لقد جعلوا تطبيق الدين الإسلامي يوافق مناخ الدول التي دخلت في ظله ومع عاداتها ووظائف سكانها، ويخضع له الأهالي خضوعًا تامًا من المهد إلى اللحد. وبالنسبة

للمسلم فإن الإسلام ليس دينًا فقط بل كان هو الحكومة والفلسفة والعلم أيضًا. فالفكرة الإسلامية لا ترمي إلى إيجاد دين حكومي فحسب بل إلى إيجاد حكومة دينية. فجميع الروابط في الهيئة الاجتماعية عندهم لم تكن مدنية بل هي دينية. فأساس نظام المجتمع عندهم ليس مدنيًا بل هو ديني من تشكيل الفقهاء الذي أحاط بهذا الدين السامي. وعلى هذا النحو يعيش المسلم برضاء وقناعة وهو خاضع لجميع أحكام ذلك النظام ويعتبر عبادة الله أعلى الفرائض محتقرًا كل من لا يتعبده بالروح ولا يتوفى إلا وهو آمل في دخول الجنة.

’... وأما الأشراف (الأسياد) أو نسل الرسول، فهم مصدر إزعاج للدولة، وبسبب نسبهم المزعوم، وامتيازهم بلبس العمامة الخضراء، يدّعون الحق في الاستقلال وغطرسة التصرف مما يشكل معاناة لمواطنيهم الذين يُعتبرون مجرد أجانب.

’... وأما الطائفة اليهودية في إيران فقد انحطت في الفقر والجهل... وهؤلاء التعساء في العالم الإسلامي في الشرق قد وطدوا أنفسهم على أن يعتبروا الاضطهاد نصيبًا لهم كما عرف العالم ذلك. فكانوا عادة يجبرون على أن يعيشوا منعزلين في حي خاص بهم (گيتو) في المدن، ومنذ قديم الزمان عانوا العجز في الوظائف والملبس والعادات، بحيث أصبحوا منبوذين اجتماعيًا من قبل أقرانهم من العباد... وفي إصفهان، حيث يبلغ عددهم نحو 3700 شخص، ويتمتعون فيها بقدر أكبر من المكانة الاجتماعية من أي مكان آخر في إيران، فإنهم لا يسمح لهم فيها بلبس الكلاه، وهو لباس الرأس في البلاد، أو مزاولة أعمالهم داخل حوانيت الأسواق، أو أن يرفعوا أسوار منازلهم بارتفاع مساو لأسوار جيرانهم المسلمين، أو أن يركبوا الدواب في الشوارع... وكلما قامت ضجة في إيران كانوا هم أول ضحاياها فتمتد إليهم كل يد، والويل لليهودي التعس الذي يجابه طائفة من غوغاء شوارع إيران.

’... ولعل من أغرب مظاهر الحياة في مدينة مشهد، قبل أن أنتهي من الكلام في موضوع الضريح والحجاج الذين يؤمونه، مسألة إباحة اللهو فيها طيلة مدة إقامة الزائرين في المدينة. فتماشيًا مع طول الرحلات التي يقوم بها الحجاج والمعاناة التي يتحملونها

والمسافة الطويلة التي تفصلهم عن عائلاتهم ومنازلهم، يباح لهم أن يعقدوا زواجًا مؤقتًا، بتواطؤ القانون الشرعي والرؤساء الدينيين، خلال مدة إقامتهم في المدينة. ويوجد جمهور دائم من الزوجات المعدات لهذه الأغراض. ويعقد الملاّ العقد ويختمه من كلا الطرفين بعد دفع الرسوم وبذلك يصبح الاقتران قانونيًا. وينتهي عقد الزواج بمضي المدة المعينة في العقد سواء حددت بأسبوعين أو شهر أو أي مدة أخرى، فيعود الزوج المؤقت إلى أسرته في بلاد بعيدة ويترك الزوجة حتى تنقضي عدتها وهي أربعة عشر يومًا فتعود بعد ذلك وتتزوج بآخر. وبعبارة أخرى، يزدهر في مشهد نظام ضخم للدعارة برعاية المؤسسة الدينية، وإني آسف لأقول كم من الزائرين الصامتين الذين يعبرون البحار والفيافي لأجل التوصل لتقبيل شباك الضريح، يتشجعون ويتسلون في أداء هذه المهمة بما يلاقونه من التسلية التي نسميها نحن الإنگليز بالمجون.‘

الخاتمة

’وقبل أن أترك موضوع القانون الإيراني وتطبيقه، دعوني أذكر بضعة كلمات في موضوع القصاص والسجون. فلا يوجد شيء أدهش للقارئ الأوروپي من وصف العقوبات الوحشية والتعذيب المفجع المثبوت في صحائف تاريخ إيران الملوثة بسفك الدماء والإجرام في القرن الفارط وهي في القرن الحالي أخف نوعًا ما، وكلها تشهد بالقسوة الوحشية والخبث الشيطاني. وكانت غرائز أهل إيران تميل إلى استنباط الحيل في اختراع أنواع العقوبات ولم يكن عندهم اكتراث بالآلام الناتجة عنها. ويظهر ذلك بجلاء في ميدان التنفيذات القضائية التي هي محل ظهور كلتا الطبيعتين. وحتى عهد قريب، وفي حدود الحكم الحالي، كان المجرمون يصلبون، أو يقذفون من المدافع، أو يدفنون أحياء، أو يعدمون بإجلاسهم على الخازوق، أو توضع لهم حدوات كالخيول، أو يشطرون شطرين بواسطة ربطهم في رأس شجرتين تضمان على بعضهما بقوة ثم يفك ربطهما حتى تعودان إلى مكانهما الأصلي وتكون الجثة في هذه الأثناء قد انفسخت شطرين، أو تعمل منهم مشاعل إنسانية، أو تسلخ جلودهم وهم أحياء.

’... وكان من جراء وجود نظامين للحكم، كاللذين وصفتهما -يعني أن يكون العامل في إدارتها شخصان أحدهما راشي والآخر مرتشي ويكون الإجراء القضائي بلا قانون ولا محاكم- أن انعدمت الثقة في الحكومة والشعور بالواجب والفخر بالشرف والثقة بالتعاون (إلا على الضرر) ولا حياء عند الافتضاح ولا فائدة في الفضائل وفوق ذلك لا روح للأمة ولا وطنية. ويصدق الفلاسفة إذ يقولون أن الإصلاح الخلقي يجب أن يسبق المادي، والداخلي يسبق الظاهري، في إيران. فلا فائدة ترجى من تطعيم شجرة قديمة بفروع شجرة جديدة بعد أن استهلكت أو تسممت. نعم يمكن أن نمد في إيران طرق وسكك حديدية وأن نستغل معادنها ومرافقها الطبيعية وأن ندرب جيشها ونكسي صانعيها وحرفييها، ولكنها لا تقترب بهذه الأعمال من مصاف الأمم المتمدنة إلا إذا وصلنا إلى صميم قلوب الرعية وأحدثنا انقلابًا كليًا جديدًا في الأنظمة والأخلاق القومية. وقد رسمتُ هذه الصورة للإدارة الإيرانية كما أعتقد صحتها حتى يطلع القراء الإنگليز على النظام الذي يواجه كل من أراد الإصلاح في تلك البلاد سواء من الأهالي أم من الأجانب لأنه لا بد وأن يرى ذلك الجدار الحديدي المنيع المبني على الأطماع والطبائع الغريزية المعادية لأفكار التقدم والترقي. والشاه نفسه، مهما كانت رغبته صادقة في التحديث، فإنه إلى حد ما، يقف في صف هذا النظام الخبيث، لأنه يدين له بثروته الخاصة، بينما أولئك الذين يدينون النظام بأعلى أصواتهم في الخفاء، ليسوا واقفين خلف أقرانهم خاشعي الرؤوس في معبد رِمون.(1) وفي كل منصب بعد الشاه، هناك افتقار شديد إلى روح المبادرة في الثورة ضد الطغيان السائد في العادات القديمة، وإذا كان رجل بقوة الشاه الحالي يقدر فقط على تجربة تلك الثورة، فمن ينهض ليدعو إلى تلك المبادرة؟‘

(من كتاب اللورد كرزون "إيران والمسألة الإيرانية")
________________________

(1) انظر الكتاب المقدس، الملوك 2، الأصحاح 5، الآية 18.

إجلال حضرة بهاءالله لمقام حضرة الباب
وكبار تلاميذه
(مقتطفات من "كتاب الإيقان")(1)

’فإنه مع كونه كان في سن الشباب فإنه قد قام مع هذا بأمر مخالف لكل أهل الأرض من الوضيع والشريف، والغني والفقير، والعزيز والذليل، والسلطان والرعية، كما سمع بذلك الكل، ولم يخَفْ من أحد، ولم يعتَنِ بأي نفس. فهل يكون هذا بغير أمر إلهي، ومشيئة مثبتة ربانية؟ قسمًا بالله لو يتطرق في فكر أحد أمر كهذا، ويتخيله في نفسه لينعدم في الحين، ولو يجتمع في قلبه كل القلوب، فإنه لا يتجاسر أيضًا على مثل هذا الأمر المهم، إلا بإذن من الله، وأن يكون قلبه متصلاً بالفيوضات الرحمانية، ونفسه مطمئنة بالعنايات الربانية. فيا هل تُرى عَلامَ يحملون هذا! أينسبونه للجنون كما نسبوه للأنبياء من قبل؟ أم يقولون بأنه تعرّض لهذه الأمور من أجل الرياسة الظاهرة، وجمع زخارف الدنيا الفانية؟

’سبحان الله إنه في أول كتاب من كتبه الذي سماه قيوم الأسماء، وهو أول جميع كتبه، وأعظمها وأكبرها، قد أخبر عن شهادته. وفي مقام منه ذكر هذه الآية قائلاً: "يا بقية الله قد فديت بكلي لك، ورضيتُ السبّ في سبيلك، وما تمنيت إلا القتل في محبتك وكفى بالله العلي معتصمًا قديمًا."

’... فهل يمكن أن يُنسب إلى صاحب هذا البيان بأنّه يمشي على غير الصراط الإلهي أو أنه طلب أمرًا بغير رضائه؟ إن في هذه الآية لمكنون نسيم انقطاع، بحيث إذا هبّ لينفق جميع هياكل الوجود أرواحهم، وينقطعون عن أنفسهم.

________________________
(1) الصفحات 195-196، 197، 198-200.

’... فانظر الآن كيف قد بلَّغت هذه السدرة الرضوانيّة السبحانيّة أمر الله في أول شبابها، وكم ظهر من الاستقامة من ذاك الجمال، جمال الأحدية، بحيث إنه قام كل من على الأرض على منعه، ولم يأتِ ذلك بثمر أو فائدة بل كلما كان يَرِد منهم من الإيذاء على تلك السدرة، سدرة طوبى، كلما كان يزداد شوقه، ويزداد اشتعال نار حبّه. وكل هذا واضح لا ينكره أحد إلى أن فدى أخيرًا بروحه وصعد إلى الرفيق الأعلى.

’... فحينما ظهر في شيراز ذاك الجمال الأزلي في سنة الستين وكشف الغطاء، فإنه في قليل من الزّمان قد ظهرت في جميع البلاد آثار الغلبة والقدرة، والسلطنة والاقتدار من ذاك الجوهر، جوهر الجواهر، وبحر البحور، بحيث إنه قد ظهرت من كل بلد آثار وإشارات ودلالات وعلامات من تلك الشمس اللاهوتية. وكم من رشحات علمية من ذلك البحر، بحر العلم اللدني، قد أحاطت جميع الممكنات، مع أن جميع العلماء وأعزّة القوم في كل بلد ومدينة قد قاموا على ردّهم ومنعهم، وشدّوا إزار الغل والحسد والظلم على دفعهم. وكم من نفوس قدسية قتلوها بتهمة الظلم، مع أنها كانت جواهر العدل. وكم من هياكل الروح قد أهلكوها بأشد العذاب، وما بدا منها إلا خالص العلم والعمل. ومع كل هذا كان كل واحد من تلك الوجودات ذاكرًا ومشغولاً بذكر الله إلى النفس الأخير، وطائرًا في هواء التسليم والرضا. وقد أثّر في هذه الوجودات وتصرف فيها على نحو لم يكن لهم مراد غير إرادته، ولم يبغوا أمرًا غير أمره. رضوا برضائه، وهامت قلوبهم بذكره.

’ففكر الآن قليلاً. هل ظهر من أحد في الإمكان مثل هذه القدرة والإحاطة؟ فإن جميع هذه القلوب المنزهة، والنفوس المقدسة، قد أسرع إلى موارد القضاء بكمال الرضا. وما ظهر منها في مواقع الشكاية إلا الشكران، وما شوهد منها في مواطن البلاء إلا الرضاء. وليس بخافٍ على أحد مقدار الغل والبغض والعداوة الذي كان يظهره كل أهل الأرض نحو هؤلاء الأصحاب بدرجة أنهم كانوا يعدّون الأذية والأذى لتلك الطلعات القدسية المعنوية علة الفوز والنجاة، وسببًا للفلاح والنجاح الأبدي. وهل وقع في البلاد في أي تاريخ من عهد آدم إلى الآن مثل هذه الغوغاء؟ وهل ظهر بين العباد مثل هذه الضوضاء؟ ومع كل هذه الأذية والإيذاء فإنهم كانوا عرضة للعن من جميع الناس، وهدفًا لملامة

كل العباد. كأن الصبر قد ظهر في عالم الكون من اصطبارهم، والوفاء قد وجد في أركان العالم من أفعالهم.

’وخلاصة الكلام عليك بأن تفكر في جميع هذه الوقائع الحادثة والحكايات الواردة، حتى تطّلع على عظمة الأمر وسموّه...‘

***
مميزات الشيعة في الإسلام

’إن النقطة الأساسية التي تختلف فيها الشيعة (وكذلك الفرق الأخرى المرتبطة بها والتي تدعى جميعها باسم الإمامية) عن أهل السنة هو معتقد الإمامة. فتبعًا لاعتقاد أهل السنة تتعين الخلافة بالانتخاب الحاصل من الأتباع ولا يمتاز الرئيس في العالم الإسلامي بشيء من المواهب الإلهية فلا يجمع في وظيفته سوى القوة الإدارية والدينية. أما في نظر الإمامية فالخلافة فيها أمر روحي ومنحة إلهية بحتة تعطى أولاً للرسول ثم للذين يخلفونه من بعده، وليس لها علاقة بالانتخاب ولا بتصديق العامة. وبالاختصار، الخليفة عند أهل السنة هو المدافع الظاهر عن الدين. وأما إمام الشيعة فهو خليفة الرسول وهو الملهم والمتحلي بالكمالات والمواهب الروحية وعلى جميع المؤمنين طاعته وحكمه قطعي ونهائي وحكمته فوق المستوى البشري وكلمته فصل الخطاب عند المؤمنين. ويطلق مصطلح الإمامية بشكل عام على كل من اتبع هذا الرأي دون التفات إلى الطريقة التي يعينون بها سلسلة التوريث ولذلك فهي تشمل الباقرية والإسماعيلية والشيعة الاثني عشرية، وهذه الفئة الأخيرة هي موضع اهتمامنا هنا. وحسب معتقد هؤلاء، فإن إثني عشر شخصًا تولوا منصب الإمام بالتتابع، وهم:

1. الإمام علي ابن أبي طالب أول المؤمنين وابن عم الرسول ﷺ قتله ابن ملجم في الكوفة سنة 40ﻫ (661م).

2. الحسن ابن علي وفاطمة ولد في السنة الثانية للهجرة وسمّمه معاوية الأول سنة 50ﻫ (670م).

3. الحسين ابن علي وفاطمة ولد سنة 4ﻫ وقتل في كربلاء في 10 محرم سنة 61ﻫ (10 أكتوبر/تشرين الأول سنة 680م).

4. علي ابن الحسين وشهربانو (بنت يزدگرد آخر ملوك الساسانية) ويسمى عادة بالإمام زين العابدين، وسمّمه الوليد.

5. محمد باقر ابن زين العابدين، المذكور أعلاه، وابن أم عبد الله بنت الإمام الحسن وسمّمه إبراهيم ابن الوليد.

6. جعفر الصادق ابن الإمام محمد باقر وسمّم بأمر المنصور الخليفة العباسي.

7. موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق، ولد سنة 129ﻫ وسمّم بأمر هارون الرشيد سنة 183ﻫ.

8. علي ابن موسى الرضا المدعو بالإمام الرضا، ولد سنة 153ﻫ وسمّم قرب طوس من أعمال خراسان بأمر الخليفة المأمون سنة 203ﻫ ودفن في مشهد التي سميت بذلك من أجله وتكتسب قداستها منه.

9. محمد تقي ابن الإمام الرضا، ولد سنة 195ﻫ وسمّم بأمر الخليفة المعتصم في بغداد سنة 220ﻫ.

10. علي نقي ابن الإمام محمد تقي، ولد سنة 213ﻫ وسمّم في سرّ من رأى سنة 254ﻫ.

11. الحسن العسكري ابن الإمام علي نقي ولد سنة 232ﻫ وسمّم سنة 260ﻫ.

12. محمد ابن الإمام حسن العسكري ونرجس خاتون، وتسميه الشيعة بالإمام المهدي حجة الله وبقية الله وقائم آل محمد. ويكنى بنفس كنية الرسول ﷺ وهي أبو القاسم وعند الشيعة لا يجوز لأحد أن يحمل هذا الاسم والكنية معًا بهذه الكيفية غيره. ولد في سرّ من رأى سنة 255ﻫ. وخلف والده في الإمامة سنة 260ﻫ.

’ويعتقد الشيعة أنه لم يمت بل اختفى في سرداب تحت الأرض في سرّ من رأى في سنة 329ﻫ، وأنه حيّ للآن ومحاط بطائفة من أتباعه المختارين في إحدى البلاد الغامضة جابلقا وجابلصا، وأنه سيظهر في آخر الأيام عندما تملأ الأرض بالظلم ويقع المؤمنون في اليأس، ويظهر قبله المسيح مبشرًا بظهوره، ويطيح بالكفار، ويؤسس السلام والعدل في العالم، ويبدأ العصر الذهبي الميمون لألف سنة. وطوال فترة الإمامة أي من سنة 260ﻫ لغاية الوقت الحالي كان الإمام المهدي مختبئًا ولا يصل إليه أحد من الأتباع وهذا ما يسمونه بالغيبة. وبعد أن تولى الإمام حسن العسكري الإمامة ودفن والده وسلفه اختفى عن نظر الناس إلا القليل من الذين انتخبهم ليكونوا واسطة بينه وبين أتباعه واحدًا بعد الآخر. وهؤلاء دعوا بالأبواب وأولهم أبو عمر عثمان ابن سعيد العمري، والثاني أبو جعفر محمد ابن عثمان وهو ابن الأول، والثالث حسين ابن روح نوبختي والرابع أبو الحسن علي ابن محمد السيمري. وعيّن أولهم الإمام حسن العسكري وأما الآخرون فعيّنهم الباب الموجود بموافقة الإمام المهدي وقد امتدت هذه المدة 69 سنة كان فيها الإمام معروفًا من الأبواب الذين كانوا الواسطة بينه وبين الناس. وكانت غيبته في هذه المدة تدعى بالغيبة الصغرى ثم جاءت الغيبة الكبرى فعندما حضرت الوفاة أبا الحسن علي، آخر الأبواب، طلب منه المؤمنون أن يعين خلفًا له لأنهم كانوا خائفين من انفصالهم انفصالاً كليًا ولكنه رفض طلبهم قائلاً "إن لله أمرًا هو بالغه". وبوفاته انقطعت كل صلة بين الإمام وبين علماء الدين وابتدأت بذلك الغيبة الكبرى وستستمر إلى رجعة الإمام في آخر الأيام.‘

("مقالة سائح"، الصفحات 296-299، الحاشية "و")
***
النسبة المحمدية
قريش
عبد مناف
عبد شمس
هاشم
أمية
عبد المطلب
خلفاء بني أمية
عباس
أبو طالب
عبد الله
الخلفاء العباسيون
محمد ﷺ
علي
فاطمة
حسين
حسن
ميلاد محمد ﷺ
20 أغسطس/آب سنة 570م
عمر بن الخطاب
634-644م
إعلان الدعوة
سنة 613-614م
عثمان بن عفان
644-656م
هجرته للمدينة
سنة 622م
علي بن أبي طالب
656-661م
أبو بكر الصديق
632-634م
خلفاء
دولة بني أمية
من 661-749م
العباسيون
من 749- 1258م
الفاطميون
من 1258-1517م
العثمانيون
من 1517-1918م
النظام القضائي في إيران
نظريًا وعمليًا
في أواسط القرن التاسع عشر

’... ينقسم القانون في إيران، بل لدى المسلمين عمومًا، إلى فرعين: الأول ديني عام وهو ما بني على الكتاب والشريعة الإسلامية ويطبقه أرباب الدين. والثاني هو القانون المدني وهو ما تطبقه المحاكم المدنية. وفي إيران يسمى الأول بالشرع والآخر بالعرف. ومن هذين الأصلين يتفرع النظام القضائي وهو إن لم يكن مبنيًا على العلم إلا أنه عملي من جهة التطبيق ويوافق مقتضيات وحاجات الذين دوّن لأجلهم بشكل عام. والأساس الذي بني عليه الشرع، أو القانون الديني، هو ما نطق به الرسول ﷺ في القرآن الكريم وآراء الأئمة الاثني عشر الذين لا يقل حكمهم في نظر الشيعة عن حكم الرسول ﷺ وكذلك تفاسير علماء الدين المرموقين. وهذه التفاسير هي التي وسعت دائرة الشرع كما وسعت قواعد وأحكام مجلس الشورى الشهير شريعة روما، أو كما وسعت تفاسير التلموديين النظام العبراني. وانقسم قوام الشريعة الناتجة واختصر تقريبًا إلى أربعة أقسام تتناول بالترتيب: الشعائر والفروض، المعاملات والواجبات، الأحوال الشخصية، وأخيرًا الدعاوى والإجراءات القضائية. وتطبق هذه الشريعة محكمة دينية مؤلفة من الملاّوات والمجتهدين ويساعدهم أحيانًا القضاة تحت رئاسة موظف يدعى شيخ الإسلام ويعين عادة في كل مدينة كبيرة من قبل الملك. وفي الأيام السالفة، كان رئيس هذه الفئة يسمى صدر الصدور المعين أيضًا من قبل الملك ويرأس جميع أرباب الدين والقضاة في المملكة. ولكن نادر شاه ألغى هذه الوظيفة عند قيامه ضد رؤساء الدين ولم تتجدد بعد

ذلك. وفي المدن الصغيرة والقرى يقوم بهذه الوظيفة الملاّوات الذين يستندون دائمًا على آية من القرآن. وأما في المحاكم العليا فإن الحكم يكون مكتوبًا معززًا بأدلة من الكتاب والتفاسير. وأما القضايا ذات الأهمية الكبرى فترفع إلى المجتهدين الأعلام وهم قليلو العدد ولا يصلون إلى هذا المقام إلا بالعلم والمقدرة والاطلاع مما يكون مشهودًا لهم به من العموم، وهم الذين لا تنقض أحكامهم إلا فيما ندر. ومذكور في كتب القانون في إيران أن القضايا الجنائية يحكم فيها الرؤساء الدينيون وأما القضايا المدنية فتحكم فيها المحاكم المدنية. إلا أنه في الواقع العملي لا يوجد هذا التمييز الواضح، ويختلف امتياز المحاكم باختلاف الأزمان تبعًا للتصادف أو الاختيار لا للضرورة، وفي الوقت الحاضر، ولو أن القضايا الجنائية المعقدة ترفع إلى المحاكم الدينية إلا أنها تنظر عادة في القضايا المدنية. أما مسائل البدع والهرطقة وتدنيس المقدسات فتعرض على المحاكم الدينية بطبيعة الحال وكذلك يحكمون في أحوال الزنا والطلاق وشرب الخمر، ولو أن الأخير لا يعتبر مخالفة حسب العرف المدني (في الواقع لو كانت مسألة أسبقية لكان السكر من أكبر المؤهلات في إيران) إلا أنه مخالف لنص القرآن ولذلك يقع في دائرة اختصاصهم...

’وهنا أنتقل من الشرع إلى العرف أو القانون العام. وهذا مبناه العادة ويختلف باختلاف الأماكن في إيران. وكذلك يختلف الحكم فيه باختلاف الشخص الذي يطبقه ومزاجه، فهو قانون غير مدوّن. وقضاة العرف هم القضاة المدنيون في أنحاء البلاد حيث لا توجد محاكم على النظام العلماني مثل الموجود في بلاد الغرب. وفي القرى ينظر الكدخدا (رئيس القرية) في القضايا، وأما في المدن فترفع القضايا إلى الداروغه، أي قاضي محكمة الشرطة، فيحكم في جميع المخالفات الصغيرة كمحكمة الشرطة في إنگلترا. والعقوبة في قضايا السرقة والاعتداء وأمثالها هي إعادة الشيء المسروق أو المخطوف أو ما يعادل قيمته المالية، وإذا كان ذلك غير ممكن فإن المذنب يجلد بقوة. أما القضايا الجنائية العادية فينظر فيها حاكم المدينة وأما الأكثر أهمية فترفع إلى حاكم الإقليم. واستئناف الأحكام الأخير يكون أمام الملك إذا كان المستأنف من بلاد قاصية. والعدالة التي تطبق بهذه الكيفية في إيران غير تابعة لأي قانون أو نظام مقرر. ولا ضمان لها سوى السمعة والإعلان لكن

المجال يتسع فيها خصوصًا في الدرجات الجزئية للرشوة والإكرامية. أما الداروغه فشهرته أنه قاس ومرتشٍ ويقول بعض الناس إنه لا يوجد أي حكم في إيران يصدر من أي موظف حتى في المراتب العليا إلا ويمكن الحصول عليه بالنقود والأموال.‘

("إيران والمسألة الإيرانية" للورد كرزون، الجزء 1، الصفحات 452-455)

مفتاح النسبة لحضرة الباب
1.
من ذرية الإمام الحسين وفاطمة وقطن في شيراز.
2.
حرم حضرة الباب.
3.
ملقب ﺑ"الأفنان الكبير".
4.
زوجة ميرزا زين العابدين.
5.
معروف ﺑ"سقا خان".
6.
زوجة الحاج ميرزا سيد حسن، ابن ميرزا علي.
7.
توفي عند الميلاد.
8.

ملقب ﺑ"الخال الأصغر" وهو الذي نزل له "كتاب الإيقان".

9.
ملقب ﺑ"الخال الأعظم" وهو أحد شهداء طهران السبعة.
10.

ملقب ﺑ"وكيل الدولة"، المساهم الأكبر في بناء مشرق الأذكار في عشق آباد.

11.

ملقب ﺑ"الوزير"، من أهالي نور في مازندران واسمه عباس.

12.
اسمه عباس.
13.
اسمه علي محمد.
14.
اسمه حسين علي.
15.
زوجة وكيل الدولة، الحاج ميرزا محمد تقي.
16.
الابن الوحيد للحاج ميرزا محمد.
17.
صهر حضرة عبدالبهاء.
18.
من ذرية الإمام الحسين، تاجر من أهالي شيراز.
19.
صهر حضرة عبدالبهاء.
20.
النجل الوحيد لميرزا أبو الفتح.
نسبة الباب واتصاله بسلالة بهاءالله
نسبة الباب واتصاله بسلالة بهاءالله
صفحة خالية
سلالة القاجار
فتح علي شاه
1798-1834م.
محمد شاه
1835-1848م.
ناصر الدين شاه
1848-1896م.
مظفر الدين شاه
1896-1907م.
محمد علي شاه
1907-1909م.
أحمد شاه
1909-1925م.
ميرزا أبو القاسم القائم مقام
الحاج ميرزا آقاسي
ميرزا تقي خان أمير النظام
ميرزا آقا خان النوري
سلالة دولة القاجار
سلالة دولة القاجار
صفحة خالية
اعتراف

بالامتنان للسيدة بلومفيلد لاقتراحاتها القيمة وللمراسل الإنگليزي الذي ساعد في تحضير المقدمة وللسيدة إ. هوگ لطبع النسخة الخطية على الآلة الكاتبة وللآنسة إيفي بيكر للصور الفوتوغرافية المصورة في هذا الكتاب.

المترجم
(حضرة شوقي أفندي)
***
محمد الزرندي، الملقب ﺑ"النبيل الأعظم"
ديباجة

كان من عزمي بفضل الله ومساعدته أن أخصص الصفحات الأولى من هذا التاريخ لذكر الروايات التي حصلت عليها فيما يخص النورين العظيمين الشيخ أحمد الأحسائي والسيد كاظم الرشتي، وكان أملي بعد ذلك أن أحكي بالترتيب الزمني أهم الأحداث التي حصلت منذ سنة 60 تلك السنة(1) التي أعلنت فيها دعوة حضرة الباب لغاية الوقت الحالي وهو سنة 1305ﻫ.(2)

وذكرت بعض الأحداث بالتفصيل واقتنعت في بعضها الآخر بذكر مختصر الوقائع ودونت وصف الأحداث التي شاهدتها بنفسي وكذلك التي سمعتها من ثقات الرجال ذاكرًا أسماءهم ومقاماتهم في كل حالة والذين أنا مدين لهم على الأخص هم ميرزا أحمد القزويني، كاتب وحي حضرة الباب والسيد إسماعيل الذبيح والشيخ حسن الزنوزي والشيخ أبو تراب القزويني والأخير الذي لم يكن له آخرًا هو ميرزا موسى، آقا كليم، أخو حضرة بهاءالله.

وإني أشكر الله الذي مكنني من كتابة هذه الصفحات الأولى ومن تبريكها وتشريفها بموافقة حضرة بهاءالله الذي تفضل بمراجعتها وحازت رضاه وقبوله بعد أن قرأها له كاتب وحيه ميرزا آقا جان وإني أطلب من القدير العون والهداية لئلا أخطأ في المهمة التي عزمت على إتمامها.

عكاء – فلسطين، 1305 هجرية
محمد الزرندي(3)
________________________
(1) 1260ﻫ (1844م).
(2) 1887-1888م.
(3) ولقبه الكامل "النبيل الأعظم".
صفحة خالية
استدراك لمترجم السفر إلى اللغة العربية

لما منّ الله تعالى عليّ بالنزوح إلى بلدة إسنا قاضيًا مبعدًا إلى أقاصي الصعيد بسبب قيامي على رد أحد مشايخ السنية فيما افتراه على البهائية السامية وجدت من فراغي هناك وقتًا ليس بقليل عكفت فيه على ترجمة كتاب مطالع الأنوار تهذيب مولانا العطوف حضرة ولي أمر الله أرواحنا لتراب عتبته فداء وهذا السفر الجليل مستقى أصلاً من تاريخ النبيل محمد الزرندي ومضاف إليه مقدمة وخاتمة من يراعة غصن دوحة البقاء الممتاز وفيه ألواح الباب بصورتها الأصلية وبخط يده المباركة إلا أنه لتحريره باللغة الإنجليزية كان أغلب قراء العربية محرومين من اجتلاء طلعته البهية ومبعدين عن اقتطاف أثماره الجنية ولذلك تطلعت نفسي إلى تقربهم إلى جنته العالية ومشاركتهم لباقي الأحباء المطلعين على الإنجليزية في التلذذ من نعماء مائدته السماوية واطلاعهم على حوادث البطولة والشهامة الممردة التي صدرت من شهداء الأمر مما يبقى على مرور القرون والأجيال وتتزين بها صحائف تاريخ العالم في دورته الجديدة ولعمري أنها لإحدى المعجزات وأعلى خوارق العادات مما لم يسمح بمثلها الزمان ولم تسمع بها الآذان ولم ترها الأعين ولا خطرت على قلوب البشر.

ورغم إني بذلت الجهد الجهيد لأقرب من بلاغة الترجمة الإنجليزية في نقلها إلى اللغة العربية إلا أني أعترف بعجزي وتقصيري عن أن أبلغ شأو معانيها أو أصل في تعبيري إلى سمو مبانيها فهي والحق يقال درّة فريدة وجوهرة منيعة وترجمة منيفة كما يشهد بذلك أساطين اللغة الإنجليزية وأين الثرى من الثريا. فليعذرني القارئ الكريم إن كان لا بد لمثلي من وجود بعض الأخطاء وخاصة في المطبعة رغمًا عن تكرار المراجعة وقد أردفت الكتاب بقائمة من الخطأ والصواب على قدر الإمكان فما لا يدرك كله لا يترك جله وإني أتضرع إلى عتبته المقدسة العليا أن تكون هذه الخدمة الضئيلة مقبولة وأن يثيبني بها جميل ذكره راجيًا ممن ينظر فيه من عالم فاضل أن يقبل ما يراه فيه من عثار ويسد ما يعثر عليه من خلل ويصلح ما طغى به القلم وقصر عنه الفهم وزاغ منه البصر.

الأحد 24 مارس سنة 1940م عبد الجليل سعد

يوم العظمة من شهر البهاء سنة 96 بديع
***
صورة 1
الشيخ أحمد الأحسائي
الفصل الأول
رسالة الشيخ أحمد الأحسائي

ظهر الشيخ أحمد الأحسائي،(1) نجم الهداية اللامع في أفق الشرق،(2) في وقت كانت شمس الحقيقة الإسلامية مختفية من أثر الجهل والتعصب والفساد الذي وقعت فيه الفرق المتجادلة، وقد لاحظ كيف أن الذين ينتمون للدين الإسلامي قد مزقوه شذر مذر وأضعفوا قوته وعكسوا مقاصده وحطوا من شأن اسمه المقدس. فكانت روحه ممتلئة بالحسرة على ما فشا بين شيعة الإسلام من الفساد والشرور والجدال. وإذ اهتدى بالنور الذي كان يشرق في باطنه(3) قام بنظر ثاقب وقصد معيّن وانقطاع تام ليحتج على خيانة أولئك القوم

________________________

(1) ’ولد في رجب سنة 1166ﻫ (24 أبريل/نيسان - 24 مايو/أيار سنة 1753م) في بلدة الأحساء من إقليم الأحساء في الشمال الشرقي من بلاد العرب.‘ ("مقالة في الشيخية" لنقولاس، الجزء 1، الصفحة 1) ’وولد شيعيًا ولو أن أجداده كانوا من أهل السنة.‘ (الصفحة 2) وتبعًا لبراون، ولد الشيخ أحمد سنة 1157ﻫ وتوفي سنة 1242ﻫ. ("مقالة سائح"، الحاشية إي، الصفحة 235)

(2) ’وكانت نسبته كما رواها نجله الشيخ عبد الله ما يأتي: الشيخ أحمد ابن زين الدين ابن إبراهيم ابن صخر ابن إبراهيم ابن ظاهر ابن رمضان ابن رشيد ابن دهيم ابن شمروخ ابن صولح.‘ ("مقالة في الشيخية" لنقولاس، الجزء 1، الصفحة 1)

(3) ’كتب السيد كاظم في كتابه "دليل المتحيرين" ما يأتي: ’’إن مولانا رأى الإمام الحسن عليه السلام ذات ليلة، وضع لسانه المقدس في فمه، فمن ريقه المقدس ومعونة الله تعلّم العلوم وكان في فمه كطعم السكر وأحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك. ولما استيقظ أصبح في خاصته محاطًا بأنوار معرفة الله طافحًا بأفضاله منفصلاً عن كل ما هو مغاير لله وزاد اعتقاده في الله في الوقت نفسه الذي ظهر فيه استسلامه لإرادة العليّ. وبسبب ازدياد شوقه والرغبة الشديدة التي استولت على قلبه نسي الأكل واللبس، اللهم إلا ما يسد به حاجته الضرورية.‘‘ ‘ ("مقالة في الشيخية" لنقولاس، الجزء 1، الصفحة 6)

المخادعين. وإذ كان واثقًا بنبالة مقصده طلب بحماس وهّاج ليس من أهل الشيعة فحسب بل من جميع أتباع الرسول محمد ﷺ في الشرق أن ينتبهوا من نوم غفلتهم ويهيئوا الطريق للذي سوف يظهر حتمًا بينهم عند تمام الوقت، والذي يقدر وحده بأنواره على محو ضباب الجهل والعمى الذي أحاط دينهم. وإذ ترك أهله وعشيرته وموطنه الواقع في إحدى جزائر البحرين جنوب الخليج الفارسي، استعد كما أمرته القدرة الإلهية أن يبين معضلات الكتابات الإسلامية التي كانت تشير إلى مجيء مظهر جديد. وكان عالمًا حق العلم بالأخطار والمصاعب التي تعترض طريقه والمسؤولية الساحقة الثقيلة لمهمته، فأضاءت في روحه شعلة الاعتقاد بأنه لا يمكن لأي إصلاح داخل الدين الإسلامي، مهما بلغ من الشدة، أن يأتي بنتيجة أو ثمرة في إنهاض هذا الشعب المنحرف من كبوته. وكان يعلم، كما قدرت له المشيئة الإلهية أن يبين، أنه لا يمكن إحياء ذلك الدين المتفسخ ولا إعادة طهارته الأولى إلا بظهور جديد مستقل كما شهدت وتنبأت بذلك الكتب الإسلامية نفسها.(1)

وإذ كان خلوًا من المتعلقات المادية ومنقطعًا عن كل ما سوى الله، قام في أوائل القرن الثالث عشر من الهجرة وله من العمر أربعين سنة وخصص ما بقي من أيام حياته للمهمة التي رأى نفسه مضطرًا للقيام بها. فسافر أولاً إلى النجف وكربلاء،(2) وفي بضع سنين هناك اطلع على أفكار علماء الإسلام وآرائهم ومشاربهم. وأقروا به بأنه من أقدر المفسرين للكتاب، ونال رتبة "مجتهد" وحاز قصب السبق على جميع أقرانه الذين أقاموا في ذين المدينتين المقدستين أو أتوا إليهما للزيارة. وأصبحوا يعتبرونه متبحرًا في أسرار الوحي الإلهي، ومؤهلاً لكشف المعضلات التي تحويها أحاديث الرسول محمد ﷺ وأئمة الدين. فلما ازداد تأثيره واتسعت دائرة نفوذه وجد نفسه محاطًا من كل الجهات

________________________

(1) ’وكان (الشيخ أحمد) يعلم بأن الله اختاره ليعد قلوب الناس لقبول الحق الذي سوف يظهر عن قريب وأنه بواسطته يسهل فتح الطريق إلى المهدي الإمام الثاني عشر المختفي، ولم يكتب ذلك بلغة واضحة مفهومة لئلا يمزقه الأشرار.‘ ("اتفاق الأجناس والأديان"، للدكتور چين، الصفحة 15)

(2) ’تقع كربلاء على شاطئ الفرات إلى الجنوب الغربي على بعد 55 ميل من بغداد، ويقع قبر الحسين في وسطها، وقبر أخيه العباس في الجزء الجنوبي الشرقي.‘ ("لمحة عامة عن تاريخ إيران" لماركهام، الصفحة 486) أما النجف فيقدسها الشيعة لأنها تحوي قبر الإمام علي.

بعدد متعاظم من الباحثين المخلصين الذين كانوا يرومون تنويرهم بدقايق الدين، فكان قادرًا على حلها جميعها. وبعلمه وإقدامه أوقع الرعب في قلوب الصوفية والأفلاطونية الجدد وغيرهم من أصحاب الفكر(1) ممن حسدوه على علمه وخشوا بأسه. وهكذا زاد اعتبارًا في أعين علماء الدين الذين يعتبرون هذه الطوائف من الفرق الباطلة. وكان مع ذلك لا يعبأ بالتكريم الذي يسديه له المعجبون به رغمًا عن اتساع دائرة علمه وشهرته واحترامه من الجميع، وكان يتعجب من شدة تعلقهم بالرتب والمناصب ولم يقبل أن يشاركهم في مقاصدهم.

وبعد أن أتم مهمته في ذين المدينتين واستنشق طيب الرائحة التي هبت عليه من إيران أحس في قلبه شوقًا جارفًا للإسراع إلى ذلك القطر. إلا أنه أخفى عن أصحابه الحامل الحقيقي الذي جعله يرحل إلى تلك الأرض. فمن طريق الخليج الفارسي أسرع إلى أرض محبوب قلبه متظاهرًا أنه يقصد زيارة ضريح الإمام الرضا في مشهد.(2) وامتلأ برغبة في رفع العبء عن روحه، وبحث باجتهاد عمن يمكنه البوح لهم بذلك السر الذي لم يبح به لأحد بعد. ولما وصل إلى شيراز، تلك المدينة التي ستر فيها الكنز الإلهي والتي سيرتفع صوت المنادي فيها بالأمر الجديد، ذهب إلى مسجد الجمعة الذي هو مشابه بدرجة كبيرة في هيئته وشكله للكعبة المشرفة. وكان غالبًا ما يقول وهو ينظر إلى ذلك البناء ’حقًا

________________________

(1) ’إن أخص عقايد الشيخ أحمد هي كما يأتي: ’إن جميع العلوم والمعارف موجودة في القرآن ولأجل فهم معاني بواطنه الكلية يقتضي معرفة العلوم ابتداء والاطلاع عليها ولأجل ايضاح هذه العقيدة كان يستعمل طرقًا حرفية في تفسير الكتاب، واجتهد أن يطبق عليه جميع أنواع العلوم المعروفة في العالم الإسلامي، وكان يبدي احترامًا زائدًا للأئمة وخاصة للإمام جعفر الصادق وهو السادس في ترتيب الأئمة وكان دائم الاقتباس من أقواله... وفيما يتعلق بأحوال الآخرة وقيام الأجساد، كان اعتقاده معدودًا من الهرطقة، فقد قرر أن جسم الإنسان مكون من أجزاء متباينة مستمدة من الطبائع الأربعة والأجسام التسعة السماوية، وأما الجسم الذي يقوم في يوم القيامة لا يتكون إلا من الأجزاء السماوية. وأما الطبائع الأربعة فإنها تعود إلى أصلها بمجرد الوفاة. أما هذا الجسم الهرقولي فهو الذي يعود.‘ وبسبب هذه الآراء اعتبره باقي العلماء مبتدعًا واتهموه بأنه يوافق آراء الملاّ صدرا أكبر فيلسوف إيراني في الزمن الحديث.‘ ("مجلة الجمعية الآسيوية الملكية" سنة 1889م، مقالة 12، الصفحتان 890-891)

(2) في القرن التاسع الميلادي دفنت رفات الإمام الرضا ابن الإمام موسى وثامن الأئمة الاثني عشر في مشهد.

إن لبيت الله علامات لا يعلمها إلا أولو الأبصار وإني أعتقد بأن الذي بناه موحى إليه من الله.‘(1) وكم كان يمتدح تلك المدينة بشغف وبدرجة أدهشت نبرة لهجته سامعيه الذين كانوا معتادين على رؤيتها! ولكنه كان يقول لهم ’لا تندهشوا فسوف ينكشف لكم قريبًا سرّ كلامي وإن منكم من يعيش ليرى جلال ذلك اليوم الذي اشتاق الأنبياء قديمًا لرؤيته.‘ ولجلالة قدر الشيخ في أعين العلماء الذين قابلوه وحادثوه، لم ينسبوا عدم فهمهم لكلماته إلا لقصور في إدراكهم لأسرار إشاراته.

ولما بذر بذور المعرفة الإلهية في قلوب الذين وجد فيهم الاستعداد لقبول ندائه، رحل إلى يزد ومكث فيها مدة منشغلاً باستمرار بنشر الحقائق التي رأى ضرورة الإفصاح عنها. وفي تلك البلدة كتب(2) معظم كتبه ورسائله وكان صيته وشهرته(3) قد وصلتا إلى درجة دفعت سلطان إيران فتح علي شاه إلى توجيه خطاب له(4) من طهران طلب منه فيه

________________________

(1) "وفي أرض الفاء (فارس) يوجد مسجد قد شيد في وسطه بناء شبيه بالكعبة (مسجد الجمعة) ولم يُبنَ ذلك البناء إلا علامة قبل ظهور الأمر من الله ببناء البيت في هذه الأرض [إشارة إلى منزل الباب في شيراز] طوبى لمن يعبد الله في تلك الأرض وإنا قد عبدناه هناك ودعونا الله لمن شيّد هذا البناء." ("البيان" الفارسي، الجزء 2، الصفحة 151)

(2) عدّد نقولاس في كتاب "مقالة في الشيخية" في الفصل الخامس نحوًا من 96 كتابًا مما كتبه الشيخ أحمد ومن بينها ذكر أشهرها كما يأتي: 1. شرح الزيارة على الجامعة الكبيرة للشيخ هادي 2. شرح آية "قل هو الله أحد" 3. الرسالة الخاقانية جوابًا لفتح علي شاه على سؤاله بخصوص امتياز القائم على أسلافه 4. رسالة في الأحلام 5. جواب الشيخ موسى البحريني بخصوص دعوى صاحب الزمان 6. جواب الصوفية 7. جواب الملاّ مهدي الأسترابادي في معرفة النفس 8. في نعيم وجحيم الحياة الأخرى 9. جواب الملاّ علي أكبر في أحسن الوسائل للوصول لله 10. في القيامة.

(3) ’وكان لنبأ وصوله رنة بين العلماء وخاصة أكابرهم الذين قابلوه بكل احترام والتفوا حوله وقلدهم في ذلك سكان المدينة وجاء جميع العلماء لمقابلته وكانوا يعتقدون أنه أشهر عالم بين أكابر العلماء.‘ ("مقالة في الشيخية" لنقولاس، الصفحة 18)

(4) ويقول نقولاس في "مقالة في الشيخية"، (الصفحتان 19-20) بأن الشاه أرسل له خطابًا آخر قال له فيه إنه يعلم أنه من الواجب عليه الذهاب إلى يزد لمقابلة العلاّمة الشهير والرجل القدسي الذي تبركت بأقدامه البلاد التي وطئها، إلا أنه لأسباب سياسية خطيرة لا يقدر في الوقت الحالي على مفارقة تخت المملكة وخاصة أنه لو سافر منها يكون مضطرًا لاصطحاب عشرة آلاف من الرجال والأتباع وتضيق بهم مدينة يزد الصغيرة، وقال إنه لذلك يرجو أن يتنازل الشيخ لزيارته، وزاد على ذلك بقوله: ’مع علمي الأكيد بحقارتي أمامك.‘

صورة 2
منظر عام للنجف

شرح بعض المسائل الإسلامية التي لم يقدر العلماء على بيان معانيها. فأجابه حالاً برسالة تسمى ﺑ"الرسالة السلطانية". فسُرَّ الشاه من عباراتها ومواضيعها لدرجة أنه دعاه بخطاب آخر لزيارة بلاط ملكه. فأجاب على ذلك الخطاب الملكي الثاني بكتابة الكلمات التالية: ’إني منذ غادرت النجف وكربلاء كنت وطدت العزم على زيارة ضريح الإمام الرضا في مشهد ولذلك أتعشم أن جلالة الملك يسمح لي بفضله بالبر بذلك القسم. ثم بعد ذلك إن شاء الله أتعشم أن أنعم بالشرف الذي أسداه إليّ جلالته.‘

ومن بين الذين انتبهوا لفحوى الدعوة التي قام بها ذلك المطلع للنور الإلهي في مدينة يزد، الحاج عبد الوهاب، وهو رجل ذو تقوى كبيرة ومستقيم ويخشى الله. وكان يزور الشيخ أحمد كل يوم بصحبة من يدعى الملاّ عبد الخالق اليزدي، الذي كان مشهورًا بنفوذه وعلمه. إلا أنه في مناسبات معينة كان الشيخ أحمد يرغب في محادثة عبد الوهاب على انفراد، فيطلب من عبد الخالق أن يتركه على انفراد مع تلميذه المحبوب، وكان هذا التفضيل المشهود لرجل أميّ مثل عبد الوهاب سببًا لدهشة زميله

الذي كان يظن نفسه أقدر وأعلم منه. ولكن فيما بعد عندما غادر الشيخ أحمد مدينة يزد، اعتكف عبد الوهاب واعتزل الناس، فظنوه قد زهد وتصوف. فقام عليه الرؤساء كنعمة الله والذهبي واتهموه بأنه دخيل ويريد أن يسلبهم سلطتهم. وأما عبد الوهاب الذي لم يكن منجذبًا لطريقة التصوف، فلم يكن له كبير اعتناء بادعاءاتهم واحتقر اتهامهم وأحجم عن صحبتهم. ولم يكن له من الأصحاب سوى الحاج حسن النائيني، الذي انتخبه كصديق حميم وأطلعه على السر الذي أدلى به إليه سيده. فلما قضي نحب عبد الوهاب، استمر ذلك الصديق في السبيل الذي أرشده إليه وكان يبشر كل شخص مستعد ببشارة قرب ظهور دين الله.

وقابلت في كاشان ميرزا محمود القَمصري الذي كان رجلاً مسنًا ويبلغ آنذاك التسعين من عمره ومحبوبًا ممن يعرفونه، وأخبرني بالرواية الآتية: ﴿أتذكر إني كنت أسمع وأنا صغير وقاطن في كاشان، أن رجلاً في بلدة نائين، كان يبشر الناس بقرب ظهور جديد وكل من يسمعه سواء من العلماء أو الموظفين أو العوام كان يقع تحت تأثير سحر كلامه فيزهد في الدنيا ويحتقرها. وإذ كنت أريد التحقق من صدق ذلك، سافرت إلى نائين دون إطلاع أصدقائي، وهناك تحققت من الرواية التي سمعتها عنه. وكانت طلاقة وجهه تحكي عن النور الذي اشتعل في روحه. وسمعته (الحاج حسن النائيني) ذات يوم يقول بعد أن أدى صلاة الصبح: ’عن قريب سوف تتبدل الأرض بالجنة وستكون بلاد إيران كعبة القصاد من جميع أمم العالم ويطوفون حولها.‘ وفي أحد الأيام رأيته لفرط دهشتي في الفجر ساجدًا يردد بإخلاص عبارة "الله أكبر" كثيرًا، ولدهشتي التفت إليّ وقال: ’إن الذي كنت أبلغك عنه قد ظهر، ففي هذه الساعة بالتحديد انبثق نور الموعود، وهو يضيء العالم بأنواره. يا محمود الحق أقول لك إنك سوف ترى وتشاهد بعينك يوم الأيام.‘ فبقيت تلك الكلمات التي خاطبني بها ذلك الرجل المقدس تدوي في أذني، إلى أن جاء اليوم الموعود في سنة الستين، فكان لي الشرف أن أستمع للنداء الذي علا من شيراز وكنت ويا للأسف بسبب مرضي غير قادر على الذهاب إلى تلك المدينة. وفيما بعد عندما وصل حضرة الباب صاحب الظهور إلى

صورة 3
صورة 4
فتح علي شاه وأنجاله

كاشان، ونزل ضيفًا مدة ثلاث ليال في منزل الحاج ميرزا جاني، لم أكن أعلم بزيارته، وبذلك منعت من شرف المثول بين يديه. وفيما بعد بينما كنت أتحادث مع أتباع أمر الله، علمت بتاريخ ميلاد حضرة الباب أنه يقع في أول محرم سنة 1235ﻫ،(1) ووجدت أن ذلك التاريخ لم يكن مطابقًا للتاريخ الذي تكلم عنه الحاج حسن النائيني، بل كان هناك فرق بمقدار سنتين بين التاريخين. فحيرني ذلك الأمر جدًا. ولكن بعد ذلك بمدة طويلة، قابلت الحاج ميرزا كمال الدين النراقي، الذي أخبرني بظهور حضرة بهاءالله في بغداد، وقص عليّ بعضًا من أبيات "القصيدة الورقائية" وبضع فقرات من "الكلمات المكنونة" الفارسية والعربية. فحركت تلاوة تلك الكلمات القدسية أعماق روحي، ولا زلت أذكر منها ما يأتي: "يا ابن الوجود فؤادك منزلي قدسه لنزولي وروحك منظري طهرها لظهوري"، "يا ابن الأرض إذا أردتني لا تطلب سواي ولو تنظر إلى جمالي فاغمض عينيك عن العالمين لأن إرادتي وإرادة غيري كالماء والنار لا يسكنان في قلب واحد." فسألت عن تاريخ ميلاد حضرة بهاءالله، فأجاب: ’في فجر اليوم الثاني من محرم سنة 1233ﻫ.‘(2) فتذكرت إذ ذاك كلمات الحاج حسن النائيني واليوم الذي نطق بها، فسجدت على الأرض لله قائلاً: ’سبحانك اللهم يا إلهي أحمدك على ما أشهدتني يومك الموعود، فإذا دعوتني إليك الآن، فإني أموت راضيًا مطمئنًا.‘﴾ وفي تلك السنة بالذات وهي سنة 1274ﻫ،(3) توفي ذلك الرجل الجليل المنير (محمود القَمصري)، وصعدت إلى الله روحه الطيبة.

وهذه الرواية التي سمعتها من فم ميرزا محمود القَمصري نفسه والتي هي لا زالت متداولة بين الناس، تشهد بقوة على عرفان الشيخ الأحسائي وبتأثيره البليغ على تلامذته المباشرين. فقد تم الوعد الذي أخبرهم به وانكشف السر الذي أشعل قلوبهم به بكل بهائه ومجده.

________________________
(1) يوافق 20 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1819م.
(2) يوافق 12 نوڤمبر/تشرين الثاني سنة 1817م.
(3) سنة 1857-1858م.
صورة 5
رسم ميرزا بزرگ
(والد حضرة بهاءالله)

وفي تلك الأيام التي كان الشيخ الأحسائي يستعد فيها للرحيل عن يزد، تحرك السيد كاظم الرشتي،(1) ذلك النور والعلم الإلهي الآخر، من إقليمه گيلان، لزيارة الشيخ أحمد قبل رحلته للحج في خراسان، وفي أول مقابلة له خاطبه الشيخ أحمد قائلاً: ’مرحبًا يا

________________________

(1) ’وكان السيد كاظم من أسرة مشهورة بالتجارة واسم والده آقا سيد قاسم ولما بلغ من السن اثني عشرة سنة كان يقطن في أردبيل قريبًا من قبر الشيخ صفي الدين إسحق من أولاد الإمام موسى الكاظم سابع الأئمة، وجدّ الملوك الصفوية، وفي ذات ليلة رأى احد أسلاف الشيخ يأمره بأن يكون تحت أمر الشيخ الأحسائي الذي كان مقيمًا إذ ذاك في يزد، فسافر بناء على هذا الأمر إلى هناك واندمج ضمن تلاميذ الشيخ أحمد ونبغ في تعاليمه لدرجة أنه اعتُرِف له بالإجماع عند وفاة الشيخ بأنه هو الرئيس للشيخية.‘ ("مقالة سائح"، الحاشية إي، الصفحة 238)

صديقي كم كنت أشتاق إليك، وانتظرتك لتخلصني من غرور هؤلاء الجهلاء، وإني لممتعض من عدم مبالاتهم وقلة خجلهم من أعمالهم وفسوقهم. "إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً"‘(1)

وكان السيد كاظم تظهر عليه من صغره علائم النجابة والقوة الروحية، فكان فريدًا بين معاصريه والذين في رتبته. وفي سن الحادية عشر حفظ القرآن كله غيبًا، ولما بلغ الأربعة عشر عامًا، حفظ كثيرًا من الأحاديث النبوية والصلوات والمناجاة. وفي الثامنة عشر من عمره كتب تفسيرًا لآية الكرسي، أدهش الكثيرين من أعظم علماء عصره، وكانت تقواه ولطف أخلاقه وتواضعه بدرجة يتأثر منها كل من يعرفه من الصغير والكبير.

وفي سنة 1231ﻫ(2) لما بلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا فقط، ترك الأهل والخلان وسافر من گيلان ليتشرف بلقاء من قام لإعلان قرب الظهور الإلهي. ولم يمكث مع الشيخ أحمد سوى بضعة أسابيع، حتى واجهه الأخير في أحد الأيام بهذه الكلمات: ’إلزم بيتك ولا تحضر دروسي. والذي يريد من تلاميذي وأصحابي أن يتحرى مسألة قد تحير منها ليذهب إليك ويتعلمها منك، فإنك بفضل الله وموهبته التي منحها لك، ستحل لهم المشكلات بما يطمئن قلوبهم وستحيي بقوة بيانك دين جدك محمد ﷺ الذي أهمله الناس.‘

وكانت هذه الكلمات التي خوطب بها السيد كاظم قد أشعلت نار الحسد في صدور تلاميذ الشيخ أحمد وأهاجت شجونهم، ومن بينهم الملاّ محمد الممقاني والملاّ عبد الخالق اليزدي. إلا أنه نظرًا لمهابة السيد كاظم وللدلائل الباهرة على علمه وحكمته، فقد انبهر أولئك التلاميذ واضطروا للخضوع.

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآية 72.
(2) سنة 1815-1816م.

وبعد أن سلم الشيخ أحمد تلاميذه لرعاية السيد كاظم، ارتحل إلى خراسان، وهناك استراح مدة في الجهات المجاورة لضريح الإمام الرضا في مشهد. وابتدأ في ذلك الإقليم أيضًا بنشر تعاليمه وواصل أعماله هناك بحماس شديد. فكان يحل معضلات الأمور لعقول الباحثين ويهيئ الطريق لمجيء المظهر القادم. وفي تلك المدينة ازداد شعوره بقرب مجيء اليوم الذي يولد فيه الموعود وبأن الساعة الموعودة كانت تقترب بسرعة، ومن ناحية بلدة نور، في إقليم مازندران، كان يشاهد علائم تشعشع أنوار فجر الظهور الموعود. وبالنسبة له فإن الظهور المنبأ عنه في الحديث التالي كان وشيكًا: "سترون ربكم كما ترون القمر ليلة أربعة عشر وستنكرونه"، وفي حديث آخر "إن من إشراط الساعة أن تلد الأَمَةُ ربّها."

فولى الشيخ أحمد وجهه شطر نور، وسافر إلى طهران ومعه السيد كاظم وبعض التلاميذ. ولما أُعلِم شاه إيران بقرب مجيء الشيخ أحمد إلى العاصمة، أمر كافة الأعيان والموظفين في طهران بالخروج لاستقباله. ووجههم لأن يرحبوا به غاية الترحيب نيابة عنه. واستضافه الشاه مع أصحابه ضيافة ملكية، وزاره الشاه بنفسه ووصفه بأنه فخر أمته وزينة رعيته.(1) وفي تلك الأيام ولد مولود في عائلة شريفة وقديمة من عائلات نور،(2) وكان والده ميرزا عباس المعروف بميرزا بزرگ وزيرًا مقربًا للعرش. وكان المولود هو حضرة بهاءالله.(3) ففي ساعة فجر اليوم الثاني من محرم سنة 1233ﻫ، وهي الساعة التي لم يشعر العالم بأهميتها، ولد مَن قُدّر له أن يهب العالم نعمًا لا تحصى. وكان الشيخ أحمد، الذي أدرك تمامًا معنى ذلك الحدث، يريد أن يمضي بقية أيامه بالقرب من بلاط هذا المولود

________________________

(1) ’وكان الشاه يشعر بزيادة احترام وتقدير الشيخ ويعتقد أن من الفرض عليه طاعته وأن مخالفته كفر. وحصلت في تلك الأيام جملة زلازل في الري وسقطت جملة منازل ورأى الشاه في الرؤيا من قال له لولا وجود الشيخ أحمد لكانت المدينة قلبت رأسًا على عقب وقتل جميع السكان، فانتبه مرعوبًا وزاد اعتقاده في الشيخ.‘ ("مقالة في الشيخية" لنقولاس، الجزء 1، الصفحة 21)

(2) يقول ميرزا أبو الفضل في كتاباته أن نسبة حضرة بهاءالله يمكن تسلسلها إلى أنبياء إيران القدماء وكذلك إلى الملوك الذين حكموا تلك البلاد قبل احتلال العرب لها.

(3) واسمه ميرزا حسين علي.

الملك السماوي. ولكنه لم يروِ غلته ولا شفا ظمأه، واضطر أن يستسلم لأمر الله ويغادر مدينة محبوبه وسار إلى كرمانشاه.

وكان الأمير محمد علي ميرزا، أكبر أنجال الشاه حاكم كرمانشاه وأقدر عضو في أسرته، قد استأذن جلالة الملك أن يمكّنه من القيام بشخصه على خدمة الشيخ أحمد(1) ولما كان الأمير محبوبًا من الملك، أذن له في ذلك. وودع الشيخ أحمد طهران مفوضًا أمره إلى ما قُدّر له. وقبل مفارقته لتلك المدينة دعا الله بمناجاة أن يحفظ هذا المولود الجديد ويبارك هذا الكنز الرباني وأن يعترف مواطنوه ببهائه وبركته اعترافًا كليًا وأن يعلنوا تفوق أمره لسائر الأمم والأقوام.

ولما وصل الشيخ أحمد إلى كرمانشاه، عزم أن ينتخب جماعة من أخلص مريديه ووجه اهتمامه إليهم وأمرهم أن يكونوا على أهبة الاستعداد لنصرة الأمر الجديد الموعود. وفي سلسلة كتبه ورسائله التي حررها وخاصة في كتابه المعروف ﺑ"شرح الزيارة" عدّد مناقب الأئمة بلغة عالية ممتازة وجعل جلَّ اهتمامه الإشارة الواردة في أقوالهم بالنسبة لظهور الموعود. وكان يكرر كلمة "الحسين" مشيرًا بذلك إلى الحسين الموعود، وكذلك كان يشير إلى "علي"، ولم يكن مقصوده ذلك الذي قُتل، بل الذي ولد حديثًا. وكان يشير في إجاباته عن الأسئلة الخاصة بعلامات ظهور القائم الموعود إلى ضرورة قرب ظهوره. وفي السنة التي ولد فيها حضرة الباب، توفي ابن الشيخ المسمى علي، فكان يقول لتلاميذه الذين تأسفوا على وفاته: ’لا تحزنوا لأني قدمت ابني عليّ، فداء للعليّ الذي تنتظرونه جميعًا، وإني ربيته وأعددته لذلك.‘

وكان حضرة الباب المدعو "علي محمد"، قد ولد في شيراز في أول محرم سنة 1235ﻫ من بيت مشهور بالشرف والعترة النبوية ومن سلالة الرسول، وكان والده السيد محمد رضا من ذرية الرسول، كما كانت والدته أيضًا من العائلات العريقة في النسب، وطابق تاريخ ولادته الحديث المروي عن الإمام علي أمير المؤمنين، حيث قال: "إني

________________________

(1) ’وكانت كرمانشاه تنتظره بفارغ الصبر وكان الأمير محمد علي حاكمها قد أخرج المدينة بأسرها لملاقاته وشيد خيامًا لاستقباله في "شاه گيلان" ومشى الأمير أمامه لغاية "تاج عباد" التي تبعد 4 فراسخ عن المدينة.‘ ("مقالة في الشيخية"، لنقولاس، الجزء 1، الصفحة 30)

أصغر من ربّي بسنتين." وبقي سرّ هذا الحديث مستورًا إلا للذين بحثوا وعرفوا حقيقة هذه الرسالة الجديدة. وقال حضرة الباب في أول كتبه وأعظمها عن حضرة بهاءالله: "يا بقية الله قد فديت بكلي لك ورضيت السبّ في سبيلك وما تمنيت إلا القتل في محبتك وكفى بالله العلي معتصمًا قديمًا وكفى بالله شاهدًا ووكيلاً."

وبينما كان الشيخ أحمد يجول في كرمانشاه، أظهر له الأمير محمد علي ميرزا، علائم الخضوع التام حتى أنه في ذات يوم أشار إلى الأمير قائلاً عنه: ’إني أعتبر محمد علي ابني ولو أنه من نسل فتح علي.‘ وكان كثير من الطلاب والتلاميذ يحضرون إلى منزله ودرسه، فلم يكن يعِر اهتمامًا خاصًا لأحد من أتباعه سوى السيد كاظم، وتبين أنه أفرده من بين الجماهير الذين التفوا حوله وأعده بكل قوته لإتمام عمله بعد وفاته. وسأله يومًا أحد التلاميذ عن الكلمة التي يتفوه بها الموعود في وقته وهي التي يفرّ منها نقباء الأرض والثلاثمائة وثلاثة عشر رئيسًا في الأرض، وهي التي يمتلئون منها رعبًا لعدم قدرتهم على تحمّلها. فأجابه الشيخ قائلاً: ’كيف تقدر على تحمّل كلمة لا يقدر على تحمّلها نقباء الأرض؟ فلا تطمع في المحال ولا تعد تطلبه، ولا تسألني هذا السؤال، واطلب من الله المغفرة.‘ ولكن السائل المغرور أصر على السؤال ملحًا في طلب معنى تلك الكلمة، فأجابه أخيرًا الشيخ أحمد بقوله: ’لو فرض وبلغت ذلك اليوم، وقيل لك فيه اترك ولاية عليّ وأنكر صحتها، فماذا عسى أن يكون جوابك؟‘ فصاح ذلك التلميذ: ’لا قدّر الله ذلك، فلا يمكن أن يحصل هذا أبدًا، فلا يعقل أن تصدر مثل هذه الكلمات من لسان الموعود.‘ وبهذه العبارة امتحن التلميذ وخفّت موازين إيمانه وظهر نقصها، لأنه لم يعلم أن الذي يظهر قد وهب له من السلطة ما لا يمكن لأي إنسان أن يعارضه أو يناقشه فيها، لأنه مظهر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والذي يتردد أو يجادل في ذلك أقل من آن، إنه محروم من فضله ومحسوب من الغافلين. ومع ذلك لم يلتفت أحد في تلك المدينة من تلاميذ الشيخ أحمد إلى المعنى المقصود من قوله، ولا انكشفت أسراره إلا للقليل منهم.

وبعد وفاة الأمير محمد علي ميرزا،(1) نقل الشيخ أحمد مسكنه إلى كربلاء حيث تخلص من رجاء الأمير في إطالة مدة إقامته في كرمانشاه، ومع أنه بحسب الظاهر كان

________________________
(1) سنة 1237ﻫ.

يدور حول ضريح سيد الشهداء الإمام الحسين، إلا أن قلبه كان، وهو يقوم بأداء فرائض الزيارة، يدور حول حسينه الحقيقي الذي كان مقصود فؤاده في دعواته. وقد حضر جمهور غفير من العلماء لملاقاته، وأخذ الكثيرون يحسدونه على شهرته، وأراد العديدون النيل من سلطته، ولكنهم أخفقوا في سعيهم للحط من مقامه بين علماء تلك المدينة. وأخيرًا دعي ذلك النور المضيء لإرسال أشعته على مدينتَي مكة المكرمة والمدينة المنورة، فسافر إليهما، وهناك تابع بإخلاص تام أعماله وجعل مضجعه الأخير بجوار قبر النبي الذي أتعب حياته في نشر تعاليمه وبيان حقيقة دينه.

وقبل مبارحته كربلاء، أوصى السيد كاظم خليفته وزوده بسر رسالته(1) وطلب إليه أن يبذل الجهد في إشعال قلب كل باحث بما يجعل باطنه متوقدًا، ورفض أن يأذن له في مرافقته إلى النجف، كما كان السيد كاظم يلحّ به، وكانت كلماته الختامية له وهو يودعه: ’لا تضيع الوقت بل اغتنم كل ساعة تمر وأشدد أزر الهمة واجتهد ليل نهار في أن تزيل بعون الله ومحبته وقدرته تلك الحجب والغشاوة التي أعمت الناس، فالحق أقول لك إن الساعة قريبة، تلك التي طلبت من الله أن ينجيني من مشاهدتها، لأن زلزلة الساعة شيء عظيم. فاسأل الله أن ينجيك من محنة ذلك اليوم وهوله، لأننا كلانا لا نقدر أن نتحمل قوتها الجارفة وسيحمل ثقلها غيرنا ممن هم أشد بأسًا وقوة، رجال قلوبهم مقدسة عن أهواء هذا العالم وقوتهم مستمدة من قوة الله القدير.‘

ولما أتم الشيخ أحمد هذه العبارة ودّعه وشجعه على أن يقابل المصاعب والامتحانات التي ستأتيه ووكله إلى حفظ الله. وفي كربلاء اجتهد السيد كاظم في نشر وإكمال تعاليم الشيخ أحمد ودافع عن أمره وأجاب عن كل سؤال، مما حيّر عقول أتباعه وزاد في حسد معارضيه الجهلاء الذين كانوا يصيحون في وجهه قائلين: ’إننا تحملنا تعاليم الشيخ

________________________

(1) ذكر نقولاس في مقدمته لكتاب "رسالة في الشيخية": ’أقتبس الآتي من الأقوال التي تنسب للشيخ أحمد مما قاله للسيد الرشتي: ’’لا يوجد سوى السيد كاظم الرشتي الذي يعرف مقصدي ولا يقدر أن يفهمه أحد خلافه، فاطلبوا علومي من السيد كاظم الرشتي، فقد تلقاها مني مباشرة وهي التي تلقيتها من الأئمة الذين تلقوها من رسول الله ﷺ. فهو وحده الذي يعرف مغزى كلامي.‘‘ ‘

الادعائية مدة أربعين سنة دون أي معارضة من جانبنا، والآن يدعي السيد مثل ادعائه، فلا يمكننا والحالة هذه تحملها أو السماح بنشرها فهو لا يعتقد بقيامة الجسد، وينكر المعراج الجسماني ويعتبر علامات اليوم الأخير أنها استعارية وجميع ذلك مخالف لقواعد الإسلام الصحيحة، فآراؤه التي يقوم على نشرها بدعة مضلة.‘ ولكن السيد لم يعبأ بصيحاتهم واستمر في مجهوده، وكلما زاد صخبهم كلما زاد ثباتًا عملاً بالوصية. وأخيرًا أرسل خطابًا إلى الشيخ يعلمه فيه بالمصاعب التي حلّت عليه والتهم التي وُجهت ضده، ويسأله فيه عن مقدار الزمن والوقت الذي يستطيع فيه أن يتحمل جهل هؤلاء القوم العنودين وتعصبهم وعن الوقت والميعاد الذي يظهر فيه الموعود حتى يتخلص من مجابهتهم. فأجابه الشيخ بقوله: ’ثِق بفضل الله ولا تحزن من أعمالهم، فسيظهر الله سرّ هذا الأمر وينكشف الغطاء عن مكنون الرسالة، ولا أزيدك شيئًا على هذا ولا أعيّن لك(1) زمنًا معينًا، وستعلمنّ نبأه بعد حين(2) ولا تسألوا عن أشياء إن تبدُ لكم تسؤكم.‘

فما أعظم وما أسمى الأمر الذي كُتبت بسببه مثل هذه الكلمات إلى شخص عظيم مثل السيد كاظم، وكان جواب الشيخ أحمد مما طمأن خاطر السيد وقواه على متابعة عمله بمضاعفة المجهود الأول مستمرًا على مقاومة هجمات العدو الحسود الماكر.

________________________

(1) أشار حضرة الباب نفسه إلى هذه الفقرة في "الدلائل السبعة" وأيدها بقوله: "وهذا معروف من أقوال الشيخ أحمد الأحسائي وتوجد دلائل لا تحصى خاصة بهذا الظهور، فمثلاً كتب بيده للسيد كاظم الرشتي قائلاً ’كما أنه ينبغي لبناء المنزل وجود الأرض، كذلك يلزم لهذا المظهر من قيام الوقت، ولكن الآن لا يمكن الإجابة عن تحديد هذه الساعة، ومع ذلك فهي معلومة على وجه اليقين.‘ فكل هذا الذي سمعته بنفسك مرارًا من السيد كاظم ألم يكن واضحًا؟ ألم يكرر قوله ’ألا ترضون أن أذهب ويظهر لكم الله‘" ("الدلائل السبعة"، ترجمة نقولاس، الصفحة 58) وفيه أيضًا الحكاية الآتية الخاصة بالشيخ أحمد في طريقه إلى مكة المكرمة، فإن بعضًا من تلامذته رووا أنهم سمعوا بأن الملاّ عبد الخالق ومرتضى قلي قالا أن الشيخ أخبرهما يومًا قائلاً: ’صلوا حتى لا توجدوا في يوم الظهور والرجعة لأنه سوف توجد حروب أهلية كثيرة وإذا عاش أحدكم ليرى هذا الوقت يشاهد أمورًا عجيبة بين سني 60، 67، وأعجب الكل نفس المظهر، فسوف تشاهدون أمرًا عجيبًا لأن الله إذا أراد نصرة هذا المظهر يظهر هيكلاً يتكلم عن نفسه ودون أن يتعلم من أحد.‘ (الصفحتان 59-60)

(2) بحسب حساب أبجد، كلمة "حين" تساوي من العدد 68، وفي سنة 1268ﻫ أظهر حضرة بهاءالله أمره كما يعلم من القصائد التي كتبها في تلك السنة.

وتوفي الشيخ أحمد بعدها بفترة قصيرة في سنة 1242ﻫ وكان عمره 81 سنة،(1) ووضع جسده في مقبرة البقيع(2) في المدينة المنورة، وراء حائط مرقد الرسول ﷺ.

***
________________________

(1) ’توفي في مكان يدعى الحَدِّة بجوار المدينة.‘ ("مقالة في الشيخية" لنقولاس، الجزء 1، الصفحة 60)

(2) ’ونقل جسده إلى المدينة ودفن في مقبرة البقيع خلف حائط القبة النبوية إلى جهة الجنوب تحت ميزاب المحراب، ويقال أن هناك أيضًا قبر فاطمة أمام "بيت الحَزَن".‘ ("مقالة في الشيخية"، الصفحتان 60-61) ’وقد أعقب وفاة الشيخ أحمد لمدة بضعة أيام هدوء. ويظهر أن الأهواء قد سكنت وذلك في وقت أصيب فيه الإسلام بنكبة وتضعضعت قوته، لأن إمبراطور روسيا أخضع أممًا إسلامية، وأغلب البلاد المأهولة بالمسلمين وقعت فريسة لجيش موسكو.‘ ("مقالة في الشيخية" لنقولاس، الجزء 2، الصفحة 5) ’وكان قد ظن أنه بوفاة الشيخ أحمد تنقرض تعاليمه وتتلاشى، ومرت سنتان ساد فيهما الهدوء، إلا أنه لم تمض تلك المدة إلا ورؤي أن تعاليمه قد أشرقت على العالم مرة أخرى بواسطة السيد كاظم الرشتي، أقدر تلاميذه.‘ (الصفحتان 5-6)

الفصل الثاني
رسالة السيد كاظم الرشتي

إن أخبار وفاة معلمه المحبوب قد أحزنت قلب السيد كاظم وامتلأ منها أسى. ولكنه تشجع بالآية الكريمة في القرآن "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون"،(1) ونهض بعزم لا يحيد لإتمام المهمة التي ائتمنها عليه الشيخ أحمد. وقد وجد نفسه من بعد رحيل ذلك المدافع الممتاز ضحية للألسن اللاذعة والعداوة المتأصلة من الناس حوله. فهاجموا شخصه واستهزؤا بتعاليمه ولطخوا اسمه. وقد تعاضد أعداء السيد كاظم معًا بتحريض من زعيم شيعي شرير ذي نفوذ كبير يدعى السيد إبراهيم القزويني وأخذوا في عمل تدبير لإهلاك السيد كاظم. ولذلك خطط الأخير للحصول على مساعدة أحد أعظم رجال الدين في إيران من الرؤساء البارزين وهو الحاج السيد محمد باقر الرشتي الذي كان مقيمًا في إصفهان، وكانت سلطته تمتد خارج حدود تلك المدينة. وفكر السيد كاظم في أنه يمكن أن يعتمد على صداقته وعطفه ليواصل نشاطاته بلا عائق، ويوطد نفوذه على تلاميذه. فكان غالبًا يُسمع وهو يقول لهم: ’هل فيكم مَن يقدر أن يسافر إلى إصفهان منقطعًا عن كل شيء ويوصل هذه الرسالة مني لهذا السيد العلاّمة ويقول له: ’’لماذا أظهرت في مبدأ الأمر احترامًا ومحبة للشيخ أحمد، والآن فجأة تركت جماعة أتباعه وانفصلت عنهم؟ ولماذا تركتنا تحت رحمة أعدائنا؟‘‘ ولعل هذا الرسول يقوم متوكلاً على الله ويفسر لذلك السيد العالم كل ما أشكل على عقله ويزيل

________________________
(1) سورة التوبة، الآية 32.

كافة الشكوك التي أوجبت ابتعاده، ثم يأخذ منه إقرارًا بصحة تعاليم الشيخية ووجاهتها وشهادة منه بعلو شأن الشيخ أحمد، فإذا توفق في ذلك يذهب أيضًا إلى مشهد وهناك يحصل على إقرار مماثل من ميرزا عسكري، أكبر عالم في تلك المدينة المقدسة وبعد إتمامه لهذه المأمورية، يعود ظافرًا إلى هذا المكان.‘ وكان السيد يكرر هذا الطلب كلما حانت الفرصة. فلم يرضَ أحد بتحمل هذه المشاق سوى ميرزا محيط الكرماني، الذي أظهر استعداده للقيام بهذه المأمورية. فأجابه السيد كاظم قائلاً: ’احذر أن تمسّ ذيل الأسد، فلا تقلل من صعوبة مثل هذه المهمة أو من حساسيتها.‘ ثم التفت إلى تلميذه الشاب الملاّ حسين البشروئي، باب الباب(1) وخاطبه بهذه الكلمات: ’قُم أنت وأتمم هذه المأمورية، لأني أعتبرك كفؤًا لها، وسوف يساعدك القدير عليها ويكلّل جهودك بالنجاح.‘

فوثب الملاّ حسين بكل فرح وقبّل طرف رداء معلمه وتعهد بالولاء له، وقام توًا لرحلته. وبانقطاع تام وعزم شريف اضطلع بأعباء هذه المأمورية. وإذ وصل إلى إصفهان طلب في الحال الحضور أمام السيد العلاّمة، ومع إنه كان مرتديًا لباسًا بسيطًا ويعلوه غبار السفر، إلا إنه ظهر في وسط تلاميذ ذلك العالم الشهير، الذين كانوا جميعهم في أفضل ملابسهم، وكأنه شخص نكرة. ودون أن يشعر بقدومه أحد وبغير خوف سار إلى أن وصل إلى مقعد مواجه لذلك المعلم البارز. وإذ استجمع لعونه كل ذرة من الشجاعة والثقة التي ألهمته بها تعليمات السيد كاظم، خاطب الحاج السيد محمد باقر بهذه الكلمات: ’اسمع كلماتي أيها السيد، لأن بإجابة رجائي تضمن سلامة دين رسول الله، وبرفض التفكر في رسالتي تسبب أضرارًا بليغة له.‘ وقد تركت هذه الكلمات الجريئة، التي نطقت بشكل مباشر وقوي، انطباعًا مدهشًا لدى السيد. فقطع درسه فجأة ولم يعبأ بالتلاميذ الحاضرين واستمع بالتفات إلى الرسالة التي جاء بها هذا الزائر الغريب. ولكن تلاميذه الذين دهشوا من ذلك السلوك العجيب زجروا الدخيل المفاجئ واستنكروا ادعاءاته الجريئة. فأشار الملاّ حسين في أدب كبير ولغة وقورة إلى جفائهم وسخافتهم

________________________

(1) كان أول من آمن بحضرة الباب، الذي لقّبه بهذا اللقب.

وأظهر دهشته من صلفهم وغرورهم. وسُرّ السيد من براعة هذا الزائر ومنطق حديثه، واستنكر سلوك تلاميذه واعتذر عنهم. ولأجل تعويض جحودهم أظهر سروره لمقدم هذا الشاب وأكرمه وعبر عن دعمه له ورجاه أن يعرض رسالته. فعرّفه الملاّ حسين بطبيعة المأمورية التي عهدت إليه وهدفها. فأجاب السيد العلامّة: ’حيث أننا كنا في البداية نعتقد أن الشيخ أحمد والسيد كاظم لم يروما سوى تقدم مصالح الدين المقدسة، فقد شعرنا أننا ملزمون بتقديم دعمنا المخلص وتمجيد تعاليمهما. ولكن في السنوات الأخيرة لاحظنا وجود بيانات متناقضة عديدة وإشارات خفية في كتاباتهما، بحيث وجدنا من الحكمة أن نلتزم السكوت ردحًا من الزمن وأن نمتنع عن المدح أو القدح فيها.‘ فأجاب الملاّ حسين: ’لا يسعني إلا الأسف على سكوتك هذا لأني أعلم بيقين أن في ذلك ضياعًا لفرصة ثمينة لإعلاء كلمة الحق. فعليك أن تظهر ما بدا لك في كتاباتهما من إبهام أو تناقض مع تعاليم الدين وأنا أفسر لك معانيه الحقيقية بمعونة الله تعالى.‘ وكانت مهابة هذا الرسول المفاجئ ووقاره وثقته قد أدهشت الحاج السيد محمد باقر، الذي رجاه في أن لا يستعجل الموضوع في الوقت الحالي وأن يُرجئه إلى يوم لاحق يكونان فيه على انفراد ويتمكن فيه من إطلاعه على ظنونه وشكوكه. فلم يقبل الملاّ حسين التسويف لاعتقاده أن ذلك قد يضر بالأمر المحبّب لقلبه. وصمم على ضرورة عقد الاجتماع توًا والمفاوضة في المسائل الخطيرة التي أظهر استعداده لحلها وبيانها. فجرت دموع السيد من تأثره من حماس ذلك الشاب ومن الإخلاص والمصداقية البادية على وجهه. فأرسل من أحضر بعض كتب الشيخ أحمد والسيد كاظم وشرع يسأل الملاّ حسين عن تلك الفقرات التي أثارت استياءه ودهشته. فكان الرسول يجيبه عن كل واحدة منها بحماس مميز ومعرفة فائقة وتواضع لائق.

واستمر الملاّ حسين على هذا المنوال في محضر التلاميذ المجتمعين يعرض تعاليم الشيخ أحمد والسيد كاظم ويظهر أحقيتها ويدافع عن عقيدتهما حتى قطع صوت المؤذن تدفق سيل براهينه مناديًا للصلاة. وفي اليوم التالي، استمر أمام جمع غفير من الحضور الذي يمثل مختلف الفئات، في دفاعه البليغ عن المهمة السامية الموكلة من العناية الإلهية

إلى الشيخ أحمد وخليفته. وكان في أثناء ذلك يقف في مقابلة السيد. وساد صمت عميق على مستمعيه الذين أخذهم العجب من ترابط حججه وأسلوب حديثه. فوعد السيد علنًا أنه سوف يصدر شخصيًا في اليوم التالي بيانًا مكتوبًا يشهد فيه بعلو مقام كل من الشيخ أحمد والسيد كاظم، وأن كل من يخالف طريقتهما يخالف في الوقت نفسه دين الرسول نفسه. وأنه يشهد لهما كذلك بقوة بصيرتهما الكاشفة وصحة فهمهما وبلاغة إدراكهما للأسرار المودعة في دين محمد ﷺ. وبرّ السيد بوعده وكتب بيده الإعلان الذي وعد به. وكانت كتابته مفصلة، وامتدح في شهادته شخصية الملاّ حسين وعلمه. وتكلم بعبارات التفخيم والإجلال للسيد كاظم واعتذر عن موقفه السابق وأبدى أمله بأنه في مستقبل الأيام يتدارك ما فاته بسبب تصرفه المؤسف تجاهه. وقرأ بيانه بنفسه لتلاميذه وسلمه مفتوحًا للملاّ حسين، وصرح له بأن يطلع من يشاء عليه حتى يعلم الخاص والعام إخلاصه للسيد كاظم الرشتي.

وما أن استأذن الملاّ حسين في الانصراف، حتى أمر السيد أحد مرافقيه الموثوقين أن يتبعه ويعلم مقره. فتبعه المرافق ووجده قد دخل بناءً بسيطًا يستخدم كمدرسة(1) ورآه يدخل غرفة تخلو من الأثاث إلا من سجادة بالية غطت أرضها. وراقبه وهو يصلي ويشكر الله، ثم نام على السجادة ولم يجد سوى عباءته يتغطى بها. وما أن أعلم المرافق سيده بكل ما شاهده، حتى كلفه الأخير بإرسال مبلغ 100 تومان،(2) ونقل اعتذاره لعدم تمكنه من توفير الضيافة المناسبة لرسول مميز مثله بما يليق بمقامه. وإزاء ذلك العرض أرسل الملاّ حسين الرد التالي: ’قل لسيدك إن عطيته الحقيقية هي روح الإنصاف التي استقبلني بها وعقله المتحرر الذي قاده، رغم مكانته المرموقة، للاستجابة لرسالة جاء بها غريب بسيط

________________________

(1) ’المدارس في إيران هي في أيدي العلماء وهناك العديد منها في كل بلدة كبيرة. وتتألف عادة من فناء تحيط به أبنية تشمل غرفًا للتلاميذ والمعلمين، ولها باب من جهة واحدة وأحيانًا يوجد بها حديقة وبئر في وسط الفناء... وكثير من هذه المدارس تأسس بدعم من الملوك والصلحاء.‘ ("لمحة عامة عن تاريخ إيران" لماركهام، الصفحة 365)

(2) مبلغ كبير في تلك الأيام.

مثلي. فأرجع إلى سيدك النقود لأني كرسول لا أريد مكافأة ولا جزاء. "إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا."(1) ودعائي لسيدك هو أن لا تمنعه الرئاسة الأرضية أبدًا عن الشهادة والاعتراف بالحق.‘(2) وكانت وفاة الحاج السيد محمد باقر قبل سنة الستين التي شهدت ميلاد دعوة حضرة الباب. وكان لآخر لحظة من حياته نصيرًا راسخًا ومعجبًا مخلصًا للسيد كاظم.

ولما أتم الملاّ حسين الجزء الأول من مهمته، أرسل شهادة الحاج السيد محمد باقر الخطية إلى مولاه في كربلاء، ووجه خطاه نحو مشهد مصممًا على توصيل الرسالة المكلف بها إلى ميرزا عسكري على أفضل وجه ممكن. وما كاد الخطاب الذي يتضمن شهادة السيد يصل إلى السيد كاظم، حتى ابتهج الأخير وأرسل إلى الملاّ حسين ردّه مقدرًا كفاءته على أداء المأمورية وقيامه بها خير قيام. وكان قد ابتهج بالرد الذي وصله بحيث قطع درسه وتلا لتلاميذه كلاً من رسالة الملاّ حسين والشهادة الخطية المرفقة بها. وفيما بعد شاركهم بالرسالة المطولة التي كتبها للملاّ حسين، اعترافًا منه بالخدمة الفريدة التي أدّاها له. وفيها أظهر ما هو عليه من الكفاءة والأخلاق المرضية وأطراه إطراءً شديدًا على استعداده وعلو كعبه، حتى أن بعض الذين سمعوا ذلك المديح ظنوا أن الملاّ حسين هو المنتظر الذي كان سيدهم يشير إليه دائمًا ويقول أنه موجود بينهم ولكنهم لا يعرفونه وهو مستور عنهم. وكانت تلك الرسالة قد حثت الملاّ حسين على تقوى الله التي يعتبرها أقوى أداة لمقاومة هجوم الأعداء عليه والعلامة المميزة لكل مؤمن بالدين. وكانت الرسالة

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الإنسان، الآية 9.

(2) يشير حضرة الباب في "الدلائل السبعة" إلى الملاّ حسين بقوله: "أنت تعلم بنفسك من هو أول من اعترف بهذا الأمر وتعلم أن أغلب علماء الشيخية والسيدية وغيرهم من الأحزاب أعجبوا بعلومه ومواهبه، ولما دخل إصفهان صاح غوغاء المدينة قائلين عند مروره: ’آه آه قد حضر طالب مسكين!‘ ولكن هذا الرجل قد أفحم سيدًا مشهورًا بالعلم وقوة برهانه وهو محمد باقر. حقًا إن ذلك أحد دلائل هذا الظهور لأنه بعد وفاة هذا السيد، ذهب هذا الرجل لمقابلة أغلب علماء الإسلام ولم يجد الحق إلا عند رب الحق، وبذلك وصل إلى ما قدر له. حقًا إن خلق هذا الظهور من الأول للآخر يغبطونه وسوف يغبطونه إلى يوم يبعثون ومن الذي يقدر أن يتهم سلطان العلم والحكمة بضعف العقل أو خفته؟" ("الدلائل السبعة"، ترجمة نقولاس، الصفحة 54)

مكتوبة بقالب المحبة حتى أن كل من يقرأها لا يشك في أن كاتبها يودّع فيها تلميذه المحبوب ويقطع الأمل في رؤيته مرة أخرى في هذا العالم.

وفي تلك الأيام كان السيد كاظم يزداد يقينًا باقتراب الساعة التي يظهر فيها الموعود(1) ويدرك كثافة الحجبات التي تمنع الباحثين عن إدراك مجد الظهور المستور. ولذلك بذل جهده تدريجيًا بالحكمة والحذر في إزالة تلك الحجب والعقبات التي تقف في سبيل الاعتراف الكامل بكنز الله المستور. وكرر مرارًا لأتباعه أن يعوا حقيقة أن الموعود الذي ينتظرون مجيئه لا يظهر من جابلقا ولا من جابلصا.(2) بل لمّح إلى وجوده في وسطهم. وغالبًا ما قال: ’ترونه بأعينكم ولكنكم لا تعرفونه.‘ وكان يقول لتلاميذه الذين يسألونه عن علائم الظهور: ’إنه من نسل شريف من سلالة رسول الله من سبط هاشم. وهو حديث السن وعلمه لدنّي وليس مقتبسًا من تعاليم الشيخ أحمد بل من الله. وإن علمي ليس إلا كقطرة بالنسبة إلى بحر علمه، وإنجازاتي ليست إلا كذرة من التراب أمام عجائب فضله وقدرته. بل لا مجال للمقارنة بينهما، فأين الثَرى من الثريا. وإنه لمتوسط القامة ولا يشرب الدخان وعلى غاية من الاستقامة والصلاح والتقوى.‘(3) وكان بعض تلاميذ السيد يظنون أنه هو الموعود رغم تأكيداته بخلاف ذلك، وظنوا أن جميع العلائم تنطبق عليه. ومن بينهم كان الملاّ مهدي الخوئي الذي ذهب في اعتقاده إلى درجة أن أعلنه جهرًا. فانزعج السيد جدًا وكان على وشك طرده من جملة أتباعه المختارين لولا أنه بادر برجاء المغفرة وعبّر عن توبته.

________________________

(1) وقد أبان حضرة الباب في "الدلائل السبعة" في هذا الخصوص ما يأتي: "والذي رواه عند انتهاء سفره من الذي سمعته بنفسك فهل لم يكن يروى لك؟ وكذلك حكاية ميرزا محمد الأخباري التي رواها عبد الحسين الشوشتري فإنه سأل السيد المحترم ذات يوم وهو في الكاظمين قائلاً: ’متى يكون ظهور الموعود؟‘ فأدار السيد عينيه في المجلس ثم قال له: ’وإنك أنت سوف تراه.‘ وقد حكى الملاّ محمد تقي الهراوي أيضًا هذه الرواية في إصفهان." ("الدلائل السبعة"، ترجمة نقولاس، الصفحة 58)

(2) انظر مقدمة هذا الكتاب في "مميزات الشيعة في الإسلام".

(3) ’وكان السيد الرشتي في أواخر أيامه يعتقد بأن المظهر موجود وكثيرًا ما كان يشير إلى ذلك بقوله إني أراه كالشمس المشرقة.‘ ("اتفاق الأجناس والأديان" للدكتور چين، الصفحة 19)

صورة 6
منظر كربلاء

ومما حكاه لي الشيخ حسن الزنوزي بنفسه أنه كانت تساوره مثل تلك الشكوك، بحيث طلب من الله أن يثبته في اعتقاده إذا كان صائبًا وإلا فليخلصه من هذا الوهم. وروى لي ذات مرة: ﴿ كنت اضطربت من هذا الأمر لدرجة إني لم آكل ولم أشرب ولم أنَم جملة أيام، وكنت أصرف أيامي في خدمة السيد كاظم الذي كنت متعلقًا به جدًا. وذات يوم ساعة الفجر أيقظني فجأة الملاّ نوروز أحد مرافقيه وأمرني بانفعال أن أقوم وأتبعه. فذهبنا إلى منزل السيد كاظم حيث وجدناه مرتديًا كامل ملابسه وعليها عباءته ومستعدًا لمغادرة منزله، ثم قال: ’لقد حضر شخص جليل القدر وواجب علينا زيارته نحن الاثنين.‘ وكان الفجر قد انبثق ووجدت نفسي أسير معه في شوارع كربلاء. وسرعان ما وصلنا إلى منزل كان يقف على بابه شاب كأنه ينتظر مقابلتنا. وكان يلبس عمامة خضراء وظهرت على محياه علامات الخشوع واللطف مما لا أقدر أن أصفه. وتقدم نحونا بهدوء ومد يديه نحو السيد كاظم وعانقه بكل محبة، وكان وده ولطفه في معانقة السيد لا يقلان عن احترام السيد له احترامًا عميقًا، وقد قابل أشواق واحترام الشاب المتكررة بالتزام السكوت

وإحناء الرأس. وسرعان ما أخذنا إلى غرفة في طابق علوي مزينة بالزهور ومعطرة بأطيب عبير وأمرنا بالجلوس، وكان السرور قد شملنا بدرجة أننا لم نكن نشعر بالمقاعد التي جلسنا عليها. وشاهدنا كوبًا من فضة موضوعًا في وسط الغرفة، وسرعان ما ملأه مضيفنا الشاب بعد جلوسنا مباشرة وناوله للسيد كاظم قائلاً: "وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا."(1) فأمسك السيد كاظم بالكأس من يده وانتهله وامتلأ هيكله بسرورٍ فائق لم يتمكن من

صورة 7
مدخل ضريح الإمام الحسين في كربلاء
________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الإنسان، الآية 21.

إخفائه. وأنا أيضًا أعطاني كوبًا من ذلك المشروب لكنه لم يخاطبني بأي كلمة. واقتصر الحديث في تلك المناسبة الخالدة على الآية القرآنية السابقة. ثم بعد هنيهة قام المضيف وودعنا عند عتبة باب المنزل. ولفرط عجبي انعقد لساني ولم أقدر أن أعبّر عن شدة إكرامه وترحيبه وجلال هيكله وجمال ذلك الوجه ولذة ذلك المشروب. وكم كانت دهشتي إذ رأيتُ معلمي قد نهل ذلك المشروب المبارك دون أدنى تردد من الكأس الفضي، مع أن

صورة 8
ضريح الإمام الحسين في كربلاء

استعمال هذا المعدن محرم على المؤمنين حسب قواعد الإسلام. ولم يمكنني أن أعلّل سبب شدة احترام السيد وإجلاله لذلك الشاب احترامًا لا يُسدى حتى عند مشاهدة مرقد سيد الشهداء. وبعد ثلاثة أيام، رأيت الشاب نفسه قد وصل واحتل مقعده وسط حلقة تلاميذ السيد كاظم. وجلس قريبًا من العتبة وكان يستمع لدرس السيد بذات الأدب والوقار. وبمجرد أن وقعت عيناه على ذلك الشاب، سكت السيد عن الحديث وبقي ساكنًا. فترجّاه أحد تلاميذه أن يكمل مناقشته للموضوع الذي لم يكتمل، فأجاب السيد كاظم قائلاً: ’ماذا أقول لكم زيادة عن ذلك؟‘ ولفت وجهه نحو شخص حضرة الباب، ثم قال: ’انظروا! إن الحق أظهر من شعاع الشمس الواقع على هذا الحِجر.‘ وفي الحين لاحظتُ أن أشعة الشمس التي أشار إليها السيد كانت واقعة في حجر هذا الشاب الذي زرناه قريبًا. فاستفسر السائل: ’ولماذا لا تكشف لنا عن اسمه أو تظهر لنا شخصه؟‘ فأشار السيد إلى حنجرته بإصبعه، يعني إنه لو كشف ذلك لتعرّض كلاهما للقتل في الحال. وقد زاد ذلك في حيرتي وكنت قد سمعت من معلمي مرارًا، بأن ضلال هذا الجيل كان بدرجة أنه لو أشار بإصبعه إلى الموعود وقال: ’هذا هو محبوب قلبي وقلبكم‘ لأنكروه وما قبلوه. وقد رأيت بنفسي السيد يشير بإصبعه إلى حجر ذلك الشاب، ومع ذلك لم يفقه أحد من الحاضرين المعنى المقصود من الإشارة. وأما أنا فكنت مقتنعًا بأن السيد لا يمكن أن يكون هو الموعود، ولكن بعض السر المستسر علينا جميعنا أصبح يحوم حول هذا الشاب الغريب الجذّاب. وأردت أن أتجاسر عدة مرات بالتقدم نحو السيد لسؤاله عن كشف هذا السر، ولكن هيبته وشخصيته القوية كانتا تحولان دون ذلك، وكثيرًا ما كنت أسمعه يقول: ’يا شيخ حسن! افرح لأن اسمك حسن، فابتداؤك حسن وانتهاؤك حسن، وإنك تشرفت إذ عشت في أيام الشيخ أحمد وتقابلت معي وفي المستقبل سيكون لك فرح عظيم لأنك سترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.‘

وكنت كثيرًا ما أشعر باشتياق لمقابلة هذا الشاب الهاشمي لوحدي لأكشف سرّه. وكنت أراقبه واقفًا وقفة تبتل على باب مرقد الإمام الحسين وهو مستغرق في مناجاته حتى كأنه غير شاعر بمن حوله، وكانت الدموع تذرف من عينيه، وتنحدر من فمه كلمات لا

تزيد عنها الآيات المقدسة لديننا في الحسن والقوة والشرف. ويردد كثيرًا عبارة "يا إلهي ومحبوبي ومرغوب قلبي" بكل عشق حتى إن الحجاج الزائرين القريبين منه كانوا كثيرًا ما يقطعون صلواتهم ويستمعون لآيات الرحمة والخشوع التي تظهر من وجه ذلك الشاب. وكانوا مثله يذرفون الدموع مدرارًا ويتعلمون منه درس الوله الحق. وكان هذا الشاب يعود بسكون بعد إتمام صلاته إلى منزله دون أن يجتاز عتبة المرقد ودون أن يتكلم مع الذين حوله. وقد شعرت برغبة في مخاطبته، وكنت كلما حاولت الاقتراب منه أجد قوة تحجزني عنه مما لا أقدر على تفسيرها أو مقاومتها. وبالسؤال عنه علمْتُ أنه مقيم في شيراز ويشتغل بالتجارة ولم ينتمِ إلى أي من الفرق الدينية. وأُخبرت أيضًا أنه هو وأخواله وأقاربه من المعجبين بالشيخ أحمد والسيد كاظم. وسمعت بعد ذلك أنه سافر للنجف في طريقه إلى شيراز. وكان ذلك الشاب قد أشعل قلبي وذكراه لا تغيب عن مخيلتي وكانت روحي متعلقة بروحه حتى ذلك اليوم الذي سمعت فيه أن شابًا في شيراز ادعى أنه الباب. فلمعت في بالي فورًا الفكرة بأن ذلك الشخص لا يمكن أن يكون سوى محبوب قلبي، ذلك الشاب الذي رأيته في كربلاء.

ولما سافرت من كربلاء إلى شيراز فيما بعد، علمت أنه سافر للحج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وعند عودته قابلته واجتهدت أن أكون في صحبته رغم كل العقبات في طريقي. فلما حبس في قلعة ماه كو في مقاطعة آذربيجان، كنت أكتب الآيات التي أملاها على كاتبه. ولمدة تسعة أشهر قضاها سجينًا في تلك القلعة، كان كل ليلة، بعد إتمام صلاته، يملي تفسيرًا لجزء من القرآن الكريم. وكان في كل شهر يكمل تفسيرًا كاملاً على القرآن بأجمعه، فكمل في أثناء حبسه في ماه كو تسعة تفاسير للقرآن، وكانت هذه التفاسير قد أودعت عند شخص يدعى السيد إبراهيم الخليل وكان مأمورًا بإخفائها إلى أن يأتي الوقت لنشرها، ولم يُعرف مصير هذه التفاسير إلى الآن.

وذات يوم سألني حضرة الباب بخصوص أحد هذه التفاسير قائلاً: ’أيهما تفضله في نظرك، هذا التفسير الذي أنزلته الآن أم "أحسن القصص"، ذلك التفسير السابق على سورة يوسف؟‘ فقلت له: ’في نظري يبدو "أحسن القصص" زاخرًا بقوة أعظم

وروعة أجمل.‘ فتبسم لملحوظتي وقال: ’إنك للآن لم تعرف لحن هذا التفسير الأخير. فإن الحقائق المدونة فيه تمكّن الباحث للوصول إلى مبتغاه في وقت أسرع وفاعلية أكبر.‘

وكنت ملازمًا لحضرته باستمرار إلى أن حصلت واقعة الشيخ الطبرسي العظيمة، ولما سمع بها حضرة الباب أمر جميع أصحابه أن يسرعوا إلى تلك البقعة ويقدموا ما أمكن من العون للقدوس، تلميذه البطل الممتاز. وذات يوم قال لي: ’لولا حبسي في جبل شديد، قلعة چهريق، لكان من الواجب عليّ معاونة محبوبي القدوس شخصيًا، ولكنك أنت غير مفروض عليك الاشتراك في هذا القتال بل عليك أن تذهب إلى كربلاء وتمكث في تلك المدينة المقدسة لأنه قدر لك أن ترى بعينيك جمال وجه الحسين الموعود. وعندما تنظر إلى وجهه المضيء، تَذكّرَني وعبّر له عن خالص محبتي وولائي.‘ ثم أكد على ذلك وأضاف قائلاً: ’حقًا أقول لك، إني أوكلت إليك مأمورية كبيرة، فاحذر من أن يوهن قلبك أو تنسى هذا الفخر الذي منحته لك.‘

وبعدها بوقت قصير سافرت إلى كربلاء، كما أُمرت، ومكثت في تلك المدينة المقدسة. وخوفًا من أن يثار الارتياب بسبب طول إقامتي في مركز الحجاج ذاك، قررت أن أتزوج. وابتدأت أتعيش من الكتابة. وكم من المصائب حلت بي من الشيخية الذين ادّعوا أنهم من أتباع الشيخ أحمد، ومع ذلك لم يعرفوا حضرة الباب! ولكني صبرت على أذاهم متذكرًا نصائح ذلك الشاب الحبيب. وفي أثناء ذلك أطلق ذلك الشاب المقدس من سجنه الأرضي، وباستشهاده تخلص من القسوة الوحشية التي طبعت بها السنوات الأخيرة من حياته.

ومضى على شهادة حضرة الباب ستة عشر شهرًا قمريًا إلا اثنين وعشرين يومًا، إلى أن جاء يوم عرفة سنة 1267ﻫ.(1) فبينما أنا أسير عند الباب الداخلي من مرقد الإمام الحسين، وقعت عيني لأول مرة على حضرة بهاءالله. فما أذكر عن ذلك الوجه الذي رأيته! فإن جمال

________________________

(1) وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، الموافق 5 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1851م.

ذلك الوجه وكمال هيئته ولطف محياه الذي لا يقدر القلم على وصفه وكذلك لمحاته النافذة ووداعة وجهه وجلال هيكله وحلاوة ابتسامه وغزارة ضفائر شعره السوداء الحالكة المتدلية، قد أثرت في نفسي تأثيرًا عميقًا. وكنت في ذلك الوقت طاعنًا في السن منحني الظهر، فما أحلى محبته إذ اقترب مني وأخذه بيدي حينما تكلم معي بصوت لا يضاهى جمالاً ولا قوة! وخاطبني بهذه الكلمات: ’إني عزمت في هذا اليوم أن أشهرك في كربلاء بأنك بابي.‘ وجعل يتكلم معي وهو ممسك بيدي ونحن نسير في شارع السوق، وأخيرًا قال لي: ’احمد الله إذ بقيت في كربلاء حتى رأيت بعينيك وجه الحسين الموعود.‘ فتذكرت إذ ذاك وعد حضرة الباب الذي كنت أظن إن كلماته كانت تشير إلى مستقبل بعيد ولم أكُن شافهتُ بها أحدًا. فحرّكت كلمات حضرة بهاءالله هذه لبّي إلى أعمق درجة وشعرت بأني مجبور في ذلك الوقت على أن أعلن بكل روحي وبما أوتيت من قوة نبأ ظهور الحسين الموعود. ولكنه أمرني أن أكتم مشاعري وأخفي عواطفي وهمس في أذني قائلاً: ’مهلاً، فإن الساعة آتية قريبًا، ولكنها لم تدقّ بعد، فاطمئن واصبر.‘ ومنذ ذلك الوقت زالت جميع أحزاني وطفح السرور على روحي، وكنت في تلك الأيام فقيرًا جدًا لحد الجوع، ولكني شعرت بأني ثري جدًا بحيث أن جميع كنوز الأرض تلاشت أمامي بالنسبة لما ملكته للتو. وهذا من فضل الله يعطيه لمن يشاء وهو الواسع الكريم.﴾

وسأعود الآن بعد هذا الابتعاد عن الموضوع إلى أصل مطلبي. فكنت أشير إلى شوق السيد كاظم لكشف السبحات التي حالت بين معاصريه من الخلق وبين معرفة المظهر الموعود. ففي الصفحات التمهيدية من كتابيه، وهما "شرح القصيدة" و"شرح الخطبة"،(1) كان يشير بكنايات إلى اسم حضرة بهاءالله المبارك، وفي آخر كتيب أنشأه، ذكر اسم حضرة الباب بالتحديد بإشارته إلى عبارة "ذكر الله أعظم". وفيه كتب مخاطبًا ذلك الذِّكْر:

________________________

(1) خصص نقولاس الفصل 2 من الجزء 2 من "مقالة في الشيخية" في تعداد المائة وواحد وثلاثين رسالة من رسائل السيد كاظم، وأهمها: 1. شرح الخطبة التطنجية 2. شرح القصيدة 3. تفسير آية الكرسي 4. أسرار شهادة الإمام الحسين 5. في الهيئة 6. دليل المتحيرين. ويقال أن رسائله زادت على 300 رسالة. ("مقالة سائح"، الحاشية إي، الصفحة 238)

أخاف عليك من قومي ومني
ومنك ومن مكانك والزمان
ولو إني وضعتك في عيوني
إلى يوم القيامة ما كفاني(1)

وكم عانى السيد كاظم على أيدي أهل الشرور والفساد! فما أنكى الأذى الذي كان ذلك الجيل الفاسق يوقعه به! وكان لسنين يتحمل بسكون وهدوء جميع الشتائم والسخرية التي كانت تكال له. ولكن قدر له ليرى في أواخر أيامه كيف أن يد الغيب المنتقمة قد أهلكت جميع معانديه الذين كانوا يكيدون ويدبرون له. فأتباع السيد إبراهيم ذلك العدو اللدود للسيد كاظم تجمعوا في تلك الأيام ونادوا بقصد جلب الأذى والخطر على حياة خصمهم القوي. وبكل وسيلة سعوا إلى تسميم عقول أصدقائه ومعجبيه وتقويض سلطته وتلويث اسمه. ولم يرتفع أي صوت للاحتجاج ضد هؤلاء الخائنين الأشرار الذين كان كل منهم يدعي أنه مفسر للعلم الحقيقي وأنه مكمن أسرار دين الله. ولم يحذرهم أو ينبههم

________________________

(1) وقد أورد نقولاس في كتابه "مقالة في الشيخية" (الفصل الثالث، الجزء 2، الصفحة 43) القطعة الآتية من كلام السيد كاظم في كتابه "شرح القصيدة" قال: ’ويقوم في كل مائة مَن يروج الأحكام ويبين الحلال من الحرام فيظهر ما كان مخفيًا ويفصل ما كان مجملاً في المائة السابقة ويبين ما كان مبهمًا فيها وبالجملة فذلك العالم الكامل الفاضل يروي غصن الشريعة ويخضر عودها إلى أن يبلغ الكتاب أجله ويتم تمام الماية الثانية عشر. وإذا ظهر بعض الكاملين وأظهر بعض البواطن للبالغين الواصلين كان بيانه مخفيًا وتلك المطالب كانت مطوية... فلما تمت الماية الثانية عشرة وتمت الدورة الأولى المتعلقة بالظواهر لشمس النبوة والاثني عشر دورة لقمر الولاية من حيث التبعية فتمت الدورة وتمت مقتضياتها والكرّة الثانية والدورة الأخرى لبيان أحكام ظهور البواطن والأسرار المخفيات والمختبئات تحت الحجب والأستار. وبعبارة أخرى إن الدورة الأولى وهي الاثني عشر مائة لشمس النبوة لتربية الأبدان والأرواح المتعلقة بها، مثاله الجنين في بطن الأم، والكرّة الثانية لتربية الأرواح المقدسة والنفوس المجردة غير المرتبطة بالأجسام مثاله تربية الأرواح بالتكليف في هذه الدنيا، فلما تمت الدورة الأولى لشمس النبوة التي هي متعلقة بتربية الظواهر التي هي مقتضى ظهور اسم محمد (ﷺ) أتت الدورة الثانية لشمس النبوة التي هي متعلقة بتربية البواطن. والظواهر في هذه الدورة تابعة كما أن الدورة الأولى لتربية الظواهر والبواطن كانت تابعة، فكانت هذه الدورة الثانية فيها اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في السماء وهو أحمد فكان المروّج والرئيس في رأس هذه المائة المسمى بأحمد ولابد أن يكون من أعذب أرض وأحسن هواء." انتهى. ويزيد نقولاس على ذلك في الحاشية بقوله: "وربما كانت اشارة اسم أحمد إلى الشيخ أحمد، ولكنه لا يمكن القول بأن الأحساء هي أعذب أرض، فبالعكس من ذلك فإنه يفهم من جميع أقوال الشعراء في إيران اتفاقهم على التغني بمدح شيراز وأن هواءها لا يفوقه هواء ويمكن الرجوع لأقوال الشيخ فيما يختص ببلاده.‘

أحد من سوء أعمالهم، فجمعوا جموعهم وأشعلوا فتنة شعواء ونجحوا في طرد مندوب الحكومة العثمانية من كربلاء شر طردة واستولوا بأنفسهم على الموارد المخصصة له إرضاء لأطماعهم الحقيرة. فتحركت الحكومة المركزية في إسطنبول نتيجة لموقفهم المعادي وأرسلت ضابطًا حربيًا إلى بؤرة الثورة ومعه التعليمات الكاملة لإطفاء نيران العصيان. فحاصر الضابط المدينة بالقوة التي كانت معه وأرسل إلى السيد كاظم رسالة يطلب فيها أن يهدّئ أفكار الشعب الهائج. ورجاه أن ينصحهم بالاعتدال ويطلب منهم أن يخففوا من عنادهم وأن يخضعوا لحكمه. وأنهم لو سمعوا نصحه فإنه يعدهم بتحقيق سلامتهم وحمايتهم ويعلن العفو العام ويجتهد فيما يعزز رفاهيتهم. وأما إذا رفضوا الانصياع، فإنه ينذرهم بأن حياتهم تكون في خطر وتنزل عليهم مصيبة عظمى بالتأكيد.

وبمجرد وصول الرسالة الرسمية إلى السيد كاظم، أحضر رؤساء الفتنة ونصحهم بغاية الحكمة أن يكفوا عن الهيجان وأن يسلّموا أسلحتهم. وتكلم معهم في ذلك ببلاغة مقنعة وإخلاص وانقطاع حتى لانت قلوبهم وخفتت مقاومتهم. وعزموا على فتح أبواب القلعة في صباح اليوم التالي، وأن يسلموا أنفسهم بصحبة السيد كاظم إلى قائد القوات المحاصِرة. واتفق أن يتوسط لهم السيد ويؤمن لهم كل ما يضمن راحتهم وطمأنينتهم. ولكنهم ما أن تركوا مجلس السيد حتى قام العلماء، وهم المحرضون الرئيسون على الثورة، وبالإجماع لإحباط هذه الخطة. ولعلمهم الأكيد بأن توسط السيد، الذي كانوا يحسدونه، يكون سببًا لإعلاء شأنه وتثبيت سلطته، عزموا على إقناع عدد من الحمقى والغوغاء سريعي الإثارة من سكان المدينة بمهاجمة قوات الأعداء ليلاً. وأكدوا لهم النصر مستندين على حلم زعم أحدهم أنه رأى في الرؤيا العباس (أخو الإمام الحسين) يأمره بتحريض أتباعه على الجهاد ضد المحاصِرين وأنه وعدهم بالنصر النهائي.

وإذ خدعوا بهذا الوعد الكاذب، رفضوا نصيحة ذلك الرئيس الحكيم العادل وقاموا على تنفيذ رغبة زعمائهم المهووسين. ولما كان السيد كاظم عالمًا بالتأثير الشرير الذي أشعل الثورة، فقد كتب تقريرًا مفصلاً صادقًا عن الوضع إلى القائد التركي، فأجابه مرة أخرى طالبًا منه إعادة النصح للأهالي لتحقيق تسوية سلمية للمسألة. وأعلن أيضًا بأنه سيقتحم

أبواب القلعة في ساعة معينة ولن يعتبر سوى منزل السيد ملجًأ آمنًا لعدو منهزم. وقام السيد بنشر الإعلان في كافة أنحاء المدينة، فقابلها السكان بالاستهزاء والتحقير. ولما أُخبر السيد بالاستقبال الذي لاقاه الإعلان قال: "إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب."(1)

وفي الفجر في الساعة المعينة قصفت القوات المعادية تحصينات القلعة وهدموا الأسوار واستبيحت المدينة قتلاً ونهبًا وهرب الكثيرون ملتجئين إلى حرم المقام الحسيني والتجأ آخرون إلى مقام العباس وهرع إلى منزل السيد كاظم كل من أحبه ووقره وازداد عدد الملتجئين إلى كنف منزله بدرجة أنه اضطر إلى إضافة المنازل المجاورة لمنزله لتكون حرمًا لجميع اللاجئين وازدادت الجموع التي هرعت إلى منزله حتى أنه بعد هدوء الحالة، وجدوا اثنين وعشرين شخصًا قضوا تحت الأقدام من شدة الزحام.

وما كان أشد انزعاج سكان المدينة المقدسة والزائرين لها! وما أقسى ما عامل الفاتحون الأهالي الخائفين! وبأي جسارة تجاهلوا الحقوق المقدسة التي كان الحجاج المسلمون يسدونها للمقامات المقدسة في كربلاء! فلم يعترفوا بحرمة مقام الإمام الحسين ولا مقام العباس المقدس كحرمين للاجئين، فقتل فيهما آلاف من الهاربين أمام الغضب المنتقم لقوم غرباء. وجرت دماء القتلى في صحن المقامين، وما كان يوجد في المدينة كلها مكان مأمون سوى منزل السيد كاظم مع متعلقاته، فكان حرمًا مقدسًا يتمتع بأمان لم يتمتع به أي من المقامات الشيعية المقدسة. وكان هذا الغضب الإلهي العجيب درسًا قاسيًا للذين قلّلوا من أهمية ذلك الرجل المقدس (السيد كاظم). وكان حصول(2)

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة هود، الآية 81.

(2) وفي "مقالة في الشيخية" (الجزء 2، الصفحتين 29-30) وصف نقولاس الحادثة كالآتي: ’حصلت هذه الحادثة سنة 1258ﻫ (1842م)، في ليلة القدر وقد دخل الجيش التركي تحت قيادة نجيب باشا كربلاء وقتل الأهالي وسلب ما في الجوامع من نفائس وقتل فيها قريبًا من تسعة آلاف شخص أغلبهم من الفرس. وكان محمد شاه مريضًا بحالة خطرة عند حصول هذه الحادثة، ولذلك أخفاها عنه كبار الموظفين، ولما علم الشاه بها بعد شفائه غضب غضبًا عظيمًا، وحلف أن يأخذ بالثأر، ولكن مندوبي إنگلترا وروسيا تدخلوا لتهدئة الخواطر. وأمر ميرزا جعفر مشير الدولة العائد من سفارة إسطنبول بالسفر إلى أرضروم ليقابل هناك مندوبي إنگلترا وروسيا وتركيا. وإذ وصل إلى تبريز مرض السفير الإيراني، فعين الحاج ميرزا آقاسي، ميرزا ↓

هذه الحادثة التاريخية في الثامن من ذي الحجة سنة 1258ﻫ.(1)

ومن المعلوم أن رسل الحق والذين مهّدوا الطريق لقبوله كانوا في كل عصر مبتلين بمعاندين من ذوي البأس والسطوة الذين كانوا دائمًا يتحدون سلطتهم ويسعون إلى تشويه تعاليمهم. وقد نجح أولئك وقتيًا، بواسطة الاحتيال أو الظلم، في إضلال الجهال عن سواء السبيل. ولرغبتهم في جعل عقول وأفكار الناس في قبضة يدهم ليتمكنوا من جني ثمار السلطة الدنيوية الزائلة ما دام دين الله بقي محجوبًا. إلا أنه لا يكاد أمر الدين الحق يشتهر حتى يجدون لفرط حنقهم أن آثار مجهوداتهم وتدابيرهم الباطلة تذوب وتتلاشى أمام أنوار يوم الله الجديد. وتذهب أعمالهم ويذوي مكرهم وضلالهم أمام شعاع الشمس الباهر ويكون كالهباء المنثور.

وقد اجتمع أيضًا حول السيد كاظم عدد من المغرورين الذين يدعون التعلق به ويتظاهرون بالصلاح والتقوى ويظنون أنهم مخزن أسرار الشيخ أحمد وخليفته. وكانوا يجلسون في مقاعد الشرف في حلقات درس السيد كاظم. ورغمًا عن أنه كان يلقي عليهم درسه ويظهر لهم احترامه فإنه كان يشير من طرف خفي إلى عمههم وغرورهم وعجزهم عن فهم الأسرار الإلهية وكان يقول: ’لا يفهم قولي إلا المولود مني.‘ وكان كذلك كثيرًا ما يقول: ’يأخذني الفكر ويدهشني أن أرى العالم محرومًا من القوة السامعة فلا أقدر أن أكشف السر لأن الناس لا يقدرون أن يتحملوا أثقاله.‘ ومرة تمثل بقول الشاعر:

_____________________________________________________________________

تقي خان الفراهاني وزير النظام الذي ذهب إلى أرضروم ومعه 200 ضابط، وكان مندوب الأتراك أنور أفندي يظهر بمظهر الاحترام والصلح، ولكن أحد رجال أمير النظام صدر منه فعل عُدّ إهانة لطريقة أهل السنة، فهجم الأهالي على خيمة السفير وقتلوا اثنين أو ثلاثة من الفرس ونهبوا كل شيء، ونجا السفير أمير النظام بتدخل بدري باشا، واعتذرت الحكومة التركية ودفعت 15000 تومان تعويضًا لهذا الحادث. وفي "هداية الطالبين"، يقول كريم خان، إنه أثناء نهب كربلاء كان الجنود يحترمون بيوت الشيخية، وكل من التجأ إليها صار آمنًا وكل ما معه من الأشياء الثمينة ولم يقتل أحد من أصحاب السيد كاظم، مع أن الذين التجأوا إلى المشاهد المقدسة قُتلوا جميعًا بلا رحمة ويقولون إن الباشا دخل بجواده في الأماكن المقدسة.‘

(1) 10 يناير/كانون الثاني سنة 1843م.
وكلٌ يدعي وصلاً بِلَيلى
وليلى لا تقرّ لهم بذاكا
إذا انبجست دموعٌ من مآقٍ
تبيّن مَن بكى ممّن تباكى

وكثيرًا ما كان يشير إلى الموعود ويقول: ’إن الذي يظهر بعدي هو من السلالة الطاهرة من النسب الرفيع من ذرية فاطمة وهو متوسط القامة وخال من العيوب الجسمانية والعاهات.‘(1)

وسمعت الشيخ أبو تراب(2) يحكي الآتي: ﴿إني مع عدد من تلامذة السيد، اعتبرنا من قوله السابق وإشارته إلى العاهات الجسمانية التي يخلو منها الموعود، أنه أشار تحديدًا إلى ثلاثة أشخاص بين زملائنا التلاميذ. بل إننا حددناهم بتلك العاهات الجسمانية الموجودة فيهم. كان أحدهم الحاج ميرزا كريم خان(3) ابن إبراهيم خان القاجاري الكِرماني، الذي كان أعور العين وضئيل اللحية. وثانيهم ميرزا حسن گوهر الذي كان ذا جسم بدين جدًا. والثالث ميرزا محيط الشاعر الكرماني، كان ذا طول مفرط ونحافة زائدة. وكنا مقتنعين بأنهم لا يمكن أن يكونوا سوى من كان السيد دائمًا يشير إليهم بأنهم مغرورون وعديمو الإيمان والذين في النهاية سوف يظهرون على حقيقتهم ويكشفون جحدهم وطيشهم. أما بالنسبة إلى الحاج ميرزا كريم خان، الذي

________________________

(1) نقل نقولاس في كتابه "مقالة في الشيخية" (الجزء 2، الصفحتان 60-61)، من كتابات السيد كاظم قال: ’قد علمتَ أن الشريعة وأصول الآداب هي غذاء للروح لذلك يجب أن تكون الشرائع متنوعة، وعلى ذلك يجب نسخ الشرائع العتيقة ويجب أن تشمل على شرائع محكمة وشرائع متشابهة وعامة وخاصة وظاهرة وباطنة ومطلقة ومقيدة حتى بذلك يصل الطفل إلى درجة البلوغ ويكون كاملاً في قوته ومقدرته وفي ذلك الوقت يظهر القائم وبعد ظهوره وإتمام حياته يقتل وإذا قتل يصل العالم إلى سن 18 سنة.‘

(2) تبعًا لسمندر (الصفحة 32) كان الشيخ أبو تراب من بلدة إشتهارد وكان من أخص تلاميذ السيد كاظم واقترن بأخت الملاّ حسين وتوفي في السجن في طهران.

(3) ’كتب الباب إلى الحاج محمد كريم خان... وطلب منه أن يعترف برسالته فلم يرفض هذا الأخير هذا الطلب فحسب، بل كتب رسالة ردًا على حضرة الباب وعلى شريعته.‘ (الصفحة 910) ’وكتب ما لا يقل عن رسالتين من هذا القبيل وكانت إحداهما بعد استشهاد الباب وبناء على طلب ناصر الدين شاه، وقد طبعت واحدة منهما تحت عنوان "إزهاق الباطل".‘ (الحاشية 1، في الصفحة 910) ("مجلة الجمعية الآسيوية الملكية"، سنة 1889م، المقالة 12)

لازم السيد عدة سنين وأخذ عنه علمه الذي يدعيه، فقد استأذن منه أخيرًا أن يستقر في كرمان، وهناك يشتغل في ترقية مصالح الإسلام وإذاعة تلك الأحاديث التي حامت حول ذكرى أئمة الهدى.

ومرة كنت موجودًا في مكتبة السيد كاظم إذ وصل في أحد الأيام مرافق الحاج ميرزا كريم خان وبيده كتاب قدمه للسيد نيابة عن مولاه وطلب منه أن يقرأه ويشير إلى مصادقته على محتوياته بخط يده. فقرأ السيد أجزاء من ذلك الكتاب وأعاده للمرافق قائلاً: ’قُل لمولاك إنه أقوى من غيره على تقدير قيمة كتابه.‘ فلما ذهب المرافق قال السيد بصوت حزين: ’ألا لعنة الله عليه! إنه عاشرني عدة سنوات، والآن إذ أراد الرحيل فإن غرضه الوحيد، بعد صرف السنوات العديدة في الدرس والصحبة أن ينشر في كتابه قواعد الكفر والإلحاد وهي ما يريدني أن أقرظها. وقد اتفق مع بعض المنافقين الأنانيين على أن يوطد نفسه في كرمان، حتى بعد رحيلي عن هذا العالم يمسك زمام القيادة المطلقة. فما أخطأ تقديره في ذلك! لأن نسيم الظهور الإلهي قد هب من ربيع الهداية وسوف يطفئ ناره حتمًا ويهدم سلطته. ولن تثمر شجرة جهوده سوى مرارة الوهم والندم الأكال. وإني الحق أقول لك إنك سوف ترى بعينيك كل ذلك وأطلب من الله أن يحفظك من التأثير الشيطاني لهذا الدجال الذي يعاند الموعود في مستقبل الأيام.‘ وقد طلب مني السيد أن أخفي ذلك النبأ إلى يوم القيامة ذلك اليوم الذي تكشف فيه يد القدرة الأسرار المستورة الآن في صدور الناس. وأمرني قائلاً: ’في ذلك اليوم قم على نصرة أمر الله بقوة لا تتزعزع وعزم متين وانشر في كل مكان ما سمعت وما رأيت.‘﴾ وكان الشيخ أبو تراب هذا نفسه قد ظن، في الأيام الأولى من الدورة الإلهية التي أعلنها حضرة الباب، أن من الحكمة أن يستر إيمانه، ولكن بقي في قلبه ذلك العشق الشديد للمظهر الإلهي المنكشف وبقي راسخًا في إيمانه كالصخرة حتى أدى اشتعال نار عشقه في روحه إلى قيامه بأعمال أدت أخيرًا إلى معاناة السجن في طهران في نفس السرداب الذي سجن فيه حضرة بهاءالله. وزيّن حياته المضحية المتيمة بتاج الشهادة المجيدة.

وإذ قاربت أيام السيد كاظم على الانتهاء، كان كلما قابل تلاميذه، إما في المحادثات الفردية أو في المناقشات العلنية، ينصحهم بقوله: ﴿يا أصحابي الأحباء! حذار حذار أن تخدعكم الدنيا من بعدي بغرورها واحذروا أن تنسوا الله وتزدادوا غرورًا على غروركم. عليكم بنبذ كل أشكال الراحة وترك المتعلقات الترابية والأهل، في طلب مرغوب قلوبكم وقلبي. تفرّقوا في كل جهة وانقطعوا عن الأشياء الدنيوية وتضرعوا لربكم بتواضع وابتهال أن يرزقكم ويهديكم. لا تهنوا في عزمكم حتى تجدوا من اختفى خلف حجاب العظمة. واظبوا على ذلك حتى أن مولاكم وهاديكم الحقيقي يساعدكم بفضله ويمنّ عليكم بعرفانه. فكونوا ثابتين إلى يوم يختاركم أصحابًا له وتكونوا ناصرين أبطالاً للقائم الموعود. هنيئًا لمَن يشرب منكم كأس الشهادة في سبيله. وعلى الذين يحفظهم الله بحكمته ويبقيهم ليشهدوا غروب كوكب الهداية المنير، ذلك المطلع لشمس الظهور الإلهي، أن يكونوا صابرين موقنين مستقيمين. فمثل هؤلاء منكم يجب أن لا يتزعزعوا ولا يقنطوا، لأن بعد حصول النفخة الأولى التي تهلك الأرض بالفناء والموت، سيرتفع سريعاّ نداء آخر تحيى به جميع الأشياء. فيظهر إذ ذاك معنى تلك الآيات المقدسة "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون."(1) والحق أقول لكم أن بعد القائم يظهر القيوم(2) لأنه عندما يغرب الكوكب الأول تشرق شمس جمال الحسين وتضيء العالمين. وفي ذلك الحين ينكشف في أبهى جلاله، ذلك "اللغز" و"السر" اللذين تكلم عنهما الشيخ أحمد عندما قال: ’إن لغز هذا الأمر لا بد وأن ينكشف ويظهر سرّ هذه الرسالة.‘ فمن بلغ يوم الأيام ذاك كمن بلغ تاج الفخر للأجيال الماضية، وأن عملاً طيبًا في ذلك العصر يساوي عبادة قرون لا عدد لها. فكم كان ذلك الشخص الجليل، الشيخ أحمد يكرّر آيات القرآن السابق ذكرها! وكم أكد أن مضمونها عبارة عن مجيء ظهورين متواليين لا يفصلهما وقت

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الزمر، الآيتين 68-69.
(2) يشير إلى حضرة الباب وحضرة بهاءالله.
صورة 9
منظر الكاظمين

كبير وقدر لكل منهما أن يملأ الأرض مجدًا وبهاء! وكم مرة صاح قائلاً: ’طوبى لمَن يدرك معناها ويشاهد جمال سنائها!‘ وكم مرة خاطبني قائلاً:’لن يعيش أي منا ليرى ضياء بهائهما. ولكن الكثيرين من تلاميذك المخلصين سيشهدون ذلك اليوم الذي لا أمل لنا في رؤيته للأسف! فيا أصحابي الأحباء! ما أعظم وأجل هذا الأمر! وما أعظم المقام الذي أدعوكم إليه! وما أعظم المهمة التي دربتكم وأعددتكم لها! فشمروا عن ساعد الجد واجعلوا وعده نصب أعينكم. أسأل الله أن يؤيدكم بفضله على أن تقاوموا عواصف الامتحان والافتتان التي سوف تكتنفكم حتى تخرجوا منها سالمين ظافرين وترتقوا مقامًا عليًا.‘﴾

وكان السيد في كل سنة في شهر ذي القعدة يسافر من كربلاء إلى الكاظمين(1) ليزور مقامات الأئمة. ثم يعود إلى كربلاء ليتمكن من زيارة مقام الإمام الحسين في يوم عرفة. وفي تلك السنة، وهي آخر سنة من حياته، سافر إلى كربلاء تبعًا لعادته التي كان حريصًا عليها. وفي أوائل أيام شهر ذي القعدة سنة 1259ﻫ(2) ومعه عدد من أصحابه وأصدقائه، وصل في رابع يوم من ذلك الشهر إلى مسجد براثة الكائن في الطريق العام ما بين بغداد والكاظمين، وقت صلاة الظهر، فأمر المؤذن أن يؤذن بالصلاة ووقف في ظل نخلة مواجهة

________________________

(1) قبرَيّ الكاظمين، وهما الإمام السابع، موسى الكاظم، والإمام التاسع، محمد تقي، ويقعان على بعد ثلاثة أميال من بغداد، ونشأت مدينة كبيرة حوالي المقامين ويسكنها في الغالب الإيرانيون وسميت بالكاظمين.

(2) 23 نوڤمبر/تشرين الثاني - 23 ديسمبر/كانون الأول سنة 1843م.

صورة 10
جانب من مسجد براثة

للمسجد، وما كاد يتم الصلاة حتى ظهر بغتة أعرابي، وإذ اقترب من السيد كاظم، عانقه قائلاً: ’منذ ثلاثة أيام كنت أرعى غنمي في هذا المرعى المجاور، إذ أخذتني فجأة سِنة من النوم، فرأيت محمدًا رسول الله في منامي ويقول لي هذه الكلمات: ’’اسمع أيها الراعي كلماتي واحفظها في قلبك لأنها وديعة الله أؤديها إليك لتحفظها. وإذا وفيت بالأمانة يكون أجرك عظيمًا وإذا أهملتها يحلّ بك عقاب شديد. اسمعني فهذه هي الوديعة التي أعطيها لك: امكث قريبًا من مسجد براثة، وفي اليوم الثالث من هذه الرؤيا سيحضر أحد ذريتي واسمه السيد كاظم مصحوبًا بأصدقائه وأصحابه ويقفون ساعة الظهر في ظل النخلة بقرب المسجد، وهناك يؤدي صلاته. وبمجرد أن تراه اذهب لملاقاته وأبلغه تحياتي الحبية. قل له عني: "افرح لأن ساعة فراقك قد جاءت، فبعد الفراغ من زياراتك في الكاظمين ورجوعك إلى كربلاء، فهناك بعد ثلاثة أيام، أي في يوم عرفة،(1) تطير إليّ، ولا يمضي زمن طويل

________________________
(1) 31 ديسمبر/كانون الأول سنة 1843م.
صورة 11
موقع مرقد السيد كاظم
(وأزيل الآن الشاهد)

حتى يظهر مَن هو الحق ويضيء الأرض بأنوار وجهه."‘‘ ‘ فبدت على وجه السيد كاظم ابتسامة بعد أن وصف الراعي الرؤيا، وقال: ’لا شك عندي في صحة رؤياك.‘ فحزن أتباعه لذلك حزنًا عميقًا. فالتفت إليهم قائلاً: ’أليست محبتكم لي لأجل مَن نحن ننتظره جميعًا؟ أفلا تحبون أن أذهب حتى يظهر الموعود؟‘ وكانت هذه الحادثة متداولة وسَمِعْتُها من نحو عشرة أشخاص ممن كانوا حاضرين وقتها وشهدوا بدقتها. ومع ذلك فكثير ممن شاهدوا بأعينهم علامات عجيبة كتلك، رفضوا الاعتراف بالحق وأنكروا رسالته!

وانتشرت أصداء هذه الحادثة العجيبة في أقاصي البلاد وجلبت الحزن والأسى إلى قلوب محبّي السيد كاظم، وبغاية اللطف والسرور خاطبهم بكلمات الفرح والاطمئنان التي هدأت روع قلوبهم المضطربة وثبتت إيمانهم وأشعلت فيهم نار الحمية والحماس. وأكمل حجّه بكل كمال ووقار وعاد إلى كربلاء، وفي نفس يوم وصوله وقع مريضًا طريح الفراش. وأشاع أعداؤه أن حاكم بغداد أعطاه سمًّا. وكان ذلك تضليلاً بحتًا وافتراءً سافرًا لأن الحاكم بنفسه كان كثير الاعتقاد في السيد ويضع فيه ثقته ويعتبره أكبر رئيس ديني عالم وذا اطلاع تام وخلق سوي.(1) وفي يوم عرفة سنة 1259ﻫ في سن الستين من عمره، ودّع السيد كاظم هذا العالم طبقًا لرؤيا ذلك الراعي البسيط وترك وراءه جماعة من التلاميذ المخلصين زهدوا في الدنيا وما فيها وانتشروا في البلاد يبحثون عن موعودهم المحبوب. وقد دفنت رفاته المقدسة في مقام الإمام الحسين.(2) وأحدثت وفاته ضجة كبيرة في كربلاء كالتي قامت في السنة السالفة في مساء يوم عرفة، إذ جاءت عساكر الأعداء منصورة واقتحمت أبواب القلعة وقتلت عددًا غفيرًا من الأهالي المحاصرين. وكان منزله إذ ذاك أي قبل وفاته بسنة واحدة ملجًأ(3) للوافدين عليه، فأصبح منزله الآن منزل الأحزان والأسى لأصحابه الذين كانوا يندبون وفاته وينوحون لفراقه.(4)

________________________

(1) ’وكريم خان الذي أصر على أن الفاتحين أظهروا كل احترام للشيخية وللسيد كاظم الرشتي لم يتردد في القول باحتمال سمّ السيد في بغداد من نجيب باشا، حيث سقاه شرابًا شعر بعده بعطش شديد وتوفي، وعلى هذا المنوال المضطرب يكتب الفرس تواريخهم.‘ ("مقالة في الشيخية" لنقولاس، الجزء 2، الصفحتان 30-31)

(2) ’ودفن خلف شباك البهو الموجود بقبر أمير المؤمنين، وقد حفر عميقًا ومائلاً في عمقه نحو مدخل فناء الحرم.‘ (مقالة في الشيخية" لنقولاس، الجزء 2، الصفحة 31)

(3) ‘وانتشرت عقائد الشيخية في أيام حياة السيد كاظم في جميع أنحاء إيران، وكان له في العراق وحده مائة ألف مريد.‘ ("المجلة الآسيوية"، سنة 1866م، الجزء 7، الصفحة 463)

(4) ’وهنا ينتهي تاريخ قيام الشيخية أو على الأقل تاريخ وحدتها، إذ انقسمت بعد وفاة السيد كاظم الرشتي إلى شعبتين، إحداهما تحت اسم البابية وانتشرت بقوة كبيرة كالقوة التي أوجدها الشيخ أحمد ومنها ظهر الظهوران اللذان تنبأ عنهما، وأما الطائفة الأخرى صارت تحت رياسة كريم خان القاجاري الكرماني الذي استمر في منازعته مع الشيعة وهو دائمًا يتستر تحت ستار الشيعي الاثني عشري الكامل. أما الباب في نظر كريم خان، فإنه ضال هو وأتباعه. وأما كريم خان فهو في نظر البابيين الدجّال الذي تنبأ عنه محمد ﷺ.‘ ("مقالة في الشيخية" لنقولاس، الجزء 2، الصفحة 31)

الفصل الثالث
إعلان دعوة حضرة الباب

كانت وفاة السيد كاظم بمثابة إشارة لقيام أعدائه بتجديد جهودهم، إذ كانوا متعطشين للرياسة ومتجرئين بوفاته وتفرق أصحابه فجددوا ادعاءاتهم وأعدوا العدة لتحقيق أغراضهم. وكان المخلصون للسيد من تلاميذه قد انزعجت قلوبهم وامتلأت أسىً وحزنًا عليه ردحًا من الزمن، ولكن عودة الملاّ حسين البشروئي، من بعد أداء المهمة التي أوكلها إليه معلمه بنجاح باهر، أزالت همومهم.(1)

وكانت عودة الملاّ حسين إلى كربلاء في أول محرم سنة 1260ﻫ.(2) وقد أفرح تلاميذ معلمه المحبوب الذين كان اليأس قد تطرق إلى قلوبهم، وقوّى من عزيمتهم، وذكّرهم بوعد معلمهم الأكيد، وتوسل إليهم بمتابعة البحث واليقظة في جهودهم بالبحث عن محبوبهم المختفي. وإذ كان مقيمًا في المنزل المجاور للذي كان يقطنه السيد، مكث مدة ثلاثة أيام يتقبل العزاء من المعزين ويستقبل عددًا كبيرًا من المواسين باعتباره المندوب الرئيس عن تلاميذ السيد. وفيما بعد دعا مجموعة من أميز وأخلص زملائه التلاميذ وسألهم عن وصية زعيمهم الراحل وعن آخر نصائحه لهم. فأخبروه بأن السيد كاظم

________________________

(1) ’كان الملاّ حسين البشروئي رجلاً يعترف له أعداؤه بأنه عالم كبير وذو شخصية قوية. وكان يداوم على الدرس من صغره وترقى في العلوم الدينية والشرعية على شأن أوجب احترامه.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصفحة 128)

(2) 22 يناير/كانون الثاني سنة 1844م.

أمرهم مرارًا وتكرارًا أن يهجروا منازلهم ويتفرقوا في البلاد ويطهروا قلوبهم من كل غرض دنيوي ويخصصوا أنفسهم للبحث عن الموعود الذي كان دائمًا يشير إلى قرب ظهوره. ومما قالوه: ’إنه أخبرنا بأن الذي هو مطلوبنا قد ظهر وأما الحجب التي هي بينكم وبينه فإنكم لا تقدرون على رفعها إلا بالبحث الحثيث. ولا يمكن تمزيق تلك الأستار إلا بالجهد المقترن بالدعاء، وبإخلاص النية، وبالعقل المتحرر المستقل. ألم يقل تعالى في كتابه "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"؟‘(1) فأجابهم الملاّ حسين: ’لماذا فضلتم الإقامة في كربلاء، ولماذا لم تتفرقوا للبحث لتقوموا على تحقيق رجائه الحار؟‘ فقالوا: ’إننا نعترف بتقصيرنا ونشهد جميعًا بعظمتك، ونحن على يقين بأنك لو تدّعي إنك أنت الموعود، فإننا لا نتردد في الإذعان لك لشدة ثقتنا فيك ونحن نعاهدك على الطاعة وعمل كل ما تريده.‘ فصاح الملاّ حسين قائلاً: ’لا سمح الله، أين التراب من رب الأرباب. فلو عرفتم لحن القول من السيد كاظم ما كنتم تتفوهون بمثل هذه الكلمات. فأول واجب عليكم وعليّ أن نقوم على تنفيذ وصية رئيسنا المحبوب الأخيرة قولاً وفعلاً.‘ وقام توًا من مقعده وواجه مباشرة ميرزا حسن گوهر وميرزا محيط وآخرين من أبرز تلاميذ السيد كاظم. فأبلغ كل واحد منهم فردًا وجماعة وصية رئيسه الوداعية بلا خوف ولا وجل، وأكد على الطبيعة الملحة لواجبهم، وحثهم على القيام لتنفيذه. ولكنهم أجابوا على التماسه بإجابات واهية بقصد المراوغة، وقال أحدهم: ’إن أعداءنا كثيرون وأقوياء وعلينا أن ننتظر في هذه المدينة لحراسة المقعد الشاغر لرئيسنا المتوفى.‘ وقال آخر: ’عليّ أن أبقى لأرعى أطفال السيد الذين تركهم.‘ فأدرك الملاّ حسين فورًا عبث جهوده معهم. وإذ تيقن من درجة حماقتهم وعماهم وجحدهم، فلم يزد في كلامه معهم وتركهم لشؤونهم التافهة.

ولما كانت سنة الستين التي شهدت ميلاد الظهور الموعود، قد أشرقت على العالم، فلا يبدو غريبًا، في هذا المنعطف أن نحيد عن موضوعنا فنذكر أحاديث معينة مروية عن الرسول وعن أئمة الدين والتي لها علاقة مباشرة مع تلك السنة. فممّا قاله الإمام جعفر ابن محمد جوابًا عن السؤال الخاص بسنة ظهور القائم: "وفي سنة الستين يظهر أمره ويعلو

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة العنكبوت، الآية 69.
صورة 12
منزل الملاّ حسين في بشرويه

ذكره." وكثيرًا ما أشار العلاّمة محي الدين ابن عربي في كتبه ورسائله إلى اسم الموعود وسنة ظهوره، ومن ذلك قوله: ((إن وزراء المهدي كلهم من الأعاجم.)) ((وفي اسمه يقدم اسم الولي (عليّ) على اسم النبي (محمد). )) ((وإن سنة ظهوره تنطبق على نصف أصغر عدد مشترك ينقسم على التسع أعداد (2520)." أي سنة 1260ﻫ. ومما رواه ميرزا محمد الأخباري في أشعاره متنبئًا بما يخص سنة الظهور: "وفي سنة غرس تشرق الأرض بأنواره، وفي سنة غرسه يمتلئ العالم من بهائه، ولو كنتَ حيًا في سنة غرسي، تشاهد كيف تتجدد الأمم والملوك والدين." وسنة غرس تطابق 1260، وغرسه 1265، وغرسي

1270. ومن أحاديث الإمام علي أمير المؤمنين: "إنه في سنة غرس تغرس شجرة الهداية الإلهية."

أما الملاّ حسين، فبعد أن قام بواجبه في حث زملائه التلاميذ وإيقاظهم، سافر من كربلاء إلى النجف ومعه أخوه محمد حسن وابن خاله محمد باقر اللذين رافقاه منذ زيارته لمدينة بشرويه موطنه في خراسان. ولما وصل إلى مسجد الكوفة عزم الملاّ حسين أن يصرف أربعين يومًا فيه للخلوة والعبادة. واستعد بمتابعة الصوم والترقب للمهمة المقدسة التي كان ينتظرها. وكان يشاطره العبادة أخوه فقط، بينما كان ابن خاله يأتيهما بما يحتاجانه ويرافقهما في التعبد في وقت فراغه.

وبعد أيام قلائل تغيرت حالة السكون والهدوء ووصل الملاّ علي البَسطامي، من أشهر تلاميذ السيد كاظم ومعه اثنا عشر من رفقائه إلى مسجد الكوفة، فوجده منهمكًا في العبادة. كان الملاّ علي متفقهًا في العلوم والمعارف وعلى اطلاع عظيم بتعاليم الشيخ أحمد، حتى أن كثيرين كانوا يعدّونه أعظم من الملاّ حسين. وطالما كان يشتاق أن يسأل الملاّ حسين عن وجهته بعد انقضاء مدة الخلوة. وكلما أراد مقابلته وجده غارقًا في تعبده ووجد من المستحيل توجيه أي سؤال. فعزم أن ينقطع للخلوة، مثله، مدة أربعين يومًا عن كل الناس. وأتبعه في ذلك رفقاؤه عدا ثلاثة ممن كانوا يقومون على خدمتهم.

وفور انقضاء مدة الأربعين يومًا من العزلة، سافر الملاّ حسين ومعه رفيقاه إلى النجف. وكان سفره من كربلاء ليلاً، وزار في طريقه مشهد النجف وواصل سيره مباشرة إلى بوشهر على الخليج الفارسي. وهناك ابتدأ بحثه المقدس عن محبوب قلبه، وفيها استنشق لأول مرة طيب الأنفاس التي عبقت ممن كان يقطن تلك المدينة مشتغلاً فيها كتاجر بسيط، وميّز روائح القدس التي ملأت أرجاء تلك المدينة من أثر مناجاة المحبوب.

ولكنه لم يقدر على المكوث طويلاً في بوشهر، وأحس أن شيئًا يجذبه بقوة إلى الشمال فاتجه إلى شيراز، وإذ وصل إلى بوابة المدينة، طلب من أخيه وابن خاله أن يذهبا مباشرة إلى مسجد إيلخاني وينتظراه هناك إلى أن يلحقهما، وعبر عن أمله، بمشيئة الله، بالانضمام إليها في أداء صلاة المغرب.

صورة 13
صورة 14
مناظر مسجد إيلخاني في شيراز
صورة 15
منظر عام لشيراز

وفي ذلك اليوم نفسه، بينما كان يتمشى قبل الغروب ببضع ساعات خارج بوابة المدينة، إذ أبصر فجأة شابًا وضّاح الجبين لابسًا عمامة خضراء، قد أقبل عليه وحيّاه بابتسامة مرحبًا بوصوله بالسلامة وعانق الملاّ حسين بمحبة وإخلاص كأنه صديق قديم. وكان الملاّ قد ظنه لأول وهلة تلميذًا للسيد كاظم وأنه حضر للترحيب به بعد أن سمع باقترابه من شيراز.

ومما قصّه ميرزا أحمد القزويني الشهيد على أوائل المؤمنين ما سمعه من الملاّ حسين في عدة مناسبات عن كيفية مقابلته لحضرة الباب، تلك المقابلة التاريخية المؤثرة، أخبرني بالآتي: ﴿سمعت الملاّ حسين مرارًا يصف بالتفصيل وقائع تلك المقابلة المدهشة كما يلي: إن الشاب الذي قابلني خارج بوابة شيراز أدهشني بتعابير محبته ولطفه. ودعاني دعوة حارة لزيارة منزله وهناك أستريح قليلاً من وعثاء السفر. فرجوته أن يعفيني من ذلك لأن رفيقَي قد عملا ترتيبًا لإقامتي في تلك المدينة وأنهما بانتظار رجوعي، فكان رده: ’اتركهما لحراسة الله فهو لاشك حافظهما.‘ ولما نطق بتلك الكلمات أمرني أن أتبعه. وكنت قد تأثرت جدًا بالطريقة التي حادثني بها ذلك الشاب الغريب، والتي وإن كانت لطيفة إلا أنها كانت أيضًا جذابة. وبينما سرت خلفه ترسخ انطباعي الأول عن تلك المقابلة المفاجئة نظرًا لمشيته وطلاوة صوته ووقار هيئته.

وسرعان ما وصلنا عند بوابة منزل متواضع في مظهره فطرق على الباب وفتح بعد برهة وجيزة من قبل خادم حبشي، ولما اجتاز العتبة، أشار عليّ باتباعه قائلاً: ’ادخلوها بسلام

آمنين.‘(1) وكانت تحيته بقوة وجلال نفذا إلى أعماق قلبي واستبشرت خيرًا من الفأل الحسن الصادر من هذه الكلمات التي خاطبني بها وأنا واقف على عتبة باب أول منزل دخلته في شيراز، تلك المدينة التي سبق أن طفح السرور على قلبي من تأثير جوّها سرورًا لا مزيد عليه، وقلت في نفسي: ’أليس من الممكن أن تقربني زيارتي إلى هذا المنزل من ذلك الذي أبحث عنه؟ أليس ممكنًا أن تقصر عليّ مدة حنيني الشديد وبحثي الشاق؟‘ ولما دخلت المنزل وتبعت مضيفي إلى غرفته شعرت بسرور طغى على كياني. وبمجرد أن جلسنا، أمر بإبريق من الماء، وأمرني أن أغسل يدَي وقدمَي من وعثاء السفر. فاستأذنت منه أن أترك محضره لأتوضأ في الغرفة المجاورة، ولكنه رفض طلبي وشرع يصب الماء على يدَي. ثم ناولني مشروبًا لطيفًا وطلب السماور وجهّز الشاي بنفسه وناولني منه.

صورة 16
الغرفة التي تقابل فيها حضرة الباب مع الملاّ
حسين في مسجد إيلخاني
________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الحجر، الآية 46.

وبعد أن غمرني بلطفه، نهضت لأغادر وقلت: ’إن صلاة المغرب قد اقتربت وقد وعدت أصحابي أن ألتحق بهم في تلك الساعة في مسجد إيلخاني.‘ وبكل احترام وهدوء أجاب: ’لابد وإنك تكون قد علّقت عودتك على مشية الله ويظهر أنه ما أراد ذلك. فلا تخف من خلف الوعد.‘ وأسكتني وقاره وثقته، وقمت لأعيد وضوئي وجهزت نفسي للصلاة. وأخذ هو أيضًا يصلي بجانبي. وأثناء الصلاة ارتاحت نفسي من تحيرها من غرابة

صورة 17
شجرة البرتقال التي غرسها حضرة الباب
في فناء منزله في شيراز

هذه المقابلة ومن مشاق بحثي، وشرعت أثناء الصلاة أقول: ’يا إلهي لم آلُ جهدًا في البحث، وللآن لم أوفق في الوصول إلى رسولك الموعود، وإن وعدك الحق وإنك لن تخلف الميعاد.‘

وكانت تلك الليلة الخالدة عشية اليوم الخامس من جمادى الأولى سنة 1260ﻫ،(1) وكان مضيفي الشاب ابتدأ يحادثني بعد المغرب بنحو ساعة، وسألني إذ ذاك قائلاً: ’مَن ذا الذي تعتبره خلفًا للسيد كاظم رئيسًا لكم؟‘ فأجبته: ’عندما حانت منية معلمنا، نصحنا بشدة أن نترك أوطاننا ونتفرق في كل مكان طلبًا للمحبوب الموعود، ولذلك سافرت إلى إيران وقمت لتنفيذ إرادته. وللآن لا أزال مشتغلاً بالبحث.‘ فسألني: ’هل أعطاكم معلمكم أوصافًا مفصلة وامتيازات في الموعود؟‘ فقلت: ’نعم. فإنه من السلالة الطاهرة والعترة النبوية ومن ذرية فاطمة. وأما سنّه فأكثر من العشرين وأقل من الثلاثين، وعنده علم لدنّي، وهو متوسط القامة ويمتنع عن شرب الدخان وخال من العيوب والعاهات الجسمانية.‘ فسكت هنيهة، ثم قال بصوت جهوري: ’انظر فسوف ترى هذه العلامات

صورة 18
موقد حضرة الباب وسماوره
________________________

(1) الموافق مساء 22 مايو/أيار سنة 1844م، ويوافق يوم 23 مايو/أيار يوم الخميس.

صورة 19
الغرفة (في الجهة اليسرى) التي ولد
فيها حضرة الباب في شيراز
صورة 20
صورة 21
ضواحي شيراز حيث كان يتنزه حضرة الباب

في شخصي!‘ ثم عدّد كل واحدة من العلامات على حدة وأظهر أنها جميعها تنطبق على شخصه. فحصلت عندي دهشة كبيرة، وقلت له في أدب: ’إن الذي ننتظره هو شخص قدسي ليس فوق قداسته قداسة، ويظهر من الأمر ما له قوة فائقة. فكثيرة ومتنوعة هي الشروط التي يجب أن يحققها من يدعي أنها متوفرة فيه. فكم أشار السيد إلى سعة علم الموعود! وكم كان يقول: "إن علومي بالنسبة لعلمه كقطرة من بحر مما وهبه الله. وإن جميع ما حصلته لم يكن إلا كذرة من التراب في مقابلة اتساع معارفه، بل الفرق بينهما شاسع."‘ وما كدت أتفوه بهذه الكلمات حتى شعرت بالخوف والندم بدرجة لم أتمكن من إخفائهما أو تفسيرهما. ووبخت نفسي بقسوة وعزمت في تلك اللحظة على تغيير إسلوبي وتخفيف حدتي. وعاهدت الله بأن لو عاد مضيفي للموضوع فإني أقول له بكل خضوع: ’إذا أردت أن تؤسس دعوتك فإنك تخلصني ولا شك من عبء الانتظار والترقب الذي أثقل روحي وأكون مدينًا لك لهذا الخلاص.‘ وكنت في ابتداء طلبي وبحثي قد جعلت أمام عينَي معيارين أعرف بهما صحة دعوى أي شخص يدعي أنه القائم الموعود. أولهما رسالة ألّفتها بنفسي تختص بالتعاليم الغامضة الباطنة التي روج لها الشيخ أحمد والسيد كاظم. وكل من يبدو لي قادرًا على حل معضلات هذه المسائل المذكورة في الرسالة أسلمه مطلبي الثاني، وأطلب منه أن يملي عليّ، دون تردد أو تفكر، تفسيرًا لسورة يوسف بأسلوب ولغة مغايرين للأصول المعروفة في زماننا. وكنت قد طلبت من السيد كاظم تفسيرًا لهذه السورة نفسها، فامتنع قائلاً: ’حقًا إن هذا ليس في مقدوري، فإن الشخص العظيم الذي يأتي بعدي سيكتب تفسيرًا لها دون أن يطلبه أحد، وسيكون هذا التفسير أحد أكبر الأدلة على صدقه وأحد أوضح الشواهد على سمو مقامه.‘(1)

وبينما كانت هذه الأمور تدور في خلدي، قال مضيفي الجليل مرة أخرى: ’أنعم النظر، ألا يمكن أن يكون الشخص الذي يعنيه السيد كاظم، إنما هو أنا؟‘ فاضطررت

________________________

(1) ’يروى أن الملاّ حسين قال: ’’بينما كنت ذات يوم لوحدي مع السيد كاظم في مكتبته، سألته عن السبب في أن سورة يوسف دعيت في القرآن "أحسن القصص". فأجابني بأنه لم يحن الوقت لإبداء السبب. وبقيت هذه الحادثة في مخيلتي ولم أذكرها لأي أحد.‘‘ ‘ ("التاريخ الجديد" للحاج ميرزا جاني، الصفحة 39)

إذ ذاك أن أقدم له نسخة من الرسالة التي كانت معي وسألته: ’هل لك أن تقرأ هذا الكتاب وتتصفحه بعين التسامح؟ وأتوسل أن تصفح عما تجده فيه من ضعفي وتقصيري؟‘ فأجاب طلبي بلباقة وفتح الكتاب ونظر في بعض صفحاته ثم أغلقه وابتدأ يخاطبني. وفي

صورة 22
صورة 23
صورة 24
مناظر الغرفة العليا في منزل حضرة الباب
في شيراز حيث أعلن دعوته

ظرف بضع دقائق كشف لي، بحيويته ولطفه الأصيلين، عن كافة الأسرار التي فيه وحلّ سائر معضلاته. ولما أتم ما أردته في برهة قصيرة، وبما حاز على رضائي التام، فسّر لي أيضًا حقائق معينة لم توجد في أقوال الأئمة ولا في كتابات الشيخ أحمد ولا السيد كاظم، وهذه الحقائق التي لم أسمعها من قبل بدت مفعمة بطلاوة مبهجة وقوة فائقة. ثم قال لي فيما بعد: ’لو لم تكن ضيفي، لكان موقفك خطيرًا، ولكن الرحمة الإلهية شملتك فإن لله أن يمتحن عبيده وليس للعبيد أن يمتحنوه بما عندهم من الموازين المختلة. ولو كنت فرضًا لم أحل لك معضلاتك، فهل تعتبر الحقيقة المشرقة في باطني عاجزة، أو تتهم علمي بالنقص؟ حاشا لله، بل ينبغي في هذا اليوم لملل الأرض في الشرق والغرب أن يسرعوا إلى هذه العتبة وعندها ينشدون فضل الرحمن، وكل من يتردد في ذلك فهو في خسران مبين. أفلا يشهد أهل الأرض أن الغرض الأصلي من خلقهم إنما هو معرفة الله وعبادته؟ إذًا ينبغي لهم أن يقوموا بأنفسهم ويبذلوا الجهد كما قمت أنت ويطلبوا بالاستقامة والثبات محبوبهم الموعود.‘ ثم استأنف قائلاً: ’والآن حان وقت إنزال التفسير على سورة يوسف.‘ وأخذ قلمه وبسرعة لا تكاد تصدق، أنزل سورة المُلك بكاملها، وهي أول باب من تفسيره على سورة يوسف، وكانت قوة تأثير الأسلوب الذي كتب به قد زادتها لطافة صوته وهو يتلوها. ولم يقطع ولو للحظة واحدة سيل الآيات التي نزلت من قلمه. ولم يتردد ولو مرة حتى تمت سورة الملك. وكنت جالسًا استمع مأسورًا من سحر صوته وقوة وحيه. وأخيرًا قمت من مقعدي وأنا أقدم رِجلاً وأؤخر أخرى، واستأذنت منه بالانصراف، فأمرني بابتسامة بالجلوس قائلاً: ’إذا انصرفت على هذه الحال، فإن كل من يراك يقول أن هذا الشاب المسكين قد فقد رشده.‘ وكانت الساعة إذ ذاك تشير إلى ساعتين وإحدى عشر دقيقة بعد الغروب(1) من عشية الليلة الخامسة من جمادى الأولى سنة 1260ﻫ، المطابقة لليلة الخامسة والستين بعد النوروز، وتطابق أيضًا ليلة اليوم

________________________

(1) أي من ليلة 5 جمادى الأولى سنة 1260ﻫ وهي 1270 من رسالة محمد ﷺ كما ذكر في الواحد الثاني من الباب 7 من البيان الفارسي: "كان ابتداؤه بعد مرور ساعتين وإحدى عشر دقيقة من مساء اليوم السابق على 5 جمادى الأولى سنة 1260ﻫ التي هي سنة 1270ﻫ من بعثة محمد ﷺ ." (منقول من نسخة خطية كتبت بخط السيد حسين كاتب وحي حضرة الباب ورفيقه)

السادس من خُرداد سنة نَهَنْگ. ثم قال لي: ’إن هذه الليلة وهذه الساعة سيحتفل بها في الأيام الآتية كأعظم الأعياد وأهمها. فاشكر الله الذي أوصلك إلى مرغوب قلبك وأشربك من رحيق كلامه المختوم، طوبى للذين هم إليه واصلون.‘(1) وفي الساعة الثالثة بعد الغروب، أمر مضيفي بتجهيز العشاء وظهر الخادم الحبشي نفسه وبسط أمامنا أشهى طعام مما أبهج جسمي وروحي معًا. وفي محضر مضيفي في تلك الساعة، شعرت كأني أتناول من فواكه الجنة. وكنت أُكْبِرُ أخلاق هذا الخادم الحبشي الذي كأن حياته قد تجددت من تأثير سيده. ومن ذلك أدركت، لأول مرة، معنى الحديث الشريف المشهور "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر." ولو لم يكن عند مضيفي الشاب سوى ما قابلني به من الكرم والمحبة التي أقنعتني أنها لا تصدر أبدًا من أي مخلوق آخر، لكان ذلك شاهدًا كافيًا للدلالة على عظمته.

ومكثت جالسًا مسحورًا من حديثه ناسيًا الوقت ومن كانوا بانتظار عودتي ولم أنتبه من النشوة التي وقعت فيها إلا على صوت المؤذن بغتة يدعو المؤمنين إلى صلاة الصبح. وفي تلك الليلة شعرت بجميع المسرات والنعم التي ذكر الله في كتابه أنه يهبها لأهل الجنة. وأحسست أني في مكان يصدق أن يقال عنه "لا يمسّنا فيه نَصَب ولا يمسّنا فيها لُغُوب" ويصدق عليه قوله تعالى: "لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا. إلا قيلاً سلامًا سلامًا."(2) – "دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين."(3)

وجفاني النوم تلك الليلة، واستمتعت بنغمات صوته في صعودها وهبوطها أثناء نزول قيوم الأسماء (وهو تفسير حضرة الباب لسورة يوسف)،(4) متلذذًا من ترنمات مناجاته

________________________

(1) نقل نقولاس من "كتاب الحرمين": "في الحقيقة أن أول يوم نزل فيه الروح على قلب هذا العبد كان يوم 15 من ربيع الأول." ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 206)

(2) القرآن الكريم، سورة الواقعة، الآيتين 25-26.
(3) القرآن الكريم، سورة يونس، الآية 10.

(4) ’ويظهر عليه في أول هذه الكتب، أنه كان شخصًا تقيًا باطنيًا وفي الثاني جدليًا منطقيًا ويلاحظ المستمعون أنهم وجدوا في الفصل الخاص بكتاب الله أنه اختار نغمة جديدة لم يعلم بها أحد قبل ذلك وأنها تستمد من معلومات لم يسمع بها من قبل. ولا يسع المستمع إلا الإعجاب بعلو وجمال تلك العبارات العربية المستعملة في تلك الكتابات. فلها من المعجبين العالين من لا يخشى تفضيلها على أحسن آيات الكتاب الكريم.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى"، لجوبينو، الصفحة 120)

صورة 25
غرفة نومه
صورة 26
غرفة والدته
صورة 27
غرفة جلوسه
مناظر منزل حضرة الباب في شيراز

التي كان يتلوها في صلواته وكان بين كل مناجاة وأخرى يكرر الآية: "سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين."(1)

ثم التفت إليّ وخاطبني بهذه الكلمات: ’يا من هو أول من آمن بي! حقًا أقول إنني أنا باب الله وأنت باب الباب. ولا بد أن يؤمن بي ثماني عشرة نفسًا من تلقاء أنفسهم ويعترفون بصدق ظهوري. وسينشدني كلٌ منهم على انفراد دون دعوة أو تنبيه. وعندما يتم عددهم يجب اختيار أحدهم لمرافقتي في الحج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة. وهناك أبلّغ الرسالة الإلهية إلى شريف مكة ثم أرجع إلى الكوفة، وفي مسجد تلك المدينة أُظهر أمر الله. وعليك الآن أن تكتم عن أصحابك وعن كل شخص آخر كل ما رأيت وسمعت. وواصل الصلاة والدعاء في مسجد إيلخاني وواظب على التدريس. وأنا أيضًا سأنضم إليك في صلاة الجماعة هناك. واحذر أن تكشف سر إيمانك من سلوكك نحوي. وواظب على هذا العمل والتصرف إلى وقت مفارقتنا للحجاز. وقبل أن نسافر سنعين لكل من الثمانية عشر نفس مهمته الخاصة ثم نطلقهم لتحقيق مهامهم. وسنعلمهم كيفية تبليغ الكلمة الإلهية وإحياء النفوس.‘ ولما أتم هذه الكلمات صرفني من محضره ورافقني إلى باب المنزل وأودعني في حفظ العناية الإلهية.

وجاءت هذه الرسالة على غرّة كالصاعقة التي خدرت جميع قواي وقتًا ما،(2) وكان بهاء إشراقها يخطف بالأبصار وأخذتني قوتها الساحرة وحركت أعماق قلبي بشدة من الإثارة

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الصافات، الآيات 180-182.

(2) "ورد في كتاب "بحار الأنوار" وفي "العوالم" وفي "الينبوع" عن الصادق ابن محمد أنه قال: ’العلم سبعة وعشرون حرفًا، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان ولم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين. فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفًا.‘ "فانظر الآن كيف أنه جعل العلم سبعة وعشرين حرفًا. وأن جميع الأنبياء من آدم إلى الخاتم قد بينوا حرفين منه، وبعثوا بهذين الحرفين. ويقول بأن القائم يظهر جميع هذه الخمسة والعشرين حرفًا. فاعرف من هذا البيان مقام حضرته وقدره، وكيف أن قدره أعظم من كل الأنبياء، وأمره أعلى وأرفع من عرفان وإدراك كل الأولياء." ("كتاب الإيقان"، الصفحتان 205-206)

صورة 28
الباب والشباك الأصليين
صورة 29
الدرجات المؤدية إلى غرفة
إعلان الدعوة
صورة 30
المدخل
مناظر منزل حضرة الباب حيث أعلن دعوته

والفرح والتعجب والدهشة. وكان الحبور هو الغالب عليّ من جميع هذه الاحساسات وكذلك القوة، فإنهما أخذا بمجامع قلبي واستوليا على هيكلي ولبي، فكم كنت أحس بالضعف والإهمال والجبن قبل ذلك! وما كنت أقدر على الكتابة ولا على المشي وكانت يداي ورجلاي ترتعشان على الدوام. ولكن معرفة أمره بعد ذلك كهربت جسمي وأحسست بوجود قوة وشجاعة لا يقدر العالم بأجمعه على مقاومتها، بل لو اجتمع أهل الأرض وملوكها وقاموا كلهم ضدي، لرأيت في نفسي من الجسارة ما أقاوم به هجومهم وحدي. فكان الوجود أمامي كقبضة من تراب في يدي، وصرت كأني صوت جبريل المتجسد ينادي العالمين ’تنبهوا أيها الأقوام فقد انبلج نور الصباح ولاح الأمر وفتحت أبواب الرحمة لتدخلوا فيها يا ملأ الأرض، لأن الموعود الذي وعدتم به قد ظهر!‘

وعلى هذه الحالة تركت منزله وعدت إلى أخي وابن خالي. وقد تجمع في مسجد إيلخاني كثيرون من أتباع الشيخ أحمد ممن بلغهم خبر وصولي وأتوا لمقابلتي. وطبقًا لإرادة محبوبي الذي اكتشفته حديثًا قمت لتنفيذ رغباته. ولما بدأت بترتيب صفوف الدراسة وإقامة شعائر العبادة، اجتمع حولي شيئًا فشيئًا عدد غفير من الناس. وجاء لزيارتي أيضًا وجهاء المدينة وعلماؤها، وكان الحاضرون جميعهم قد أعجبوا من الروح التي كنت ألقي بها الدرس غير عالمين بأن المنبع الذي صدرت عنه إنما هو ذلك الموعود الذي ينتظرون مجيئه بشغف.

وفي تلك الأيام استدعيت لزيارة حضرة الباب عدة مرات. وكان في المساء يرسل ذلك الخادم الحبشي إلى المسجد حاملاً معه دعوة المحبة والترحيب. وكلما زرته كنت أصرف الليل بتمامه في محضره وأبقى متيقظًا إلى مطلع الفجر جالسًا عند قدميه مبهورًا من عذوبة حديثه متناسيًا الدنيا وهمومها ومشاغلها. كم كانت تمر تلك السويعات كالبرق الخاطف! وعند الفجر أنسحب من محضره بتردد. كم كان تلهفي في تلك الأيام بانتظار ساعة المساء! وبأي مشاعر من الحزن والأسف أجد أن الفجر قد بزغ! وفي أثناء إحدى تلك الأمسيات خاطبني مضيفي بهذه الكلمات: ’سوف يأتي غدًا ثلاثة عشر شخصًا من أصحابك، وعليك أن تظهر لكل منهم محبتك الفائقة،

ولا تتركهم وشأنهم لأنهم خصصوا حياتهم لطلب محبوبهم، وادعُ الله أن يمكنهم بمنّه وكرمه على أن يسيروا باطمئنان في ذلك الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحدّ من السيف. ومنهم من هو معدود عند الله من عباده المنتخبين المخلصين. وآخرون يسلكون طريقًا وسطًا، أما الباقون فلا يعلن مصيرهم حتى تأتي الساعة التي يظهر فيها كل أمر مكنون.‘(1)

وفي صبيحة ذلك اليوم نفسه في وقت الفجر، وبعد عودتي من منزل حضرة الباب بوقت قصير، وصل الملاّ علي البسطامي إلى مسجد إيلخاني ومعه العدد نفسه من أصحابه، كما أشير عليّ. وفي الحال قمت بترتيب وسائل راحتهم. وذات ليلة بعد بضعة أيام على وفودهم، كلمني الملاّ علي نيابة عن باقي أصحابه وهو عاجز عن كبت مشاعره، قائلاً: ’إنك لتعلم عظم ثقتنا فيك وإن طاعتنا لك بدرجة لو تدّعي أنك القائم الموعود، فإننا جميعًا لا نتأخر عن الرضوخ. وطبقًا لأمرك تركنا أوطاننا للبحث عن موعودنا المحبوب. وإنك كنت أول قدوة نبيلة لنا، وقد تبعنا خطواتك، وعزمنا أن لا نتوانى في بحثنا حتى نعثر على ضالتنا المنشودة. وتبعناك إلى هذا المكان ونحن مستعدون لقبول كل من تقبله أملاً في الاستظلال في ظل حمايته ونجتاز بنجاح تلك الاضطرابات التي تؤذن بدنو الساعة الأخيرة. فكيف نراك الآن تعلّم الناس وتقودهم في الصلاة والتعبد في غاية الهدوء؟ ويبدو أن علامات الاضطراب والترقب قد زالت عن ملامح وجهك. ولذلك نرجوك أن تخبرنا عن سبب ذلك، حتى نتخلص نحن أيضًا من حالة الانتظار والشك التي نحن فيها.‘ فأجبت بلطف قائلاً: ’إن أصحابك ربما نسبوا هدوئي وطمأنينتي إلى السطوة التي يبدو أني نلتها في هذه المدينة، ولكن الحقيقة بعيدة عن ذلك، فالعالم كله بأبهته وملذاته لا يمكنه أبدًا أن يغوي هذا الحسين البشروئي بعيدًا عن محبوبه. ومنذ بداية هذه المهمة المقدسة التي نزلت في ساحتها، أقسمت بأن يكون نصيبي أن أختم حياتي بخاتم

________________________

(1) "كذلك انظر في ابتداء ظهور الباب ففي مدة أربعين يومًا لم يؤمن بحرف الباء سوى السين ولم يكن إلا بالتدريج حتى لبست حروف باسم الله الأمنع الأقدس قميص الإيمان حتى كمل الواحد الأول، فانظر بعد ذلك كيف تضاعفت إلى هذا اليوم." ("البيان" الفارسي، الجزء 4، الصفحة 119)

دمي. فلأجله رحبت بالولوج في بحر البلايا، فلا أحن لأمور هذه الدنيا ولا أبغي إلا رضاء المحبوب. وإلى أن يسفك دمي لأجل اسمه لن تنطفئ هذه النار المشتعلة في قلبي. وأرجو الله أن تعيش لتشهد ذلك اليوم. ألا تعتقد بأن أصحابك قد ظنوا بأنه نظرًا لشدة تلهف الملاّ حسين هذا وإخلاص جهوده، فإن الله تعالى برحمته البالغة قد منّ عليه بفتح أبواب فضله، وأنه تعالى في رغبته في ستر تلك الحقيقة قد أمره بالقيام بتلك الجهود؟‘ فحركت هذه الكلمات روح الملاّ علي وأدرك معانيها. فألح عليّ بعينين دامعتين أن أكشف له عن هوية ذلك الشخص الذي أبدل اضطرابي بالسكون وقلب قلقي بالإيقان، وتوسل قائلاً: ’أقسمك بربك الرحمن أن تهبني نصيبًا من ذلك الرحيق القدسي الذي تناولته من يد الرحمة، ففي ذلك حتمًا إطفاء لهيب ظمئي وتهدئة لاضطراب قلبي من ألم الانتظار.‘ فأجبته: ’لا تطمح في أن تنال مني هذا المرغوب، وثِق به فسوف يسدد خطواتك ويهدئ روع قلبك.‘﴾

فأسرع الملاّ علي إلى أصحابه وأخبرهم بطبيعة ما دار بينه وبين الملاّ حسين من حديث. وإذ أشتعلت قلوبهم بالنار التي أوقدتها رواية تلك المحادثة، تفرقوا فورًا طالبين الخلوة في غرفهم وراجين بالصوم والتبتل كشف الحجاب الذي حال بينهم وبين معرفة محبوبهم. وكانوا يقولون في مناجاتهم أثناء سهرهم: "اللهم ربنا إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم يا ربنا وإلهنا أظهر لنا ما وعدتنا على لسان أنبيائك ورسلك ولا تخزنا يوم الدين إنك لن تخلف الميعاد."

وفي ثالث ليالي خلوته، بينما كان الملاّ علي البسطامي مستغرقًا في الصلاة، رأى رؤيا، فظهر أمام عينيه نور تحرك أمامه فتبعه وهو مأخوذ من بهجته إلى أن أوصله ذلك إلى محبوبه الموعود. فانتبه في تلك الساعة في نصف الليل وهو مغتبط فرحًا، وفتح باب مخدعه وأسرع إلى الملاّ حسين وارتمى في أحضانه. وعانقه الملاّ حسين بغاية المحبة قائلاً: ’الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.‘

وفي فجر ذلك اليوم ذهب الملاّ حسين يتبعه الملاّ علي إلى منزل حضرة الباب، فرأيا ذلك الخادم الحبشي المخلص واقفًا على الباب، فعرفهما وحيّاهما قائلاً: ’قبل الفجر

استدعيت لمحضر سيدي الذي أمرني أن أفتح باب المنزل وأنتظر على عتبته، وقال: ’’سيحضر في هذا الصباح باكرًا ضيفان، فباسمي رحب بهما بحرارة وقل لهما عني ادخلا على اسم الله.‘‘ ‘

وكانت مقابلة الملاّ علي الأولى مع حضرة الباب، شبيهة بمقابلة الملاّ حسين ولم تختلف عنها إلا في أن المقابلة السابقة كانت تدور حول تمحيص الحجج والبراهين على رسالة حضرة الباب، بينما في هذه الدفعة طرحت المجادلات جانبًا وسادت روح العشق الشديد والرفقة الحميمة الودية. وامتلأت الغرفة بتمامها بالحياة من أثر تلك القوة السماوية التي صدرت عن بيانات حضرته الملهمة. وبدا كأن كل شيء في الغرفة يشهد صائحًا: ’حقًا، حقًا، قد انبثق فجر يوم جديد، وجلس الموعود على عرش قلوب العالمين، ويمسك بيده كأس الأسرار وقدح الخلود طوبى للشاربين.‘

صورة 31
صورة 32
مناظر الحمّام العمومي في شيراز، الذي
ذهب إليه حضرة الباب في صباه

وهكذا وجد كل فرد من باقي أصحاب الملاّ علي الاثني عشر، محبوبه. وكل بدوره وبكامل سعيه وجدّه. فرآه بعضهم في الرؤيا، وبعضهم الآخر أثناء صلواتهم، ومنهم من وجده أثناء تأملاته مسترشدًا بالإلهام الرباني الذي ألهمهم لمعرفة قوة بهائه. وتشرف هؤلاء بمحضر حضرة الباب كما تشرف الملاّ علي من قبل، و كانت زيارتهم له مصحوبة بالملاّ حسين، ودعوا ﺑ"حروف الحيّ" وكمل منهم سبعة عشر حرفًا أُدرجوا في لوح الله المحفوظ بالتدريج وتعينوا رسلاً لحضرة الباب ووزراء لدينه وناشرين لنوره.

وتكلم حضرة الباب أثناء محادثته مع الملاّ حسين ذات ليلة قائلاً: ’قد أثبتنا سبعة عشر حرفًا وانضموا للواء دين الله، ولم يبق إلا حرف واحد على تمام العدد، فعلى هؤلاء الحروف القيام بالدعوة لأمري وتأسيس ديني، وسيأتي الحرف الأخير ليلة غد ليكمل العدد.‘ ففي اليوم التالي عند الغروب بينما كان حضرة الباب راجعًا إلى منزله متبوعًا بالملاّ حسين، إذ ظهر شاب عليه غبار السفر واقترب من الملاّ حسين وعانقه وسأله إذا كان قد وصل إلى بغيته، فاجتهد الملاّ حسين في البداية أن يهدئ روعه ونصحه أن يستريح برهة، ووعد بإرشاده فيما بعد. فلم يقبل ذلك الشاب أن يلتفت إلى نصحه ووجّه نظره إلى حضرة الباب، وقال للملاّ حسين: ’لماذا تخبئه عني؟ فإني أعرفه من هيئته، وإني أشهد في سري أنه لا يقدر أحد خلافه في الشرق أو الغرب أن يدعي أنه الحق.‘ فدهش الملاّ حسين من كلماته وحثه أن يكبح مشاعره حتى يأتي الوقت الذي يقدر فيه أن يبوح له بالحقيقة. وتركه مسرعًا ليلحق بحضرة الباب وأخبره بما دار بينه وبين ذلك الشاب، فأجابه حضرة الباب: ’لا تدهش من مسلكه الغريب فإننا كنا في عالم الروح نتحادث مع ذلك الشاب ونعرفه من قبل وكنا ننتظر قدومه، فاذهب إليه وأحضره أمامنا.‘ فتذكر الملاّ حسين حالاً من كلمات حضرة الباب تلك الفقرة من الأحاديث: "إنه في اليوم الأخير تجوب رجال الغيب فضاء العالم على أجنحة الروح ويحضرون أمام القائم الموعود ويبتغون منه ذلك السر الذي يحل لهم معضلاتهم ويزيل حيرتهم."

ومع أن هؤلاء الأبطال كانوا بعيدين عنه بالجسد إلا أنهم روحيًا كانوا مشغولين بالمناجاة مع محبوبهم ويشاركونه في أحاديثه ويتمتعون بشرف صحبته. وإلا فكيف يمكن للشيخ أحمد والسيد كاظم أن يعرفا حضرة الباب؟ وكيف تمكنا من الاطلاع على السرّ المودع فيه؟ بل كيف يتمكن حضرة الباب نفسه والقدوس تلميذه المحبوب أن يدونا ما دوّناه، لولا وجود رابطة سرية تجمع أرواحهما معًا؟ ألم يُشِر حضرة الباب في أوائل أيام دعوته في فواتح سور "قيوم الأسماء"، التي هي تفسير سورة يوسف، إلى أهمية ظهور حضرة بهاءالله وعظمته؟ ألم يكُ قصده في بيان الأضرار التي لحقت بيوسف من أخوته وما ظهر منهم من الغدر والجفاء أن يتنبأ بما قدر أن يصيب حضرة بهاءالله من أخيه وأقاربه؟ ألم يك القدّوس مستمرًا ليل نهار، وهو محاط بجموع الأعداء من كل الجهات وبنيران لا يخبو أوارها في قلعة الشيخ الطبرسي، في إعداد وتكميل مديحه في حضرة بهاءالله في تفسيره الخالد لحرف الصاد من سورة الصمد الذي يبلغ نحوًا من خمسمائة ألف آية؟ تشهد كل آية من آيات "قيوم الأسماء"، وكل كلمة من كلمات التفسير المذكور، بهذه الحقيقة.

وقد كمل عدد التلاميذ المنتخبين بقبول القدوس لصدق ظهور حضرة الباب. وينتمي القدوس، واسمه محمد علي، من طرف والدته إلى سلالة الإمام الحسن حفيد الرسول محمد ﷺ .(1) وكان مولده في بارفروش في مقاطعة مازندران. ومما ينقل عن الذين حضروا دروس السيد كاظم أن القدوس تتلمذ عليه في أواخر أيامه، وكان آخر من يصل ويجلس غالبًا في أبسط مقعد من المجلس. ويكون أول من يغادر بعد انتهاء كل اجتماع. وامتاز عن بقية أصحابه بالهدوء والسكينة ودماثة الأخلاق. وقد سُمع السيد كاظم كثيرًا يقول إن بعض التلاميذ مع أنهم يجلسون في أبسط المقاعد ويلتزمون الصمت التام، لهم في نظر الله مقام جليل على شأن لا يستحق نفسه أن يكون من خدامهم. وكان تلاميذه يلاحظون تواضع القدّوس ويعترفون بامتياز أخلاقه ولكنهم ما كانوا يعرفون قصد السيد

________________________

(1) وطبقًا ﻟ"كشف الغطاء" توفي والد القدوس قبل ظهور الباب بجملة سنين وفي وقت وفاته كان القدوس طفلاً يدرس في مشهد في مدرسة ميرزا جعفر. (الصفحة 227، الحاشية 1)

كاظم. ولما وصل القدّوس إلى شيراز واعتنق الأمر الذي أعلنه حضرة الباب، كان له من العمر اثنان وعشرون عامًا. ومع صغر سنه أظهر شجاعة نادرة وإيمانًا تامًا لم يصل إليه أحد خلافه من أتباع مولاه. وكان قد مثّل في أدوار حياته واستشهاده المجيد صحة الحديث القائل: "من طلبني وجدني، ومن تقدم إلي شبرًا تقدمت إليه باعًا، ومن أحبني أحببته، ومن أحببته قتلته، ومن قتلته فعليّ ديته."

أما حضرة الباب، فاسمه السيد علي محمد(1) وولد في مدينة شيراز سنة 1235ﻫ(2) في بيت مشهور بالشرف والانتماء إلى الرسول محمد ﷺ وأكد تاريخ ميلاده صحة النبؤة المروية عن الإمام علي: "إني أصغر من ربي بسنتين."(3) وأعلن دعوته بعد أن بلغ من العمر خمسًا وعشرين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام، وتوفي والده وهو طفل وكان والده السيد محمد رضا(4) من نسل النبي ﷺ، ومشهورًا في مقاطعة فارس بأسرها بالتقوى والفضل وذا احترام عظيم من الناس. وكان والداه كلاهما من السلالة النبوية ويكن لهما الناس المحبة والاحترام. وكفله خاله الحاج ميرزا سيد علي، أحد شهداء أمر الله، وسلمه عندما كان لا يزال طفلاً إلى معلم يدعى الشيخ عابد(5) ولو أن حضرة الباب كان غير ميال للدرس، إلا أنه أطاع رغبة خاله وإرشاداته.

________________________

(1) وهو معروف أيضًا بالألقاب الآتية: سيد الذكر - عبد الذكر - باب الله - النقطة الأولى - طلعة الأعلى - حضرة الأعلى - الرب الأعلى - نقطة البيان - السيد الباب.

(2) 20 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1819م.
(3) هذا من أحاديث الشيعة.

(4) تبعًا لميرزا أبو الفضل (مخطوطة عن تاريخ أمر الله، الصفحة 3)، كان الباب طفلاً لم يفطم حين توفي والده.

(5) تبعًا لميرزا أبو الفضل (مخطوطة عن تاريخ أمر الله، الصفحة 41) فإن الباب كان يبلغ من العمر ست أو سبع سنوات عندما دخل مدرسة الشيخ عابد. وكانت المدرسة تعرف باسم "مقهى الأولياء". ومكث الباب فيها خمس سنين، تعلم فيها مبادئ اللغة الفارسية. وفي أول ربيع الأول من سنة 1257ﻫ، سافر إلى النجف وكربلاء، وبعد سبعة أشهر عاد إلى موطنه في إقليم فارس.

صورة 33
أطلال مقهى الأولياء في شيراز، المدرسة
التي ذهب إليها حضرة الباب
صورة 34
مدخل مقهى الأولياء

وكان الشيخ عابد، المعروف عند تلامذته ﺑ"شيخنا"، رجلاً صالحًا متفقهًا تتلمذ على كل من الشيخ أحمد والسيد كاظم. ومما حكاه الشيخ عابد قال: ’ذات يوم سألت الباب أن يقرأ فاتحة القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، فتردد ولم يقبل قراءتها إلا إذا عرف معناها وعدا ذلك لن يتلفظ بها. فتظاهرت بأني لا أعرف المعنى، فأجابني تلميذي: ’’أنا أعرف المعنى من هذه الكلمات، وإذا أذنت لي فسوف أشرحها.‘‘ وتكلم في ذلك بطلاوة ومعرفة أدهشتني، وفسّر "الله والرحمن والرحيم" بكيفية لم أكن أعرفها من قبل ولا سمعتها. وكانت حلاوة عباراته لا تزال ماثلة في مخيّلتي. فشعرت باضطراري أن أرجعه إلى خاله وأن أوصيه بتلك الوديعة التي عهد بها إليّ، وأن أخبره بأني أشعر إني لست مستحقًا أن أعلّم مثل هذا الطفل الفذ. ووجدت خاله لوحده في مكتبه، فقلت له: ’’إني أعيده إليك وأعهد به إلى يقظتك وحمايتك ولا يمكن معاملته كطفل عادي لأني أشاهد فيه قوة عجيبة مما لا تظهر إلا من صاحب الزمان(1) وحده، فالواجب عليك أن تحيطه بكل عنايتك ومحبتك، فاحفظه في منزلك لأنه الحق أقول لك لا يحتاج إلى معلمين مثلي.‘‘ ‘ ولكن الحاج ميرزا سيد علي وبخ حضرة الباب بشدة قائلاً: ’هل نسيت تعليماتي؟ ألم أنصحك أن تتبع مثال أقرانك وأن تلتزم جانب السكون وتستمع إلى كل كلمة يقولها لك معلمك؟‘ وبعد أن تلقى وعد حضرة الباب بالتقيد بتعليماته، أمره بالعودة إلى مدرسته. ولكن روح ذلك الطفل لم تكن لتكبح بإرشادات خاله الصارمة. ولم يكن لأي نظام متشدد أن يمنع إفاضة ما لديه من العلم اللدني. بل كانت تظهر عليه يومًا بعد يوم علائم الحكمة الفائقة عن الحد والخارجة عن حدود البشر التي أعجز عن وصفها. وأخيرًا اضطر خاله إلى سحبه من مدرسة الشيخ عابد وإشراكه معه في مهنته.(2) وفي تلك المهنة أيضًا أظهر علامات من القوة والعظمة التي لا يصل قربها إلا القليل ولا يتجاوزها أحد.

________________________
(1) أحد ألقاب القائم الموعود.

(2) وطبقًا لتاريخ الحاج معين السلطنة (الصفحة 37) اشتغل الباب في سن العشرين في التجارة بنفسه. ’ولأنه كان يتيمًا من صغره وضع في وصاية خاله آقا سيد علي، واشتغل تحت إشرافه بنفس مهنة والده (التجارة).‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 189)

صورة 35
صورة 36
الشجرة المدلة على مرقد نجل حضرة
الباب الطفل في باب دختران، شيراز
صورة 37
مرقد حرم حضرة الباب في شاه چراغ، شيراز

وبعد بضع سنين تزوج حضرة الباب(1) من أخت ميرزا سيد حسن وميرزا أبو القاسم(2) وولد له ابن سمي أحمد(3) توفي سنة 1259ﻫ، وهي السنة السابقة لإظهار الدعوة، ولم يندب الأب فقدان ابنه وكان يقول: "إلهي إلهي! لو أعطيت لإبراهيمك ألف إسماعيل لفديتهم فرادى وجمعًا في سبيل محبتك. فيا محبوبي ومرغوب قلبي! إن فداء أحمد الذي قدّمه عبدك علي محمد، فداء على مذبح محبتك لن يكفي لإطفاء اشتعال شوقه المتأجج في قلبه حتى يفدي قلبه تحت قدمك ويقع جسمه ضحية لأقسى أنواع الظلم في سبيلك وحتى يكون صدره هدفًا لآلاف السهام في مرضاتك وبذلك يسكن اضطراب روحه. فيا إلهي ومرادي الوحيد! فاجعل فداء ابني ووحيدي مقبولاً عندك ومقدمة لفداء نفسي وكينونتي في سبيل مرضاتك وامنحني فضل سفك دمي وفداء حياتي في سبيلك. واجعله يروي وينبت بذور دينك واشمله بقوتك السماوية حتى ينمو ذلك البذر الجديد في قلوب البشر وينتعش ويعظم إلى أن يصير شجرة كبيرة تجتمع وتستظل الأمم والأقوام تحت ظلها. فأجب يا إلهي دعائي وأتمم لي مراد قلبي إنك أنت القوي الكريم."(4)

________________________

(1) وطبقًا لتاريخ الحاج معين السلطنة (الصفحة 37) تزوج الباب لما وصل سن 22.

(2) ’وقد أشار حضرة الباب إليها في "تفسير سورة يوسف" في "سورة القرابة" بقوله: "وقد عقدت على الفراش بسرية اسم الحبيبة من الحبيب الأول للذكر الأكبر هذا ولقد جعلت ملائكة السماء وأهل رضوانه في يوم العهد بالحق الأكبر على الذكر بالذكر شهيدًا. يا أيتها الحبيبة من لدى المحبوب عند حبيبتي ما أنت كأحد من النساء أن اتبعت أمر الله الحق الأكبر اعرفي حق العظيم من كلمة القديم لنفسك وافخري بالجلوس مع الحبيب محبوب الله الأكبر ويكفيك الفخر هذا من لدى الحكيم حميدًا واصبري على القضاء في شأن الباب وأهله وإن ولدك أحمد لدى فاطمة الجليلة في جنة القدس على الحق بالحق قد كان في الحق بالعلم مربوبًا."‘ (مقدمة كتاب "البيان" الفارسي لنقولاس، الجزء 2، الصفحتان 10-11)

(3) ’وقد أشار الباب إلى ابنه في "تفسير سورة يوسف" بما يلي: "وإن ولدك أحمد لدى فاطمة الجليلة في الجنة القدس على الحق بالحق قد كان في الحق بالعلم مربوبًا." (من سورة القرابة) وكذلك "الحمد لله الذي أعطى قرة الأعين من شبابه طفلاً يدعى أحمد بالحق ورفعه الله إليه." (سورة العبد).‘ (مقدمة كتاب "البيان" الفارسي لنقولاس، الجزء 2، الصفحة 11)

(4) ’وترك شيراز إلى بوشهر وهو في سن السابعة عشر ومكث هناك خمس سنوات مشتغلاً بالتجارة. وفي تلك المدة كسب احترام كل التجار الذين تعامل معهم لصدقه وتقواه، وكان دائم الالتفات إلى واجباته الدينية وكان يصرف مبلغًا كبيرًا في الصدقة. وذات مرة أعطى لجار فقير 70 تومانًا (أي 22 جنيهًا).‘ (الحاشية 2، "التاريخ الجديد"، للحاج ميرزا جاني، الصفحتان 343-344)

صورة 38
صورة خط يد الطاهرة

وكان حضرة الباب يصرف غالب أوقات التجارة في بوشهر(1) وكانت شدة الحرارة فيها صيفًا لا تمنعه من أن يقضي بضع ساعات في الصلاة كل يوم جمعة على سطح منزله. ومع إنه كان يتعرض لأشعة الشمس اللاهبة في الظهيرة، فإنه كان يتوجه بقلبه إلى المحبوب ويستمر في المناجاة معه دون إعارة أي أهمية لشدة القيظ ومتناسيًا العالم بأجمعه. وكان يقضي في الصلاة والعبادة كل الوقت من الفجر إلى طلوع الشمس ومن الظهر إلى ما بعد العصر، ويتوجه دائمًا إلى جهة طهران شمالاً ويحيّي الشمس المشرقة

________________________

(1) ’كان دائم التأمل كثير الصمت وكان هيكله الجميل ونور محياه وسكون ذاته ما جذب أنظار مواطنيه، ومن صغره كانت المسائل الدينية تجذبه بقوة، وفي سن التاسعة عشر كتب أول كتاب له وهو "الرسالة الفقهية" وأظهر فيها تقواه ونفحة إسلامية تنبئ بمستقبل باهر في الفقه الشيعي. وربما كتب هذه الرسالة في بوشهر حيث كان خاله قد أرسله إليها عندما كان في الثامنة عشر أو التاسعة عشر من عمره، ليدير له أعماله التجارية.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 189-190)

بمحبة وفرح زائدين رمزًا وإشارة لطلوع كوكب الحق الذي سوف يشرق على العالم قريبًا. فكان ينظر إلى قرص الشمس حين الطلوع بثبات ولهف كما ينظر العاشق في وجه معشوقه، ويناجي ذلك النيّر الأعظم بلغة سرية وكأنه يبلغه رسالة حنينه ومحبته لتوصيلها إلى محبوبه المستور وبمثل هذه الرسائل الحبية كان يستقبل أشعتها الساطعة حتى أن مَن حوله من الجهلاء كانوا يظنون أنه يعشق الشمس(1) ويتعبدها.

وسمعت الحاج السيد جواد الكربلائي(2) يروي الآتي: ﴿أثناء سياحتي إلى الهند مررت ببوشهر. ولمعرفتي بالحاج ميرزا سيد علي، تمكنت من مقابلة حضرة الباب مرارًا، وكنت في كل مرة أراه بحالة الخشوع والخضوع وغض البصر واللطف وكمال المحيا، مما لا تقدر أي عبارة على وصفه،(3) وتركت انطباعًا عميقًا في نفسي. وكثيرًا ما سمعت أولئك الذين دأبوا على الاتصال به، يشهدون بطهارة خلقه وجاذبية مسلكه ونكران ذاته وصدقه وإخلاصه لله.(4) وذات مرة أودعه رجل أمانة لبيعها بثمن معين، فلما

________________________

(1) ’وكان يتباحث مع العلماء في المجالس ويستمع لروايات الزوار الذين يحضرون في هذه المدينة التجارية، وكانوا يعدونه من أبناء "الطريقة" التي كانت محترمة لدى الناس.‘ ("المجلة الآسيوية"، سنة 1866م، الجزء 7، الصفحة 335)

(2) وجاء في "كشف الغطاء" عن هذا الشخص الجليل ما يلي: ’أخبرني السيد جواد الكربلائي بنفسه أنه كان مقيمًا في كربلاء وأن أبناء عمه كانوا معروفين بين علماء تلك المدينة ومجتهديها وهم تابعون للفرقة الاثني عشرية من شيعة الإسلام. وفي حداثته قابل الشيخ أحمد الأحسائي ولكنه لم يكن معدودًا ضمن تلاميذه، بل كان من أتباع السيد كاظم المخلصين ومن المتقدمين بين تلاميذه. قابل الباب في شيراز قبل الظهور بمدة ورآه جملة مرات عندما كان سن الباب ثمانية أو تسعة أعوام في منزل خاله. ثم قابله فيما بعد في بوشهر ومكث نحوًا من ستة أشهر في الخان نفسه الذي كان يقطن فيه الباب وخاله وقد أبلغه الملاّ علي البسطامي أحد "حروف الحيّ" برسالة الباب بينما كان في كربلاء ومنها عاد إلى شيراز ليزداد اطلاعًا بنفسه على طبيعة رسالته الجديدة.‘ (الصفحات 55-57)

(3) ’كان الباب وسيم الطلعة حليمًا مهابًا ساكنًا زائد الفصاحة والبلاغة سريع الكتابة.‘ ("لمحات عن الحياة والعادات في إيران"، لليدي شيل، الصفحة 178)

(4) ’وكان يختلي بنفسه ليشتغل دائمًا بالعبادة ببساطة متناهية وحلاوة جاذبة وكانت هذه المواهب قد برزت لحداثة سنه وكمال طلعته وانجذب حوله كثيرون من المتنورين الذين كانوا يستمعون لعلومه ومعارفه ويسرون من فصاحته وكان أصدقاؤه يؤكدون إنه لم يفتح فاه إلا بما حرّك أعماق القلوب. وكان يسر المتدينين ↓

أرسل له حضرة الباب ثمنها وجده أكثر مما قدّره، فكتب إلى حضرة الباب يستفهم عن السبب، فأجابه حضرة الباب: ’إن الثمن الذي أرسلته إليك هو حقك ولم أزدك شيئًا، وقد أتى وقت على وديعتك وصل فيها ثمنها إلى تلك القيمة، ولما لم أبعها بذلك الثمن وجدت من الواجب عليّ رد تلك القيمة.‘ وكلما أراد البائع رد القيمة الزائدة امتنع حضرة الباب عن قبولها.

وكم كان اهتمامه دقيقًا عندما يحضر تلك الاحتفالات التي تقام لتعداد مناقب الإمام الحسين سيد الشهداء! وبأي انتباه يستمع إلى ترتيلات المدائح! وأي إظهار للخشوع والخضوع في هذه المشاهد من العويل والدعاء! كانت الدموع تنهمر من عينيه بينما كانت شفتاه المرتجفتان تهمسان ببعض المناجاة والثناء. فما أعظم الكمال الذي كان يظهر على هيكله وما ألطف تلك الشمائل التي كانت تبدو آثارها على وجهه!﴾

وأما أسماء الذين كان لهم الشرف العظيم في إثباتهم من قبل حضرة الباب في كتاب ظهوره بأنهم "حروف الحيّ" المنتخبون، فهي كالآتي:

الملاّ حسين البشروئي
محمد حسن، أخوه
محمد باقر، ابن خاله
الملاّ علي البسطامي

الملاّ خدا بخش القوچاني، وسمي ﺑ"الملاّ علي" فيما بعد

الملاّ حسن البجستاني
السيد حسين اليزدي
ميرزا محمد روضة خاني اليزدي

_____________________________________________________________________

المتمسكين لشدة احترامه للرسول والأئمة وأصحابهم في كل عباراته وفي الوقت نفسه كان في أحاديثه الخاصة يبهج أرواح المستمعين إليه من أصحاب العقول المتفتحة المتشوقة ولم يجدوا في أحاديثه غضاضة بل كانت تفتح أمامهم آفاقًا لا نهاية لها وأبوابًا متنوعة مرموزة وتجد هنا وهناك ظلالاً تتخللها خيوط من النور المبهر التي نقلت أهالي إيران ذوي المخيلات الواسعة إلى حالات من المتعة الروحية.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصفحة 118)

سعيد الهندي
الملاّ محمود الخوئي
الملاّ جليل الأُرومي
الملاّ أحمد إبدال المراغي
الملاّ باقر التبريزي
الملاّ يوسف الأردبيلي
ميرزا هادي ابن الملاّ عبد الوهاب القزويني
ميرزا محمد علي القزويني(1)
الطاهرة(2)
القدّوس.
________________________

(1) ونقلاً عن سمندر، وهو من المؤمنين الأوائل في قزوين، (مخطوطة عن تاريخ أمر الله، الصفحة 15)، أن أخت الطاهرة "مرضية" كانت زوجة لميرزا محمد علي، أحد "حروف الحيّ" الذي استشهد في قلعة الشيخ الطبرسي. ويبدو أن مرضية كانت قد آمنت بدعوة الباب. (الصفحة 5) وكان ميرزا محمد علي ابنًا للحاج الملاّ عبد الوهاب الذي وجه له الباب لوحًا وهو في جوار قزوين.

(2) وطبقًا لكتاب "تذكِرة الوفاء" (الترجمة العربية، الصفحات 217-221) فقد كان للطاهرة ابنان وبنت ولم يعترف أي منهم بأحقية أمر الله. وكانت درجة اطلاعها وعلمها على شأن أن والدها، الحاج الملاّ صالح، كان كثيرًا ما يأسف ويقول: ’لو كانت هذه البنت ولدًا ذكرًا، لكان أضاء بيتي وخلفني!‘ وقد اطلعت على كتابات الشيخ أحمد (الأحسائي) وهي في منزل ابن خالتها، الملاّ جواد، وكانت تستعير تلك الكتب من مكتبته وتأخذها معها إلى منزلها. وكان والدها يعارضها في أعمالها معارضة عنيفة، وفي خضم مجادلاته الشديدة معها كان يدين تعاليم الشيخ أحمد وينتقدها. رفضت الطاهرة اتّباع نصائح والدها واشتغلت بمكاتبة السيد كاظم (الرشتي) سرًا، وهو الذي سمّاها "قرة العين"، وكان لقب "الطاهرة" مقترنًا باسمها وقت أن كانت في بدشت، ووافق حضرة الباب على ذلك اللقب فيما بعد. وتركت قزوين إلى كربلاء أملاً في لقاء السيد كاظم، ولكنها وصلت متأخرة إذ كان قد توفي قبل وصولها بعشرة أيام. انضمت إلى تلاميذ المعلم المرحوم وقضت وقتها في العبادة والتأمل في انتظار وشوق لظهور الموعود الذي أخبر عنه السيد كاظم. وأثناء وجودها في تلك المدينة، رأت في الرؤيا أن سيدًا شابًا يلبس رداءً أسود وعمامة خضراء، ظهر لها في السماء وكان رافعًا يديه بتلاوة آيات معينة، فكتبت إحداها في دفترها. فاستيقظت من الرؤيا متعجبة من تجربتها الغريبة. ولما وصلتها فيما بعد نسخة من "أحسن القصص" وهو تفسير حضرة الباب لسورة يوسف، وجدت لفرط سرورها الآية ↓

وجميعهم، عدا الطاهرة، تشرّفوا بمحضر حضرة الباب، وكان لهم نصيب ترقيتهم إلى تلك الرتبة الممتازة من قبل حضرته شخصيًا. وكانت الطاهرة التي لما علمت بسفر زوج أختها المدعو ميرزا محمد علي من قزوين، سلمته خطابًا مختومًا وطلبت منه أن يسلمه إلى ذلك الشخص الموعود الذي لا بد وأن يقابله أثناء مراحل رحلته، وأفهمته أن يقول له نيابة عنها:

لمعات وجهك أشرقت
وضياء طلعتك اجتلى
قال ألست بربكم
قلنا بلى قلنا بلى(1)

وقد قابل الملاّ محمد علي، حضرةَ الباب، وأقبل إلى دعوته وسلمه الخطاب وأوصل إليه الرسالة، فأقرّها حضرة الباب ضمن "حروف الحيّ". وكان والدها الحاج الملاّ صالح القزويني وأخوه الملاّ تقي من كبار المجتهدين في إيران ومن المتبحرين في الأحاديث الإسلامية والمحترمين من قبل أهالي طهران وقزوين وغيرها من كبار مدن إيران. وكانت متزوجة بالملاّ محمد ابن عمها الملاّ تقي(2) الذي يسميه الشيعة الشهيد الثالث. ومع

_____________________________________________________________________

التي سمعتها في الرؤيا مكتوبة في ذلك الكتاب. وكان ذلك الكشف مؤيدًا لها في تصديق الدعوة الجديدة التي أتى بها كاتب ذلك الكتاب. وأخذت على نفسها ترجمة "أحسن القصص" إلى الفارسية وبذلت أقصى جهدها في نشره وتفسيره. ولمدة ثلاثة أشهر كان منزلها في كربلاء محاطًا بالحرس الذين عينهم الحاكم لمراقبتها ومنعها من الاختلاط بالعامة. ومن كربلاء سافرت إلى بغداد ومكثت مدة في منزل الشيخ محمد الشبل ثم انتقلت من منزله إلى حيّ آخر، وأخيرا نُقلت إلى منزل المفتي وفيه مكثت قرابة ثلاثة أشهر.

(1) ونقلاً عن "كشف الغطاء" (الصفحة 93)، بُلّغت الطاهرة برسالة حضرة الباب بواسطة الملاّ علي البسطامي الذي زار كربلاء سنة 1260ﻫ بعد عودته من شيراز.

(2) ’وكانت أسرة الحاج الملاّ صالح البَرقاني من أشهر أسر قزوين ومن أكبرها بسبب ما كان يشغله أعضاؤها من الوظائف العالية والمراكز في هيئة العلماء ولشهرتها في العلوم والمعارف، وكان الحاج قد تسمّى بعد موته بالشهيد الثالث. وسنذكر تاريخهم لأجل معرفة مقدار نصيبهم في الاختلافات الدينية في فارس وفي المصيبة التي انتهت أخيرًا بالقضاء على كِبر أخ الملاّ صالح وغروره. ولما وصل المجتهد العظيم آقا سيد محمد إلى قزوين، سأله أحدهم، إذا كان الحاج الملاّ صالح البرقاني يعد مجتهدًا؟ فأجابه السيد بقوله: ’’بالتأكيد.‘‘ وذلك لأنه فضلاً عن صلاحه كان من تلاميذه القدماء وكان متتبعًا للنهاية لدروس آقا سيد علي، فقال السائل: ’’حسنًا، وهل أخوه محمد تقي يستحق أيضًا هذا اللقب المقدس؟‘‘ فأجاب آقا سيد محمد مادحًا علوم ↓

أن أسرتها كانت من "البالاسري"، فإنها أظهرت منذ البداية تعاطفها وإخلاصها للسيد كاظم. وللدلالة على تقديرها الشخصي له فقد كتبت رسالة للدفاع عن تعاليم الشيخ أحمد وتبريرها وقدمتها إليه، فأجابها السيد برسالة مكتوبة بأرق العبارات وافتتحها بقوله: ’يا قرة عيني وفرح فؤادي!‘ ومنذ ذلك الوقت أطلق عليها اسم "قرة العين". وبعد الاجتماع التاريخي في "بدشت"، دهش كثير من الحاضرين من جرأة تلك البطلة وشجاعتها وبلاغة

_____________________________________________________________________

تقي، إلا إنه امتنع عن الإجابة عن الاستفهام بطريقة جلية. ولكن ذلك لم يمنع المستفهم من أن ينشر في المدينة إشاعات أن السيد محمد اعترف بنفسه برياسة تقي وقال بأنه مجتهد في محضره. وكان السيد محمد قد قطن مع أحد أقرانه الحاج الملاّ عبد الوهاب واطلع هذا الأخير على الإشاعة بسرعة وأحضر السائل ووبخه أمام شهود. وكانت إشاعة هذا التدخل بسبب تداولها بالألسنة قد زادت حتى وصلت سمع تقي، وحمى غضبه من ذلك، فكان بمجرد أن يسمع باسم عبد الوهاب يقول: ’’أنا لا أحترمه إلا لأنه ابن معلمي المحبوب.‘‘ فلما سمع السيد محمد الإشاعة وأدرك أنه أحزن قلب تقي، دعاه يومًا عنده لتناول الغداء وعامله بكل احترام وكتب له شهادة مجتهد وصحبه إلى المسجد في اليوم نفسه. وبعد انتهاء الصلاة، جلس على درجات المنبر وأخذ يكيل له المديح وأثبته في مركزه الجديد أمام الحاضرين كافة. وتصادف مرور الشيخ الأحسائي فيما بعد بقزوين وكان الناس يكفّرونه لأنه قرّب الفلسفة من الديانة، وكل العالم يعرف أن مزج الفلسفة بالشريعة أمر مستحيل، كما قال في كتاب "قصص العلماء". إلا أن الشيخ أحمد ارتفع في الحقيقة عن مقام أقرانه وشاركه العديدون في أفكاره وآرائه. وكان له مريدون في سائر مدن إيران. وعامله شاه إيران فتح علي شاه بمنتهى الاحترام رغمًا عما قاله الآخوند الملاّ علي في حقه ’’بأنه جاهل ولكن قلبه طاهر.‘‘ وأثناء وجوده في قزوين ذهب وقطن في منزل الملاّ عبد الوهاب الذي أصبح عدوًا لأسرة البرقاني. ولما ذهب للصلاة في المسجد حضر علماء قزوين وصلّوا خلفه ورد لهم الزيارة جميعًا بكل محبة، وازدادت روابط الألفة بينهم وظهر للعموم أن مضيفه هو أحد تلاميذه. وذات يوم قام الشيخ أحمد بزيارة للملاّ محمد البرقاني الذي أظهر له منتهى الاحترام إلا أنه انتهز الفرصة لسؤاله عددًا من الأسئلة الغامضة منها: ’’هل اعتقادكم في قيامة الأموات في يوم القيامة كاعتقاد الملاّ صدرا؟‘‘ فأجاب الشيخ أحمد بالنفي، فاستدعى تقي أخاه الأصغر الحاج الملاّ علي ثم قال له: ’’اذهب إلى مكتبتي وأحضر "شواهد الربوبية" للملاّ صدرا.‘‘ ولما تأخر الحاج الملاّ علي في إحضار الكتاب، قال تقي للشيخ أحمد: ’’مع أني لا أوافقك الرأي في هذا الموضوع، إلا أنني أرغب في معرفة رأيك في هذه المسألة.‘‘ فأجابه الشيخ أحمد: ’’لا يوجد ما هو أسهل من ذلك. فاعتقادي أن القيامة لن تحصل بأجسامنا المادية بل بحقائقها، وبحقائقها أعني مثلاً كما يكون الزجاج موجودًا في الحجر.‘‘ فأجاب تقي بخبث: ’’عذرًا. ولكن هذه الحقيقة تختلف عن الجسم المادي ومن أصول اعتقادنا أن القيامة هي بأجسامنا المادية.‘‘ فالتزم الشيخ الصمت، وكان توسط أحد تلاميذه من أهالي تركستان بفتح موضوع آخر يطول فيه الجدال، بلا طائل. فإن الضربة كانت قد وُجّهت وانسحب الشيخ أحمد مقتنعًا أنه تم ترتيب تسوية. ولم يطل الوقت إلى أن أدرك أن محادثته قد نقلت بدقة، إذ إنه لما ذهب للمسجد في نفس اليوم ليصلي، لم يتبعه أحد خلاف عبد الوهاب. وعلم أن سوء تفاهم سيقع، ولكن عبد الوهاب ظنًا منه أنه وجد طريقة لتدارك ↓

بيانها حتى أنهم رأوا من واجبهم أن يعلموا حضرة الباب بطبيعة تصرفها العجيب الذي لم يسبق له نظير. واجتهدوا أن يسيئوا إلى سمعتها، فأجابهم حضرة الباب على افتراءاتهم بقوله: ’ماذا عساي أن أقول في من أسماها لسان العظمة والقوة بالطاهرة‘، فقطعت هذه الكلمات جهيرة كل قول وأسكتت الذين أرادوا تقويض سلطتها والنيل من سمعتها، فمنذ ذلك الوقت دعيت بالطاهرة من قبل المؤمنين.(1)

_____________________________________________________________________

الأمر وإزالة كل الصعوبات توسل من سيده أن يكتب وينشر كتابًا يؤيد فيه القيامة للجسد المادي. ولكنه لم يدرك مدى كراهية تقي. وفعلاً كتب الشيخ بحثًا ضمنه في كتابه "أجوبة المسائل" لم يكترث أحد بقراءته، وانتشرت أخبار كفره وزادت يومًا فيومًا. وتدخل الأمير علي نقي ميرزا ركن الدولة للصلح خوفًا من اتهامه بالإهمال وحتى لا تتفاقم الأمور. ودعا ذات ليلة سائر العلماء لمأدبة عظيمة. وأعطي كرسي الشرف للشيخ أحمد وجلس بقربه تقي يفصلهما رجل واحد. وخصص طبق يأكل منه كل ثلاثة رجال معًا، ووجد العدوّان أنهما مضطران للأكل من طبق واحد، إلا أن تقي العنيد خالف النظام واتجه للأكل من الطبق المجاور على يمينه ووضع يده اليسرى على خده الأيسر حتى لا يرى الشيخ أحمد، مما ازعج الأمير جدًا. وبعد الانتهاء من الوليمة، التي بدت مملة، استمر الأمير في محاولته للإصلاح بين الغريمين فأخذ في مدح الشيخ أحمد بأنه أكبر مجتهدي العرب والفرس وأن الأجدر بتقي أن يقدم له واجب الاحترام وأن لا يصغي للذين يريدون إلقاء الفتنة بين اثنين من أصحاب العقول المميزة. فقاطعه تقي بعنف وقال باحتقار شديد: ’’لا يمكن الصلح بين الكفر والإيمان! لأن الشيخ يعتقد في القيامة عقيدة تخالف عقائد الإسلام، لذلك فإن كل من اعتقدها كافر، فكيف يمكن التوفيق بيني وبين كافر؟‘‘ وكلما شدد الأمير في الصلح كلما تصلب تقي. وانتهت بذلك الوليمة.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحات 263-267)

(1) ’وكان من بين ذرية الملاّ صالح بنت تدعى زرين تاج (التاج الذهبي) لفتت الأنظار منذ صباها، وبدلاً من صرف وقتها في اللعب والتسلية كأقرانها، كانت تمضي ساعات كل مرة في الاستماع للمحادثات الدينية التي تجري بين والديها. وبذكائها الحاد أدركت سريعًا الأفكار المغلوطة التي شابت العلوم الإسلامية دون أن تقع تحت تأثيرها وسرعان ما تمكنت من مناقشة أمهات المسائل العويصة. أما الأحاديث فقد أجادتها ولم يخف عليها سرّها. وذاع صيتها في المدينة وكان مواطنوها يعتبرونها أعجوبة، وبذلك كانوا محقين. كانت أعجوبة في العلوم والمعارف وآية في الجمال، فإن الطفلة لما كبرت أصبح يتلألأ من وجهها شعاع نور الجمال حتى دعوها ﺑ"قرّة العين". وكان أخوها عبد الوهاب القزويني الذي ورث العلم والشهرة من والده يحكي بنفسه، رغم حقيقة أنه بقي، ولو في الظاهر مسلمًا، ما يلي: ’’إننا جميعًا من إخوة وأولاد عم، ما كنا نقدر أن نتكلم في محضرها، لأن علمها كان يرعبنا وإذا تصادف وتكلمنا عن مسألة فإنها كانت تتكلم فيها بكل وضوح ودقة وحسم حتى نعلم أننا أخطأنا السبيل وننسحب ونحن متحيرون.‘‘ وكانت تحضر دروس والدها وعمها في نفس البهو الذي كان يجتمع فيه من التلاميذ ما ينوف عن مائتين أو ثلاثمائة تلميذ، ولكنها كانت تحتجب وراء ستار. وكانت كثيرًا ما تدحض أدلة هذين الرجلين المسنين في بعض المسائل. وزادت شهرتها في سائر أنحاء إيران، وكان أكثر علمائها غرورًا لا يحجمون عن أن يتبعوها في بعض نظرياتها وآرائها. ↓

ويجدر الآن ذكر معنى البالاسري،(1) فالشيخ أحمد والسيد كاظم وكذلك أتباعهما في وقت زيارتهم لمرقد الإمام الحسين في كربلاء، كانوا يحتلون الجزء الأدنى من الضريح علامة للاحترام، ولم يتجاوزوه أبدًا، ولكن كثيرين غيرهم من المتعبدين وهم البالاسري، اعتادوا أن يقرءوا أدعيتهم في الجزء الأعلى من ذلك المرقد. ويعتقد الشيخية أن المؤمن الصادق حيّ في الدارين، الدنيا والآخرة، ولذلك فهم يشعرون أنه لا يليق بهم أن يتجاوزوا الحدود الدانية من ضريح الإمام الحسين الذي هو في نظرهم المثل الأعلى لأكمل المؤمنين.

وكان الملاّ حسين يعتقد أنه سيكون الشخص الذي ينتخبه حضرة الباب لمرافقته في الحج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولكن حضرته بمجرد أن عزم على الارتحال من شيراز دعاه وقال له: ’إن أيام اجتماعنا قد قاربت الانتهاء، وإن عهدي معك قد تحقق. فشمّر الذيل وقُم لتبليغ أمري ولا تخَف من سقوط هذا الجيل والتوائه، لأن رب الميثاق

_____________________________________________________________________

وهذه الحقيقة غريبة نظرًا لأن المذهب الشيعي ينزل مقام المرأة إلى رتبة الحيوان. ويعتبرون أنها لا تملك روحًا ولا تصلح إلا للإنجاب. وقد تزوجت وهي صغيرة السن بابن عمها محمد القزويني الذي كان إمام الجمعة في المدينة، وسافرت إلى كربلاء فيما بعد، وهناك حضرت دروس السيد كاظم الرشتي. وكانت موافقة بحماس على آراء معلمها لأنها وجدتها منطبقة على آرائها وأفكارها. وبذلك أصبحت قزوين مركز العقائد الشيخية. وكانت كما سنرى فيما بعد متحمسة المزاج، دقيقة الذكاء مع وضوحه، سريعة البديهة، فائقة الشجاعة. وأدى اجتماع هذه الخصال فيها إلى الاهتمام بمسألة الباب الذي سمعته يتكلم عند عودته إلى قزوين. واشتد إعجابها بما تعلمته من ذلك حتى أنها واصلت الكتابة مع ذلك المصلح وليقينها فيه أشهرت إيمانها. فقامت لذلك قيامة العلماء واشتد حنقهم وحاول زوجها ووالدها وإخوتها عبثًا التأثير عليها كي ترفض التمسك بهذه الضلالة الخطرة. ولكنها لم تقبل ولم تتزعزع وأعلنت دينها الجديد بكل قوة.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 273-274)

(1) قال الحاج كريم خان في كتابه "هداية الطالبين": ’إنهم سُمّوا بذلك لأن المرحوم الشيخ أحمد أثناء وجوده في كربلاء لزيارة المقامات المقدسة، ونظرًا لاحترامه للأئمة، كان يتلو دعواته وصلواته وهو خلف الإمام أي قرب قدميه. ومن ذلك يعلم إنه لا يفرق بين الاحترام المسدى للإمام الميت والإمام الحيّ، أما الفرس إذا دخلوا القبور يقفون قرب رأس الإمام وبالتالي يولون ظهورهم له لأن الأجداث المطهرة مدفونة بطريقة أن الرأس باتجاه القبلة. ولكن ذلك مشين! وأتباع المسيح إنما سموا نصارى لنصرهم الله ولكن هذا الاسم أطلق على جميع من اقتفى أثرهم، وكذلك اسم "بالاسري" يطلق على جميع الذين يصلّون وهم فوق رأس الإمام.‘ ("مقالة في الشيخية" لنقولاس، الجزء 1، المقدمة، الصفحتان 5-6)

صورة 39
موقع بوابة كازران، شيراز
صورة 40
سوق الوكيل، شيراز

لا شك يساعدك ويحيطك بحفظه ومحبته وينقلك من نصر إلى نصر. فسِر في البلاد وأغدق على الناس تلك البركات التي منحها لك القدير برحمته كما تغدق السحب بأمطار بركاتها على الأرض، وتذرع بالصبر مع العلماء وأسلم نفسك لإرادة الله. وقُم على النداء بصوت مرتفع، وقل: ’’تيقظوا تيقظوا قد فتح باب الله وسطع نور الصبح بأشعته على كل الخلق! وظهر الموعود فمهدوا الطريق أمامه يا أمم الأرض! ولا تحرموا أنفسكم من بدائع فضله المحيية ولا تغمضوا أعينكم عن ساطع بهائه.‘‘ والذين يتقبلون منك النداء اقرأ عليهم الألواح التي أنزلناها إليك لعل تجذبهم تلك الكلمات البديعة وتوقظهم من وهدة غفلتهم وترفعهم إلى ملكوت الحضرة الإلهية. وقد اخترنا معنا القدوس لمرافقتنا في سفر الحج هذا، وتركناك لتواجه هجوم عدوّ قاس. فتأكد أنك سوف تنال الموهبة الكبرى، فسافر ناحية الشمال وزُر في طريقك إصفهان وكاشان وقُم وطهران. واطلب من القدرة الربانية أن توفقك على أن تشاهد في تلك العاصمة عرش سلطنة الحق وتدخل في قصر

المحبوب، ففي تلك المدينة سرّ لو انكشف تنقلب الأرض جنة عليا. وأتعشم أنك سوف تشترك في ذلك الفضل وتعترف ببهائه. ومن طهران سافر إلى خراسان وهناك قم على النداء مرة أخرى بالأمر، ومنها عد إلى النجف وكربلاء حيث تنتظر أمر ربك، وتأكد أنك ستتمم المأمورية التي خُلقت لأجلها، ولو اجتمعت سهام المشركين بأجمعها وصوبت نحوك، لن تقدر أن تضرك ولو بمقدار شعرة واحدة من رأسك إلى أن يتم عملك. فكل شيء موكل في قبضة قدرته فهو القادر القاهر.‘

ثم استدعى حضرة الباب الملاّ علي البسطامي إلى محضره وخاطبه بكلمات المحبة والسرور، وأمره أن يذهب توًا إلى النجف وكربلاء، وأشار إلى الامتحانات الشديدة التي ستنتابه وإلى المصاعب والشدائد التي ستصادفه، وحثه على الثبات إلى النهاية، وقال له: ’إنك يجب أن تكون ثابتًا في إيمانك لا تزعزعك العواصف، فكُن كالجبل الراسخ لكل كارثة ولا تحزن من قذف الجهال وشتائم الملاّوات وأرباب الدين، واحذر أن يثنيك ذلك عن مقصدك، لأنك مدعوّ لأن تتناول من المائدة السماوية المعدّة لك في العالم الأبدي، فأنت أول من يغادر بيت الله وأول من يصيبه البلاء في سبيله، ولو فرض وذبحت في سبيله فتيقن بأن جزاءك سيكون عظيمًا وموهبتك كبرى.‘

وما كاد الملاّ علي يتم له استماع هذه الكلمات، حتى قام لتنفيذ مهمته، وإذ بعد عن شيراز بمقدار فرسخ، لحقه شاب يدعى عبد الوهاب، وطلب منه بإلحاح وهو في حالة اضطراب أن يتكلم معه، وقال للملاّ علي وهو يبكي: ’أتضرع إليك أن توافق على أني أرافقك في سفرك لأن قلبي ضاق ذرعًا واضطرابًا، وأرجو منك أن تسدد خطاي في سبيل الحق. فقد رأيت في الرؤيا الليلة الماضية أنني سمعت مناديًا ينادي في سوق شيراز بظهور الإمام علي أمير المؤمنين، وكان يخاطب الجمهور قائلاً: ’’قوموا واطلبوه وانظروا إنه يجمع من وسط النار رسائل الغفران للناس، فأسرعوا إليه وكل من أخذها من يده غُفرت له خطاياه ونجا من العقاب، ومن فاتته كان محرومًا من بركات الجنة.‘‘ فلما سمعت صوت ذلك المنادي قمت وتركت حانوتي وجريت في سوق الوكيل إلى المكان الذي أنت واقف فيه توزع تلك الأوراق للناس. وكل من أخذها تهمس في إذنه كلمات

يفرّ عند سماعها صائحًا: ’’الويل لي لأني محروم من بركات عليّ وآله، فيا أسفي إنني معدود من المنبوذين والساقطين!‘‘ وعند ذلك انتبهت من النوم وذهبت إلى الحانوت وأنا غريق في بحر من الأفكار. ثم رأيتك فجأة تمرّ ومعك رجل يلبس عمامة يتكلم معك. فنهضت من مقعدي وجريت لألحق بك كأني مدفوع بقوة لا أقدر على ردها. ولدهشتي وجدتك في نفس المكان الذي شاهدته في الرؤيا وأنت تتلو الأحاديث والآيات، فوقفت بعيدًا عنك أشاهدك أنت وصديقك، فسمعت الرجل الذي تخاطبه يحتج عليك ويقول إنه من السهل عنده أن تلتهمه النيران من أن يعترف بصحة كلماتك، فإن الجبال لن تقدر أن تحمل ثقلها. فأجبتَه على اعتراضه وإنكاره قائلاً: ’’لو أنكر العالم بأجمعه رسالته، فلن يؤثر ذلك على ذيل رداء عظمته الطاهر.‘‘ فلما تركتَه عجّلتَ نحو بوابة كازران،(1) فتتبعتك إلى أن وصلت إلى هذا المكان.‘

فتلطف الملاّ علي به وأراد أن يهدئ روعه، وطلب منه الرجوع إلى حانوته ومزاولة أعماله، وقال له إن صحبتك معي تجرّ لي متاعب، فارجع إلى شيراز وتيقّن إنك معدود من الناجين، فإن الله بعدله لا يرد كأس فضله عن طالب مشتعل مثلك أو يخيّب نفسًا متعطشة من بحر فضله وأمره. ولكن كلمات الملاّ علي، كانت بغير نتيجة. وكلما شدد عليه في الرجوع، كلما زاد نحيبه وبكاؤه، فاضطر الملاّ علي أخيرًا أن يجيب طلبه وسلم نفسه لإرادة الله.

فكان الحاج عبد المجيد والد عبد الوهاب، كثيرًا ما يقص هذه الرواية وعيناه منهمرتان بالدموع: ﴿كم أسفت على ما فعلت! وأسأل الله أن يسامحني على ذنبي. كنت أحد أفراد حاشية بلاط أبناء فرمان فرما، حاكم مقاطعة فارس. وكانت مكانتي بدرجة أن أحدًا لم يقدر على مخالفتي أو إيذائي. ولم يتدخل أحد في سلطتي أو جازف بالتدخل في شؤوني. ولما سمعت أن ابني عبد الوهاب ترك حانوته وخرج من المدينة، جريت في اتجاه بوابة كازران لألحق به. وإذ حملت معي هراوة لضربه، استفسرت عن الطريق الذي سلكه فقيل لي أن رجلاً بعمامة قد مر في الشارع وشوهد ابني يتبعه. وبدا أنهما اتفقا على مغادرة

________________________
(1) وأحيانًا وردت "كازرون".

المدينة معًا. فأثار ذلك غضبي وسخطي وقلت لنفسي كيف تحصل مثل هذه المخالفة من نجلي مع إني صاحب مقام رفيع في بلاط أبناء فرمان فرما؟ وصممت على عقابه لأغسل هذه الإهانة.

واستمر بحثي حتى اهتديت إليهما. وأخذ مني الغضب كل مأخذ بحيث أوقعت بالملاّ علي أشد العذاب. وكان يتلقى الضربات الشديدة بوقار شديد ويقول: ’كفّ عن ضربي يا عبد المجيد لأن عين الله ناظرة إليك وإني أشهد الله إني لم أكُ مسؤولاً عن سلوك ابنك، وإني لا أهتم بضربك لأني مستعد لملاقاة أشد أنواع العذاب في السبيل الذي اخترته، فإساءتك بالنسبة لما أنتظره أن يقع عليّ لم تكن إلا كالقطرة بالنسبة إلى المحيط. حقًا أقول لك، إنك سوف تعيش بعدي وتشهد إذ ذاك ببراءتي ويزداد إذًا توبيخ ضميرك وندمك على فعلك ويكون حزنك عميقًا.‘ ولكن لم أكُ أعبأ بأقواله وإشاراته، وزِدته ضربًا وجيعًا، إلى أن عييت فتحمل بسكون وشجاعة كل هذا العذاب الذي لم يكن يستحقه، ثم أمرت ابني أخيرًا، أن يتبعني وتركت الملاّ علي وحده.

وأثناء رجوعنا إلى شيراز، أخبرني ابني بالرؤيا التي رآها، فتأسفت أسفًا شديدًا لما بدر مني وتجلت أمام عيني براءة الملاّ علي، وكنت كلما تذكرت قسوتي عليه ينفطر قلبي. وبقيت مرارتها في نفسي إلى الوقت الذي شعرت فيه بتحويل إقامتي من شيراز إلى بغداد، ومن بغداد تحركت إلى الكاظمين حيث استقر عبد الوهاب في أشغاله، وكانت تلوح على محياه المنير سيماء سرِّ عجيب، وظهر لي أنه يخفي عني هذا السر الذي بدا أنه قد قلب حياته. وفي سنة 1267ﻫ(1) لما سافر حضرة بهاءالله إلى العراق وزار الكاظمين، كان عبد الوهاب قد وقع في سحر لطفه وتعهد بالولاء الشديد لحضرته، ولما استشهد نجلي بعد ذلك ببضعة سنين في طهران ونفي حضرة بهاءالله إلى بغداد، أيقظني حضرته من نوم غفلتي برحمته وشفقته وعلّمني رسالة يومه الجديد غاسلاً بمياه عفوه الإلهي أقذار تلك الفعلة الشنعاء.﴾

________________________
(1) سنة 1850-1851م.

وتشير هذه الحادثة إلى أول اضطهاد حصل لأحد تلاميذ حضرة الباب بعد إعلان دعوته، وكان الملاّ علي قد عرف من هذه التجربة أن السبيل للحصول على ما وعد به حضرة الباب محفوف بالمخاطر والأشواك، فواصل السفر إلى أن وصل إلى النجف وهو مستسلم لإرادة المولى ومستعد لأن يسفك دمه في سبيله. وفي محضر الشيخ محمد حسن، أحد الرؤساء الدينيين الكبار للشيعة، تكلم الملاّ علي بلا خوف ولا وجَل عن ظهور حضرة الباب الذي كانوا ينتظرون مجيئه بشغف، وكان ذلك أمام جمع كبير من أتباع الشيخ وتلاميذه، وقرر أمامهم جميعًا بأنه هو الشخص الذي ينتظرونه بشغف، وأعلن لهم: ’إن دليله آياته ومعجزته هي المعجزة التي يعترف بها الإسلام لمعرفة الحق. فمن قلم هذا الشاب الهاشمي الذي لم يدخل المدارس تجري في ظرف ثمان وأربعين ساعة من الآيات والمناجاة والأبحاث العلمية ما يعادل حجم القرآن كله الذي أنزل على محمد رسول الله في مدة ثلاثة وعشرين عامًا.‘ إلا أن ذلك العالم المغرور المتشدد، بدلاً من أن يرحب بنبأ الظهور الجديد في هذا العصر المظلم المجحف، حكم على الملاّ علي بالكفر وطرده من المجلس، وأتبعه في ذلك تلاميذه وأصحابه، حتى الشيخية الذين كانوا يشهدون بصلاح الملاّ علي وبتقواه وعلمه وصدقه لم يترددوا في أن يوافقوا على ذلك الحكم الصادر ضده، وفعلا ختموه. وتآزر تلاميذ الشيخ محمد حسن وتكاتفوا مع أعدائهم وقاموا جميعًا ضد الملاّ علي، وأهانوه إهانات شديدة مما يخرج عن حد الوصف، وأخيرا أوثقوه بالأغلال وسلموه إلى موظف في الحكومة العثمانية واتهموه بأنه هادم للإسلام وقادح في الرسول ومحرك للفتنة، وبأنه معرّة للإيمان ومستحق لعقاب الإعدام. فأرسل إلى بغداد تحت حراسة موظفي الحكومة وأودع السجن بأمر حاكم تلك المدينة.

وروى الحاج هاشم الملقب بالعطار، وهو تاجر شهير متفقه في الكتب الإسلامية، الحكاية الآتية: ’كنت حاضرًا ذات مرة في مقر الحكومة إذ أحضروا الملاّ علي، أمام جمع من أعيان وموظفي الحكومة في تلك المدينة، واتهموه علنًا أنه كافر وناسخ لأحكام الإسلام ومرتد عن أصوله ومعاييره المقبولة. ولما عدّدوا أعماله وتهمه، قال له المفتي

الذي هو رئيس مفسري أحكام الإسلام في تلك المدينة: ’’يا عدوّ الله‘‘، ولما كنت جالسًا بجانبه، همست في أذنه: ’’لماذا تخاطب هذا الغريب بهذه اللهجة قبل أن تتبين أمره؟ ألا تعلم أن مثل هذه الألفاظ تهيج العامة الملتفين حوله، ومن اللائق أن لا تصدق هذه التهم الباطلة التي يكيلها هؤلاء الناس له جزافًا، حتى تحقق معه، ثم تحكم حسب أصول العدل المقرر في شريعة الإسلام.‘‘ فغضب المفتي غضبًا شديدًا، وقام من جلسته. وطُرح الملاّ علي ثانية في السجن، وبعد أيام قليلة سألت عنه مؤملاً نجاته، فأخبرت بأنه نفي لإسطنبول في ذات الليلة التي سجن فيها، وصرت أبحث وأفتش عن مصيره، فلم أصل إلى معرفة مآله. ويعتقد بعض الناس إنه أثناء الطريق إلى إسطنبول مرض وتوفي، وقيل إنه تجرع كأس الشهادة كما يعتقد آخرون.‘(1) ومهما يكن من أمر ختام حياته فهو أول من تألم وضحّى في سبيل الله وأول من وضع حياته على مذبح التضحية.

وبعد أن أرسل حضرة الباب الملاّ علي في مأموريته، دعا باقي "حروف الحيّ" إلى محضره، وأمر كل شخص بأمر خاص وأوكله بمهمة خاصة، وودّعهم قائلاً: ﴿يا أصحابي الأعزاء أنتم حاملون للواء الله في هذا اليوم وإنكم مختارون أمناء على سره، فعلى كل منكم أن تظهر منه صفات الله وأن تتجلى في أقوالكم وأفعالكم علائم الصدق والقوة والعظمة حتى أن أعضاء جسمكم تشهد بنبالة مقصدكم وطهارة حياتكم وصدق إيمانكم وعلو منزلتكم، لأني الحق أقول لكم أن هذا هو اليوم الذي تكلم عنه الله في كتابه القرآن "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون"،(2) تفكروا في كلمات المسيح إلى تلاميذه عندما أرسلهم لتبليغ أمر الله، قال لهم وهو يأمرهم بالقيام لإتمام المأمورية المكلفين بها "إنكم كالنار المشتعلة في ظلام الليل الموقدة على ذروة الجبل. فليكن نوركم ساطعًا أمام أنظار الخلق ولتكن طهارة أخلاقكم ودرجة

________________________

(1) وذكر محمد مصطفى (الصفحة 106) أن الملاّ علي سجن ستة أشهر في بغداد بأمر نجيب باشا والي المدينة، ثم أمر بالسفر إلى إسطنبول بناء على تعليمات استلمت من الحكومة العثمانية. ومرّ بمدينة الموصل وفيها تمكن من إيقاظ بعض النفوس للأمر الجديد، ولكن أصدقاءه لم يتأكدوا من وصوله إلى وجهته.

(2) سورة يس، الآية 65.

انقطاعكم على شأن يتقرب أهل الأرض بها إلى الأب السماوي منبع الطهارة والفضل ويتعرفون إليه، فلم ير أحد الآب الذي في السماء. فأنتم أبناؤه الروحانيون عليكم أن تظهروا بأعمالكم فضائله وتشهدوا بعظمته فأنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح فبماذا يملح؟ يجب أن يكون انقطاعكم بحيث إنكم إذا دخلتم مدينة لتبليغ وتعليم أمر الله فلا تنتظروا مكافأة من أهلها بل إذا خرجتم منها فانفضوا الغبار من أرجلكم فكما دخلتموها طاهرين كذلك اخرجوا منها طاهرين، لأني الحق أقول لكم أن أباكم السماوي معكم وينظر إليكم، فإذا كنتم أمناء لأمره فإنه يدفع لأيديكم كل ثروة العالم ويرفعكم على حكام وملوك الأرض." فيا حروفي! الحق أقول لكم إن هذا اليوم هو أرفع وأجل من أيام الرسل السابقين بل البون والفرق شاسع بينهما فأنتم شهود فجر يوم الله الموعود الشاربون من كأس وحيه المختوم، فشمّروا عن ذيل الجد وتذكروا كلام الله الذي نزل به الوحي في كتابه "وجاء ربك والملك صفًا صفًا."(1) فاغسلوا قلوبكم عن أدران الشهوات في هذه الدنيا واجعلوا زينتكم فضائل الملأ الأعلى واجتهدوا أن تكون أعمالكم شاهدة على صدق هذه الكلمات الإلهية واحذروا إنكم إذا ترددتم أو توليتم أن يستبدلكم ربي بقوم آخرين ثم لا يكونوا أمثالكم وهم الذين يأخذون منكم ملكوت الله فقد انتهت الأيام التي كانت فيها العبادة المقرونة بالكسل والفتور كافية، والآن قد أتى الوقت الذي لا تصعد فيه الأعمال إلى عرشه الأعلى إلا إذا كانت طاهرة نقية ولا تكون مقبولة لديه إلا إذا كانت خالية من أثر الدنس "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه."(2) فأنتم المستضعفون الذي نزل في شأنهم في الكتاب "ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين."(3) فقد دعاكم ربكم إلى هذا المقام وستصلون إليه إذا وضعتم تحت أقدامكم كل رغبة وشهوة أرضية واجتهدتم أن تكونوا من الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، فأنتم الحروف الأولى التي نبتت من النقطة الأولى والعيون الأولى التي

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الفجر، الآية 22.
(2) القرآن الكريم، سورة فاطر، الآية 10.
(3) القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 5.

انبجست من منبع الوحي. فتضرعوا إلى الله أن لا تعوقكم الشؤون الأرضية ولا الشهوات الدنيوية وأن لا تعكر شؤون الخلق صفو ذلك الفضل الذي يجري فيكم أو تقلب حلاوته بمرارة، لأني أعدّكم لمجيء يوم عظيم. فابذلوا غاية الجهد حتى أمام كرسي رحمة الله في العالم الآتي أكون أنا الذي أعلمكم وأرشدكم مبتهجًا بأعمالكم ومفتخرًا بما تم على أيديكم. وأما سرّ ذلك اليوم الآتي فمستور لا ينكشف الآن لأن مولود ذلك اليوم الجديد يفوق أعقل وأشرف الناس في هذا الزمان وأصغر عاميّ فيه يفوق في العلم والمعرفة أعلم العلماء والفقهاء في هذا العصر. فانتشروا في جميع الجهات وأعدوا الطريق لمجيئه بأقدام ثابتة وقلوب طاهرة ولا تنظروا إلى ضعفكم واستكانتكم بل اجعلوا أنظاركم دائمًا متوجهة إلى القوة القاهرة من ربكم وإلهكم القدير. ألم يجعل إبراهيم منصورًا على جيوش نمرود رغمًا عن ضعفه الظاهر؟ ألم يجعل موسى غالبًا على فرعون وجنوده مع أنه لم يكن له رفيق سوى عصاه؟ ألم يؤسس المسيح عزته ومجده ورِفعته فوق جميع اليهود مع أنه كان بحسب الظاهر فقيرًا وحيدًا؟ ألم يخضع محمد ﷺ قبائل العرب المتوحشة الثائرة إلى النظام القدسي الذي أتى به حتى قلبهم وغيّر أحوالهم؟ إذًا قوموا على اسم الله وضعوا ثقتكم فيه وتوكلوا عليه وأيقنوا بالنصر والفوز في النهاية.(1)﴾

وبكلمات كهذه أحيى حضرة الباب إيمان تلاميذه وبلّغهم مهمتهم وخصص لكل منهم الإقليم الذي جاء منه ليقوم فيه على التبليغ وأمرهم جميعًا أن يمتنعوا عن الإشارة إلى اسمه وشخصه(2) وأن ينادوا فقط بأن باب الموعود قد انفتح وأن حجته كاملة وبرهانه قائم وأن كل مَن يؤمن به فقد آمن بجميع أنبياء الله ومَن أنكره فقد أنكر أولياءه. وبهذه التعليمات

________________________

(1) يشير حضرة الباب إلى "حروف الحيّ" في "البيان الفارسي" (الواحد الأول، الباب الثاني) بقوله: "وجميعهم يكوّنون اسم الحيّ لأنها أقرب الأسماء إلى الله، وأما غيرهم فيهتدون بهدى أعمالهم الواضحة المهمة، لأن الله قد ابتدأ بهم في خلق البيان وإليهم يعود هذا الخلق للبيان. فهم الأنوار الذين كانوا منذ القدم ساجدين وسيكونون إلى الأبد ساجدين أمام عرش السماء." (الجزء 1، الصفحتان 24-25)

(2) وذكر نقولاس في مقدمته (الصفحات 3-5) على الجزء 1 من "البيان الفارسي" ما يأتي: ’وقد اتفق الجميع على أنه من المستحيل نشر الدعوة بين الناس علنًا بل يجب معاملتهم كما يعامل الطبيب الأطفال فإنه يخفي دواءً مرًّا في غلاف سكري حتى يمكن مداواة هؤلاء المرضى الصغار. وكان القوم الذين ظهر فيهم ↓

صورة 41
مدرسة نيم آورد، إصفهان

ودّعهم وصرفهم من محضره وتركهم لحفظ الله، وبقي معه في شيراز من هؤلاء الحروف الذين تكلم معهم، الملاّ حسين أولهم، وكذلك القدوس آخرهم، وأرسل الأربعة عشر الباقين من شيراز في ساعة الفجر كل لينفذ الخطة التي أمره بها.

أما الملاّ حسين فقد خاطبه في ساعة فراقه بهذه الكلمات: ’لا تحزن إنك لم تكن مختارًا لمرافقتي في السفر والحج إلى الحجاز فإني سوف أوجه خطاك إلى تلك المدينة التي لها من القداسة العليا ما لا تأمل الحجاز ولا شيراز أن تقاربها فيها، لاشتمالها على سرّ يفوق كل قداسة. وأملي أنك بمعونة الله ترفع الحجب عن أعين المعاندين وتثقف عقول الحاقدين. وفي طريقك تزور إصفهان وكاشان وطهران وخراسان، ثم تسير إلى العراق وهناك تنتظر أمر ربك فهو يرعاك ويرشدك إلى حيث شاء وأراد. أما أنا فسأسافر إلى الحج مع القدوس وخادمي الحبشي وسأرافق ركب الحج من فارس الذي سيبحر قريبًا وسأزور مكة المكرمة والمدينة المنورة وهناك أتمم المأمورية التي أمرني بها الله، وإن شاء الله سأعود إلى هنا بطريق الكوفة، وهناك أتعشم أن أراك وأقابلك، ولو جاء الأمر بخلاف ذلك، فإني سأخبرك أن تقابلني في شيراز، وكُن واثقًا أن جنود الملكوت ستؤيدك وتوفقك فجوهر القوة مودع الآن فيك وجنود ملائكته المختارين تحوم حولك وقوات العليّ تحيطك وروحه الفائضة تسدد خطاك وترشدك، فمن أحبك فقد أحب الله ومن عاندك فقد عاند الله ومن تودد إليك فقد تودد إلى الله ومن أنكرك فسوف ينكره الله.‘

_____________________________________________________________________

ويا للأسف متعصبين بدرجة تفوق تعصب اليهود في وقت ظهور المسيح ولم تكن عندهم عظمة المملكة الرومانية وشيوع السلام فيها ليمنعا التجاوزات العنيفة للجهالة الدينية لقوم ذوي حمية عظيمة. فإذا كان المسيح رغمًا عن الهدوء النسبي الذي كان حوله لا يتكلم إلا بالأمثال فلا بدع إذا كان السيد علي محمد يخفي أفكاره تحت طي الإشارات ولا يبدي من الحقائق الإلهية إلا قطرة قطرة، فربى طفل الإنسانية وهداه، مجدًّا في عدم تخويفه وسدد خطاه الأولى في طريق يوصله ببطء ولوحده، عندما يصبح قادرًا، إلى هدفه الموعود منذ الأول الذي لا أول له.‘

الفصل الرابع
رحلة الملاّ حسين إلى طهران

بهذه الكلمات النبيلة وهي تتردد في أذنيه، نهض الملاّ حسين على تنفيذ مهمته الخطيرة. فأينما ذهب وفي أي مجمع كان يخاطب الجمهور بكل جرأة ويعلّمهم الرسالة التي عهد بها إليه مولاه المحبوب. ولما وصل إلى إصفهان استقر في مدرسة نيم آورد. والتفّ حوله تلاميذ المجتهد الحاج السيد محمد باقر(1) الذين عرفوه منذ زيارته الأولى لتلك المدينة بأنه رسول السيد كاظم إلى ذلك المجتهد، وخلفه بعد وفاته ابنه واستلم منصب والده بعد أن عاد من النجف، وأما الحاج محمد إبراهيم الكَلْباسي، فاشتد مرضه واقتربت منيته. وانزعج تلاميذ المرحوم الحاج السيد محمد باقر من التعاليم الجديدة التي كان ينشرها الملاّ حسين بعد أن ظنوا أنهم تخلصوا من التأثير المتشدد لمعلهم بعد وفاته، فقاموا ضد الملاّ حسين وشكوه إلى الحاج السيد أسد الله، ابن المرحوم الحاج السيد محمد باقر قائلين: ’إن الملاّ حسين سبق أن اكتسب أثناء زيارته الأخيرة تأييد ومعونة والدك العلاّمة لأمر الشيخ أحمد ولم يتجاسر أحد من تلاميذ السيد العاجزين أن يعارضه. والآن يدعونا بكل قوة وشجاعة لأمر جديد آخر أقوى وأثبت، ويقول عن صاحبه أنه ذو كتاب سماوي يشبه القرآن في لهجته ولغته. ويباهل به

________________________

(1) ’وكان الناس يهرعون جماعات وزرافات لسماع المعلم وقد صعد إلى كافة منابر إصفهان حيث تمتع بالحرية في قول ما يشاء علنًا وأن يعلن أن ميرزا علي محمد هو الإمام الثاني عشر، الإمام المهدي. وكان يعرض كتب سيده ويقرأها ويشير إلى ما تمتعت به من البلاغة والعمق ويركز على صغر سن الرائي ويعدد عجائبه.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصفحة 130)

أهل هذه المدينة، قائلاً: "فأتوا بسورة من مثله... إن كنتم صادقين."(1) وسرعان ما يأتي يوم يؤمن به جميع أهالي إصفهان.‘ فكان الحاج السيد أسد الله يراوغ في إجابته على شكواهم، وأخيرًا اضطر أن يقول: ’وماذا عساي أن أقول لكم؟ ألا تعترفون أنفسكم أن الملاّ حسين قد أسكت بقوة برهانه وفصاحته رجلاً شهيرًا كوالدي؟ فكيف وأنا أقلّ منه علمًا ومقامًا يمكنني أن أتحدى ما وافق عليه والدي؟ فليفحص كل إنسان هذه الادعاءات بلا تحيز. فإن اقتنع، فبها وإلا فليلزم السكوت ولا يعرض اسم ديننا للإهانة.‘

ولما رأوا عجزهم عن التأثير على السيد أسد الله، أحال تلاميذه الموضوع إلى الحاج محمد إبراهيم الكلباسي، وصرخوا إليه قائلين: ’الويل لنا لأن العدو قد قام لنقض دين الإسلام المقدس.‘ وبأسلوب وقح مبالغ فيه أكدوا الطبيعة المتحدية لآراء الملاّ حسين. فأجابهم الحاج محمد إبراهيم قائلاً: ’التزموا جانب السكوت، فإن الملاّ حسين ليس برجل ينخدع بسهولة أو يقع فريسة للباطل، ولو صحّ قولكم أن الملاّ حسين اعتنق دينًا جديدًا، فأول واجب عليكم أن تفحصوا طبيعة تعاليمه بلا تحيز وأن تمتنعوا عن استنكارها قبل الفحص والتمعّن. وإذا ساعدَتني صحتي وعادت إليّ قوتي، فإن غرضي، إن شاء الله، أن أبحث الأمر لأتبين الحق بنفسي.‘

فلما وصلهم هذا التأنيب الشديد من الحاج الكلباسي، خاب مسعى تلاميذ الحاج السيد أسد الله. وفي فورة يأسهم التجأوا إلى حاكم المدينة منوچهر خان، معتمد الدولة، فامتنع هذا الحاكم العاقل العادل عن التدخل في هذه المسائل قائلاً إنها تخص العلماء. ولكنه حذّرهم من التورط في إحداث الاضطراب والإخلال بالأمن أو الإساءة إلى الرسول، فبددت كلماته اللاذعة آمال مثيري الفتنة. فلم يقع الملاّ حسين فريسة لمؤامرات أعدائه واستمر في عمله مدة دون أي عائق.

وكان أول من اعتنق أمر حضرة الباب في تلك المدينة، رجل يشتغل في تنقية القمح، والذي ما أن وصل النداء إلى مسامعه حتى اعتنق الأمر دون تحفظ. فخدم الملاّ حسين

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 23.

بكل إخلاص، وبسبب معاشرته له أصبح مدافعًا كبيرًا عن الظهور الجديد. وبعد سنوات، عندما رويت له التفاصيل المثيرة للأشجان لوقائع حصار قلعة الشيخ الطبرسي، شعر بحافز لا يقاوم وتمنى الانضمام إلى أصحاب حضرة الباب الأبطال الذين قاموا للدفاع عن دينهم. فحمل غرباله بيده وقام على الفور لينضم إلى تلك الملحمة الخالدة. فسأله أصحابه إذ شاهدوه يجري في أسواق إصفهان بحالة انفعال عظيم قائلين: ’لماذا تغادر بهذا الاستعجال؟‘ فأجابهم قائلاً: ’قمت للانضمام إلى العصبة المجيدة من المدافعين عن قلعة الشيخ الطبرسي! وبهذا الغربال الذي أحمله سأغربل الناس في كل مدينة أمرّ فيها أثناء رحلتي، فمن وجدته مستعدًا لهذا الأمر الذي اعتنقته، أسأله أن ينضم إليّ ويتعجل إلى ميدان الشهادة.‘ هكذا كان إخلاص هذا الشاب بحيث قال عنه حضرة الباب في "البيان" الفارسي: "قد امتازت إصفهان تلك المدينة البارزة بعلم علمائها وحماس أهلها الديني ولشدة الانتظار والتربص سواء من العالي أو الداني، للمجيء الوشيك لصاحب الزمان. وفي كل حي من المدينة أسست معاهد دينية، فلما أتى الرسول الإلهي، أنكر رسالته من ادّعوا أنهم مخازن العلم وكاشفو أسرار دين الله، ولم يؤمن بالحق من بين سكان مدينة العلم المذكورة سوى شخص واحد وهو منقي القمح الذي تردى بخلعة الفضل الإلهي."(1)

ولم يعترف بأحقية أمر الله من بين أسياد إصفهان سوى القليل، كميرزا محمد علي النهري الذي اقترنت ابنته لاحقًا بالغصن الأعظم(2) وكذلك ميرزا هادي أخو ميرزا محمد علي، وميرزا محمد رضا "پا قلعة". أما الملاّ صادق الخراساني الذي كان يلقب ﺑ"المقدّس"، والذي سمّاه حضرة بهاءالله ﺑ"اسم الله الأصدق"، فأقام في إصفهان مدة خمس سنوات باحثًا عن مجيء الأمر الجديد بناء على تعاليم السيد كاظم، وكان من المؤمنين الأوائل

________________________

(1) "وانظر إلى أرض الصاد التي هي في هذا العالم الظاهر أعظم الأراضي فيوجد في كل ركن منها عبيد عديدون اتصفوا واكتسوا باسم العلماء والمجادلين. ففي الوقت الذي انتخب فيه الخلق اكتسى مغربل القمح بحلة الأولية. وهنا يظهر سرّ كلمة الأئمة في موضوع المظهر: ’حتى يكون أعلاكم أسفلكم. وأسفلكم أعلاكم.‘" ("البيان" الفارسي، الجزء 4، الصفحة 113)

(2) إشارة إلى زواج حضرة عبدالبهاء من منيرة خانم.

الذين شهروا نسبتهم إلى حضرة الباب.(1) إذ إنه لما علم بوصول الملاّ حسين إلى إصفهان أسرع لمقابلته. وحكى الملاّ صادق الخراساني الرواية الآتية عن مقابلته الأولى التي جرت في منزل الملاّ محمد علي النهري، قال: ’سألت الملاّ حسين أن يخبرني باسم الذي يدّعي أنه المظهر الموعود، فأجاب: ’’إن الاستفهام عن اسمه والإفضاء به، كلاهما ممنوعان.‘‘ فسألته: ’’هل لي أن أعتكف كحروف الحيّ وأسأل الله في صلواتي أن يبيّنه لي برحمته؟‘‘ فأجابني: ’’إن باب رحمته لن يُغلق أبدًا أمام وجه مَن يجاهد في البحث عنه.‘‘ فانصرفت حالاً من محضره وسألت مضيفه أن يخصص لي غرفة للخلوة في منزله، بحيث أتمكن لوحدي من مناجاة الله بلا انقطاع. وفي أثناء مناجاتي تذكرت وجه ذلك الشاب الذي رأيته مرارًا في كربلاء وهو واقف يصلي عند مدخل مرقد الإمام الحسين والدموع تكسو وجهه. فتمثل ذلك الوجه الآن أمام عينَي. وفي الرؤيا شاهدت ما يبدو أنه وجهه نفسه، بنفس الملامح التي تُظهر سرورًا لا يمكن وصفه. وابتسم وهو يحدق بي. فذهبت نحوه متأهبًا لأرتمي على قدميه، ولكنني أثناء انحنائي وجدت ذلك الهيكل المنير قد اختفى من أمامي! فذهبت إلى الملاّ حسين وأخبرته بالرؤيا وأنا مستبشر، فاستقبلني بنشوة وأكد لي بأني قد وصلت في آخر المطاف إلى مراد قلبي. إلا أنه أمرني بكتم مشاعري. وحثني قائلاً: ’’إن الوقت لم يحِن بعد للإفضاء برؤياك لأي أحد. لقد جنيت ثمرة انتظارك الصبور في إصفهان، فعليك الآن أن تذهب إلى كرمان وتبلغ الدعوة للحاج ميرزا كريم خان. ومن هناك تسافر إلى شيراز وتسعى في تنبيه سكان تلك المدينة من غفلتهم، وأتعشم أني أنضم إليك في شيراز وأقاسمك نعمة الاجتماع المبهج ثانية مع محبوبنا.‘‘ ‘(2)

________________________

(1) ذكر جوبينو (الصفحة 129) أن الملاّ محمد تقي الهَراتي، من مشاهير العلماء، كان من أوائل المؤمنين بأمر الله.

(2) ’وكانت رحلة البشروئي في إصفهان نصرًا للباب. وكانت مآثره التبليغية عديدة وفذة. ولكن، كما هي طبيعة هذا العالم، فقد جلب ضغينة العلماء الرسميين حتى إنه اضطر إلى مغادرة المدينة. وكان إيمان الملاّ محمد تقي الهراتي وهو عالم من الدرجة الأولى قد أوصل غضبهم إلى ذروته خصوصًا وأن هذا الأخير كان ممتلئًا بالحماس وكان في كل يوم يصعد المنبر ويخطب في الناس دون ستر عن عظمة الباب الذي كان أعطاه رتبة النائب الخاص عن الإمام الثاني عشر.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 255)

وواصل الملاّ حسين سفره من إصفهان إلى كاشان، وكان أول من آمن في تلك المدينة الحاج ميرزا جاني الملقب ﺑ"پَرپا"(1) أحد التجار المرموقين. وكان من بين أصحاب الملاّ حسين عالِم شهير يدعى السيد عبد الباقي من سكان كاشان وأحد الشيخية فيها، ومع أنه كان من أعز أصحاب الملاّ حسين خلال إقامته في النجف وكربلاء، فإن ذلك السيد شعر أنه عاجز عن التضحية بالمركز والرياسة لأجل الدعوة التي أتى بها صديقه.

ولما وصل الملاّ حسين إلى مدينة قُم، وجد أهلها غير مستعدين بتاتًا لندائه، ولم ينبت البذر الذي بذره فيها إلا بعد نفي حضرة بهاءالله إلى بغداد. ففي تلك الأيام آمن الحاج ميرزا موسى، أحد سكان قُم، وسافر إلى بغداد، وهناك قابل حضرة بهاءالله، وأخيرًا تجرع كأس الشهادة في سبيله.

ومن قُم، واصل الملاّ حسين رحلته مباشرة إلى طهران. ونزل أثناء فترة إقامته في العاصمة في إحدى غرف مدرسة ميرزا صالح المعروفة بمدرسة پاي مِنار. وقد بلّغ الملاّ حسين الدعوة للحاج ميرزا محمد الخراساني المعلم في تلك المدرسة وهو رئيس الشيخية في طهران، ولكنه أبى أن يستجيب لتشجيعه بقبول الدعوة. وقال للملاّ حسين: ’نحن كنا نأمل أنك بعد وفاة السيد كاظم ستجتهد في ترقية أمور الشيخية وتخلصها من الظلمات التي اكتنفتها. ولكن يبدو أنك قد خنت أمرها وضيّعت أعظم آمالنا. فإذا صممت على إذاعة هذه العقائد الباطلة فإنك تمحو آخر بقايا الشيخية في هذه المدينة.‘ فطمّنه الملاّ حسين بأنه لا يود أن يطيل إقامته في طهران ولم يقصد الحط من تعاليم الشيخ أحمد ولا السيد كاظم.(2)

________________________

(1) وجاء في "كشف الغطاء" (الصفحات 42-45) أن الحاج ميرزا جاني كان معروفًا عند أهل كاشان باسم الحاج ميرزا جاني بزرگ (الكبير) لتمييزه عن آخر سميّ له كان تاجرًا في كاشان باسم الحاج ميرزا جاني تُرْك أو كوچك (الصغير)، وكان للأول ثلاثة أخوة وأكبرهم يدعى الحاج محمد إسماعيل الذبيح والثاني الحاج ميرزا أحمد والثالث الحاج علي أكبر.

(2) ’وكان يمضي أيامًا عديدة في تخت المملكة ولكنه ما كان يظهر أمام الجمهور علنًا وكان يقتنع أن يحادث الذين يحضرون عنده لمقابلته سرًا. وهكذا تمكن من مقابلة العديدين وجذب لأمر الله العديد من المستفسرين، وكان كل شخص يحب رؤيته ومقابلته. كذلك محمد شاه ووزيره الحاج ميرزا آقاسي، كونهما فارسيين أصيلين، لم يفتهما أن يدعواه للزيارة. وأظهر لهما التعاليم وأعطاهما كتبًا من كتب مولاه.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصفحة 131)

صورة 42
صورة 43
مناظر طهران

وكانت عادة الملاّ حسين مدة إقامته في طهران أن يترك غرفته في الصباح مبكرًا ليعود إليها فقط بعد الغروب بساعة لوحده وبهدوء، فيغلق بابها على نفسه ويبقى فيها إلى اليوم التالي.(1) ومما رواه ميرزا موسى، آقا كليم، أخو حضرة بهاءالله ما يأتي: ﴿سمعت الملاّ محمد المعلم، أحد سكان نور في مقاطعة مازندران ومن المعجبين بتعاليم الشيخ أحمد والسيد كاظم، يروي هذه القصة: ’كنت في تلك الأيام معتبرًا من تلاميذ الحاج ميرزا محمد المقربين، وقاطنًا في نفس المدرسة التي يعلّم فيها، وكانت غرفتي ملاصقة لغرفته

________________________

(1) وذكر سمندر (مخطوطة عن تاريخ أمر الله، الصفحة 2) أن الملاّ حسين كان يحمل في طريقه من شيراز إلى طهران سنة 1260ﻫ، لوحًا من حضرة الباب إلى محمد شاه.

صورة 44
آقا كليم، أخو حضرة بهاءالله

وكنت دائم المعاشرة معه، وفي اليوم الذي انشغل فيه بمناقشة الملاّ حسين، سمعت خلسة حوارهما من أوله إلى آخره. وقد تأثرت بعمق من حماس ذلك الشاب الغريب وطلاقته وعلمه. وتعجبت من مراوغات الحاج ميرزا محمد في الإجابات ومن تكبره وتحقيره له. فأحسست في ذلك اليوم بانجذاب من سحر ذلك الشاب واستهجنت بشدة سلوك معلمي نحوه. ولكني أخفيت أحاسيسي وتظاهرت بتجاهل مداولاته مع الملاّ حسين. وانتابتني رغبة عارمة بمقابلة الأخير، وغامرت بالذهاب لزيارته في منتصف الليل. ومع أنه لم يتوقع زيارتي إلا أنني طرقت على بابه فوجدته منتبهًا وجالسًا بجوار مصباحه. فقابلني بلطف وتكلم معي بكل أدب ورقّة، فأنزلت حمل قلبي عنده وخاطبته والدموع تجري من عيني، فقال لي: ’’إني الآن عرفت لماذا اخترتُ هذا المكان من أجل السكنى لأنه ولو كان معلمك قد رفض قبول الدعوة واحتقر مؤسسها، ولكن الأمل في أن تلميذه يعترف بها على عكس معلمه، فما هو اسمك وموطنك؟‘‘ فأجبته: ’’اسمي الملاّ محمد ولقبي المعلم وموطني نور في مقاطعة مازندران.‘‘ فسألني قائلاً: ’’أخبرني هل يوجد اليوم من بين أفراد عائلة المرحوم ميرزا بزرگ النوري، الذي اشتهر بأخلاقه وجاذبيته وعلومه وفكره، من قام

صورة 45
صورة 46
صورة 47
مناظر منزل حضرة بهاءالله في طهران

مقامه في الحفاظ على التقاليد الموروثة في هذا البيت الشهير؟‘‘ فأجبته: ’’نعم. يوجد بين أنجاله الآن من امتاز بالمناقب نفسها التي اشتهر بها والده. وقد برهن بطهارة حياته وعلو كعبه ومحبته وشفقته وحريته، بأنه السليل الشريف لذلك الوالد النبيل.‘‘ فسألني: ’’ما هي مهنته؟‘‘ فأجبته: ’’إنه يواسي الفقير ويطعم الجائع.‘‘ ’’ما هي رتبته ومقامه؟‘‘ فأجبته: ’’ليس له لقب سوى إنه صاحب المسكين والغريب.‘‘ ’’وما هو اسمه؟‘‘ ’’اسمه حسين علي.‘‘ ’’وفي أي من خطوط والده امتاز؟‘‘ ’’إن الخط المفضل لديه "الشكسته-نسخ تعليق".‘‘ ’’كيف يمضي وقته؟‘‘ ’’إنه يجول في الغابات ويبتهج بجمال الطبيعة.‘‘(1) ’’كم يبلغ من العمر؟‘‘ ’’عمره ثمان وعشرون سنة.‘‘ وكانت هذه المعلومات أجوبة عن أسئلة الملاّ حسين التي كان يسألها بلهف، وكنت متعجبًا من حالة السرور التي كانت تبدو عليه وقت أن كان يسمع الإجابة عن كل سؤال. ثم التفت إليّ بوجه مفعم بالرضا والحبور، واستفسر ثانية: ’’أظن أنك تقابله كثيرًا؟‘‘ فأجبته: ’’كثيرًا ما أتردد على منزله.‘‘ فقال: ’’هل لك أن توصل إليه وديعة مني؟‘‘ فكان جوابي: ’’نِعِمًّا ومرحبًا.‘‘ فأعطاني ملفًا في قطعة قماش وأمرني أن أسلمها إلى حضرته غدًا عند الفجر، وأضاف قائلاً: ’’إذا تكرم بالإجابة فأعلمني بردّه.‘‘ فأخذت منه الملف، وعند طلوع الشمس ذهبت لتنفيذ رغبته.

وإذ اقتربت من منزل حضرة بهاءالله تعرفت على أخيه ميرزا موسى الذي كان واقفًا بجوار البوابة، وأعلمته بمهمتي. فدخل المنزل وعاد سريعًا حاملاً رسالة ترحيب. فاصطحبني إلى محضره، وقدمت الملف إلى ميرزا موسى الذي وضعه أمام حضرة بهاءالله، فأمرنا

________________________

(1) وكتب الدكتور إسلمنت قال: ’وفي ذات يوم روى حضرة عبدالبهاء أكبر أنجال حضرة بهاءالله لمؤلف هذا الكتاب التفاصيل الآتية بخصوص أوائل أيام حياة والده قال: ’’كان منذ طفولته شفوقًا سخيًا للغاية، وكان محبًا للعيشة في الأرياف، فكان يقضي أغلب أوقاته في البساتين أو الحقول، وكانت له قوة جاذبية خارقة يشعر بها الجميع، فكان الناس يلتفون حوله كما كان الوزراء ورجال البلاط يحبون مجالسته، وكذلك كان يحبه الأطفال. ولما بلغ سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة اشتهر بدرايته الواسعة وعلمه الغزير... ولما بلغ سن الثانية والعشرين، توفي والده، وأرادت الحكومة أن تسند إليه منصب والده في الوزارة، كما هي الحال في إيران، ولكنّ بهاءالله لم يقبل ذلك المنصب، وعندئذ قال رئيس الوزراء: ’’إتركوه لنفسه فإن هذا المنصب لا يليق به، فإن له غرضًا أسمى تحت نظرِه، ولا أقدر أن أفهمه، ولكنني مقتنع بأن مهمة سامية قد قدرت له، فإن أفكاره ليست كأفكارنا، فاتركوه لنفسه.‘‘ ‘ ("بهاءالله والعصر الجديد"، الصفحة 37)

بالجلوس وفتح الملف ونظر في محتوياته وابتدأ يقرأ بعض عباراته بصوت مرتفع. وجلست مفتونًا وأنا أستمع لحلاوة صوته ونغماته. وبعد أن أتم قراءة صحيفة من الملف، التفت إلى أخيه وقال له: ’’يا موسى، ماذا تقول؟ حقًا إن كل من يعتقد في القرآن ويعترف بمنبعه السماوي، ويتردد ولو لحظة في أن هذه الكلمات تحمل نفس القوة المحيية للأرواح، فإنه يخطئ في حكمه ويضل عن صراط العدل.‘‘ ولم يزد على ذلك، وعندما أذن لي بالانصراف من محضره أمرني بأن أحمل إلى الملاّ حسين هدية منه، قمعًا من السكر الروسي وعلبة من الشاي(1) وأن أبلغه تقديره ومحبته.

فقمت مملوءًا بالفرح وأسرعت إلى الملاّ حسين وسلمته الهدية وأبلغته رسالة حضرة بهاءالله. فما كان أشد فرحه واغتباطه إذ ذاك، فلا تقدر الكلمات أن تعبر عن شدة تأثره، فقام عند ابلاغه الرسالة على قدميه وأحنى رأسه وأخذ الهدية من يدي وقبّلها بلهف شديد، ثم عانقني وقبّل عينَي قائلاً: ’’أيها الحبيب العزيز إني أدعو الله كما فرّحت قلبي أن يهبك السعادة الأبدية ويملأ قلبك بفرح لا مزيد عليه.‘‘ وقد كنت متعجبًا من سلوك الملاّ حسين، وقلت في نفسي ماذا عسى أن تكون الصلة التي جمعت هذين الروحين؟ وما الذي أشعل مثل هذه الصداقة الحميمة في قلبيهما؟ ولماذا ظهر من الملاّ حسين مثل هذا السرور عند نظره لمثل هذه الهدية البسيطة من طرف حضرة بهاءالله، مع أن أبهة الملك والعز لا أهمية لها في نظره؟ وكنت متحيرًا في فكري ولم أتمكن من حل ذلك اللغز.

ولم تمضِ إلا أيام قلائل حتى سافر الملاّ حسين إلى خراسان وعند الوداع قال لي: ’’لا تخبر أحدًا بما سمعت وشاهدت، فاجعل ذلك سرًا مكتومًا في صدرك، ولا تفشِ اسمه، لأن الذين يحسدونه على مقامه سيقومون للإضرار به، واطلب من الله القدير في مناجاتك أن يحفظه، فبواسطته يُرفع المستضعفون ويُغنى الفقراء ويُعزّ المساكين، وسيبقى سرّ الأشياء محجوبًا الآن عن أنظارنا، فعلينا أن نرفع نداء هذا اليوم الجديد وندعوا جميع الأمم والأقوام إلى هذه الرسالة الربانية وسوف يفدي الكثيرون في هذه المدينة أرواحهم في هذا السبيل. ومن هذه الدماء ترتوي شجرة الله وتنمو حتى تستظل في ظلها الخلائق أجمعين.‘‘ ‘﴾

________________________

(1) وكان الشاي وذلك النوع من السكر نادرين في ذلك الوقت في إيران وكان يهادى بهما العظماء.

الفصل الخامس
رحلة حضرة بهاءالله إلى مازندران

كان أول ما قام به حضرة بهاءالله من الرحلات بهدف نشر تعاليم حضرة الباب رحلته في موطنه نور في مقاطعة مازندران. فانتقل إلى قرية تاكُر حيث أملاك والده الذي امتلك فيها قصرًا كبيرًا ذا موقع بديع ومفروشًا بالأثاث الفاخر. وكان من حظي أن سمعت حضرة بهاءالله نفسه يذكر يومًا ما يأتي: ’كان لأبي الوزير المرحوم منزلة يحسده عليها أقرانه، فكانت ثروته الواسعة وسلالته العريقة في النسب وأعماله الفنية ومكانته التي لا تُدانى ورتبته العالية موضع إعجاب كل من عرفه. ولمدة عشرين سنة فأكثر لم يصب أي فرد من أفراد أسرته، التي انتشرت في إقليم نور وطهران، أي ضرر أو ضيق أو مرض. وكانوا يتمتعون لمدة طويلة بلا انقطاع بما كان يحل عليهم من البركات المتنوعة، ولكن الحال تغير فجأة وتبدلت تلك السعادة والرفاهية بسلسلة من المصائب التي هزت أركان راحتهم المادية بشدة. فأول خسارة وقعت له تسببت من فيضان عظيم ارتفع في جبال مازندران، وطغى بشدة على قرية تاكُر وهدم نصف القصر المملوك للوزير المبني فوق قلعة تلك القرية. واقتلع السيل الهادر أحسن شقّي المنزل رغم أنه كان متين الأساس، فتلف أثاثه الثمين وتلاشت زينته الفاخرة. وتبع ذلك ضياع الوظائف الحكومية التي كان الوزير قد تقلدها، وحصلت من خصومه وحسّاده هجمات متوالية. ورغمًا عن كل هذه التقلبات المفاجئة في حظوظه، استمر الوزير على سكونه ووقاره المعهود، وعلى أعمال البِر والإحسان ضمن حدود إمكاناته. واستمر يعامل أقرانه من عديمي الوفاء بنفس

الاحترام والشفقة اللذين عرف بهما في تعامله مع مواطنيه. وإلى آخر نسمة من حياته تحمل بكل ثبات البلايا التي داهمته.‘

وكان حضرة بهاءالله قبل إعلان دعوة حضرة الباب قد زار إقليم نور في الوقت الذي بلغ فيه المجتهد الشهير ميرزا محمد تقي النوري أوج شهرته وقوته التي وصلت إلى درجة أن الذين يجلسون عند أقدامه كانوا يعتبرون أنفسهم مخولين بتفسير الشريعة الإسلامية. وكان المجتهد يشرح الدرس لنحو مائتين من تلاميذه ويتكلم عن فقرة غامضة من أحد أحاديث الأئمة، إذ مر بذلك المكان حضرة بهاءالله يتبعه عدد من أصحابه، وتوقفوا لفترة يستمعون لمحاضرته. فسأل المجتهد تلاميذه أن يشرحوا نظرية مبهمة تتعلق بالأوجه الغيبية للتعاليم الإسلامية. فلما اعترفوا جميعهم بالعجز عن شرحها، تحرك حضرة بهاءالله وبيّن باختصار تلك النظرية بلغة مقنعة وبيان سهل. فتكدر المجتهد من عجز تلاميذه وقال

صورة 48
الطريق المؤدي إلى أطلال منزل حضرة بهاءالله
الأصلي في تاكُر، مازندران
صورة 49
أطلال منزل حضرة بهاءالله في تاكر، مازندران

غاضبًا: ’علّمتكم عدة سنين وجهدت بكل صبر أن أرسخ في عقولكم أعمق حقائق الدين ومبادئه السامية. ومع ذلك تسمحون لهذا الشاب الذي يلبس الكُلاه أن يثبت تفوّقه عليكم بعد كل هذه السنين الطويلة من الدرس الشاق، مع أنه لم يتعلم في مدرسة ولم يكن له اطلاع على دروسكم وعلومكم!‘

وبعد أن غادر حضرة بهاءالله المكان، أخبر ذلك المجتهد تلاميذه فيما بعد عن رؤيتين رآهما حديثًا وكان لهما في نظره أهمية كبرى، قال: ’في الرؤيا الأولى كنت واقفًا في وسط جمع غفير من الناس وبدا كأنهم يشيرون إلى منزل معين يقولون إن صاحب الزمان يسكنه. فأسرعت في منامي بفرح بالغ للتشرف بمحضره. ولما وصلت إلى المنزل منعت عن الدخول لفرط تعجبي. وقيل لي ’’إن القائم الموعود مشغول في محادثة خاصة مع شخص آخر. ولا يمكن الوصول إليهما فذلك ممنوع بتاتًا.‘‘ واستنتجت من الحراس الذين رأيتهم بجوار الباب، أن ذلك الشخص ليس سوى بهاءالله.‘

صورة 50
الكتابة التي نقشها الوزير، ميرزا بزرگ،
فوق باب منزله في تاكر، مازندران

واستمر المجتهد في روايته: ’في الرؤيا الثانية، وجدت نفسي في مكان ورأيت حولي عددًا من الصناديق قيل لي أن كل واحد منها يخص بهاءالله. وإذ فتحتها وجدتها مملوءة كتبًا. وكانت كل كلمة وكل حرف مكتوب في هذه الكتب مزينًا بجواهر غالية. وقد أبهر لمعانها بصري، وكنت مندهشًا من بريقها بحيث استيقظت من النوم فجأة.‘

ولما وصل حضرة بهاءالله إلى إقليم نور سنة الستين (1260ﻫ)، وجد أن المجتهد الشهير الذي كانت له سلطة قوية عند زيارة حضرته السابقة، قد توفي. ونقص عدد مريديه العظيم إلى شرذمة ضئيلة من التلاميذ اجتهدت في التمسك بتقاليد معلمهم المرحوم تحت رئاسة الملاّ محمد خليفته. فما أشد التباين بين الحماس الذي استقبل به وصول حضرة بهاءالله والغم الذي بسط ظلاله على تلك البقية الباقية من الجماعة التي كانت مزدهرة نشطة يومًا ما. وحضر لمقابلته جمع غفير من المسؤولين والأعيان في تلك الناحية ورحّبوا به الترحيب اللائق. وكانوا مشتاقين، نظرًا للمركز الاجتماعي الذي كان يشغله، لأن يعلموا منه شيئًا عن حياة الشاه وأنشطة وزرائه وأحوال حكومته. فأجابهم حضرة بهاءالله

على استفساراتهم بقلة اهتمام ملحوظ، وبدا أن حضرته يولي قدرًا ضئيلاً من الاهتمام. ولكنه دعاهم إلى الأمر الجديد بفصاحة مقنعة، ولفت انتباههم إلى المنافع العديدة التي قدر لذلك الأمر أن يسديها لوطنهم.(1) وكان الذين يستمعون إليه يندهشون من عظيم اهتمام رجل في مركزه وسنه بالحقائق المختصة بعلماء الدين في الدرجة الأولى. وكانوا يشعرون بعجزهم عن تحدي رجحان أدلته أو تصغير أهمية ذلك الأمر الذي كان يبينه بتلك القدرة. فأعجبوا بشدة حماسه وعمق تفكيره، وتأثروا للغاية بانقطاعه وتواضعه.

ولم يجرؤ أحد أن يعارضه في آرائه سوى عمّه عزيز، الذي تجرأ على معارضته وتحدي بياناته والطعن بصحتها. ولما حاول الحاضرون في مجلسه ممن سمعوه أن يسكتوا ذلك الغريم ويضروا به، توسط حضرة بهاءالله له ونصحهم أن يتركوه في يد الله. فلما أحس عمّه بالخطر طلب مساعدة فورية من مجتهد نور، وهو الملاّ محمد، وقال له: ’يا خليفة رسول الله! انظر ماذا داهم الدين، فإن شابًا من غير العلماء مرتديًا خلعة النبلاء حضر إلى نور واقتحم معاقل المعتقدات الدينية ومزق دين الإسلام المقدس. فقُم وقاوم هجومه، لأن كل من يحضر أمامه يقع فورًا في حبائل سحره وينجذب بقوة منطقه. ولست أدري هل هو ساحر أم هو يمزج الشاي بمادة غريبة تجعل كل من يشرب منه يقع فريسة لسحره.‘ وكان المجتهد، على قلة بضاعته في الفهم والإدراك، يعلم بطلان تلك الملاحظات. فكان يسأله مازحًا: ’ألم تشرب من الشاي الذي يصنعه أو تسمعه يخاطب أتباعه؟‘ فأجابه: ’نعم، ولكن لم تؤثر فيّ قوته الغامضة إذ حفظتني حماية حبك.‘ ولما وجد المجتهد أنه غير قادر على إثارة السكان ضد حضرة بهاءالله، أو أن يقاوم مباشرة الآراء التي ينشرها شخص مقتدر مثله بغير خوف ولا وجل، اكتفى بكتابة بيان أعلن فيه: ’يا عزيز، لا تخَف فلن يقدر أحد أن يلحق بك ضررًا.‘ وكانت العبارة مكتوبة بخطأ نحوي جعل معناها غير مفهوم حتى أن كل من قرأها من أعيان قرية تاكُر عاب الكاتب والمكتوب له.

________________________

(1) ’وكانت عباراته (بهاءالله) كالسيل المتدفق وأوجبت سلاسة عباراته ووضوح بياناته أن يجلس أعظم العلماء عند قدميه.‘ ("اتفاق الأجناس والأديان"، للدكتور چين، الصفحة 120)

وكان الذين يتشرفون بمحضر حضرة بهاءالله ويسمعوه يفسر رسالة حضرة الباب، يعجبون بجدية دعوته ومناشدته على شأن يقومون على نشر نفس الرسالة بين أهالي نور وإعلاء فضائل صاحبها المميز. واجتهد تلاميذ الملاّ محمد في هذه الأثناء أن يقنعوا معلمهم بالتوجه إلى تاكُر ويزور حضرة بهاءالله شخصيًا، ويتحقق طبيعة هذا الظهور الجديد، وينوّر أتباعه بمزاياه ومقاصده. ولكن المجتهد كان يتهرب في الجواب رغمًا

صورة 51
منظر خارجي لغرفة حضرة بهاءالله في تاكر، مازندران
صورة 52

منظر داخلي لغرفة حضرة بهاءالله محفوظة بشكلها الأصلي

عن الإلحاح الشديد، فلم يقبل منه تلاميذه ما كان يعتذر به، وقالوا له إن أول واجب على رجل في مركزه، والذي وظيفته المحافظة على سلامة المذهب الشيعي، أن يتفحص طبيعة كل حركة لها مساس بمصالح دينهم. وأخيرًا صمّم الملاّ محمد أن ينتدب اثنين من مشاهير مساعديه، الملاّ عباس وميرزا أبو القاسم، وهما صهران للمجتهد المرحوم ميرزا محمد تقي ومن تلاميذه الموثوقين، وطلب منهما زيارة حضرة بهاءالله والتحقق

صورة 53
منظر خارجي لغرفة حضرة عبدالبهاء في تاكر
صورة 54
منظر داخلي لغرفة حضرة عبدالبهاء

من الرسالة التي أتى بها. وأوجب على نفسه الاعتراف بأي نتيجة يصلان إليها دون أي تحفظ. وقال إنها ستكون فصل الخطاب.

ولدى وصولهما إلى تاكُر وعلمهما أن حضرة بهاءالله تركها إلى منتجعه الشتوي، قرر مندوبا الملاّ محمد التوجه إلى ذلك المكان. ولما وصلا وجدا حضرة بهاءالله مشغولاً بتنزيل تفسير لسورة الفاتحة من القرآن الكريم، بعنوان "السبع المثاني". وإذ جلسا وسمعا بياناته وسمو موضوعه وفصاحة عباراته المقنعة، وكذلك الأسلوب الخارق في العرض، تأثرا للغاية وقام الملاّ عباس من مكانه مدفوعًا بقوة لا يقدر على ردها ووقف بجوار الباب في حالة خضوع وخشوع. وقد انجذب بحلاوة البيان الذي كان يصغي إليه، وقال لزميله وهو يقف مرتجفًا مما انتابه من مشاعر وبعيون فاضت دمعًا: ’لقد رأيت حالي، فأنا غير قادر على سؤال بهاءالله. فجميع الأسئلة التي أعددتها قد زالت فجأة من ذاكرتي، وأنت حرّ إما أن تتم بحثك أو تعود إلى معلمك وحدك، وتخبره بالحالة التي صرت إليها، وأخبره عن لساني وقل له إن عباس لا يقدر أن يرجع إليك أبدًا أو أن يترك هذه العتبة.‘ واتّبعه في ذلك زميله ميرزا أبو القاسم حيث أجابه قائلاً: ’إني من الآن لن أعرف معلمي، ففي هذا الوقت نذرت لله أن أخصص بقية أيام حياتي لخدمة بهاءالله الذي هو مولاي الوحيد الحق.‘

وانتشرت أخبار الإيمان المفاجئ لمندوبَي مجتهد نور المختارين بسرعة مدهشة في أنحاء الإقليم. وانتبه الناس من غفلتهم، وهرع أعيان رجال الدين، وموظفو الحكومة والتجار والفلاحون إلى منزل حضرة بهاءالله وآمن طواعية كثيرون بالأمر الذي كان يدعو إليه. وفي خضم إعجابهم بحضرته، قال عدد من بين أعظم وجهائهم: ’إننا نرى كيف قام أهالي نور والتفوا حولك. ونرى ابتهاجهم ظاهرًا في كل الجهات، فإذا انضم إليهم الملاّ محمد فإن نصر هذا الدين يكون مؤكدًا.‘ فأجابهم حضرة بهاءالله: ’إني جئت إلى نور لمجرد إعلان أمر الله ولا أبغي مقصدًا آخر. فإذا قيل لي أن طالبًا على بعد مائة فرسخ يبحث عن الحق وهو غير قادر على الحضور لمقابلتي، فإني بكل سرور ودون تأخير أسرع إلى مسكنه وأحقق له مراده. وقد أخبرت أن الملاّ محمد يقطن في سعادت آباد وهي قرية ليست ببعيدة عن هذا المحل فإن هدفي أن أزوره وأعلمه بالدعوة الإلهية.‘

ولرغبته بدعم كلماته بالأفعال، ذهب حضرة بهاءالله برفقة عدد من أصحابه إلى تلك القرية في الحال. وقابلهم الملاّ محمد بكل ترحيب، وقال له حضرة بهاءالله: ’إني لم أحضر إلى هنا لأزورك زيارة رسمية فإن غرضي هو تنويرك فيما يختص بالدعوة الجديدة المدهشة الموحى بها من الله والتي بها يتم الوعد المذكور في الإسلام. وكل من يصغي لهذه الرسالة يشعر بقوة تأثيرها ويحصل عنده التغيير من قوة فضلها. فأخبرني عن كل ما يحير فكرك من جهتها أو ما يمنعك من تصديق الحق.‘ فقال الملاّ محمد باستخفاف: ’إني لا أقدر أن أبت في أمر إلا بعد أن أستخير القرآن. وقد اعتدت في مثل هذه المواقف أن أطلب دائمًا معونة الله وبركته بأن أفتح كتابه المقدس عشوائيًا وأستعلم من نص أول آية من الصحيفة التي تقع عيني عليها. ومن طبيعة هذه الآية يمكنني أن أحكم على الطريق الذي أتبعه.‘ ولما رأى المجتهد أن حضرة بهاءالله لم يمانع في طريقة الاستخارة، طلب المصحف وفتحه ثم طواه، ولم يقبل أن يفصح عن طبيعة الآية التي وقعت عينه عليها أمام الحاضرين، وقال: ’إني استخرت كتاب الله وأرى أنه لم يكن من المستحسن لي أن أستمر في بحث هذا الموضوع.‘ فوافقه بعض الحاضرين وعرف الآخرون ما ساوره من الخوف في هذا الصدد، ولم يرتضِ حضرة بهاءالله أن يزيد في حرجه وارتباكه، فقام واستأذن وودعه وداعًا حبيًّا.

وذات يوم أثناء إحدى جولاته في الريف راكبًا الخيل مع أصحابه، رأى حضرة بهاءالله شابًا جالسًا وحده بجانب الطريق. وكان الشاب أشعث الشعر ويلبس زي الدراويش. وكان قد أشعل نارًا وطبخ طعامه بجانب جدول ماء وأخذ يأكله. وإذ اقترب منه، سأله حضرة بهاءالله بمحبة بالغة: ’أخبرني ماذا تفعل أيها الدرويش؟‘ فأجابه بخشونة: ’أنا مشغول في أكل الرب وطبخه وحرقه.‘ فأعجب حضرة بهاءالله ببساطة أخلاق الشاب وعدم تصنّعه وصراحة إجابته، وابتسم من هذه الملاحظة وأخذ يتحدث معه بكل لطف وحرية. وبعد برهة وجيزة تمكن حضرة بهاءالله من تغييره بالكلية. وإذ ابتهج بمعرفة طبيعة الله الحق وخلّص عقله من أوهام قومه اعترف حالاً بالنور الذي جاءه به ذلك الشخص الغريب فجأة. وتعشق ذلك الدرويش، المدعو مصطفى، تعاليمه على شأن ترك أدوات

طبخه وراءه ولحق حضرة بهاءالله. وكان يسير وراء جواده وهو يتغنى بأشعار كان ينشدها بداهة مسرورًا في محبته التي اشتعلت نارها في قلبه. وكان يقول: ’أنت نجم صبح الهداية وأنت ضياء الحق اكشف نفسك للناس يا مظهر الحق.‘ ومع أن هذا الشعر قد انتشر في قومه في السنين اللاحقة واشتهر بأن درويشًا، يلقب بالمجذوب واسمه مصطفى بيك السنندجي، أنشأه على البداهة في مدح المحبوب، فإن الناس لم يفهموا وقتها من هو الذي كان يعنيه في شعره ولم يشك أحد أن ذلك الدرويش عرف مقام حضرة بهاءالله واكتشف بهاءه في وقت كان فيه محجوبًا عن أنظار الخلق.

وحققت زيارة حضرة بهاءالله لنور نتائج باهرة بعيدة المدى وأعطت الأمر جديد النشأة دفعة مدهشة لانتشاره. وبفصاحته الجذابة وطهارة حياته ووقار هيئته ومنطق براهينه الذي لا يُرّد وعلائم محبته العديدة، تمكن حضرة بهاءالله من كسب قلوب أهالي نور وتحريك أرواحهم وضمهم تحت لواء أمر الله. كان تأثير كلماته وأفعاله وأقواله وهو يبلّغ الأمر الجديد ويظهر مجده لمواطنيه في نور حتى كأن الحجر والشجر في ذلك الإقليم قد أحيي من أمواج القدرة الروحانية التي كانت تصدر من شخصه. وبدت كل الأشياء كأنها استمدت قوة واكتسبت حياة جديدة وكأنها بلسان حالها تنادي بأعلى النداء: ’انظروا جمال الله وبهاءه فقد ظهر! انهضوا فقد جاء بكل مجده.‘ واستمر أهالي نور بعد فراق حضرة بهاءالله لهم، في نشر أمر الله وتثبيت أسسه. وتحمّل عدد منهم أشد أنواع الاضطهاد لأجل حضرته. وتجرع آخرون كأس الشهادة بكل سرور في سبيل حضرته. وهكذا اشتهرت مازندران عامة، ونور خاصة، عن بقية مقاطعات إيران وأقاليمها، بأنها أول من قبلت بكل عشق الرسالة الإلهية. وكان إقليم نور المحاطة بجبال مازندران أول أرض سطعت عليها أشعة الشمس التي ارتفعت في شيراز، وأول من أعلن لبقية إيران، التي كانت راقدة في وادي الغفلة، أن شمس الهداية الإلهية قد أشرقت أخيرًا لتنعم بدفئها ونورها أرض البلاد بأسرها.

ولما كان حضرة بهاءالله لا يزال طفلاً، رأى والده الوزير في الرؤيا، كأن حضرة بهاءالله يسبح في محيط لا حدّ له وكان جسمه يلمع على المياه بضياء أنار البحر، وكانت

ترى حول رأسه شعراته السوداء الحالكة الطويلة فوق المياه تسبح على الأمواج. وإذ استمر في منامه حامت حول حضرة بهاءالله جملة أسماك تعلق كل منها بطرف شعرة من شعراته بكل ثبات. وتبعته أينما سبح وهي مبهورة بضياء وجهه. ومع وفرة عددها وشدة تعلقها بشعره، لم تنفصل عن رأسه شعرة واحدة ولم يحصل له أي ضرر. فكان يتحرك فوق المياه بغير مشقة ودون عائق وكل الأسماك تتبعه.

ولشدة تأثر الوزير من هذه الرؤيا، استدعى عرّافًا اشتهر في تلك الأرجاء وطلب منه أن يفسرها له. فقال هذا الرجل الذي كأنه أوحي إليه بجلال حياة حضرة بهاءالله المستقبلة ومجدها: ’أيها الوزير! إن البحر المحيط اللامحدود الذي رأيته في منامك، إنما هو عالم الوجود. وإن ابنك سيعلو عليه وحيدًا فريدًا. ولن يعوقه عائق عن أي جهة يريد التوجه إليها ولا يقدر أحد أن يقف في سبيل تقدمه. وأما حشود الأسماك العديدة، فهي عبارة عن الاضطراب الذي سيحدثه بين الأمم والأقوام. وسوف يتجمعون حوله ويتعلقون بشخصه. وإذ يتيقن بحماية الله القدير المؤكدة لا ينال شخصه أذى من هذا الاضطراب، ولن يهدد بقاءه وحيدًا على بحر الحياة سالمًا آمنًا.‘

وبعد ذلك أخذوا العراف لرؤية حضرة بهاءالله. وإذ نظر إلى وجهه بتركيز وتفحص ملامحه، سُحِر من جمال مظهره، ومجّد كل ميزة في طلعته، وكان كل تعبير في ذلك الوجه يكشف لعينَي العراف عن علامة من علامات بهائه المستور. وكان عظيم إعجابه وشدة إطرائه لحضرة بهاءالله بدرجة أن الوزير أصبح منذ ذلك اليوم أشد تعلقًا بنجله. وكانت كلمات ذلك العراف قد عززت آماله وقوّت ثقته في ابنه. وأصبح كيعقوب لا يرغب إلا ضمان سعادة محبوبه يوسف، وأن يكتنفه بحماية محبته.

وكان الحاج ميرزا آقاسي، رئيس وزراء محمد شاه، رغم التنافر الشديد بينه وبين والد حضرة بهاءالله، يبدي كل مظاهر العناية والحظوة لابنه. وكانت شدة احترام الحاج لحضرته قد أثارت الحسد في قلب ميرزا آقا خان النوري، اعتماد الدولة، الذي خلف الحاج ميرزا آقاسي في منصبه فيما بعد. فامتعض من علو المكانة التي أسديت إلى حضرة بهاءالله الشاب فوق مكانته. وتأصل الحسد في قلبه من ذلك الحين، لأنه قال في نفسه إذا

كان يُظهر مثل هذا الاحترام أمام رئيس الوزراء لشاب مثله ووالده لا يزال على قيد الحياة، فما بالك لو خلف هذا الشاب والده في منصبه؟

واستمر الحاج ميرزا آقاسي في احترامه الشديد لحضرة بهاءالله بعد وفاة والده الوزير، وكان يزوره في منزله ويخاطبه كما لو كان ابنه. ولكن صدق محبته سرعان ما امتحن. ففي يوم من الأيام كان يمر بقرية كوچ حصار، وهي من أملاك حضرة بهاءالله وقد أعجبه جمال ذلك المكان ووفرة الماء فيه، حتى إنه خطرت له فكره تملّكه. فاستدعى حضرة بهاءالله على الفور لإتمام عملية شراء تلك القرية، ولكنه أجابه: ’لو كانت هذه الأملاك تخصني وحدي لحققت لك مرادك عن طيب خاطر. فإن هذه الدنيا فانية بجميع مشتملاتها الخسيسة، وليس لها أي تعلق في نظري فكيف بهذه القرية الصغيرة التافهة. ولكن لما كان يشاركني في هذا الممتلك عدد من الأغنياء والفقراء، بعضهم بالغ وبعضهم قاصر، فإني أطلب إليك أن ترجع إليهم وتطلب رضاهم وقبولهم.‘ فلم يعجب الحاج ميرزا آقاسي هذا الرد، وأخذ في تدبير الحيلة للحصول على مرغوبه. ولما علم حضرة بهاءالله بمقاصده الشريرة، نقل ملكية الأرض فورًا إلى اسم أخت محمد شاه بموافقة سائر المعنيين، لأنها كثيرًا ما أبدت رغبتها بتملكها. فاغتاظ الحاج من ذلك الإجراء وأمر بالاستيلاء على الممتلك بالقوة، مدعيًا أنه اشتراه من مالكه الأول، ولكن وكلاء أخت الشاه، وبّخوا مندوبي الحاج ميرزا آقاسي وأمروهم بأن يخطروا سيدهم بعزم تلك السيدة على تثبيت حقوقها. فعرض الحاج القضية على محمد شاه، واشتكى من المعاملة الظالمة التي تعرض لها. وكانت أخت الشاه قد سبق لها في نفس الليلة أن شرحت له طبيعة الإجراء قائلة لأخيها: ’لقد تكرمت جلالتك بإبداء رغبتك بأن أبيع مجوهراتي التي لا أتقلدها في محضرك لأشتري بقيمتها ممتلكًا ما. وقد نجحت أخيرًا في تحقيق رغبتك. ولكن الحاج ميرزا آقاسي ينوي الآن الاستيلاء عليها مني بالقوة.‘ فطمّن الشاه أخته وأمر الحاج أن يتنازل عن ادعائه. ولما يئس الأخير من تنفيذ رغبته، دعا حضرة بهاءالله إلى مقابلته واجتهد في الإدعاء عليه بكل حيلة لتلطيخ سمعته، فكان حضرة بهاءالله يجيب بشهامة عن كل تهمة يريد الرئيس أن يلصقها به وأثبت براءته. وفي سورة غضبه صاح رئيس

الوزراء قائلاً: ’وماذا تهدف من كل هذه الولائم والموائد التي يبدو أنك تسرّ بها؟ وإني بصفتي رئيس وزراء شاهنشاه إيران لا يجتمع على مائدتي أبدًا مثل هذا العدد من مختلف الضيوف الذين يحتشدون حول مائدتك كل ليلة. ولماذا كل هذا الإسراف والغرور؟ لا شك أنك تدبر مكيدة ضدي.‘ فأجاب حضرة بهاءالله قائلاً: ’يا ربي العطوف! فهل الرجل الذي يشارك مواطنيه خبزه، لمحض المحبة العامرة في قلبه، يتهم أنه يضمر نوايا إجرامية؟‘ فارتبك الحاج ميرزا آقاسي ولم يجرؤ على الإجابة. ومع أنه كان مؤيدًا بالقوى الدينية والمدنية مجتمعة في إيران، إلا أنه وجد نفسه أخيرًا مهزومًا تمامًا، في كل منازلة تجرأ على خوضها ضد حضرة بهاءالله.

وقد ظهر وتحقق تفوق حضرة بهاءالله على معانديه في عدد من المناسبات الأخرى. وكانت هذه الانتصارات الشخصية التي حققها قد عززت مكانته وأذاعت شهرته في الأرجاء. ودهش الناس على اختلاف مقاماتهم من نجاحه المعجز في الخروج سالمًا من أخطر المواجهات. وفكروا أن العناية الربانية لابد وأن تكون هي التي أوجبت سلامته في تلك المناسبات. ولم يخضع حضرة بهاءالله ولو مرة واحدة إلى غرور الذين حوله أو إلى طمعهم وخيانتهم، مع أنه كان محاطًا بأعظم المخاطر. وفي أثناء معاشرته المستمرة لكبار رجال الدولة والدين في تلك الأيام لم يقبل أبدًا أن يقبل ببساطة آرائهم التي يعبرون عنها أو ادعاءاتهم التي يروجوها. فكان في مجامعهم يقوم على إشهار أمر الحق ومساعدته دون وجل ويحافظ على حقوق المظلومين ويدافع عن الضعفاء ويحامي عن الأبرياء.

***
صفحة خالية
الفصل السادس
رحلة الملاّ حسين إلى خراسان

ولدى توديع حضرة الباب حروف الحيّ، أمرهم فردًا فردًا أن يدونوا في قائمة اسم كل مؤمن اعتنق الأمر وسار حسب تعاليمه. وأمرهم أن يضع كل منهم قائمة أسماء أولئك المؤمنين في خطابات مغلقة مختومة ويرسلوها إلى خاله الحاج ميرزا سيد علي في شيراز ليبعث بها إليه. وقال لهم: ’سوف أبوّب هذه الأسماء إلى ثمانية عشر بابًا وأجعل كل باب يحتوي على أسماء تسعة عشر شخصًا فيكون كل باب في مجموعه واحدًا(1) فإذا أضيفت هذه الأسماء في أبوابها الثمانية عشر إلى الواحد الأول الذي تكوّن من اسمي وأسماء الحروف الثمانية عشر التي هي حروف الحيّ، فإنها تكوّن عدد "كل شيء".(2) وسأذكر أسماء جميع المؤمنين في لوح الله حتى إن محبوب قلوبنا ينزل عليهم بركاته التي لا تُحصى في اليوم الذي يستقر فيه على عرش مجده ويعدهم من سكان جنته.‘

وحدد حضرة الباب للملاّ حسين بصفة خاصة تعليمات محددة بأن يبعث إليه بتقرير كتابي عن طبيعة نشاطاته وتقدمها في إصفهان وطهران وخراسان، وأكد عليه أن يخطره بأسماء الذين أقروا وآمنوا بأمر الله، وكذلك الذين كفروا واعترضوا على أحقيته. وقال له: ’لن أستعد لمبارحة هذه المدينة للحج إلى الحجاز حتى يصلني خطابك من خراسان.‘

________________________
(1) عدد "واحد" هو 19 بالحساب الأبجدي.

(2) عدد "كل شيء" هو 361، يعني 19 Х 19 بالحساب الأبجدي.

صورة 55
صورة 56
صورة 57

مناظر مسجد گوهر شاد في مشهد، تظهر المنبر الذي كان الملاّ حسين يبلّغ منه

وبعد مقابلة الملاّ حسين لحضرة بهاءالله وانتعاشه من محادثته، قام بالسفر إلى خراسان، وفي أثناء زيارته لتلك المقاطعة ظهرت منه آثار القوة التي أحيته بها كلمات حضرة الباب أثناء توديعه.(1) وكان أول من آمن في خراسان ميرزا أحمد الأزغندي وهو أبرز علماء عصره في ذلك الإقليم في العلم والحكمة والشهرة. وكان إذا حضر أي مجلس من العلماء قل عددهم أو كثر، كان هو المتكلم الرئيس. وكانت أخلاقه السامية وشدة تقواه قد زادت في شهرته التي اكتسبها ببراعته وقدرته وحكمته. وتبعه

صورة 58
منظر "البابية" في مشهد
________________________

(1) ’وكان الزائر يزيد في مدة إقامته كلما أراد واحتاج لإجراء المحادثات والمقابلات في المدن والقرى والحوار مع الملاّوات وإظهار كتب حضرة الباب وتبليغ الدعوة. وكان الناس في كل مكان يستمعون له بفارغ الصبر، ويبحثون عنه متعجبين ويستمعون له بلهف ويقبلون الدعوة بسهولة وخاصة في نيشاپور حيث قبل الدعوة اثنان من مشاهير العلماء وهما الملاّ عبد الخالق من يزد، والملاّ علي الصغير، وكان أول هذين المجتهدين من تلاميذ الشيخ أحمد الأحسائي وكان عالمًا ضليعًا في العلوم وله تأثير على الناس وذو فصاحة في المنطق، وكان الثاني شيخيًا أيضًا وذو أخلاق راسخة وفهم كبير وله اعتبار عظيم ويشغل وظيفة المجتهد الأول في المدينة وأصبح الاثنان بابيين مخلصين. وكانا يصيحان من على منابر المساجد بتنبؤات قاسية على الإسلام وفي مدة الأسابيع الأولى ظن العموم أن الدين القديم قد زحزح نهائيًا. أما العلماء الذين تذمروا من تخلية رئيسهم فقد خشوا من الخطابة العامة التي لم تستثنيهم، فهم إما خشوا الظهور علنًا أو ولّوا الأدبار. ولما جاء الملاّ حسين البشروئي إلى مشهد وجد الأهالي مضطربين ومنقسمين على أنفسهم بخصوصه، من جهة، ووجد العلماء متهيجين وقد عيل صبرهم وعزموا على إجراء مقاومة قوية للحملة التي وجهت إليهم من جهة أخرى.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصفحتان 139-140)

في الإيمان من الشيخية في خراسان الملاّ أحمد المعلم الذي كان معلمًا لأنجال السيد كاظم في كربلاء. وآمن بعده الملاّ الشيخ علي الذي سمّاه حضرة الباب بالعظيم، ثم الملاّ ميرزا محمد الفروغي الذي تفوق بعلمه على سواه عدا ميرزا أحمد. ولم يكن أحد من علماء خراسان الباقين بقادر على معارضة حجج الملاّ حسين أو عنده من العلم ما يكفي لمجادلته.

وآمن من بعدهم ميرزا محمد باقر القائني الذي صرف بقية سنيّ حياته في الإقامة في مشهد، واشتعلت محبة حضرة الباب في روحه في عشق متقد على شأن لم يقدر أحد على مقاومة قوته أو التقليل من نفوذه. واتحدت فيه مزايا الشجاعة والحيوية السخية والولاء الراسخ ونبل المسلك ليصبح مصدر ذعر أعدائه ومنبع إلهام أحبائه. وقد وضع منزله في خدمة الملاّ حسين ورتب له عدة مجالس منفصلة لمقابلة العلماء في مشهد، واجتهد للسعي بكل قوته لإزالة كل عقبة تعترض تقدم أمر الله. وكان يبذل مجهودات قوية لا يتطرق إليه فيها الملل ولا الكلل وهو على استقامة لا تنثني ونشاط لا يفنى.

صورة 59
منظر "البابية" في مشهد

واستمر على عمله دون عائق في سبيل الأمر المحبوب إلى آخر نسمة من حياته، حتى وقع شهيدًا في قلعة الشيخ الطبرسي. وفي أواخر أيامه أمره القدوس أن يستلم قيادة المدافعين الأبطال عن تلك القلعة بعد وفاة الملاّ حسين المحزنة. وقام بتلك المأمورية بما جلب له الفخر. وكان منزله في بالا خيابان في مدينة مشهد معروفًا حتى الآن باسم "البابية" وكل من كان يدخله لا ينجو من أن يتهم بأنه بابي. فلتنعم روحه بالراحة الأبدية!

وما أن تمكّن الملاّ حسين من ضم هؤلاء المؤمنين الأشداء إلى أمر الله، حتى عزم على كتابة التقرير إلى حضرة الباب عن أنشطته. وفي تقريره أشار بإسهاب إلى إقامته في إصفهان وكاشان، ووصف تفاصيل تجربته مع حضرة بهاءالله ورحلة حضرته إلى مازندران، وذكر حوادث نور وتحدّث عن النجاح الذي صادفه هو في خراسان وأرفق مع التقرير كشفًا ببيان أسماء الأحباء الذين أجابوا نداءه واطمأن إلى ثباتهم وإخلاصهم. وأرسل خطابه عن طريق يزد بواسطة شركاء خال حضرة الباب الموثوقين الذي كان إذ ذاك قاطنًا في طبس. ووصل الخطاب إلى حضرة الباب في الليلة التي سبقت اليوم السابع والعشرين من رمضان(1) وهي المشهورة عند المسلمين بكافة مذاهبهم بليلة القدر وهي التي وصفت في القرآن بأنها خير من ألف شهر(2) ولم يكن مع حضرة الباب في تلك الليلة عند وصول الخطاب إليه سوى القدوس الذي قرأ عليه الكثير من فقراته.

وسمعت ميرزا أحمد يقص ما يأتي: ﴿إن خال حضرة الباب وصف لي الظروف التي اقترنت بتسلم حضرة الباب خطاب الملاّ حسين. قال: ’شاهدت في تلك الليلة علائم الفرح والسرور على وجه حضرة الباب والقدوس بما لا أقدر أن أصفه. وكثيرًا ما سمعت حضرة الباب في تلك الأيام يكرر تلك الكلمات بانشراح، ’’العجب كل العجب فيما وقع بين جمادى ورجب.‘‘ وبينما كان يقرأ الخطاب المرسل إليه من الملاّ حسين، التفت إلى

________________________
(1) توافق ليلة 10 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1844م.

(2) وهي إحدى الليالي العشر الأخيرة من رمضان ومعناها ليلة القوة، وهي على الأرجح الليلة السابعة إذا حسبت بالتراجع (أي ليلة 23، 24 من رمضان).

القدوس وأطلعه على بعض فقرات ذلك الخطاب وشرح له سبب دهشته السارة. وأما أنا فبقيت غير عالم بطبيعة ذلك الشرح.‘﴾

وكان ميرزا أحمد الذي تأثر من سماع هذه القصة تأثرًا بالغًا، قد عزم على استكشاف سرها، وقال لي: ’إني لم أتمكن من الوقوف على حقيقة أمرها ولم يطمئن قلبي إلا بعد مقابلتي للملاّ حسين في شيراز، لأني لما قصصت عليه ما ذكره لي خال حضرة الباب، تبسم وقال إنه يتذكر جيدًا أنه فيما بين جمادى ورجب كان مقيمًا في طهران، ولم يذكر شيئًا عن التفاصيل، وفقط لمّح لي واكتفى بهذه الإشارة، وكان ذلك كافيًا لإقناعي أنه يوجد في طهران سرّ إذا انكشف للعالم فإنه يجلب الفرح والسرور إلى قلبَي حضرة الباب والقدوس.‘

وكانت إشارات الملاّ حسين إلى التصديق الفوري من حضرة بهاءالله للرسالة الربانية وإجابته لها دون تردد وقيامه على التبليغ في نور بكل شهامة وما لقيه من النجاح العظيم الذي كلل مجهوداته، قد أبهج قلب حضرة الباب وقوّى ثقته في غلبة أمره النهائية واطمأن إلى أنه لو وقع تحت مخالب ظلم الأعداء وفارق هذا العالم، فإن الأمر الذي قام على ترويجه سيعيش وينمو ويثمر بإشراف وإدارة حضرة بهاءالله الرئيسة وإنه سيدير دفتها بحكمته الفائقة وإن محبته الغالبة ستؤثر في قلوب الناس، وامتلأ قلبه بهذا اليقين والأمل وقويت بهما روحه. ومنذ ذلك الوقت تبدد منه الاضطراب من حلول المخاطر. وقَبِل بكل فرح نيران الاضطهاد وابتهج بحرارة اشتعالها ولمعان ضيائها كما تبتهج بذلك العنقاء.

***
الفصل السابع
حج حضرة الباب إلى مكة المكرمة
والمدينة المنورة
صورة 60
رسم مكة المكرمة

بوصول خطاب الملاّ حسين، عزم حضرة الباب على الحج إلى الحجاز، وترك زوجته في رعاية والدته، وأوصى بهما خاله ليكونا تحت حمايته، وانضم إلى جماعة الحجاج المسافرين من فارس الذين كانوا على أهبة الاستعداد لمغادرة شيراز للسفر لمكة المكرمة والمدينة المنورة،(1) وكان القدوس هو رفيقه الوحيد عدا خادمه الحبشي الخاص. واتجه

________________________

(1) وحسب تاريخ الحاج معين السلطنة (الصفحة 72)، قام الباب للحج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة في شهر شوال سنة 1260 ﻫ (أكتوبر/تشرين الأول سنة 1844م).

أولاً إلى بوشهر، مقر تجارة خاله عندما كان حضرته في الأيام السالفة يعمل معه وعاش كتاجر بسيط. وبعد أن أنهى ترتيبات سفره الطويل الشاق، استقل مركبًا شراعيًا أبحر ببطء لمدة شهرين وسط العواصف حتى رسى على شواطئ تلك الأرض المقدسة.(1) ولم يمنعه تلاطم الأمواج ولا انعدام وسائل الراحة من الاستمرار على الصلاة بانتظام، وعلى المناجاة ودوام الابتهال والتضرع، ولم يشغله دوار البحر الذي أصاب زملاءه الحجاج، بل داوم على إملاء القدوس بالمناجاة والألواح التي كان يشعر بالإلهام في إنزالها.

وسمعتُ الحاج أبو الحسن الشيرازي الذي كان مسافرًا في السفينة نفسها مع حضرة الباب يصف تلك الرحلة الشهيرة. قال: ’كنت طوال شهرين من رحلة السفينة، من وقت أن أبحرت من بوشهر إلى أن رست في جدة، التي هي ميناء الحجاز، أشاهد حضرة الباب منهمكًا في العمل والاشتغال الدائم مع القدوس كلما سنحت لي الفرصة في مقابلتهما. وكان حضرة الباب يُملي والقدوس يكتب ما يتفوّه به حضرة الباب. وكانا يشتغلان

________________________

(1) ’وحصل له تعب من هذا السفر. "اعلم أن الطريق في البحر متعب ولا نحبه لأحبائنا مع وجود السفر بالطرق البرية." وكتب في "صحيفة بين الحرمين" في خطابه لخاله، كما سنرى فيما بعد، وكذلك كتب في "البيان" تفصيلاً عن هذا الموضوع. ولم يكن الأمر تافهًا فإن الروح التي اقتادت الباب إلى أهوال البحر كانت أكثر سموًا ونبلاً. فقد دهش من نفسية الحجاج وأنانيتهم والتي زادتها متاعب البحر وأخطاره ومن الظروف القذرة التي يضطر المسافرون لتحمّلها على سطح المركب، فأراد لذلك أن يتجنب الناس غرائزهم الدنيا بتعاملهم مع بعضهم البعض بخشونة، ونعلم أن حضرة الباب حث على الأدب خاصة وعلى اللباقة في التعامل الاجتماعي، فقال: "لا تُغضبوا أي أحد لأي سبب." ورأى في هذا السفر خسة الإنسان وقسوته عندما يواجه الصعاب. فكتب في "البيان" [4:16]: "إن أكثر ما أحزنني ما رأيته في حجي إلى مكة المكرمة النزاع المتوالي الواقع بين الحجاج والمشاجرات التي تمحو أجر الحج ومنافعه الأدبية." ووصل إلى مسقط واستراح فيها بضعة أيام وأراد تبليغ الأهالي، ولكنه لم يوفق لذلك وكان خطابه موجهًا إلى أحد علماء الدين من رتبة عالية حتى إذا آمن يؤمن بواسطته مواطنوه على غالب ظني، ولكن لم يذكر تفصيل هذه الأمور. ومن الطبيعي أنه لا يدعو أول من يقابله دون أن يكون له تأثير على سكان المدينة. ومسألة كونه دعا أحدًا للإيمان ولم يقبل، مسألة لا شك فيها وأقرها بنفسه، قال: "إن ذكر الله الحق نزل على أرض مسقط ووصل بأمر الله إلى أحد من أهالي تلك الجهة وكان يمكنه أن يفهم آياتنا ويكون من المهتدين. قل إنه اتبع هواه بعد أن سمع آياتنا بالحق وحسب في الكتاب من المعتدين. قل لم نرَ في مسقط من أهل الكتاب من يؤمن، ألا إنهم من الجهلاء الهالكين. كذلك كان من على السفينة، إلا واحد من بينهم آمن بآياتنا وكان ممن يخشون ربهم."‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 207-208)

باطمئنان وهدوء حتى في الوقت الذي كانت فيه السفينة مضطربة والركاب مذعورين من الرياح العاصفة. فلم يلفتهما ذلك عن العمل ولم تتغير بشاشة وجهيهما من هياج الركاب واضطرابهم ولا من اشتداد العواصف وانقلاب البحر وهياجه.‘

وأشار حضرة الباب بنفسه في "البيان" الفارسي(1) إلى هذه المشاق التي وقعت أثناء السفر، فكتب ما يلي: "ولم نتمكن من الحصول على الماء جملة أيام إلا بصعوبة، وكنا نكتفي بعصير الليمون الحلو." وبسبب هذه التجربة كان يدعو الله القدير أن يسهل سبل السفر في البحر قريبًا، ويقلل مشاقه ويمحو أخطاره بالكلية. فلم يمضِ وقت طويل بعد ذلك الدعاء حتى ظهرت علائم التحسن في سائر وسائل المواصلات البحرية وأصبح الخليج الفارسي بعد أن لم يكن فيه سوى سفينة واحدة بخارية، ممتلئًا بأسطول من السفن العظيمة التي تقدر أن تنقل جميع الحجاج من أهالي فارس بالراحة التامة إلى الحجاز في بضعة أيام أثناء موسم الحج السنوي.

أما سكان الغرب الذين ظهرت بينهم بوادر الانقلاب الصناعي الضخم، فلم يدركوا المنبع الذي ظهرت منه تلك القوة العظيمة التي غيرت مرافق الحياة المادية جميعها. ويشهد تاريخهم نفسه بحقيقة أنه في سنة الظهور الأعظم ظهرت فيهم فجأة بوادر الانقلاب الصناعي والاقتصادي، على شأن أقروا بأنفسهم بأنه لم يحدث له مثيل في تاريخ العالم الإنساني. ولشدة انهماكهم في تفاصيل هذه القوى المحركة الجديدة، تناسوا مصدرها تدريجيًا وعموا عن الغرض الذي من أجله أعطاهم ذو القدرة هذه القوة العجيبة. فلم

________________________

(1) "وقد رأيت بنفسي في سفري إلى مكة المكرمة شخصًا شهيرًا يصرف مبالغ كبيرة ولكنه امتنع عن صرف ثمن كوب ماء إلى زميل له في السفر. وحصل هذا على السفينة وكان الماء فيها نادرًا لدرجة إني لم أجد الماء أثناء سفري من بوشهر إلى مسقط، ذلك السفر الذي دام اثني عشر يومًا وكنت أثناءها أكتفي بالليمون الحلو." ("البيان" الفارسي، الجزء 2، الصفحة 154) "ولا يمكن أن يتصور في سفر البحر هذا سوى العذاب. فلا يجد الإنسان فيه لوازمه كالسفر برًا. وأما رجال البحر فمجبورون على المعيشة ولكنهم بعملهم يتقربون إلى الله الذي يجازي على العمل الطيب سواء في البر أو في البحر ولكن يضاعف أجر عبده الذي يعمل في البحر لأن عمله مضنٍ." (المصدر السابق، الصفحتان 155-156) "ورأيت (في السفر إلى مكة المكرمة) أعمالاً شريرة، في نظر الله، جَعلت ثواب الحج هباء منثورًا. وتلك هي المشاجرات بين الحجاج. والحق أن بيت الله في غنى عن أن يطوف به أمثال هؤلاء الناس." ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 155)

يستعملوها فيما خلقت لأجله بل استعملوها لزيادة وسائل التدمير والحروب بدلاً عن نعمة السلام والسرور.

ولما وصل حضرة الباب إلى جدة، ارتدى لباس الإحرام وركب جملاً وشرع في سيره إلى مكة. وأما القدوس ففضل أن يسير مرافقًا له على قدميه طوال الطريق، من جدة إلى تلك المدينة المقدسة رغمًا عن رغبة سيده المتكررة ألا يفعل، فكان يمسك مقود الجمل الذي كان حضرة الباب يركبه ويسير بجانبه مسرورًا على هيئة الخشوع لتلبية طلبات سيده وغير مبال بالمتاعب والمشاق الناشئة عن مثل هذا السير القاسي، وكان في كل ليلة، من الغسق إلى دنو الفجر، يضحي براحته ونومه في سبيل المحافظة على محبوبه، ويسهر بانتباه لا يعرف الملل استعدادًا لتلبية احتياجاته وتأكيدًا لحمايته وسلامته.

وفي ذات يوم، أثناء نزول حضرة الباب عن ظهر جمله للصلاة، قريبًا من بئر ماء، ظهر فجأة بدوي هائج في الأفق واقترب من حضرته واختطف الخرج الذي كان مطروحًا على الأرض وبه كتابات حضرة الباب وأوراقه، واختفى بسرعة وسط مجاهل الصحراء. فقام الخادم الحبشي ليتبعه، ولكن سيده منعه، وأشار إليه أثناء صلاته بيده أن يتوقف عن مطاردته، وأكد له برفق فيما بعد: ’لو أذنتك في تتبعه لأدركتَه وعاقبتَه، ولكن هذه الأوراق والكتابات سوف تصل بواسطة هذا البدوي إلى المقر الذي لا يمكننا الوصول إليه، فلا تحزن من عمله، لأن ذلك هو أمر الله المقتدر.‘ وكثيرًا ما كان حضرة الباب، في مناسبات مماثلة، يواسي أصحابه بمثل هذه الملاحظات وبأمثال هذه العبارات تتبدل مرارة الغضب والأسف، بالرضاء بأمر الله بكل سرور وابتهاج.

وفي يوم عرفة، اختلى حضرة الباب في غرفته واشتغل بالصلاة والعبادة طيلة ذلك اليوم. وفي اليوم التالي وهو يوم النحر بعد صلاة العيد، ذهب إلى منى وهناك تبعًا للعادة المتبعة، اشترى تسعة عشر شاة من أجود الأصناف ونحر تسعًا منها باسمه وسبعًا باسم القدوس وثلاثًا باسم خادمه الحبشي. وامتنع عن تناول شيء من لحومها مفضلاً توزيعها على الفقراء والمساكين في تلك الناحية.

صورة 61
القفطان الذي كان حضرة
الباب يرتديه تحت الجبة

ومع أن شهر ذي الحجة، في تلك السنة صادف وقوعه في أول أشهر الشتاء، فإن الحرارة كانت في تلك الجهات مرتفعة بدرجة أن الحجاج لم يتمكنوا من الطواف حول الحرم بملابسهم العادية، فأتموا هذه المناسك واحتفلوا بالعيد بلباس الإحرام الفضفاضة الخفيفة. ولكن حضرة الباب لم يرضَ مع ذلك أن يخلع عمامته أو عباءته احترامًا للمناسبة وبكل هدوء ووقار وبساطة، أتمّ المناسك والطواف حول الكعبة مرتديًا ملابسه العادية.

وفي آخر يوم من أيام حجه في مكة، قابل حضرة الباب ميرزا محيط الكرماني. وكان مواجهًا للحجر الأسود عندما اقترب منه حضرة الباب وأخذ بيده وخاطبه بهذه الكلمات: ’يا محيط! إنك تعتبر نفسك أكبر رجال الشيخية البارزين ومن مشاهير مفسري تعاليم الشيخية. بل تدّعي في باطنك إنك أحد الورّاث المباشرين لهذين النورين العظيمين التوأمين وأحد خلفاء هذين الكوكبين اللذين بشرا بطلوع فجر الهداية الربانية. فالآن انظر ترانا

صورة 62
القلنسوة التي كان حضرة الباب
يلف العمامة حولها

واقفين في أقدس حرم، وفي هذا الجوار المبارك يقدر ذلك الروح الذي يكتنف هذا المكان أن يميز الحق عن الباطل والهدى من الضلالة. حقًا أقول، إنه لا يوجد أحد في الشرق أو الغرب يقدر في هذا اليوم أن يدعي أنه الباب الذي يوصل الإنسان إلى معرفة الله غيري. وبرهاني هو عين البرهان الذي رسّخ صدق محمد رسول الله. فاسأل مني عما تشاء الآن، فإني في هذه اللحظة أجيبك بآيات تثبت صحة دعوتي. وعليك أن تختار إما أن تخضع خضوعًا تامًا لأمري أو تعرض عنه كلية. فلا خيار غيرهما أمامك. فإن اخترت الإعراض عن أمري فلا أترك يدك حتى تعلن للعموم إعراضك عن الحق الذي ادعيتُه، ليُعرف من يقول الحق، ومن يقول الباطل سيلقى الخسران والندم إلى الأبد. وبهذا يتضح سبيل الحق لكافة الخلق.‘

وواجه حضرة الباب ميرزا محيط الكرماني بهذه المباهلة فجأة، حتى إنه اضطرب منها وقد بهت من الأسلوب المباشر في إلقائها ومن جلالها وقوتها. وأحس أمام هذا الشاب كأنه عصفور محصور في مخالب نسر عظيم رغمًا عما هو عليه من تقدم السن والقوة والعلم. فأجابه وهو ممتلئ رعبًا: ’يا مولاي، ويا سيدي! من أول يوم وقعت فيه عيني عليك في كربلاء شعرت بأني قد وجدت وعرفت من هو مطلوب فؤادي ومرغوبي. وإني أرفض كل من لا يعترف بك بل أحتقر كل من يبقى في قلبه ذرة من الشك في طهارتك وقدسيّتك. فأرجوك أن تعفو عن ضعفي وأن تجيبني في حيرتي. وإن شاء الله سأحلف يمين الطاعة لك في هذا المكان المقدس وأقوم على نصرة أمرك. وإن لم أكُ صادقًا فيما ادعيت أو كان في قلبي ما يخالف ما أقررت به بلساني، فإني أعد نفسي غير أهل لرحمة رسول الله. وأعتبر عملي مخالفًا لطاعة علي وليّه مخالفة صريحة.‘

وكان حضرة الباب يستمع لكلماته ويعلم بضعف روحه وذلة نفسه، فأجابه: ’حقًا لقد تبين الآن الحق من الباطل. فيا حرم رسول الله! ويا قدوس يا من آمنت بي! إني في هذه الساعة أشهدكما فإنكما سمعتما ورأيتما ما دار بيني وبينه، وأنتما شاهدَي على ذلك والله من فوقك أعظم شاهد لي وهو البصير العالم الحكيم. فيا محيط! اذكر كل ما يشغل بالك واسأل، تجد لساني بفضل الله يجيبك على كل ما تسأل ويحل لك معضلات ما أبهم عليك حتى تشهد بسمو كلامي وتتحقق من أنه لا يقدر أحد خلافي أن يظهر حكمتي.‘

فاستجاب ميرزا محيط لدعوة حضرة الباب وسأل جملة أسئلة وذكر إنه مضطر للسفر للمدينة المنورة وسأل الله أن يصله الرد قبل مبارحته لها. فأكد له حضرة الباب الإجابة قائلاً: ’أثناء سفري للمدينة المنورة سأجيب عن أسئلتك بحول الله وعونه فإذا لم أقابلك

صورة 63
لباس الإحرام الذي ارتداه حضرة الباب
في طوافه حول الكعبة المشرفة

هناك فإن جوابي يصلك بعد وصولك إلى كربلاء، وأنتظر منك الوفاء بالعدل والإنصاف "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها."(1) "إن الله لغني عن العالمين."(2)‘

وقبل مغادرته، جدد ميرزا محيط عزمه على الوفاء بالعهد الذي قطعه مؤكدًا لحضرة الباب: ’لن أترك المدينة المنورة حتى أوفي بعهدي معك مهما يكن.‘ وفرّ من أمام وجه حضرة الباب مرعوبًا كأنه هباء أمام العاصفة وهو عاجز عن مقاومة العظمة الساحقة لإعلان حضرة الباب دعوته. ومكث فترة قصيرة في المدينة المنورة ثم تركها إلى كربلاء غير موفٍ بالعهد الذي قطعه على نفسه ولا مبالٍ بتوبيخ ضميره.

وصدق حضرة الباب في وعده وكتب في طريقه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة إجابات عن الأسئلة التي أشكلت ذهن ميرزا محيط وسمّاها "صحيفة بين الحرمين". أما ميرزا محيط الذي استلم الرسالة في أوائل أيام وصوله إلى كربلاء فلم يتأثر من نبرتها ولم يقبل ما دوّن بها من الأصول. فكان موقفه بالنسبة لأمر الله معارضة مستورة محمومة. وكان أحيانًا يدّعي أنه تابع ومساعد للحاج ميرزا كريم خان الخصم الشرير لحضرة الباب، وأحيانا يدّعي أنه مرشد مستقل بنفسه. وقرب انتهاء حياته بينما كان مقيمًا في العراق تظاهر بالخضوع لحضرة بهاءالله وبواسطة أحد الأمراء القاطنين في بغداد أظهر الرغبة في مقابلته. وطلب أن تكون مقابلته المقترحة سرًا لا يعلم بها أحد. فأجابه حضرة بهاءالله: ’أخبره بأني في الأيام التي كنت فيها في جبال السليمانية كتبت رسالة بيّنت فيها الواجبات المفروضة على كل طالب يريد أن يسلك طريق البحث عن الحق، فاذكر له هذه القطعة منها "إن أردت أن تتمتع بالحياة الدنيا فلا تقرب لساحتنا، وإذا كان مرغوب فؤادك التضحية، فاحْضَر وأحضِر غيرك معك، فهذا هو سبيل الإيمان إن كنت تريد أن تسلك بقلبك مع البهاء. وأما إذا كنت ترفض أن تتخذ هذا السبيل، فلماذا تتعبنا؟" فاذهب إليه فإنه لو يريد ليسرع لمقابلتنا دون قيد ولا شرط، وإلا فإني لا أريد أن أراه.‘ وكان رد حضرة بهاءالله المحكم قد أقلق بال ميرزا محيط. ولما رأى نفسه غير قادر على المقاومة

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية 7.
(2) القرآن الكريم، سورة العنكبوت، الآية 6.
صورة 64
رسم المدينة المنورة

ولا على الطاعة، سافر إلى كربلاء موطنه في نفس اليوم الذي وصلته الرسالة ومرض هناك وتوفي بعد ثلاثة أيام.

وما أن أتم حضرة الباب مناسك الحج الأخيرة في مكة، حتى كتب رسالة إلى شريف تلك المدينة المقدسة يبين له فيها بوضوح تام معالم رسالته، وطلب منه أن يقوم ويعتنق دعوته. وسلّم حضرة الباب تلك الرسالة مع بعض كتابات أخرى إلى القدوس وأمره أن يقدّمها بنفسه إلى الشريف. ولما كان الأخير منهمكًا في شؤونه الدنيوية الخاصة لم يلق بالاً لاستماع النداء الإلهي. وسُمع الحاج نياز البغدادي يروي ما يلي: ’في سنة 1267ﻫ،(1) ذهبت للحج إلى تلك المدينة المقدسة حيث تشرفت بمقابلة الشريف، وأثناء محادثته قال لي: ’’أتذكر إني في سنة 1260ﻫ حضر شاب لمقابلتي أثناء موسم الحج وسلمني كتابًا مختومًا، فأخذته، ولانشغالي وقتها لم أتمكن من قرائته. وبعد مرور أيام قابلني الشاب نفسه وسألني إذا كان هناك جواب عندي، ولكثرة أشغالي أيضًا لم أتمكن وقتها

________________________
(1) سنة 1850-1851م.

من قراءة محتويات الكتاب، ولذلك لم أتمكن من إعطائه ردًا مقبولاً. ولما انتهى موسم الحج، وبينما كنت أرتب رسائلي يومًا ما، وقع نظري على ذلك الكتاب بالصدفة، ففتحته ووجدت في صفحات مقدمته مواعظ حسنة محررة بلغة شبيهة جدًا بالقرآن. وكل ما فهمته من قراءة الكتاب هو أن رجلاً من سلالة فاطمة من نسل هاشم قام بين أقوام الفرس بدعوة جديدة وأعلن لجميع الأقوام ظهور القائم الموعود. وبقيت غير عالم بمؤلف ذلك الكتاب، ولم أطلع على الظروف التي أحاطت ذلك النداء.‘‘ فقلت له: ’’لقد حصل في تلك البلاد اضطراب عظيم في السنوات الأخيرة، فإن شابًا من سلالة النبي يشتغل بالتجارة، ادعى أن كلامه موحَى به من الله. وأعلن أنه في ظرف بضعة أيام تخرج من فمه آيات تزيد في الحجم والحسن على جملة القرآن نفسه الذي أوحي به إلى الرسول في ظرف ثلاث وعشرين سنة. وانضم تحت لوائه جمع غفير من الناس من الأعالي والأداني من علماء وموظفين من أهالي إيران، وضحوا بأنفسهم فداء في سبيله. واستشهد هذا الشاب في السنة الماضية في أواخر شهر شعبان(1) في تبريز في إقليم آذربيجان. وأراد الذين قتلوه أن يطفئوا بقتله ذلك النور الذي أشعله في تلك البلاد، إلا أن تأثير أمره ازداد منذ حصول تلك الشهادة وانتشر بين جميع الأمم والأفراد.‘‘ وكان الشريف يستمع بسكون وانتباه، وأعرب عن استنكاره لتصرف الذين اضطهدوا حضرة الباب. وقال صائحًا: ’’ألا لعنة الله على هؤلاء الأشرار الذين عاملوا في الماضي أسلافنا اللامعين الأتقياء بنفس هذه المعاملة.‘‘ وبهذه الكلمات أتم الشريف محادثته معي.‘

وسافر حضرة الباب من مكة إلى المدينة المنورة في أول محرم سنة 1261ﻫ،(2) وإذ كان يقترب منها تذكر الحوادث المؤلمة التي خلدت ذكرى ذلكم الذي عاش ومات بين أسوارها. وتجلت أمام عينيه من خلال تلك المناظر تلك القوة الخلاقة التي ظهرت من ذلك الرسول العبقري الخالد. وكان يكثر من الصلاة والمناجاة كلما اقترب من ذلك الحرم المقدس الذي ضم رفات رسول الله ﷺ. وكذلك تذكر أثناء سيره على

________________________
(1) يوليو/تموز سنة 1850م.
(2) الجمعة 30 يناير/كانون الثاني سنة 1845م.

تراب تلك الأرض المقدسة، ذلك المنادي الذي بشر الناس بدورته الجديدة. فكان حضرته يعلم أنه يوجد في مقبرة البقيع، قريبًا من المقام النبوي والحرم المقدس، قبر الشيخ أحمد الأحسائي، المبشر بظهور حضرته، والذي قرر أن يمضي بجوار ذلك الحرم المقدس ما تبقى من أيام حياته المتعبة التي وهبها للخدمة. وهناك أيضًا تمثلت أمامه ذكرى أولئك الرجال الورعين والمهاجرين وشهداء أمر الله الذين سقطوا ماجدين في ميدان المعركة والذين ختموا بدمائهم نصرة دين الله. وكأن ترابهم المقدس قد حيّ من مرور أقدامه فظهرت له أشباحهم وتحركت من نفثاته المحيية للنفوس، وكانوا كأنهم قد قاموا من مراقدهم ينظرون إليه مسرعين ورافعين أصواتهم بالترحيب كأنهم يخاطبونه وهم متضرعون: ’نتوسل إليك ألا ترجع إلى موطنك يا محبوب قلوبنا، بل اسكن بيننا لأننا هنا بعيدون عن الاضطراب الذي سيحصل من أعدائك فهم مترصدون لرجوعك. أما هنا فإنك تكون آمنًا مطمئنًا، وإنا نخاف عليك ونخشى من مكائد أعدائك ومكرهم. ونرتعد عندما نفكر أن أعمالهم سوف تجلب على أرواحهم الدمار الأبدي.‘ وكأن حضرة الباب يجيبهم بروحه التي لا تقهر: ’لا تخافوا. فقد حضرت إلى هذا العالم لأشاهد جلال التضحية والفداء، وأنتم تعلمون شوقي له وتدركون درجة إنقطاعي. إذًا تضرعوا إلى الله ربكم أن يسرع بساعة شهادتي وأن يقبل مني تضحيتي. فافرحوا لأني أنا والقدوس سوف نذبح على مذبح إخلاصنا لمليك البهاء. فإن الدم الذي قدر لنا أن نسفكه في سبيله سيروي ويحيي حديقة سعادتنا الأبدية. وقطرات هذا الدم ستكون بذرًا تنبت منه شجرة الله القوية التي سوف تجمع في ظلها الوارف كل أمم الأرض ومللها. فلا تحزنوا إذا سافرت من هذه الأرض وأسرعت لإتمام مأموريتي.‘

***
صفحة خالية
الفصل الثامن
إقامة حضرة الباب في شيراز بعد الحج

وكانت زيارة حضرة الباب للمدينة المنورة آخر مرحلة في حجه بالحجاز. ومن هناك عاد إلى جدة ومنها أبحر إلى موطنه ونزل في بوشهر بعد غياب تسعة أشهر قمرية منذ سافر منها إلى الحج. وقابل أصحابه ومعارفه الذين حضروا للترحيب به في نفس الخان الذي نزل به سابقًا. وبينما كان مقيمًا في بوشهر، طلب القدوس لمحضره، وأمره بكل لطف أن يسافر إلى شيراز، وقال له: ’إن أيام صحبتك لي قد قاربت الانتهاء. وقد دقت ساعة الافتراق الذي لا يعقبه اجتماع إلا في ملكوت الله في حضور مليك البهاء. ففي هذا العالم الترابي لم يقدر لك الاجتماع بي سوى تسعة أشهر عابرة، وهناك على شواطئ بحر البعد الأكبر في عالم الخلد ينتظرنا الاجتماع الأبدي بالفرح والسرور، وسوف تغمسك يد القضاء في بحر من البلاء لأجل وجه المحبوب وسأتبعك وأنغمس معك في أعماقه. فابتهج بسرور عظيم لأنك انتخبت حاملاً للواء فيلق الرزايا والفجائع وستكون في طليعة ذلك الجيش النبيل الذي سيتجرع كأس الشهادة لأجل اسمه. وفي شوارع شيراز سوف تنزل عليك كل الإهانات والشدائد ويصيب جسمك أشد أنواع الأذى ولكنك سوف تتغلب على نكبات الأعداء ويمتد عمرك إلى أن تحضر بين يدَي من هو مقصود محبتنا وعشقنا. وستنسى في محضره كل أذى وهوان أصابك. وسوف تتقدم جنود الغيب لتؤيدك وتعلن شجاعتك وعظمتك لكل العالم. وسيكون نصيبك الابتهاج الذي لا يوصف عند تجرعك كأس الشهادة لأجله. وسوف أسير أنا أيضًا في طريق الفداء هنا وأجتمع بك في الملكوت الأبدي.‘ ثم أعطاه

حضرة الباب رسالة كتبها إلى خاله الحاج ميرزا سيد علي، يخبره فيها بسلامة وصوله إلى بوشهر وكذلك ائتمنه بنسخة من "الخصائل السبع" وهي رسالة ذكر فيها الشروط الأساسية التي يجب على الذين آمنوا بالأمر الجديد واعترفوا بدعوته أن يسيروا بمقتضاها. وفي وقت توديعه الأخير للقدوس، سأله أن يبلغ تحياته إلى كل فرد من أحبائه في شيراز.

وسافر القدوس من بوشهر وهو عازم عزمًا أكيدًا على تنفيذ رغبات سيده. ولما وصل إلى شيراز قابله الحاج ميرزا سيد علي بكل محبة واستضافه في منزله وسأله بشغف عن صحة ابن أخته المحبوب وأعماله. ولما وجده القدوس مستعدًا لسماع النداء، أخبره بطبيعة الدعوة الجديدة التي جاء بها هذا الشاب والتي سبق لها أن أشعلت روحه. فكان خال حضرة الباب، بجهد القدوس، أول من آمن واعتنق الأمر في شيراز بعد حروف الحيّ. ولما كانت عظمة الأمر مستورة، لم يكن لديه اطلاع كاف بمغزاه ومدى سطوته. ولكن محادثته مع القدوس كشفت الغطاء عن عينيه وأصبح منذ ذلك الوقت مستقيمًا على أمر الله، وزادت محبته لحضرة الباب حتى إنه خصص باقي حياته لخدمته، وبذل أقصى جهده للدفاع عن أمره وحماية شخص حضرة الباب، ولم يعبأ بالمتاعب في أعماله المتواصلة ولا بالتعب ولم يكترث حتى بالموت. ورغمًا عن أنه كان معروفًا من أصحاب الأعمال المرموقين في تلك المدينة فإنه لم يقبل أن يجعل للأمور المادية أي تأثير على ما أخذه على عاتقه من المسؤولية الروحية لحفظ شخص قريبه المحبوب، وإعلاء أمره، وواظب على عمله إلى آخر نسمة من حياته، حيث انضم إلى الشهداء السبعة في طهران وضحّى بحياته لأجله بشجاعة نادرة لا مثيل لها.

أما الشخص التالي الذي قابله القدوس في شيراز، فكان اسم الله الأصدق، الملاّ صادق الخراساني، والذي سلمه رسالة "الخصائل السبع" وأمره بضرورة إجراء كل مضامينها. وكان من ضمن وصاياها التأكيد على كل مؤمن مخلص أن يضيف على صيغة الأذان "وأشهد أن عليًّا قبل محمد(1) هو عبد بقية الله".(2) وكان الملاّ صادق يخطب في تلك الأيام من المنبر على

________________________
(1) إشارة إلى حضرة الباب.
(2) إشارة إلى حضرة بهاءالله.
صورة 65
صورة 66
مناظر مسجد نوّ

الجماهير عن فضائل أئمة الدين، فانجذب من فحوى الرسالة ولغتها ولم يتردد في تنفيذ ما جاء فيها. وذات يوم بينما كان يؤم الناس في الصلاة في مسجد "نوّ"، أعلن الجملة الإضافية التي أمر بها حضرة الباب في الأذان، وهو مسوق بتلك القوة القاهرة المكنونة في اللوح. فصعق الجمهور الذي سمعه وامتلك الرعب والذعر كل المستمعين، وصاح العلماء الذين كانوا في الصف الأول من المصلين والذين اشتهروا بالورع والتقوى، قائلين: ’الويل لنا نحن حماة دين الله، ألا فانظروا كيف أن هذا الرجل قد رفع علم الكفر، فليسقط هذا الخائن المارق الذي نطق بالكفر. اقبضوا عليه فإنه خزي وعار على الدين، فمن ذا الذي يتجاسر أن يخرج بهذه الكيفية عن قواعد الإسلام المقررة؟ ومن ذا الذي يدّعي أنه يصل إلى هذا المقام الرفيع؟‘

فردد السكان احتجاجات هؤلاء العلماء وقاموا بتعزيز جلبتهم وضجيجهم. وماجت المدينة بأسرها واضطرب حبل الأمن واختل النظام. فتدخل حسين خان الإيرواني حاكم فارس الملقب أجودان باشي ومعروف في تلك الأيام بلقب "صاحب الاختيار"،(1) ووجد من الضروري التحري في سبب هذا الهيجان الفجائي. فأخبروه بأن تلميذًا من تلاميذ السيد الباب الذي رجع توًا من حجه في مكة المكرمة والمدينة المنورة والذي هو قاطن الآن في بوشهر، قد وصل إلى شيراز وقام على تنفيذ تعاليم سيده، وهذا التلميذ يدّعي أن سيده أتى بشرع جديد وأنزل كتابًا يؤكد أنه موحى به من الله. وقد اعتنق الملاّ صادق الخراساني ذلك الأمر، وهو يدعو الناس جهارًا دون خوف إلى قبول الرسالة ويعلمهم أن أول واجب على كل مؤمن شيعي تقي أن يقبلها.

فأمر حسين خان بالقبض على كل من القدوس والملاّ صادق وأمر الشرطة أن يحضروهما أمامه مقيدي الأيدي. فأحضروهما وأحضروا معهما أيضًا كتاب "قيّوم الأسماء" الذي انتزعوه من يد الملاّ صادق بينما كان يتلو بعض فقراته بصوت جهوري على الجمهور المتهيج، ولما كان القدوس أصغر سنًا ويرتدي ملابس غير مألوفة، فقد تجاهله حسين خان في البداية وفضّل توجيه ملاحظاته إلى الملاّ صادق الأكبر سنًا

________________________

(1) ’ويدعى أيضًا "نظام الدولة".‘ ("التاريخ الجديد" للحاج ميرزا جاني، الصفحة 204)

والأوقر هيئة، فسأله بغضب: ’أخبرني إذا كنت تعلم بما تضمنه افتتاح كتاب "قيوم الأسماء" عندما يخاطب السيد الباب حكام الأرض وملوكها ويقول "يا معشر الملوك وأبناء الملوك انصرفوا عن ملك الله" وكذلك "يا وزير الملك خف عن الله الذي لا إله إلا هو الحق العادل واعزل نفسك عن الملك فإنا نحن قد نرث الأرض ومن عليها بإذن الله الحكيم وإنه قد كان بالحق عليك وعلى الملك شهيدًا". فإذا صدق هذا القول، فهل يسري ذلك على مليكي محمد شاه من عائلة القاجار(1) الذي أنا أمثله هنا كحاكم على هذه المدينة، فهل يجب على محمد شاه أن يتنازل عن تاج ملكه ويترك السلطنة؟ وهل عليّ أن أترك عملي وأتنازل عن سلطتي؟‘ فأجابه الملاّ صادق بلا تردد: ’عندما يتقرر صدق الرسالة التي أتى بها صاحب هذا الكلمات ويثبت صحتها، يثبت صحة كل ما نزل من قلمه وما صدر من فمه. فإذا كانت هذه هي كلمات الله فلا يهم تنازل محمد شاه وأمثاله فذلك لا يبدل شيئًا من أمر الله أو يحجبه ولا يغيّر سلطنة الملك الأزلي القدير.‘(2)

فغضب ذلك الحاكم القاسي الفاسق غضبًا شديدًا من هذه الإجابة، وأخذ في سبّه وشتمه، وأمر أتباعه أن يخلعوا ملابسه ويجلدوه ألف مرة. وأمر بحرق لحية كل من القدوس والملاّ صادق وأن يُثقب أنفهما ويخزما ويربطا بحبل يدخل فيهما ويطاف بهما على هذه الحالة مقيدين في سائر أنحاء المدينة،(3) وأعلن حسين خان: ’إن ذلك يكون درسًا قاسيًا حيًّا لأهالي شيراز جميعهم ليعلموا منه عقاب الكفر.‘ وكان الملاّ صادق يمشي بهدوء ورباطة جأش رافعًا عينيه إلى السماء وسُمع يتلو قوله تعالى: "ربنا إنا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنّا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفنا

________________________

(1) ’والقاجار إحدى قبائل توران وهي عائلة تركية ظهرت أولاً في إيران ضمن الجيش الفاتح الذي غزاها تحت إمرة گنكيز خان.‘ ("لمحة عامة عن تاريخ إيران" لماركهام، الصفحة 339)

(2) ’حصل هذا الاجتماع في 6 أغسطس/آب سنة 1845م.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الحاشية رقم 175، الصفحة 225)

(3) وتبعًا ﻟ"مقالة سائح" (الصفحة 5، في الترجمة العربية) حصل نفس هذا الاضطهاد لشخص ثالث كان معهما وهو الملاّ علي أكبر الأردِستاني.

مع الأبرار."(1) وسلّم الاثنان أمرهما لقضاء الله وهما على ثبات عظيم، وقام المأمورون بإيقاع العقاب الوحشي وتنفيذه بكل نشاط وقوة. ولم يتدخل لمصلحة هذين المعذبين أحد ولا للدفاع عنهما. وبعد ذلك بوقت قصير طردا من شيراز، وقبل طردهما حُذّرا إنهما لو حاولا العودة إلى هذه المدينة فإنهما يصلبان. وبتعذيبهما حازا قصب السبق في ميدان الاضطهاد الواقع في أرض إيران لأجل دينهما. فإن الملاّ علي البسطامي ولو إنه كان أول ضحية لكراهية عدو لا يلين، إلا أنه أصابه الاضطهاد في أرض العراق خارج حدود إيران ولم تكن الاضطهادات التي وقعت عليه بدرجة القسوة الوحشية والشناعة التي حصلت للقدوس والملاّ صادق.

وقد روى لي شاهد عيان من سكان شيراز، لم يكن مؤمنًا، قال: ’كنت حاضرًا إذ كانوا يجلدون الملاّ صادق. وكنت أرى كيف كان مضطهدوه يتناوبون الجلد على كتفيه الداميتين، واستمر جلده حتى أنهكت قواه ولم يكن أحد يصدق أن الملاّ صادق وهو طاعن في السن وضعيف البنية يقدر أن يتحمل أكثر من خمسين جلدة من هذا الجلد الوحشي. وكنا نعجب من تحمله إذ علمنا أن عدد الجلدات قد زاد على تسعمائة ومع ذلك احتفظ وجهه بوقاره وهدوئه المعهودين. وكانت تلوح على وجهه ابتسامة وهو واضع يده على فمه ويظهر عدم المبالاة بالضربات التي كانت تمطر عليه. وقد اجتهدت حتى وصلت إليه بعد طرده من المدينة، وسألته لماذا كان يضع يده على فمه؟ وأظهرت له تعجبي من تبسمه. فأكد لي قائلاً: ’’كنت شديد التألم في السبع جلدات الأولى، وأما باقي الجلدات فيبدو أنني أصبحت غير مبال بها. وكنت أتعجب هل كانت الجلدات التالية تنزل على جسمي أم لا؟ فقد احتل روحي إحساس فرح وانشراح، وكنت أجتهد أن أخفي مشاعري وأمنع ضحكي. والآن أدرك كيف أن ربنا المخلّص قادر أن يغير الألم بالراحة والحزن بالسرور في أقل من لمح البصر، تعالت قدرته فوق إدراكات خلقه الفانين.‘‘ ‘ فلما قابلت الملاّ صادق بعد مرور عدة سنين أكد لي صحة تفاصيل تلك الحادثة المؤثرة.

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 193.

ولم يشف غليل حسين خان بإيقاع هذه العقوبة القاسية غير المستحقة، بل إن قسوته الوحشية النزوية وجدت منفذًا إضافيًا في إيقاع الأذى بشخص حضرة الباب.(1) فأرسل إلى بوشهر خيّالة من حرسه الخاص وأعطاهم أوامر مشددة للقبض على حضرة الباب وتكبيله وإحضاره إلى شيراز، وكان رئيس الحرس من النصيرية المعروفين ﺑ"عليّ اللّهي". وقد حكى ما يأتي: ’عندما فرغنا من المرحلة الثالثة من سفرنا إلى بوشهر، وجدنا في البرية شابًا يتمنطق بحزام أخضر وعمامة صغيرة كما يلبس عادة الأسياد الذين يحترفون التجارة. وكان ممتطيًا جواده وخلفه خادم حبشي يحرس أمتعته. وعندما اقتربنا منه، ألقى علينا التحية وسألنا عن وجهتنا. وكنت أريد أن أخفي عنه مأموريتنا، فقلت له أن حاكم فارس أمرنا بمهمة في تلك الجهة، فتبسم قائلاً: ’’إن الحاكم أرسلكم للقبض عليّ، فها أنا ذا اعملوا معي كما تريدون وحضرت لمقابلتكم كي أوفر عليكم السير وسهلت لكم المأمورية في البحث عني.‘‘ فدهشت من إجابته وأعجبت من صراحته واستقامته، ولم أقدر أن أفهم سبب استعداده لتقديم نفسه من تلقاء ذاته إلى تعذيب موظفي الحكومة وتحمل الخطر على حياته وسلامته، واجتهدت أن أتجاهله وأظهرت استعدادي لتركه والارتحال بعيدًا عنه، ولكنه اقترب مني وقال: ’’قسمًا بالحق الذي خلق الإنسان وميّزه وفضّله على جميع خلقه وجعل قلبه مقر سلطنته ومعرفته إني في جميع أدوار حياتي لم أتكلم إلا بالحق ولم يكن

________________________

(1) ’وأصبحت هذه المدينة مسرحًا لمجادلات عنيفة أقلقت الأمن العام. فكان الفضوليون والحجاج ومروجو الإشاعات قد اجتمعوا فيها يعلقون على الأنباء، مادحين أو لائمين السيد الباب، أو على النقيض من ذلك يكيلون له اللعن والشتم. وكان كل إنسان متهيجًا واهنًا. وانزعج الملاّوات لازدياد عدد المؤمنين بالأمر الجديد ونقصت بالتالي الموارد التي كانت تدر عليهم المال. فأصبح من الضروري التصرف حيال الأمور إذ وجدوا بأن التسامح في هذا الشأن يخلي المساجد من أتباعهم الذين اقتنعوا بأنه طالما لم يدافع الإسلام عن نفسه، فإنه يعترف بالهزيمة. من جهة أخرى خشي حسين خان، نظام الدولة وحاكم شيراز أنه لو ترك الحبل على الغارب فإن الحالة قد تصل إلى درجة لا يمكن معها قمع الهياج فيما بعد، ويكون ذلك بمثابة التودد إلى العار. كما أن الباب لم يقنع بالوعظ والتبشير بل دعا إليه رجالاً سليمي الطوية قائلاً: "إن الذي يعرف كلمة الله ولم يأت لمساعدته في أيام العنف فهو كالذي فر من شهادة الحسين ابن علي في كربلاء وكان من الكافرين."‘ (كتاب "بين الحرمين"). فاجتمعت المصالح المدنية والمصالح السماوية أي اتفق نظام الدولة مع الشيخ أبو تراب إمام الجمعة وأرادا مواجهة الداعي الجديد بما يكون سببًا لسقوطه في أعين مواطنيه وبذلك ربما تمكنا من تهدئة الخواطر.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 229-230)

لي قصد سوى تقدم أبناء جنسي تاركًا راحتي ولم أكن سببًا في حزن أو أذى أحد وإني أعلم أنكم تبحثون عني، لذلك فضّلت أن أقدم نفسي لكم بدلاً من أن تتعرضوا للمسؤولية أو تتحملوا مشقة غير لازمة.‘‘ فحركت هذه الكلمات أعماق قلبي وترجلت عفويًا عن جوادي وقبّلت ركابه وخاطبته بهذه الكلمات: ’’يا نور عين رسول الله! أستحلفك بالذي خلقك وأعطاك القوة والمقام الأعلى بأن تقبل رجائي وتجيب تضرعي وتهرب من هذا المكان وتتجنب الحضور أمام وجه حسين خان حاكم هذه المقاطعة القاسي السافل، فإني أخاف عليك من مكره ولا أرضى أن يقع رجل مثلك من سلالة الرسول تحت تأثير دسائسه الخبيثة. أما أعواني فكلهم رجال أشراف وتربطهم كلمتهم. وهم يتعهدون أن لا يفشوا سرّ هربك. فأتوسل إليك أن تحتمي في مدينة مشهد في خراسان وتتجنب الوقوع فريسة لوحشية هذا الذئب الفتاك.‘‘ فأجاب على توسلاتي قائلاً: ’’جازاك الله عني كل خير لنبل مقصدك وشهامتك. ولكن لا يوجد أحد يعلم سر أمري أو يطلع على خافيته، فلن أحوّل وجهي أبدًا عن أمر الله وقضائه فهو كهفي ووليي وملجئي. وإلى أن تأتي ساعتي الأخيرة لا يقدر أحد أن يضرّني ولا أن يبطل حكم الله القادر. وإذا أتت ساعتي فما أعظم سروري بتجرع كأس الشهادة لأجل اسمه! فها أنا ذا سلّمني ليد سيدك ولا تخف لأنه لن يلومك في ذلك أحد.‘‘ فامتثلت لإرادته ونفذت رغبته.‘

واستأنف حضرة الباب على الفور سفره إلى شيراز وكان يسير أمام الحرس دون قيد، وهم يتبعونه بكل إجلال واحترام. وتمكن بتأثير سحر كلماته أن يبعد عن قلوب الحرس كل عداء وأن يقلب كبرياءهم إلى الخضوع والمحبة. ولما وصلوا إلى المدينة، ذهبوا توًا إلى مقر الحكومة وكان كل من رأى موكب الفرسان وهو يسير في المدينة لا يسعه إلا الإعجاب بذلك المنظر غير المألوف. وبمجرد أن أُخبر حسين خان بوصول حضرة الباب، استدعاه إلى محضره وقابله بكل وقاحة وأمره أن يجلس على كرسي أمامه في وسط الغرفة. ووبخّه أمام العموم ولامه على سلوكه بألفاظ بذيئة واحتج عليه غاضبًا بقوله: ’ألا تعلم ما جلبه عملك من المفاسد؟ وبأنك صرت لعنة على دين الإسلام المقدس وعظمة شخص مليكنا؟ ألست ذلك الرجل الذي تدعي أنك مبتدع أمرًا جديدًا يلغي أحكام القرآن المقدسة؟‘ فأجاب حضرة

الباب بهدوء: "إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين."(1) فأثارت هذه الكلمات التي نطق بها حضرة الباب غضب حسين خان، وصاح قائلاً: ’ماذا تقول؟ هل يجوز أن تنسب إلينا الفسق والجهل؟‘ وأمر مرافقه أن يصفع حضرة الباب على وجهه، فكانت اللطمة شديدة بدرجة أن عمامته وقعت على الأرض. ولكن الشيخ أبو تراب إمام الجمعة في شيراز الذي كان حاضرًا في ذلك الاجتماع، والذي كان رافضًا تصرف حسين خان، أمر بإعادة عمامة حضرة الباب وطلب منه أن يجلس بجانبه. والتفت إلى الحاكم وشرح له الظروف التي نزلت فيها الآية القرآنية التي اقتبسها حضرة الباب، وأراد بهذه الوسيلة أن يهدّي ثورة غضبه، وقال له: ’إن هذه الآية التي ذكرها هذا الشاب قد أثرت في نفسي تأثيرًا بليغًا وأرى أن الطريق القويم هو البحث في هذا الموضوع بكل اعتناء وتدقيق ثم الحكم في هذه المسألة بمقتضى أحكام الكتاب.‘ فوافق حسين خان على ذلك، وبعد ذلك أخذ الشيخ أبو تراب يسأل حضرة الباب عن طبيعة أمره وميزاته. فأنكر حضرة الباب أنه وكيل القائم الموعود أو الواسطة بينه وبين المؤمنين، فأجاب إمام الجمعة: ’نحن قد اقتنعنا تمامًا، ونطلب منك أن تظهر للناس يوم الجمعة في مسجد الوكيل وتعلن هذا الإنكار أمام العموم.‘ وإذ قام الشيخ أبو تراب للمغادرة وآملاً في إنهاء الترتيبات اللازمة، تدخل حسين خان قائلاً: ’يلزمنا أن نأخذ الضمان الكافي من شخص محترم وأن تكون الضمانة كتابية حتى إذا همّ هذا الشاب في المستقبل، بكلماته أو أعماله، أن يوقع الضرر بدين الإسلام أو بحكومة هذه البلاد، فإنه يحضره في الحال لنا ويكون مسؤولاً في كل الأحوال عن سلوكه.‘ فقبل الحاج ميرزا سيد علي، خال حضرة الباب، الذي كان حاضرًا في ذلك الاجتماع، أن يكون كفيلاً لابن أخته، وكتب بخطه صورة الضمانة وختم عليها بخاتمه وأيدها بإمضاء شهود عديدين وسلمها للحاكم. وبناء على ذلك أمر حسين خان أن يسلّم إلى حفظ خاله وكفالته بشرط أنه في أي وقت يجد الحاكم ضرورة إحضاره، يقوم الحاج ميرزا سيد علي بتسليم حضرة الباب إليه.

وقد امتلأ قلب الحاج ميرزا سيد علي بالشكر لله، وأخذ حضرة الباب إلى منزله وسلّمه

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية 6.

إلى حفظ والدته المصون. وابتهج من هذا الاجتماع العائلي وحمد الله على خلاص قريبه المحبوب من يد ذلك الطاغية الشرير. فأمضى حضرة الباب وقتًا من الهدوء بمنزله الخاص ولم يتصل به سوى زوجته ووالدته وأخواله. وفي تلك الأثناء كان أهل السوء يلحون على الشيخ أبو تراب لدعوة حضرة الباب لمسجد الوكيل ليوفي بوعده. وكان الشيخ أبو تراب معروفًا بمزاجه اللطيف ويوافق في طبيعته وأخلاقه المرحوم ميرزا أبو القاسم إمام الجمعة في طهران. فكان يتردد جدًا في معاملة الأشخاص ذوي الحيثية بالإهانة وخاصة إذا كانوا من أهالي شيراز ويرى بالفطرة أن ذلك من واجبه، حتى إن أهالي تلك المدينة يجلّونه ويحترمونه لهذا السبب. فكان يسوّف المسألة جملة مرات ويجيب بأجوبة غير صريحة، حتى يخفف بذلك من غلواء الجمهور. ولكنه وجد بأن المفسدين تشبثوا بكل وسيلة لتحريك أحاسيس العامة وإشعال هياجهم. وأخيرًا اضطر لإرسال رسالة سرّية إلى الحاج ميرزا سيد علي، يطلب منه أن يحضر حضرة الباب يوم الجمعة إلى مسجد الوكيل حتى يوفي بالتعهد الذي أعطاه. وقال له: ’أرجو أن تكون أقوال ابن أختك بعون الله سببًا في إخماد الهياج وتهدئة الخواطر حتى بذلك ترتاح ونرتاح معك.‘

ووصل حضرة الباب إلى المسجد مع الحاج ميرزا سيد علي في الوقت الذي صعد فيه إمام الجمعة إلى المنبر وأوشك على البدء بموعظته. وبمجرد أن وقعت عيناه على حضرة الباب، أعلن ترحيبه به وطلب إليه أن يصعد المنبر ويخطب في الناس. فتقدم حضرة الباب إجابة لطلبه ووقف على الدرجة الأولى من المنبر وتهيأ ليخطب في الحاضرين، فطلب منه إمام الجمعة أن يصعد المنبر، فصعد درجتين طبقًا لإرادته، بحيث كان وهو واقف يحجب برأسه صدر الشيخ أبو تراب الذي كان على أعلى المنبر. وابتدأ إقراره بمقدمة، وما كاد ينطق بقوله: ’الحمد لله الذي خلق السموات والأرض بالحق.‘ حتى اعترضه سيد يعرف باسم "سيد شِش پري"، وظيفته حمل الصولجان أمام إمام الجمعة، وصاح بوقاحة قائلاً: ’كفى هذا الكلام الفارغ! أسرع وقرر الشيء الذي تريد أن تقوله.‘ فغضب إمام الجمعة غضبًا شديدًا من وقاحة هذا السيد ووبخه قائلاً: ’اسكت يا هذا واخجل من وقاحتك.‘ ثم التفت إلى حضرة الباب وسأله أن يختصر في القول حتى يسكن هياج العامة. فواجه حضرة الباب

صورة 67
قسم من الداخل
صورة 68
المنبر الذي اعتلاه حضرة
الباب مخاطبًا المصلين
صورة 69
مدخل المسجد
مناظر مسجد الوكيل، شيراز

الجمع المحتشد وقال: ’لينزل غضب الله على كل من يعتبرني وكيلاً عن الإمام أو الباب إليه. لينزل غضب الله أيضًا على كل من ينسب إليّ إنكار وحدانية الله أو إنكار نبوة محمد خاتم النبيين أو رسالة أي من رسل الله أو وصاية علي أمير المؤمنين أو أي أحد من الأئمة الذين خلفوه.‘ ثم صعد إلى ذروة المنبر وعانق إمام الجمعة، ثم نزل إلى أرض المسجد وانضم إلى المؤمنين لأداء صلاة الجمعة. فتدخل إمام الجمعة وطلب منه الانسحاب وقال له: إن أسرتك تنتظر عودتك بقلق بالغ. وجميعهم يخشون أن تصاب بمكروه. فاذهب إلى منزلك وأقم صلاتك هناك فهذا أفضل لك في نظر الله.‘ كذلك طلب إمام الجمعة من الحاج ميرزا سيد علي أن يرافق ابن أخته إلى منزله. وكان هذا التدبير الاحترازي من إمام الجمعة خوفًا من اعتداء بعض الحمقى للإضرار بشخص حضرة الباب أو إيقاع حياته في خطر بعد الصلاة. ولولا حكمة إمام الجمعة ومحبته ورعايته التي أظهرها في عدة مناسبات، لكان الجمهور الهائج قد انقض على حضرة الباب ليتشفى منه بوحشية ولارتكب معه أفظع اعتداء. فكان ذلك الإمام كآلة ليد الغيب تعمل لحفظ كل من شخص ذلك الشاب ورسالته.(1)

وعاد حضرة الباب إلى منزله وأمضى ردحًا من الزمن بعيشة هادئة مع أسرته وأقربائه. وفي تلك الأيام احتفل بأول عيد للنوروز منذ إعلانه دعوته. وقد صادف ذلك العيد في تلك السنة اليوم العاشر من شهر ربيع الأول سنة 1261ﻫ.(2)

وكان عدد قليل ممن حضروا تلك الحادثة الشهيرة في مسجد الوكيل، وسمعوا بيانات حضرة الباب، قد أعجبوا جدًا بالأسلوب الرائع الذي نجح به ذلك الشاب في إسكات مقاوميه الأشداء دون أن يساعده أحد في ذلك. فلم يمض على تلك الحادثة وقت طويل حتى عرف كل واحد منهم حقيقة رسالة حضرة الباب وأدرك جلالها. وكان

________________________

(1) ’وكانت نتيجة هذا الاجتماع الذي رتبه الملاّوات بحماقتهم انجذاب العديد من المؤمنين وزاد الاضطراب في سائر مقاطعات إيران، وتفاقم النزاع إلى حالة من الخطر بحيث اضطر محمد شاه أن يرسل رجلاً إلى شيراز كان موضع ثقته الكاملة ليكتب له تقريرًا بكل ما يراه ويعلمه. وكان هذا المبعوث هو السيد يحيى الدارابي.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 232-233)

(2) مارس/آذار سنة 1845م.

من بينهم الشيخ علي ميرزا ابن أخت إمام الجمعة نفسه، وكان شابًا وصل إلى سن البلوغ وأينعت البذرة التي زرعت في قلبه ونمت، حتى إنه في سنة 1267ﻫ تشرف بمحضر حضرة بهاءالله في العراق. وامتلأ من تلك المقابلة حماسًا وفرحًا، وإذ رجع إلى موطنه ضاعف الجهد في أعماله لإعلاء أمر الله. ومن ذلك الوقت إلى هذا الحين لا يزال مواظبًا على أعماله. وقد امتاز باستقامته وأخلاقه وإخلاصه المتناهي للحكومة والبلاد. ووصل منه حديثًا خطاب إلى حضرة بهاءالله في الأرض المقدسة يبشر بانتشار أمر الله في إيران وكتب يقول: ’لقد أسكتني العجب إذ أشاهد علائم قدرة الله التي لا تغلب، ظاهرة بين أبناء قومي. ففي الأرض التي قاومت أمر الله واضطهدته بكل قسوة ووحشية جملة سنوات، اضطر اثنان من كبار رجال الدولة وهما الطاغية ظل السلطان ابن الشاه ذلك الظالم وعدوّ أمر الله، وميرزا فتح علي خان صاحب الديوان بأن يحكّما في نزاع بينهما شخصًا بابيًا معروفًا في جميع أنحاء إيران بشدة تعلقه بأمر الله وكان معتنقًا له مدة أربعين سنة واتفقا أن يقبلا حكم هذا البابي بصفته حَكمًا بينهما وأن ينفذا ما يحكم به في منازعتهما فورًا.‘

وكان ممن انجذب من سلوك حضرة الباب البديع في تلك الحادثة أثناء صلاة الجمعة شخص يدعى محمد كريم. واعتنق أمره بسبب ما شاهده ورآه في ذلك اليوم. واضطره الاضطهاد للسفر خارج حدود إيران إلى العراق. وهناك في محضر حضرة بهاءالله ازداد إيقانًا وإيمانًا ورجع فيما بعد إلى شيراز حيث أمره حضرة بهاءالله أن يبذل الجهد في نشر أمر الله. ومكث هناك إلى آخر أيام حياته منشغلاً بالتبليغ.

وكان هناك أيضًا شخص آخر يدعى ميرزا آقا ركاب ساز. فقد تملكته محبة حضرة الباب في ذلك اليوم على شأن لم يؤثر عليه أي اضطهاد فلم يتزعزع في إيمانه ولم تخبُ أنوار محبته. وتشرف هو أيضًا بمحضر حضرة بهاءالله في العراق. وردًا على أسئلته عن تفسير الحروف المقطعة في القرآن ومعنى آية النور، أنعم عليه حضرة بهاءالله بلوح خاص نزل خصيصًا باسمه. وقد استشهد أخيرًا في سبيل حضرته.

وكان من بينهم أيضًا ميرزا رحيم الخباز، الذي امتاز بجرأته وحماسه ولم يتوانَ في مجهوداته حتى ساعة منيته.

وكذلك كان الحاج أبو الحسن البزّاز، الذي رافق جماعة الحجاج مع حضرة الباب، ولم يكن إذ ذاك مطلعًا تمامًا على عظمة أمره. ففي يوم الجمعة المشهودة تلك اهتز بعنف وتغيّر تغيرًا كليًا. وحمل في قلبه لحضرة الباب محبة فائقة على شأن كانت تذرف دموعه من عينيه باستمرار. وكان كل من عرفه يعجب من استقامته ويمدح حسن أخلاقه وكرمه وصراحته، وبرهن، هو ونجلاه، بأعمالهم قوة إيمانهم بأمر الله ونالوا احترام إخوانهم من المؤمنين وتقديرهم.

ومن جملة من افتتنوا بحضرة الباب في ذلك اليوم أيضًا المرحوم الحاج محمد بساط، وهو رجل متفقه في تعاليم الإسلام الغيبية، ومن المعجبين بالشيخ أحمد والسيد كاظم. وكان رجلاً ذا مزاج رقيق ويمتلك روح الدعابة. وقد اكتسب صداقة حميمة مع إمام الجمعة، وكان مواظبًا على أداء صلاة الجمعة.

كان نوروز تلك السنة، المبشر بالربيع الجديد، رمزًا أيضًا لذلك الخلق الروحاني الجديد الذي لاحت بوادر تحركه في أنحاء البلاد. وخرج الكثيرون من أشهر الرجال والعلماء من جمود شتاء الغفلة وبرودته، فسرت نسمة الحياة فيهم إذ استنشقوا طيب أنفاس الظهور الجديد. ونضجت البذور التي غرستها يد القدرة في قلوبهم وأزهرت بأجمل الأزهار وأعبقها.(1) ولما هبّ نسيم محبة حضرة الباب العطري ورحمته الرقيقة

________________________

(1) ’ومهما يكن من الأمر فإن الهياج ازداد في شيراز وهرع جميع المتعلمين إلى ملاقاة علي محمد الباب. وما كاد يظهر في المسجد حتى التفوا حوله وما كاد يجلس على كرسي المنبر حتى أنصتوا ليستمعوا له. ولم تكن خطابته بقادحة في أصول الإسلام بل إنه احترم كثيرًا من التقاليد، ولذلك ساد التكتم، ومع ذلك كانت الخطابة جريئة ولم يكن فيها مداراة للعلماء بل كان يقرع مساوئهم بزواجر وعظه وبيان سوء أعمالهم وأشار بوجه عام إلى حالة العالم السيئة المحزنة. وفي الخطابة إشارات وتلميحات هيجت أهواء البعض بينما أعجب بها الآخرون وامتدحوها وزادوا في وصف حسنها وملاحتها كما هو دأب العامة الذين يزيدون الأقاويل والإشاعات حتى ابتدأ الناس في جميع أنحاء إيران يتكلمون عن علي محمد. ولم يكن ملاّوات شيراز قد انتظروا كل ذلك الاضطراب ليتّحدوا ضد هذا الشاب الذي سلبهم بعض نفوذهم. ومنذ ظهوره للناس يخطب فيهم لأول مرة، أرسلوا إليه أمهر الملاّوات للمجادلة معه والتشويش عليه، وعقدت هذه المجادلات العلنية في المساجد أو في المدارس بمحضر الحاكم العام ورؤساء الحربية والعلماء والعامة، وفي الحقيقة أمام كل الناس. ولكن بدلاً من أن تفيد العلماء زادت تلك المحاورات قليلاً من شهرة هذا ↓

على تلك الأزهار، انتشر عبق عطرها النفاذ في جميع أطراف تلك البلاد. بل جاوز طيب رائحتها حدود إيران ووصل إلى كربلاء وانتعشت منها أرواح الذين كانوا هنالك منتظرين

_____________________________________________________________________

المعلم المتحمس على حساب العلماء. والحقيقة أنه (حضرة الباب) كان يهزم خصومه ويدينهم وذلك أمر ميسور له إذ كان القرآن في يده. ولم يكن بأسهل عليه من الظهور أمام الجمهور الذين كانوا يعرفون الملاّوات حق المعرفة، فيُظهر في أي نقطة كان سلوكهم أو مبادئهم أو حتى فقههم، مناقضًا للكتاب (القرآن) ومناف له منافاة صريحة، ذلك الكتاب الذي لا يقدرون على إنكاره. وبما ملكه من الشجاعة النادرة والابتهاج بالنصر، أمكنه أن يفضح أعداءه ومقاوميه بكل جرأة وحماس ولم يختصر في ذلك شيئًا، وأظهر ما هم عليه من المفاسد دون أدنى مداراة وبغير اهتمام بالأعراف السائدة. فبعد أن أظهر لهم عدم وفائهم لدينهم، أبان مثالب وعيوب حياتهم ودهاهم بداهية عظيمة حتى دهش له السامعون أو ازدروه. وفي شيراز كانت أولى عظاته مثيرة للعواطف لأقصى درجة حتى لدى المتشددين من المسلمين الذين حضروها لم ينسوا ما دار فيها بل كانت خطبته تذكارًا لهم، فلم يقدروا على التكلم إلا بخوف. واتفقوا جميعهم على أن فصاحة علي محمد لا تدانيها فصاحة ولا يقدر أن يتصورها من لم يراه عيانًا. وسرعان ما جاء وقت لم يكن ليظهر "الفقيه الشاب" في مكان إلا محاطًا بجمهور غفير من الأنصار. وامتلأ منزله من الزوار فلم يكن تعليمه قاصرًا على المساجد والمدارس بل كان يجتمع عنده أيضًا كل ليلة كثيرون من الخواص المعجبين به ليكشف لهم من الأحكام ما لم يؤسسها بالكامل بعد. وبدا في تلك الأيام المبكرة أنه كان جدليًا أكثر منه عقائديًا وهذا أمر طبيعي. وفي محاضراته السرية كانت بياناته الجريئة تزداد يومًا بعد يوم واتجهت بوضوح إلى قلب الإسلام قلبًا تامًا وتكون بمثابة مقدمة للإيمان الجديد. وكان الجمع الصغير مشتعلاً شجاعًا منجرفًا بالحماس ومستعدًا لأي شيء. وكانوا متعصبين بالمعنى الصحيح والنبيل لهذه الكلمة، أي أن كل واحد من أفراده لم يولِ أهمية لنفسه واشتعل برغبة الفداء بدم حياته وبمتعلقاته الدنيوية في سبيل أمر الحق.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصفحتان 120، 122) ’وابتدأ الباب يجمع حوله جماعة من الأتباع المتحمسين. واشتهر بالبساطة الكلية في أخلاقه ولطافته وحسن منظره. وكان الناس يتأثرون من سعة علمه وفصاحة منطقه النافذة في القلوب. وأما كتاباته، التي ولو كانت في نظر جوبينو مملة، إلا أن الإيرانيين كانوا أشد الناس إعجابًا بها لبداعة أسلوبها وجمالها، وكان لها تأثير عظيم في شيراز. وكان بمجرد دخوله المسجد يحاط المكان بالناس، وبمجرد صعوده إلى المنبر ينصتون.‘ ("الومضة" للسير فرانسيس يونگهزبند، الصفحة 194) ’وكانت الآداب التي يحث عليها رجل شاب في عصر تغلي فيه الأهواء والشهوات قد أثرت على السامعين من المتدينين المتشددين لمطابقة أقواله لأفعاله. فلم يشك أحد أن "الكربلائي" السيد علي محمد كان يكبح الشهوات أو يشك في ثباته وورعه. وكان يتكلم قليلاً ولكنه كان دائم التذكر والتعبد وكثيرًا ما يتحاشى الجموع مما أدى إلى ازدياد فضولهم.‘ ("المجلة الآسيوية"، سنة 1866م، الجزء 7، الصفحة 341) ’وكان السيد الشاب بسلوكه مثالاً أعلى للملتفين حوله. وكانوا يستمعون إليه بمحض حريتهم عندما يلقي وعظه بأسلوب غامض تتم مقاطعته أثناءها مرارًا، فيدين المفاسد الشائعة في كافة طبقات المجتمع. فيرددون أقواله ويعلقون عليها ويصفونه بأنه معلم صادق يسلمون إليه مقاليد أمورهم دون أي احتراز.‘ (المصدر السابق)

رجوع حضرة الباب إلى مدينتهم بفارغ الصبر. وبعد النوروز بقليل وصلت إليهم رسالة بطريق البصرة أخبرهم فيها حضرة الباب بعدوله عن العودة بطريق كربلاء بعد الرجوع من الحجاز، وعدم إمكان إيفاء ذلك الوعد ووجههم للذهاب إلى إصفهان وينتظروا هناك حتى تصلهم تعليمات أخرى، وأضاف: ’وربما طلبنا منكم التوجه إلى شيراز إذا رأينا ذلك موافقًا، وإلا فانتظروا في إصفهان إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.‘

فحرّك ذلك الخطاب المفاجئ شوق المنتظرين لوصول حضرة الباب إلى كربلاء، وأهاج أفكارهم وامتحن ولاءهم. وقال بعض المستائين من بينهم: ’وماذا عن وعده لنا؟ فهل يقول أن خلف هذا الوعد كان بأمر من الله؟‘ وأما الثابتون فاشتد تعلقهم بدينه أكثر من ذي قبل، وأطاعوا الأمر وهم خاضعون لمولاهم متناسين كل نقد واحتجاج صدر من المترددين. وسافروا إلى إصفهان تلبية لدعوة مولاهم المحبوب وعزموا على تنفيذ تعلمياته. وانضم إليهم بعض الأصحاب ممن تزعزع إيمانهم بشدة ولكنهم كتموا مشاعرهم. وكان من بين أهالي إصفهان ممن دخل في تلك الجماعة التي لم تحجبها وساوس المفسدين عن النظر إلى عظمة الأمر ورفعته، ميرزا محمد علي النهري، الذي تزوجت كريمته بالغصن الأعظم فيما بعد، وميرزا هادي أخ ميرزا محمد علي. وكان بينهم أيضًا ميرزا محمد حناساب من أهالي إصفهان، وهو الآن يخدم في منزل حضرة بهاءالله. واشترك عدد من هؤلاء الأتباع البواسل لحضرة الباب، في ملحمة الشيخ الطبرسي وكانت نجاتهم من نصيب إخوانهم من الشهادة المفجعة أعجوبة.

وفي طريقهم إلى إصفهان، قابلوا في مدينة كنگاور الملاّ حسين مع أخيه وابن خاله اللذين رافقاه في زيارته السابقة لشيراز وكانا متجهين إلى كربلاء. وقد سرّوا بهذا اللقاء المفاجئ، وسألوا الملاّ حسين أن يطيل مكثه في كنگاور، فأجابهم لذلك. وكان الملاّ حسين الذي يؤم أصحاب حضرة الباب في صلاة الجمعة، مبجلاً محترمًا من قبل زملائه التلاميذ لدرجة أن حسده على ذلك عدد من الحاضرين الذين أظهروا عدم إخلاصهم لأمر الله فيما بعد في شيراز. ومن بينهم الملاّ جواد البَرَغاني والملاّ عبد العلي الهَراتي، وكان كل منهما يتظاهر بالخضوع لأمر حضرة الباب بأمل إشباع طموحه للرئاسة. وكانا

يجتهدان سرًا في تقويض المقام المحسود الذي وصل إليه الملاّ حسين. واستمرا دائبين على دس الدسائس والملاحظات لتشويه سمعته والإساءة لاسمه.

وسمعت من ميرزا أحمد الكاتب، المعروف في تلك الأيام بالملاّ عبد الكريم، والذي صاحب الملاّ جواد في سفره من قزوين، يقول: ’كان الملاّ جواد كثير الإشارة في حديثه معي للملاّ حسين وكثيرًا ما قطعت مرافقته بسبب ملاحظات الاستهزاء على الملاّ حسين التي كان يكررها ويذكرها بمهارة في عبارات ماكرة مبطنة. وكلما أردت هجره يمنعني الملاّ حسين، ولما وقف على قصدي نصحني أن أعامله بالتسامح. فكانت مصاحبة الملاّ حسين لأتباع حضرة الباب المخلصين تزيد في حميتهم واشتعالهم وتهذب أخلاقهم باقتفاء آثاره ومثاله، وهم معجبون بصفاته العالية واستنارة عقله وقلبه، حتى إنه أصبح ممتازًا بين الأقران.‘

وعزم الملاّ حسين على الانضمام إلى الأصحاب متجهًا معهم إلى إصفهان. وكان يتقدمهم منفردًا على بعد فرسخ، وعند الغروب يستريح للصلاة، فيلحقه أصحابه ويكمل صلاته معهم. ثم يسبقهم في السير منفردًا وعند الفجر يلحقونه عندما يشرع في الصلاة. ولا يصلي معهم صلاة الجماعة إلا إذا ألح عليه أصحابه، وفي مثل هذه الأحوال كان يأتم بأحد من الأصحاب. وكان الإخلاص الذي أشعله في قلوبهم عظيمًا بدرجة أن الكثيرين منهم كانوا ينزلون من ركائبهم ويسلمونها للذين كانوا منهم مسافرين مشيًا على الأقدام، ويتعقبونه مترجلين وذاهلين عن متاعب السفر ومشاقه.

ولما قاربوا ضواحي إصفهان، نصح الملاّ حسين الأصحاب أن يتفرقوا ولا يدخلوا بوابات المدينة إلا في جماعات صغيرة غير ظاهرين خوفًا من أن دخول جمهور كبير دفعة واحدة يثير شبهة الأهالي واستغرابهم. وبعد بضعة أيام من وصولهم جاءتهم الأخبار بحصول هيجان شديد في شيراز، وأن الاختلاط مع حضرة الباب أصبح ممنوعًا، وأن زيارتهم القادمة لتلك المدينة ربما حفّت بأعظم الأخطار. ولكن الملاّ حسين لم يحفل بهذه الأخبار المفاجئة، وعزم على المسير إلى شيراز. وأفضى بعزمه هذا إلى القليلين من أصحابه. وخلع القفطان والعمامة ولبس الجبة والكلاة، وهو لباس أهل خراسان، وتنكر

بزي خيالة الهزارة وقوچان وصحبه أخوه وابن خاله وفي ساعة غير متوقعة واصل السير إلى مدينة محبوبه. ولما اقترب من بوابة المدينة أرسل أخاه في جنح الليل إلى منزل خال حضرة الباب، وطلب منه أن يخبر حضرته بوصوله، فأتاه الخبر في اليوم التالي، بأن الحاج ميرزا سيد علي ينتظره بالترحيب بعد الغروب بساعة خارج بوابة المدينة. وقابله الملاّ حسين في الساعة المعينة ورافقه إلى منزله. وكثيرًا ما كان حضرة الباب يشرّف ليلاً ذلك المنزل ويستمر مع الملاّ حسين إلى طلوع الفجر. ولم تمضِ فترة طويلة حتى أذن لأصحابه الذين اجتمعوا في إصفهان بالمغادرة تدريجيًا إلى شيراز، وهناك ينتظرون الفرصة الملائمة للتشرف بمحضره، ونصحهم بالحذر واليقظة القصوى وأمرهم بالدخول بجماعات صغيرة وأن يتفرقوا بمجرد وصولهم إلى مقار نزول المسافرون، وأن يقبلوا العمل في أي مهنة يجدونها.

وكان أول فوج وصل إلى المدينة وقابل حضرة الباب بعد وصول الملاّ حسين ببضعة أيام، مكونًا من ميرزا محمد علي النهري وميرزا هادي أخيه والملاّ عبد الكريم القزويني والملاّ جواد البرغاني والملاّ عبد العلي الهراتي وميرزا إبراهيم الشيرازي. وفي أثناء اجتماعهم بحضرته كشف الثلاثة الأخيرون تدريجيًا عن عمى قلوبهم وأظهروا انحطاط أخلاقهم. وكانت الدلائل العديدة التي أشارت إلى ما يكنه حضرة الباب من عطف متزايد على الملاّ حسين، قد أثارت غضبهم وأضرمت نيران حسدهم. وبسبب احتدام غضبهم وعجزهم، تسلحوا بسلاح الغيبة والنميمة، وكانوا في البداية عاجزين عن إظهار عداوتهم للملاّ حسين وطفقوا يبحثون عن كل مكيدة لتسميم الأذهان وإخماد نار محبة المعجبين به، وكان هذا السلوك المعوج من جانبهم سببًا في إبعاد عطف المؤمنين عنهم وإخراجهم من جماعتهم. وإذ طردوا بأعمالهم من جامعة أمر الله انضموا إلى صفوف أعداء الأمر وجاهروا برفض مبادئه وأصوله. وبلغت الفتنة التي روجوها بين سكان تلك المدينة إلى درجة جعلت السلطات المحلية تطردهم من المدينة بسبب كراهيتها لهم وخشيتها من مكائدهم. وكان حضرة الباب قد أسهب في ذكر حيلهم ومساوئهم في أحد الألواح وشبههم بالعجل السامري الذي لم يكن له صوت ولا روح بل كان صنيعة دنيئة من شعب

ضال قام بعبادته. ومما كتبه بخصوص الملاّ جواد والملاّ عبد العلي: "اللهم إلعن الجبت والطاغوت،(1) التوأمين المعبودين من هذا الشعب الضال." وسافر الثلاثة فيما بعد إلى كرمان حيث حشدوا قواهم إلى جانب الحاج ميرزا محمد كريم خان ودعموه في مكائده وسعوا في تحميسه على كيل اتهاماته.

وكان حضرة الباب ذات ليلة يزور منزل الحاج ميرزا سيد علي بعد طرد هؤلاء الثلاثة من شيراز، فاستدعى ميرزا محمد علي النهري وميرزا هادي والملاّ عبد الكريم القزويني ليمثلوا أمامه، فلما حضروا التفت حضرة الباب إلى الملاّ عبد الكريم وقال له: ’يا عبد الكريم، هل تبحث عن المظهر؟‘ فكان لهذه العبارة التي نطق بها حضرة الباب بكل هدوء ولطف، تأثير بليغ عليه حصل له منها دهشة واصفر لونه من هذا الاستفهام الفجائي وأجهش بالبكاء وارتمى على قدمَي حضرة الباب بحالة اضطراب عميق. فأخذه حضرة الباب باللطف بين ذراعيه وقبّل جبهته وطلب منه أن يجلس بجانبه وهدأ روع قلبه بكلمات المحبة الرقيقة.

ولما عادوا إلى منزلهم، استفسر ميرزا محمد علي وأخوه من الملاّ عبد الكريم عن سبب الانزعاج المفاجئ الذي أصابه فجأة. فأجابهم بقوله: ﴿اسمعوا لأني سأحكي لكم واقعة غريبة وقصة لم أذكرها لأحد للآن. عندما وصلت إلى سن البلوغ، شعرت وأنا قاطن في قزوين بميل شديد لكشف السر الإلهي ولمعرفة طبيعة قدّيسيه وأنبيائه. فلم أرَ وسيلة سوى تحصيل العلوم لأتمكن من بلوغ هذا المرام. فنجحت في الحصول على موافقة والدي وأعمامي على ترك أعمالي والتفرغ للدراسة والبحث. فقطنت في غرفة في إحدى مدارس قزوين وأفرغت وسعي في تحصيل كل أنواع الدراسات الإنسانية. وكثيرًا ما كنت أناقش أقراني في المعارف التي أحصلها ورأيت في ذلك وسيلة لإثراء تجاربي. وفي الليل أعود إلى المنزل واعتزل في مكتبتي وأخصص جملة ساعات للدراسة المتواصلة. وكنت مستغرقًا في أعمالي إلى درجة أهملت فيها النوم وتجاهلت الشعور بالجوع. وكنت قد صممت أن

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 51.

أصل في ظرف سنتين إلى حل معضلات الفقه والأصول الإسلامية. وكنت ملازمًا بإخلاص لمحاضرات الملاّ عبد الكريم الإيرواني الذي كان معدودًا في تلك الأيام أعظم علماء قزوين. وكنت أعجب بسعة اطلاعه وفضله وصلاحه، وأخصص بعض الوقت كل ليلة من فترة تتلمذي عنده لكتابة رسالة قدمتها له، ولما راجعها بعناية واهتمام أظهر سروره من اجتهادي وامتدح مجهوداتي العظيمة. وذات يوم أعلن أمام جمع من تلاميذه: ’إن العلاّمة الفهّامة الملاّ عبد الكريم قد أهّل نفسه ليكون مرجعًا في بيان كتب الإسلام المقدسة وتفسيرها. فهو في غنى عن حضور درسي أو درس أقراني. وإن شاء الله سوف أحتفل بارتقائه إلى درجة مجتهد في صباح يوم الجمعة القادم وأسلمه شهادته بعد صلاة الجمعة.‘

وما أن تفوه الملاّ عبد الكريم الإيرواني بتلك الكلمات وخرج، حتى تقدم التلاميذ وهنأوني من قلوبهم على إنجازاتي، فرجعت إلى منزلي مغتبطًا. وبوصولي وجدتُ والدي وعمي الأكبر الحاج حسين علي، وهما صاحبا اعتبار عظيم في كل قزوين، يهيئان احتفالاً على شرفي بمناسبة إنهائي دراساتي. فطلبت منهما أن يؤجلا دعوة أعيان قزوين حتى أخبرهم، فقبلوا ذلك بسرور لعلمهم بأن شوقي لمثل هذا الاحتفال لا يدع مجالاً لتأجيله بعيدًا. وفي تلك الليلة ذهبت إلى مكتبتي وفي عزلة غرفتي رددت الأفكار الآتية في قلبي، وقلت لنفسي: ألم تتخيل بأنه لا أمل في الوصول إلى رتبة بيان الكتب الإسلامية المقدسة وتفسيرها إلا لذوي الأرواح الطاهرة؟ ألم يكن اعتقادك أن الذي يصل إلى هذه المرتبة يكون معصومًا من الخطأ؟ ألم تكن الآن معدودًا من تلك الطبقة؟ ألم يعدك أكبر عالم في قزوين بأنك تكون كذلك؟ كُن منصفًا. هل تعتقد في قلبك أنك وصلت إلى هذه الدرجة من القداسة والطهارة والانقطاع الصرف وهي الشروط التي كنت تعدّها في الأيام الخالية لازمة وضرورية لمن يروم الوصول إلى تلك المنزلة الشريفة الرفيعة؟ وهل تظن نفسك أنك خلصت من كل شائبة نفسية أنانية؟ وبينما أنا جالس أفكر إذ غلب عليّ إحساس تدريجي بعدم استحقاقي لتلك الرتبة ورأيت نفسي أسير الهموم والتحير والإغراءات والشكوك. وكئبت إذ ساورني الارتياب حول كيفية إلقاء الدروس وإمامة صلاة الجماعة وتنفيذ أحكام الدين. وشعرت بالقلق باستمرار في كيفية تأدية واجباتي،

وضمان تفوق إنجازاتي على إنجازات من سبقني. فكان يغلب عليّ شعور الضعة والحاجة إلى طلب المغفرة من الله، فكنت أقول لنفسي إنك كنت تقصد من طلب العلم كشف السر الإلهي والوصول إلى رتبة الإيقان، فكن منصفًا. هل أنت متأكد من صحة تفسيرك للقرآن؟ وأن الأحكام التي تنفذها وتروجها تعبر عن إرادة الله؟ وبغتة ساورني الشعور بالخطأ، وأدركت لأول مرة أن صدأ التعلم قد أكل روحي وحجب بصيرتي. فحزنت على ماضيّ وتأسفت على ضياع جهودي، وعلمت أن الناس من رتبتي هم مثلي خاضعون لنفس هذه الآلام فبمجرد أن يحوزوا العلوم الظاهرة يظنون أنهم أصبحوا قادرين على بيان أحكام الإسلام ويدّعون لأنفسهم حق الامتياز المطلق في التحدث عن مبادئه.

وبقيت مستغرقًا في أفكاري إلى الفجر، فلم أتناول في تلك الليلة طعامًا ولا أخذني النوم، وأحيانًا كنت أناجي الله قائلاً: ’ترى يا إلهي وتعلم ورطتي وإني لا أقصد سوى إرادتك ورضائك، وقد أخذتني الدهشة عندما أفكر في الفرق العديدة التي وقع فيها دينك المقدس. وتحيرت إذ رأيت أن المذاهب قد مزقت الأديان السابقة. فهل ترشدني يا إلهي في حيرتي وتخلصني من شكوكي؟ ولمن أتوجه يا إلهي للعزاء والهداية؟‘ ثم بكيت بحرقة في تلك الليلة حتى إني ظننت أني فقدت صوابي. وفجأة رأيت في الرؤيا جمعًا كبيرًا من الناس ذوي وجوه مستبشرة بما أثار إعجابي الشديد. وجلس على مقعد فوق منبر أمام الجمع شخص جليل يرتدي لباس سيد. وكان يفسّر الآية من القرآن الكريم "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا."(1) فانجذبت من النظر في وجهه وقمت وتقدمت إليه وشرعت في الوقوع على قدميه، ولكن تلك الرؤيا اختفت فجأة من أمامي. فابتهج قلبي وامتلأ بالنور واشتد فرحي بدرجة لا توصف.

وعزمت أن أستشير الحاج الله وردي والد محمد جواد الفرهادي وهو رجل معروف في سائر أنحاء قزوين برؤيته الروحانية العميقة. فلما قصصت عليه الرؤيا تبسم ووصف لي ذلك السيد الذي رأيته بكل دقة وبيّن لي مميزاته، ثم قال لي: ’إن ذلك الشخص

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة العنكبوت، الآية 69.

الجليل لم يكن سوى الحاج السيد كاظم الرشتي الذي هو الآن في كربلاء وفي كل يوم يفسر لتلاميذه تعاليم الإسلام المقدسة. والذين يستمعون لدروسه ينتعشون ويتهذبون من كلماته. ولا أقدر أبدًا أن أصف التأثير الذي يحدثه في سامعيه.‘ فقمت مسرورًا وعبرت له عن شكري العميق ورجعت إلى منزلي ثم سافرت توًا إلى كربلاء. وجاء أقراني القدماء وطلبوا مني أن أقابل الملاّ عبد الكريم لأنه طلب المقابلة إما بحضوري عنده أو حضوره لمنزلي، فقلت: ’إني أشعر بدافع يدفعني لزيارة مقام الإمام الحسين في كربلاء. ووعدت أني سأذهب فورًا لتلك الزيارة، وأني غير قادر على إرجاء مغادرتي، وإن أمكن فإني أزوره بضع دقائق قبل مبارحتي المدينة، وإلا فإني أرجوه أن يسامحني وأن يدعو الله أن يهديني في صراطه المستقيم.‘

وأعلمت أهلي وأقاربي سرًا بطبيعة الرؤيا التي رأيتها وبتفسيرها، وأخبرتهم بعزمي على زيارة كربلاء. وكانت كلماتي لهم في ذلك اليوم قد زرعت حب السيد كاظم في قلوبهم وشعروا بانجذاب إلى الحاج الله وردي واجتمعوا به وصاروا من معجبيه المخلصين.

وكان أخي عبد الحميد (الذي تجرّع فيما بعد كأس الشهادة في طهران) قد رافقني في سفري إلى كربلاء. وهناك قابلت السيد كاظم ودهشت لسماع حديثه مع التلاميذ المجتمعين في نفس الظروف والطريقة التي رأيته بها في الرؤيا. وانصعقت عندما اكتشفت لدى وصولي أنه يفسر نفس الآية التي كان يفسرها في الرؤيا. وإذ جلست وأنصت له انجذبت بشدة من قوة بيانه وسمو أفكاره. ثم قابلني بكل ترحاب وأظهر لي كل محبة ولطف وشعرت أنا وأخي بسرور داخلي لم نذقه قط من قبل. وكنّا في ساعة الفجر نهرع إلى منزله ونرافقه لزيارة مرقد الإمام الحسين.

وصرفت كل أيام الشتاء بصحبته. وأثناء تلك المدة بكاملها كنت مواظبًا على حضور دروسه، وفي كل مرة كنت أصغي لأقواله أجده يصف ناحية خاصة من نواحي ظهور القائم الموعود. وكان هذا موضوع درسه الوحيد، فأي آية أو حديث يتصادف له تفسيره ينتهي بإشارة خاصة بالظهور الموعود. فكان يكرر قوله بصراحة: ’إن الموعود يعيش وسط هؤلاء القوم وإن ميعاد ظهوره قد قرب فهيئوا الطريق له وطهّروا نفوسكم حتى

تدركوا جماله. وما لم أفارق هذا العالم فلن تشرق شمس طلعته. فيجدر بكم بعد فراقي أن تقوموا على طلبه ولا تستريحوا لحظة واحدة حتى تجدوه.‘

وبعد الاحتفال بالنوروز أمرني السيد كاظم بمغادرة كربلاء، وعندما كان يودعني قال لي: ’تأكد يا عبد الكريم إنك في يوم ظهوره ستكون من الذين يقومون لنصرة أمره، وأتعشم أنك تذكرني في ذلك اليوم المبارك.‘ فتضرعت إليه أن يسمح لي بالبقاء في كربلاء لأن عودتي إلى قزوين تثير عداوة الملاّوات في تلك المدينة. فكان جوابه لي: ’ليكن اعتمادك كله على الله وتجاهل قطعيًا مكائدهم واشتغل بالتجارة وتأكد أن احتجاجاتهم لن تنجح في ضرك بشيء.‘ فاتبعت نصيحته وسافرت مع أخي إلى قزوين.

وفور وصولي أخذت في تنفيذ نصيحة السيد كاظم. وتمكنت باتباع إرشاداته من إسكات كل معارض مبغض. وكرست أيامي في تنفيذ أعمالي المادية وفي الليل أعود إلى منزلي وأخصص وقتًا في هدوء غرفتي للتأمل والصلاة. وكنت أناجي الله بأعين باكية وأتضرع إليه قائلاً: ’إنك يا إلهي وعدتني على لسان عبدك الصدّيق أني سوف أرى يومك وأنظر ظهورك وأمرك. وقد أكدت لي بواسطته أني سأكون ضمن الذين يقومون لنصرة دينك، فإلى متى تؤخّر عني وعدك؟ ومتى تفتح لي باب فضلك بيد كرمك ومحبتك لتمنحني نعمتك الخالدة؟‘ وفي كل ليلة كنت أكرر هذا الدعاء واستمر في المناجاة إلى طلوع الفجر.

وذات ليلة في عشية يوم عرفة سنة 1255ﻫ(1) كنت مستغرقًا في الصلاة، فأخذتني سِنة من النوم ورأيت أمامي طائرًا أبيض كالثلج يحوم فوق رأسي ثم وقف على فرع شجرة بجانبي وبنغمات شجّية لا توصف، قال: ’هل أنت تطلب المظهر يا عبد الكريم؟ ها هو ذا يظهر سنة 60.‘ ولم يلبث الطائر أن طار واختفى. فهيجني سرّ هذه الكلمات ولم يغب ذكرى جمال ذلك المنظر عن في مخيلتي لزمن طويل. حتى كأني ذقت جميع ملاذ الجنة، فكان سروري لا يكبت.

________________________
(1) الليلة السابقة على 13 فبراير/شباط سنة 1840م.

ونفذت إلى أعماق روحي تلك الرسالة الخفية من ذلك الطائر وكانت دائمًا على شفتي وكنت أرددها في عقلي باستمرار. ولم أذكرها لأحد خوفًا من أن تفارقني حلاوتها. وبعد بضع سنين وصل إلى مسامعي النداء من شيراز فأسرعت في نفس اليوم إلى تلك المدينة، وأثناء الطريق قابلت في طهران الملاّ محمد المعلم الذي عرّفني بطبيعة ذلك النداء وأخبرني أن الذين آمنوا به قد اجتمعوا في كربلاء منتظرين عودة رئيسهم من الحجاز. فسافرت توًا إلى تلك المدينة ومن همدان رافقني لسوء حظي الملاّ جواد البرغاني إلى كربلاء وفيها كان لي الشرف بمقابلتكم مع باقي الأحباء. وكنت على الدوام أخفي في نفسي تلك الرسالة العجيبة التي كلّمني بها ذلك الطائر. فلما قابلت حضرة الباب أخيرًا وسمعت من شفتيه نفس العبارة وبنفس النغمة واللغة التي سمعتها من الطائر عرفت مغزاها وأخذني جذب قوتها وجمالها حتى إني دون شعور وقعت على قدميه ومجّدت اسمه.﴾

وفي أوائل أيام سنة 1265ﻫ،(1) قمت في سن الثامنة عشر من قريتي زرند إلى قُم وهناك تصادفت مقابلتي للسيد إسماعيل الزواري الملقب ﺑ"الذبيح" والذي بذل روحه فيما بعد فداء في سبيل حضرة بهاءالله في بغداد. وبواسطته تمكنت من الاعتراف بالظهور الجديد. وكان وقتها على وشك السفر إلى مازندران وعزم على الانضمام لجماعة المدافعين الأبطال في قلعة الشيخ الطبرسي وعزم على أن يأخذني معه بصحبة ميرزا فتح الله الحكاك وهو شاب في سنّي من سكان قُم. ولما حالت الظروف دون تنفيذ خطته، وَعَدَنا قبل سفره أن يقابلنا في طهران ويطلب منا الانضمام إليه. وأثناء حديثه مع ميرزا فتح الله ومعي، حكى لنا واقعة الملاّ عبد الكريم الشيقة فرغبت جدًا بمقابلة هذا الأخير. ولما وصلت إلى طهران فيما بعد قابلت السيد إسماعيل في مدرسة "دار شفاء مسجد الشاه" وعرّفني بالملاّ عبد الكريم الذي كان مقيمًا في تلك المدرسة. وفي تلك الأيام علمنا أن ملحمة الشيخ الطبرسي انتهت وأن أصحاب حضرة الباب الذين اجتمعوا في طهران بنية اللحاق بإخوانهم قد رجعوا، كل إلى مقاطعته دون أن يتمكنوا من إتمام مقصدهم. وبقي الملاّ عبد الكريم في العاصمة وكرس وقته في استنساخ "البيان" الفارسي. وكان دوام الاتصال به في ذلك

________________________
(1) سنة 1848 م.

الوقت قد عمّق محبتي له وإعجابي به، ولا أزال أشعر بعد مضي ثمانية وثلاثين عامًا منذ أول مقابلة معه في طهران بتلك الحرارة الحبية وباشتعال ايمانه وإحساسي بالمحبة الفائقة له جعلني أذكر بالتفصيل وقائع أحوال أوائل أيامه حيث انتهت بما يعتبر نقطة تحول في حياته. ولعلها بدورها تنفع في إيقاظ القارئ وتنبيهه إلى عظمة هذا الظهور العظيم.

***
صفحة خالية
الفصل التاسع
إقامة حضرة الباب في شيراز بعد الحج
(تكملة)

وبمجرد وصول الملاّ حسين إلى شيراز ارتفعت أصوات الناس مرة أخرى احتجاجًا عليه. وزاد خوف الجماهير وسخطهم لعلمهم باتصاله الوثيق المستمر بحضرة الباب. فتذمروا قائلين: ’لقد عاد إلى مدينتنا ثانية، ليرفع علم العصيان مرة أخرى ويدبر مع رئيسه حملة أشد على أعرافنا وعاداتنا العتيدة.‘ وتفاقم الوضع بحيث أمر حضرة الباب الملاّ حسين بالعودة عن طريق يزد إلى موطنه في إقليم خراسان. وكذلك صرف باقي أصحابه الذين اجتمعوا في شيراز وأمرهم بالرجوع إلى إصفهان وأبقى الملاّ عبد الكريم الذي أوكله بنسخ كتاباته.

وهذه الإجراءات الاحتياطية التي رأى حضرة الباب من الحكمة اتخاذها خلّصته من خطر محدق وهو عنف أهل شيراز الغاضبين، وساعدت على إيجاد قوة دافعة لترويج أمره خارج حدود تلك المدينة. فلما انتشر التلاميذ في أنحاء البلاد أعلنوا دون خوف ولا وجل لجمهور مواطنيهم تلك القوة المحيية للدين حديث الولادة. وذاع صيت حضرة الباب في الأطراف ووصل إلى آذان الذين تبوؤوا أعلى مراكز السلطة سواء في العاصمة أو في المقاطعات.(1) وسيطرت موجة من البحث الدؤوب على عقول وقلوب كل من

________________________

(1) ’كان للبابية أتباع عديدون في كل طبقات المجتمع ولكثير منهم مناصب عليا. فقبل تلك العقيدة عدد من كبار القوم وأعضاء في الهيئة الدينية ورجال عسكريون وتجار.‘ ("المجلة الآسيوية"، سنة 1866م، الجزء 8، الصفحة 251)

الرؤساء وجماهير الناس. وأخذت الدهشة والحيرة كل الذين سمعوا من أفواه رسل حضرة الباب تلك العلامات والدلائل التي بشّرت بميلاد ظهوره. وكان عظماء الدولة وقادة رجال الدين دائبين على البحث والتحري بأنفسهم أو يوفدون مندوبيهم المقتدرين للبحث والتنقيب عن حقيقة هذه الحركة العظيمة وطبيعتها.

وتحرك محمد شاه(1) نفسه للتحقق من صحة هذه التقارير والبحث في طبيعتها. فأوفد السيد يحيى الدارابي،(2) وهو أغزر رعاياه علمًا وأفصحهم قولاً وأوسعهم نفوذًا، لمقابلة

________________________
(1) انظر النسبة للدولة القاجارية في أول الكتاب.

(2) ’كتب عبدالبهاء عنه ما يأتي: "وكان هذا الرجل الشهير وهذه الروح الغالية يحفظ عن ظهر قلب أكثر من ثلاثين ألف حديث وكان محبوبًا من كافة طبقات الشعب وأصبحت له شهرة عامة في جميع أنحاء إيران وكانت سلطته وعلمه موضع اعتراف واسع كامل."‘ (من كتاب خطي خاص بحوادث الاستشهاد في إيران) ’وكان هذا الشخص كما يدل عليه اسمه مولودًا في داراب قريبًا من شيراز ووالده السيد جعفر الملقب ﺑ"الكشفي" من أعظم وأشهر العلماء في زمانه وكان سمو أخلاقه الفاضلة واستقامه تعامله قد جذب تقديرًا واسعًا واحترامًا عامًا. ولقب بالكشفي لعلومه أي أنه اكتشف الأسرار الإلهية وفسرها. وإذ قام على تربيته بنفسه لم يتأخر نجله عن أن يساويه في الرتبة من جميع الوجوه وكانت له نفس الحظوة الشعبية التي كانت لوالده. وعندما ذهب إلى طهران سبقته شهرته وصيته. وأصبح ضيفًا منتظمًا للأمير طهماسپ ميرزا مؤيد الدولة حفيد فتح علي شاه من أبيه محمد علي ميرزا. وكانت الحكومة نفسها تقدره لعلمه وجدارته، واستشير أكثر من مرة في أمور شاقة. وكان هو الذي خطر على بال كل من محمد شاه والحاج ميرزا آقاسي عندما أرادا رسولاً مؤتمنًا يرسلونه في هذه المهمة يكون صدقه لا شك فيه مطلقًا.‘ ("السيد علي محمد الباب"، لنقولاس، الصفحة 233) ’وبينما كانت هذه الحوادث تقع في شمال إيران كانت المقاطعات الوسطى والجنوبية تتعرض لحملة إيقاظ بليغة شنها مبلغو العقيدة الجديدة ببلاغتهم المتقدة. وكان الشعب، على ما هو عليه من الطيش والسذاجة والجهل والوهم المطلق، قد انصعق من سماعه عن المعجزات المتواصلة التي تروى له في كل لحظة، وكان الملاّوات القلقون قد شعروا بتخوف وارتعدوا من إيمان أتباعهم واستعدادهم للتخلص من سيطرتهم، فضاعفوا شتمهم وافتراءهم ونشروا روايات مختلقة وأكاذيب ملفقة بين السكان المترددين بين الامتعاض والإعجاب... وكان السيد جعفر غير مطلع على عقائد الشيخية أما بالنسبة للملاّ صدرا فكان مدركًا لأفكاره، ومع ذلك فإن حماسه المتقد ومخيلته المستنيرة قد أخرجته، قرب نهاية حياته، من حبائل الشيعة الأصولية، فكان يفسر الأحاديث بطريقة تخالف طريقة أقرانه ويدعي، كما قيل عنه، أنه اخترق السبعين، يعني من المعاني الغيبية للقرآن. وكان نجله الذي على أثره اجتاز هذه الصعوبات قد بلغ من العمر 35 سنة تقريبًا. وبعد أن أتم دروسه جاء إلى طهران وفيها صاحب بشكل وثيق كل من اعتبره بلاط الشاه عظيمًا متميزًا. وهو الذي وقع عليه اختيار صاحب الجلالة. لذلك تم تكليفه بالذهاب إلى شيراز والاتصال بالباب وإعلام السلطة المركزية، على أدق نحو ممكن، بالنتائج السياسية التي يمكن حصولها من الإصلاح الذي يظهر أنه سيؤدي إلى اضطراب قلب المملكة.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 387-388)

حضرة الباب وكتابة تقرير عن نتيجة تحرياته. وكان للشاه ثقة تامة في حياده وكفاءته ورؤيته الروحانية العميقة. وكانت له مكانة مرموقة بين كبار رجالات إيران، حتى إنه في أي مجمع يحضره يكون هو المتكلم فيهم ومهما حضر في المجمع من رؤساء الدين لا يجسر أحد منهم أن يذكر رأيه في محضره وجميعهم يكونون صامتين أمامه بكل احترام ومقرين ومذعنين برجحان عقله وغزارة علمه وحكمته البالغة.

وكان السيد يحيى في تلك الأيام يقطن في طهران في منزل لطف علي، رئيس تشريفات الشاه كضيف معزز لجلالة الملك. فأسرّ الشاه إلى ميرزا لطف علي برغبته وغبطته في أن يقوم السيد يحيى بزيارة شيراز ويفحص هذا الموضوع شخصيًا. وأمره الملك قائلاً: ’أخبره عنّا بثقتنا العالية في استقامته، وإعجابنا بمعاييره الأخلاقية والفكرية، ونعتبره أليق عالِم في قُطرنا، فإننا ننتظر منه أن يتوجه بنفسه إلى شيراز ويفحص أمر السيد الباب بدقة ويخبرنا بنتائج تحرياته حتى ننظر في الإجراءات التي يجدر بنا اتخاذها نحوه.‘

وكان السيد يحيى نفسه أيضًا راغبًا في الحصول على أدقّ المعلومات الخاصة بدعوة حضرة الباب، ولكنه لم يكن يتمكن من السفر إلى فارس نظرًا للأحوال غير الملائمة. فاضطره أمر محمد شاه أن ينفذ عزمه الذي طالما كان يتمناه. وبعد أن أكد للشاه استعداده لتنفيذ رغبته، سافر إلى شيراز على الفور.

وأثناء الطريق فكّر في الأسئلة المختلفة التي سيلقيها على حضرة الباب لأن صحة الرسالة تتوقف حسب رأيه على الإجابة عن هذه الأسئلة. وإذ وصل إلى شيراز قابل الملاّ الشيخ علي الملقب ﺑ"عظيم"، والذي كان صديقه الحميم في خراسان. وسأله هل هو مسرور من مقابلته لحضرة الباب، فأجابه عظيم: ’عليك أن تقابله ثم تبحث بنفسك دون تدخل أحد حتى تطّلع بنفسك على أمره. وكصاحب لك، أنصحك أن تسدي إليه منتهى الاحترام أثناء المحادثات لئلا تندم آخر الأمر على أي جفاء يصدر منك نحوه.‘

وكانت مقابلة السيد يحيى مع حضرة الباب في منزل الحاج ميرزا سيد علي، وأظهر لحضرته الاحترام والإجلال أثناء المحادثة كما أوصاه عظيم، ومكث زهاء ساعتين يلفت نظر حضرة الباب إلى المسائل العويصة والمواضيع الغيبية في التعاليم الإسلامية وإلى أكثر

فقرات القرآن غموضًا وإلى أحاديث أئمة الدين ونبوءاتهم. وكان حضرة الباب ينصت أولاً إلى إشاراته العلمية عن الشريعة والنبوات الإسلامية ويستوعب كل أسئلته، ثم يشرع في بيان الجواب المقنع المختصر لكل سؤال. وكانت سلاسة أجوبته واختصارها ودقتها بحيث أثارت دهشة السيد يحيى وإعجابه، وغلبه شعور بالإذلال بما كان عليه من صلف وكبرياء، فزال إحساسه بالتفوق كليًا. ولما عزم على الانصراف، وجه إلى حضرة الباب الكلمات التالية: ’إن شاء الله في المقابلة الآتية أعرض لكم بقية أسئلتي وبها أنتهي من بحثي.‘ وبعد مغادرته اجتمع بعظيم وأخبره بما جرى في المقابلة. وقال له: ’إنني أسهبت في محضره في إظهار معارفي بلا مبرر، ولكنه بكلمات قليلة تمكن من الإجابة عن كل أسئلتي وحلّ لي ما أشكل عليّ. وشعرت أمامه بتذلل وخضوع جعلني أسرع وأطلب الانصراف من أمامه.‘ فذكّره عظيم بنصيحته وتوسل إليه عدم نسيانها في المرة القادمة.

وفي المقابلة الثانية وجد السيد يحيى، لفرط دهشته، أنه نسي كافة الأسئلة التي عزم على طرحها على حضرة الباب. فاكتفى بمواضيع لا علاقة لها ببحثه، ولكنه اكتشف، لمزيد من الحيرة والدهشة، أن حضرة الباب كان يجيب بنفس السلاسة والاختصار اللذين شهدهما، عن الأسئلة التي نسيها وقتيًا. ووصف السيد يحيى ذلك فيما بعد، قال: ﴿كنت أشعر إذ ذاك أني أنام نومًا عميقًا وكانت كلماته وإجاباته عن المسائل التي نسيت أن أسألها توقظني من سباتي، وكان يتردد في أذني وفي سرّي صوت يقول: ’ألا يمكن أن يكون ذلك كله من باب المصادفات؟‘ وكنت مضطربًا لدرجة لم أتمكن من ترتيب أفكاري، وطلبت ثانيًا الإذن بالانصراف. وقابلني عظيم فيما بعد وقال لي في غير مبالاة وهو مقطّب الوجه: ’يا ليت كانت هذه المدارس التي تعلمنا فيها مغلقة وليتنا لم ندخلها! فمن قصر عقولنا وغرورنا احتجبنا عن فضل الله الذي هو مخلصنا، وكنا سببًا لمتاعب منبع الفضل، ألا يحسن بك أن تتضرع لله في هذه المرة ليهبك في محضره شرف الانقطاع والخشوع ليخلصك بلطفه ورحمته من جور الشك والحيرة؟‘

فصممت في المقابلة الثالثة أن أطلب من حضرة الباب في سر سري تفسيرًا لسورة الكوثر من القرآن. وعزمت أن لا أذكر هذا الطلب في محضره. فإذا أتى بالتفسير من تلقاء

نفسه وبكيفية تخالف بحسب رأيي التفاسير المعهودة، اقتنعت إذ ذاك بصحة رسالته السماوية واعتنقت أمره، وإلا فلا أعترف به. وبمجرد أن أدخلت إلى محضره شعرت بخوف لم أكن أعلم سببه، وكنت أرتجف وأنا أنظر إلى وجهه، ومع إني كنت قد حضرت عدة مرات أمام الشاه نفسه دون أي اضطراب، إلا إني كنت غير قادر على الوقوف على قدمَي. ولما شاهد حضرة الباب حالتي، قام من مقعده وتقدم نحوي وأخذ بيدي وأجلسني بجانبه وقال: ’اطلب مني كل ما يريده قلبك، أذكره توًا لك.‘ فبقيت صامتًا في حيرتي كطفل لا يقدر أن يفهم أو يتكلم، وشعرت بعجز عن الاستجابة. فتبسم وهو ينظر إليّ وقال: ’إذا فسرت لك سورة الكوثر، هل تعترف أن كلامي هو من روح الله؟ وهل تعترف بأن بياني لا علاقة له بالسحر والشعوذة؟‘ فسكبت عيوني الدموع وأنا أسمعه يلفظ تلك الكلمات. وما تمكنت أن أتكلم بشيء سوى الآية القرآنية: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين."(1)

وكان الوقت لا يزال باكرًا من ساعات العصر إذ طلب حضرة الباب من الحاج ميرزا سيد علي أن يأتيه بعلبة أقلامه وبعض الورق ثم بدأ تفسيره على سورة الكوثر. وكيف أقدر أن أصف جلال ذلك المنظر المهيب؟ فكانت الآيات تنهمر من قلمه بسرعة مدهشة لا تصدق.(2)

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 23.

(2) وذكر في "كشف الغطاء" (الصفحة 81) أن الباب نطق بما لا يقل عن ألفي آية في تلك المناسبة. وكانت سرعة نزول الوحي مدهشة في نظر السيد يحيى بقدر ما كان جمال الآيات النادر وما أفعمت به من المعاني الدقيقة. فقد ذكر في "البيان" الفارسي (الجزء 1، ص 43) أنه في ظرف خمس ساعات أنزل ألفي آية بسرعة لا تكفي إلا للإملاء وبقدر ما يكتب الكاتب، ومن ذلك يمكن الحكم، إذا أمكن العد، كم من الكتب أنزلت وانتشرت بين الناس منذ ابتداء الدعوة للآن. وذكر في نفس المصدر أعلاه (الجزء 2، الصفحة 132) يقول: "ولقد أعطاه الله من القدرة وقوة البيان والبلاغة ما إذا كتب الكاتب بكل سرعته يحصل على ما يوازي القرآن في ظرف يومين وليلتين مما ينزل من معدن هذه الكلمات." (وفي الواحد الثاني من الباب الأول من "البيان") يقول: "وإذا تفكّر أحد في ظهور سدرة الباب ليعتقد دون تردد في علو دين الله وسموّه. فإذا كان شخص مر من حياته أربع وعشرون عامًا وهو خال من العلوم التي تفقه فيها الكثيرون، وتنزل عليه الآيات دون أي تفكر أو تردد، وفي ظرف خمس ساعات يكتب ألف آية من المناجاة دون توقف القلم، ويصدِر من التفاسير والرسائل العلمية ومن الحكمة العالية والتفهم للتوحيد الإلهي مما يعجز عن فهم مضامينه العلماء والفلاسفة، فلا شك أنها صادرة جميعها من الله." ("مقالة سائح"، الحاشية سي، الصفحة 219)

وكانت سلاسة كتابته العجيبة، وعذوبة همسات صوته وتغنياته، وقوة بيانه المهيب قد اجتمعت لتدهشني وتحيرني. واستمر على هذا المنوال لغاية الغروب. ولم يتوقف حتى أتم تفسير السورة بكاملها. ثم وضع القلم وطلب الشاي. وبعد ذلك ابتدأ يقرأ التفسير بصوت جهوري أمامي. فكان قلبي يخفق وصرت كالمجنون من شدة تأثري وأنا أصغي إلى نغمات قراءته الشجية التي لا توصف بالعبارة وتفسيره الرفيع الهادئ لتلك الكنوز المحجوبة.(1) وسحرني جمالها على شأن كنت على وشك الإغماء ثلاث مرات. فكان ينعش قواي المنهكة برش نقط من ماء الورد على وجهي، فاستعيد بعدها قوتي وأتمكن من متابعة قراءته للنهاية.

وبعد أن أتم تلاوته قام ليغادر، وأوصى خاله بي قائلاً: ’ليكن في ضيافتك إلى أن يُتِمّ مع الملاّ عبد الكريم استنساخ ما نزل حديثًا من التفسير ويقابله بالدقة مع الأصل.‘ وصرف الملاّ عبد الكريم معي ثلاثة أيام بلياليها في تلك المهمة، وكنا نتناوب القراءة بصوت عال أجزاء من التفسير، حتى أتممنا استنساخها. وتحققنا من الأحاديث الواردة في الأصل ووجدناها على غاية من الدقة. ووصل إيماني بعظمة الأمر إذ ذاك إلى درجة، لو اجتمعت قوات الأرض جميعها واتحدت ضدي فلا تقدر أن تقلل شيئًا منه.(2)

ولما كنت قاطنًا في منزل حسين خان حاكم فارس منذ ورودي إلى شيراز، شعرت بأن تغيبي المطول من منزله ربما أوجب له الشكوك وأثار فيه الغضب. فعزمت على الاستئذان من الحاج ميرزا سيد علي ومن الملاّ عبد الكريم، لأعود إلى مقر الحاكم. وبمجرد وصولي وجدت أن حسين خان الذي كان يبحث عني في تلك الأثناء، متلهف ليعلم إذا كنت وقعت فريسة لتأثير حضرة الباب السحري، فأجبته قائلاً: ’لا يقلّب قلب

________________________

(1) ’والحق يقال إن كتابة تفسير جديد على سورة عويصة دون توقف قلم، أدهش السيد يحيى ولكن الذي زاد في دهشته أنه وجد في نفس التفسير ما كان يعتقده بنفسه واكتشفه بتأملاته في الآيات الثلاث، وبذلك اتفق مع المصلح في تفسير كان يظن أنه وحده المكتشف له وأن غيره لم يطلع عليه.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 234)

(2) ’ومن أعجب الأمور أن يكون من بين الذين صدقوا دعوة الباب الكثيرون من كبار العلماء والمجتهدين الذين لهم مركز عظيم في تفسير الأحكام الدينية في الإسلام وكثير من هؤلاء ختم إيمانه بدمه.‘ ("لمحات عن الحياة والعادات في إيران" للّيدي شيل، الصفحتان 178-179)

السيد يحيى إلا الله وحده، فهو مقلّب القلوب والذي يقدر على أسر قلبه هو من الله. وكلمته بلا شك من صوت الحق.‘ وكان جوابي قد أسكت الحاكم. وأثناء محادثتي مع آخرين فيما بعد، علمت أنه ذكر لهم أني وقعت فريسة عاجزة لسحر ذلك الشاب. بل إنه كتب إلى محمد شاه واشتكى أنه في مدة إقامتي في شيراز امتنعت عن الاتصال بعلماء تلك المدينة. وكتب إلى مليكه: ’ولو أنه في الظاهر ضيفي، إلا أنه كان متغيبًا جملة أيام وليالي متتابعة عن منزلي ولست أشك مطلقًا أنه أصبح بابيًا وأن قلبه وروحه أصبحا أسيرَي إرادة السيد الباب.‘

ونقل أن محمد شاه نفسه وجّه الكلمات التالية، في إحدى المناسبات الرسمية في عاصمته، إلى الحاج ميرزا آقاسي: ’بلغنا أخيرًا(1) أن السيد يحيى الدارابي صار بابيًا. فإذا صح ذلك، فالأليق بنا أن لا نقلل من أهمية أمر ذلك السيد (الباب).‘ ثم وصل حسين خان الأمر الشاهاني الآتي: ’ممنوع لأي أحد من الرعية أن يتفوه بأي كلمة يُشم منها انتقاص لرتبة السيد يحيى الرفيعة. فهو من سلالة الأشراف وذو علم واسع وفضل تام كامل. ولا يستمع بأي حال لأمر ما، إلا إذا اعتقد أنه يؤول إلى تقدم مصالح مملكتنا وعزة دين الإسلام.‘

ولما وصل هذا الأمر الشاهاني إلى حسين خان أصبح غير قادر على مقاومتي جهرًا، وكان يجتهد في تقويض سلطتي سرًا. ولم يستطع وجهه إخفاء العداوة والبغضاء. ولكن خاب سعيه في ايذائي أو توهين سمعتي نظرًا لما كان يظهره الشاه نحوي من الإكرام والعطف البيّن.

وأمرني حضرة الباب فيما بعد أن أسافر إلى بروجرد وهناك أبلّغ والدي(2) الأمر الجديد. وحثني على أن أعامله بكل صبر ولطف. ومن محادثاتي الخصوصية مع والدي علمت

________________________

(1) وذكر في "مقالة سائح" (صفحة 7، في الترجمة العربية) أن السيد يحيى ’كتب بلا خوف ولا تردد تفصيلات حاله إلى ميرزا لطف علي خادم الحضور (رئيس التشريفات) ليعرضها على الخاقان المغفور له، ثم أخذ يطوف البلاد الإيرانية واندفع يدعو الناس على رؤوس المنابر‘ في كل بلدة وقرية ’إلى حد حكم سائر العلماء الأعلام بجنونه وعدّوا عمله سحرًا مبينًا.‘

(2) وكان اسمه السيد جعفر الكشفي لمهارته في كشف معاني القرآن والرؤى المتعددة التي ادعى أنه رآها.

أنه لا يميل إلى إنكار الرسالة التي أتيته بها. ولكنه فضّل أن أتركه وشأنه وأسمح له بمتابعة طريقه الخاص.﴾

وممن فحص الأمر بلا تحيز من أعلام المملكة واعتنقه أخيرًا الملاّ محمد علي(1) من أهالي زنجان، والذي لقّبه حضرة الباب بالحُجّة الزنجاني. وكان ذا فكر مستقل ومشهورًا بالأفكار الجديدة والتخلص من كل القيود التقليدية. وعاب كل درجة من درجات نظام الرياسة الدينية الموجودة في المملكة من الأبواب الأربعة(2) إلى أصغر ملاّ من معاصريه. واحتقر أخلاقهم وتأسف على انحطاطهم وأطنب في ذكر مساوئهم. واشتهر قبل إيمانه بعدم اعتباره للشيخ أحمد الأحسائي وللسيد كاظم الرشتي.(3) وكان حانقًا على حصول الحوادث التي لطخت تاريخ الشيعة في الإسلام حتى إن كل من ينتمي إلى هذه الطائفة كان في نظره غير جدير بالاحترام مهما بلغت إنجازاته الشخصية. وتكررت منه حوادث الجدل العنيف مع علماء زنجان، ولولا تدخل الشاه الشخصي لأدى الأمر إلى اضطراب الأمن الخطير وسفك الدماء. وأخيرًا استدعي إلى العاصمة وطلب منه أن يثبت ادعاءه أمام جمع غفير من معارضيه ومن مندوبي رؤساء الدين في طهران ومدن أخرى. وفاز على مناظريه مع أنه كان وحيدًا وأفحمهم حتى اضطروا للاعتراف ظاهرًا بسلطته وتأييد رأيه ولو أنهم باطنًا كانوا يخالفون آراءه ويعيبون مسلكه.

وبمجرد أن وصل نداء الأمر الجديد إلى سمعه من شيراز أرسل الحجة أحد تلاميذه، الملاّ إسكندر الحائز على ثقته التامة، ليبحث الموضوع بحذافيره ويرسل له تقريرًا بنتيجة تحرياته. ولما كان لا يعبأ بمدح أو قدح مواطنيه الذين يشك في مصداقيتهم ويحتقر آراءهم، فقد أرسل مندوبه إلى شيراز وزوده بتعليمات محددة بعمل تحقيق مستقل دقيق. وتوصل الملاّ إسكندر إلى مقابلة حضرة الباب وفي الحال شعر بقوة تأثيره المحيية.

________________________
(1) وكان لقبه "حجة الإسلام".

(2) والأبواب الأربعة كل منهم ادعى أنه الواسطة بين الإمام الغائب وأتباعه.

(3) كان من فرقة الأخبارية. انظر كتاب "الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو. (الصفحة 23 وما بعدها)

ومكث أربعين يومًا في شيراز وفي أثنائها تشرب مبادئ أمر الله ونال، على قدر استعداده، إدراكًا لمدى عظمة الأمر.

وبموافقة حضرة الباب رجع إلى زنجان ووصل في وقت كان علماء المدينة مجتمعين في محضر الحجة. ولم يكد يصل حتى سأله الحجة إذا كان قد آمن بالأمر الجديد أم لم يؤمن؟ فقدم الملاّ إسكندر الأوراق المشتملة على كتابات حضرة الباب التي أحضرها معه، وأكد أنه مهما كان حكم سيده، فإنه يكون من واجبه الانقياد له. فصاح الحجة غاضبًا: ’ماذا؟ لولا وجود هذه الجماعة المميزة لكنت أوقعت بك عقابًا شديدًا. بل كيف تجرؤ أن تجعل مسائل المعتقد متعلقة على قبول أو رفض أي شخص آخر؟‘ وما أن تسلّم من يد موفده نسخة من "قيوم الأسماء" وقرأ صفحة من ذلك الكتاب حتى خرّ ساجدًا وصاح قائلاً: ’أشهد أن هذا الكلمات التي قرأتها قد صدرت من نفس المنبع الذي أظهر القرآن. ومن عرف الحق في ذلك الكتاب المقدس، لا بد وأن يشهد بالمنبع الربّاني لهذه الكلمات وعليه أن يخضع إلى الأحكام التي يفرضها صاحبها. وإني أشهدكم أيها الحاضرون في هذا المجلس بأني أجعل طاعة صاحب هذا الظهور واجبة عليّ حتى لو حكم على الليل حكم النهار أو على الشمس حكم الظل لأطعت حكمه دون أي تردد ولاعتبرت قضاءه صوت الحق. وكل من أنكره فإني أعتبره أنه أنكر الله نفسه.‘ وبهذه الكلمات أنهى وقائع ذلك المجلس.(1)

________________________

(1) يقول الحاج ميرزا جاني: ’إني قابلته، (الملاّ محمد علي) في طهران في منزل محمد خان الكالانتر، وكان محبوسًا فيه لاعتقاده في أمر حضرة الباب، وكان يقول: ’’إني كنت أحد الملاّوات فخورًا بنفسي ومدعيًا الرياسة حتى إني كنت لا أخضع لأي أحد حتى ولا للمرحوم الحاج السيد باقر الرشتي الذي هو معتبر بأنه حجة الإسلام وأعلم العلماء الأعلام. وكانت آرائي كفرقة الأخبارية، وكنت أخالف جمهور العلماء في بعض المسائل، وكان الناس يشتكون مني فدعاني محمد شاه إلى طهران. ولما وصلت وقرأ كتبي وفهمها سألته أن يطلب السيد (باقر الرشتي) أيضًا حتى نتجادل معًا. فعزم في أول الأمر على تنفيذ ذلك ثم عدل عنه خوفًا من تفاقم الأمر واتساع الخرق. وبالاختصار رغمًا عن كل هذا الاعتماد على النفس بمجرد أن وصلتني كتابات مولاي وقرأت صفحة واحدة من آيات نقطة الفرقان، أحسست كشخص خارج عن طوره، واعتنقت دعوته تلقائيًا ولكن بكامل اختياري وصرت عبده المخلص، لأني شاهدت فيه أنبل معجزات الرسول ﷺ ، ولو كنت رفضتها لكنت في الوقت نفسه قد رفضت دين الإسلام.‘‘ ‘ (تاريخ الحاج ميرزا جاني، الملحق 2، "التاريخ الجديد"، الصفحتان 349-350)

وسبق لنا في الصفحات السالفة أن أشرنا إلى طرد القدوس والملاّ صادق من شيراز وحاولنا، قدر المستطاع، وصف العقوبة التي أوقعها عليهما ذلك الطاغية المفترس حسين خان. والآن يجدر أن نذكر جانبًا من طبيعة نشاطاتهما بعد طردهما من تلك المدينة، فإنهما استمرا بضعة أيام يسافران معًا ثم افترقا، وذهب القدوس إلى كرمان ليقابل الحاج ميرزا كريم خان، ووجه الملاّ صادق خطاه إلى يزد بقصد متابعة عمله بين العلماء في تلك المقاطعة، وهو نفس العمل الذي أجبر على تركه في فارس بكل قسوة. ولما وصل القدوس إلى كرمان استقبله في منزله الحاج السيد جواد الكرماني الذي عرفه في كربلاء، والذي اعتُرف له بين أهالي كرمان بالعلم والبراعة والقدرة. وفي كل المجالس التي التأمت في منزله كان يخص ضيفه الشاب بكرسي الشرف ويعامله بغاية الإجلال والتعظيم. وكان من شأن هذه الحظوة لشاب يبدو شخصًا عاديًا، أن اشتعلت نيران الحسد في قلوب تلاميذ الحاج ميرزا كريم خان، الذين وصفوا بلغة جلية مبالغ فيها ما ينعمه السيد من مظاهر التشريف على شخص القدوس، وكان غرضهم من ذلك إيقاظ عداوة رئيسهم. فهمسوا في أذنه قائلين: ’انظر! إن المحبوب الخاص للباب وموضع ثقته الأكبر وأكثر أتباعه تقربًا، هو الآن ضيف معزز مكرم عند أقوى وأقدر شخص بين سكان كرمان. فإذا سمح له بأن يعيش بصحبة الحاج السيد جواد فإنه بلا شك ينفث سمومه في روحه ويهيئه ليكون أداة لإنجاح مقصده في زعزعة سلطتك وإطفاء صيتك.‘ وإذ ارتعب الحاج ميرزا كريم خان الجبان من هذه الهمزات الشريرة ذهب توًا إلى الحاكم وأقنعه أن يذهب شخصيًا إلى الحاج السيد جواد ويطلب منه الامتناع عن تلك المصاحبة الخطرة مع القدوس. فلما خاطبه الوالي في ذلك، اهتاج الحاج السيد جواد وأجابه محتدًا بقوله: ’كم مرة نصحتك بتجاهل وساوس المتآمر الشرير! فقد تشجع بما يراه من تسامحي، فليحذر أن يتعدى حدوده. فهل يريد أن يغتصب مقامي؟ ألم يقابل في بيته آلافًا من أرذل وأحط الناس ويتملقهم بأحط التملقات؟ ألم يجتهد مرارًا في إعلاء شأن الأشقياء وإسكات الأبرياء؟ ألم يسعَ، عامًا بعد عام، لإرضاء شهواته بواسطة تقوية أيدي الأشرار والتحالف معهم؟ ألا يصر إلى هذا اليوم على التفوه بتجديفاته وتقولاته ضد كل ما هو طاهر ونقي في الإسلام؟ يبدو

أن سكوتي جعله يزيد في وقاحته وتهوره فهو يجيز لنفسه الحرية التامة في ارتكاب أشنع الموبقات ولا يرضى أن يتركني أكرم في منزلي رجلاً على هذا القدر من الصدق والعلم والنبل. فليحذر بعد الآن وإن لم يمتنع عن هذه الفعال فإن أراذل المدينة سوف يطردونه من كرمان بناء على أول إشارة مني.‘ فلما سمع الحاكم هذا التهديد الشديد، اعتذر عن تصرفه. وقبل افتراقه أكد للحاج السيد جواد بأن لا يخشى أمرًا وأنه سيجتهد في تنبيه الحاج ميرزا كريم خان إلى حماقة سلوكه ويحثه على التوبة.

وكانت رسالة السيد قد لسعت الحاج ميرزا كريم خان وانتابته مشاعر الاستياء الشديد الذي لم يقدر أن يكبته أو يزيله، وأدت إلى فقدانه كل أمل في الحصول على رياسة أهل كرمان دون منازع. وكانت هذه المباهلة المكشوفة بمثابة دق ناقوس المنية لطموحاته الغالية.

وفي خلوة منزله استمع الحاج السيد جواد إلى القدوس وهو يروي تفاصيل نشاطاته جميعها من يوم مغادرته كربلاء لغاية عودته إلى كرمان. وقصّ عليه كيفية إيمانه وحجّه بعد ذلك مع حضرة الباب. وحركت روايته مخيلة مضيفه وأوقدت في قلبه شعلة الإيمان، ولكنه فضّل أن يخفي إيمانه أملاً في أن يحرس مصالح جامعة الأحباء الجديدة بفاعلية أكبر. فأكد له القدوس بكل محبة: ’إن عزمك النبيل بحد ذاته يكون مقبولاً كخدمة عظيمة لأمر الله. وسيساعدك القدير ويؤيدك ويجعلك في كل الأحوال غالبًا على أعدائك.‘

وحكى لي هذه الرواية ميرزا عبد الله خواجه الذي سمعها في كرمان من فم الحاج السيد جواد نفسه. وقد ظهر صدق نيّة السيد في الطريقة البديعة التي نجح بها، نتيجة جهوده، في مقاومة تعديات الحاج ميرزا كريم خان الماكر الذي لو ترك وشأنه لكان ألحق بأمر الله أضرارًا جسيمة.

ومن كرمان قرر القدوس السفر إلى يزد ومن هناك إلى أردِكان ونائين وأردستان وإصفهان وكاشان وقُم وطهران. وفي كل واحدة من هذه المدن نجح في أن يغرس في أفكار مستمعيه تلك المبادئ التي قام بكل شجاعة على ترويجها، وذلك رغم العقبات التي اعترضت سبيله. وسمعت آقا كليم أخا حضرة بهاءالله يصف مقابلته مع القدوس في طهران،

صورة 70
صورة 71
مناظر منزل والد القدوس في بارفروش

قال: ’إن سحر شخصيته، ومحبته العارمة، مجتمعين مع وقار هيئته كانت من الصفات التي جذبت حتى أقل الناس ملاحظة. فكل من اختلط به يأخذه العجب الشديد من سحر ذلك الشاب. وذات يوم لاحظناه وهو يتوضأ وأعجبنا من الوقار الذي ميزه عن عامة المتعبدين في أداء هذه الفريضة العادية. فقد ظهر لأعيننا بأنه كان تجسيدًا للطهارة والفضل.‘

وفي طهران تشرف القدوس بالدخول إلى محضر حضرة بهاءالله ثم أكمل سفره إلى مازندران حيث أقام في منزل والده في بارفروش مدة سنتين تقريبًا، كان في أثنائها محاطًا بمحبة أهله وأسرته. وكان والده قد تزوج بعد وفاة زوجته الأولى من سيدة كانت تعامل القدوس بكل شفقة ومحبة وعناية لا تنقص شيئًا عن عناية أي والدة، وكانت تتمنى أن تراه يتزوج وتبدي خشيتها من الذهاب إلى القبر دون أن تتمتع بهذا الفرح العظيم. وكان القدوس يجيبها بقوله: ’إن يوم عرسي لم يحِن بعد وإن ذلك اليوم سيكون بلا شك مهيبًا ولا يكون العرس داخل هذا المنزل بل في العراء وتحت قبة السماء في وسط سبزه ميدان وأمام أنظار الجموع المحتشدة. هناك يكون عرسي وهناك أشاهد تحقق آمالي.‘ وبعد مضي ثلاث سنوات عندما علمت تلك السيدة بظروف استشهاد القدوس في سبزه ميدان تذكرت تلك الكلمات المنبئة وفهمت معناها.(1) ومكث القدوس في بارفروش حتى انضم إليه الملاّ حسين بعد رجوع الأخير من زيارته لحضرة الباب في قلعة ماه كو، ومن بارفروش ذهبا معًا إلى خراسان واكتسبت تلك الرحلة مجدًا خالدًا بالإقدامات البطولية التي لا يبلغ شأوها أحد من قومهما.

أما الملاّ صادق، فبمجرد وصوله إلى يزد سأل أحد أصدقائه الموثوق بهم من أهالي خراسان عن آخر التطورات المتعلقة بتقدم أمر الله في تلك الجهات. وكان متلهفًا على الأخص لمعرفة نشاطات ميرزا أحمد الأزغندي وأظهر تعجبه مما بدا أنه فتور في نشاط من أظهر حماسًا قويًا ظاهرًا في إعداد الناس لقبول الأمر الموعود في ابتداء نشأته وقبل كشف سره.

________________________

(1) وقد ورد بيان مشابه في "كشف الغطاء" (الصفحة 227) ويقول المؤلف أنه سمع مثل ذلك من كثير من سكان مقاطعة مازندران.

وقد سمع الرواية التالية: ﴿اعتزل ميرزا أحمد في منزله مدة طويلة وركز طاقاته في إخراج كتاب كبير جمع فيه الأحاديث الإسلامية والتنبؤات الخاصة بميعاد هذا الظهور الموعود وطبيعته. وجمع فيه ما يزيد على اثني عشر ألف حديث من الأحاديث الواضحة الصحيحة والمسلم بها من العموم، وعزم على اتخاذ جميع الوسائل لاستنساخ هذا الكتاب ونشره. وشجع زملاءه التلاميذ على الاقتباس منه في المجالس والمحافل حتى يمكنه بذلك أن يزيل تلك العوائق التي تمنع تقدم الأمر العزيز على قلبه.

ولما وصل إلى يزد استقبله بكل ترحاب خاله السيد حسين الأزغندي، المجتهد الأبرز في تلك المدينة، وكان قبل وصوله ببضعة أيام، سبق أن أرسل إليه خطابًا يطلب حضوره إلى يزد ليتخلص من مكائد الحاج ميرزا كريم خان الذي يعتبره عدوًا خطرًا للإسلام غير معلن. وكان ذلك المجتهد قد طلب من ميرزا أحمد أن يحارب بكل قوته سطوة الحاج ميرزا كريم خان الضارة، ورغب إليه أن يجعل اقامته الدائمة في تلك المدينة حتى يتمكن بنصائحه وارشاداته المتكررة من تنوير عقول الشعب بخصوص حقيقة مقاصد ذلك العدو السيئ وأغراضه.

وكان ميرزا أحمد قد أخفى عن خاله رغبته الأصلية في السفر إلى شيراز، فقرر إطالة الإقامة في يزد. وأطلعه على كتابه الذي جمعه، وكان يشارك محتوياته مع العلماء الذين كانوا يهرعون من أرجاء المدينة لملاقاته. وكانوا جميعهم معجبين جدًا بما أظهره مؤلف ذلك الكتاب الشهير من مثابرة ومعرفة وحماس.

وكان من بين الذين حضروا لملاقاة ميرزا أحمد، شخص يدعى ميرزا تقي، وهو رجل شرير طموح متكبر، حديث العهد في رجوعه من النجف حيث أتم دراساته وتحصّل على رتبة مجتهد. وفي أثناء حديثه مع ميرزا أحمد أظهر رغبته في قراءة ذلك الكتاب وأن يسمح له بالاحتفاظ به لبضعة أيام حتى يحصل على فهم أوسع لمحتواه. فوافقه السيد حسين وابن أخته على ذلك الطلب، ولكن ميرزا تقي لم يفِ بوعده في إرجاع الكتاب. ولما كان ميرزا أحمد في ريب من مقصد ميرزا تقي، أخذ يلح على خاله أن يذكّر ذلك المستعير بوعده. ولكن الرسول الذي أرسل لاسترجاع الكتاب تلقى الرد الوقح التالي:

’أخبر سيدك أنني بعد أن تأكدت من مقاصد الكتاب السيئة، عزمت على محوه، وفي الليلة الماضية رميته في البركة وبذلك محيت صفحاته.‘

فثار سخط السيد حسين ونقمته الشديدة من هذا التصرف الماكر الوقح وعزم على الانتقام منه. ولكن ميرزا أحمد نجح بنصائحه الرشيدة في تهدئة روع خاله المتهيج وفي تحويله عن المضي في السبيل الذي عزم على سلوكه، وقال له: ’إن العقاب الذي تريد إيقاعه به سيؤدي إلى هياج الناس وينتج عنه ضرر وفتنة، وهو يتعارض مع جهودك التي تأمل في بذلها لهدم صولة الحاج ميرزا كريم خان. لأنه بلا شك ينتهز هذه الفرصة لاتهامك بأنك بابي ويجعلني مسئولاً عن تغيير دينك، فيتمكن بهذه الوسيلة من هدم سلطتك فضلاً عما يجنيه من احترام الناس له وامتنانهم منه، فلنتركه في يد الله.‘﴾

وفرح الملاّ صادق كثيرًا إذ علم من هذه الحادثة أن ميرزا أحمد موجود فعلاً في يزد وأنه لا توجد عوائق في سبيل مقابلته، ولذلك ذهب توًا إلى المسجد الذي كان يصلي فيه السيد حسين إمامًا، والذي يخطب فيه ميرزا أحمد. وجلس في الصف الأول من المصلين وانضم إليهم في الصلاة، وبعد إتمامها ذهب توًا إلى السيد حسين وعانقه علنًا، ودون إذن صعد إلى المنبر وابتدأ يخطب في جماعة المؤمنين، ومع أن السيد حسين ارتاع أولاً من هذه الجرأة، إلا أنه فضّل عدم معارضته حتى يعلم الدافع له على هذا العمل، ويتحقق من درجة علم هذا الزائر المفاجئ، فأشار إلى ابن أخته بعدم التعرض له.

وافتتح الملاّ صادق حديثه بخطبة من أروع عظات حضرة الباب، وبعدها خاطب الجمهور قائلاً: ’اشكروا الله يا أهل العلم لأنه قد فتح باب العلم الإلهي الذي تقولون عنه أنه أغلق، وفاضت مياه نهر الحياة الأبدية من مدينة شيراز واهبة أهل هذه البلاد نعمًا فائقة. والذي يشرب نقطة من بحر الفضل الإلهي يرى في نفسه قوة لحل الأسرار العويصة وتفسير أصعب المسائل في الحكمة القديمة مهما كان أميًا أو وضيعًا. وأما الذي اعتقد أنه أعلم مفسري دين الإسلام، واختار الاعتماد على مقدرته ومؤهلاته، وأنكر رسالة الله، فقد حكم على نفسه بالضياع والذلة الأبدية.‘

فاجتاحت الحاضرين موجة من الاستنكار والفزع لدى تفوه الملاّ صادق بهذه الكلمات المجلجلة بهذا الإعلان المدوي. وارتفعت في المسجد صيحات ’هذا كفر!‘ من الجمع الغاضب ضد الخطيب. وصاح السيد حسين وسط ضوضاء الناس وتذمرهم قائلاً: ’انزل عن المنبر.‘ وأشار إلى الملاّ صادق أن يسكت وينسحب. وما كاد ينزل إلى أرض المسجد حتى التف حوله جمهور المصلين وأوسعوه ضربًا. وتدخل السيد حسين في الحال وفرّق الجموع المحتشدة بكل همة وأمسك بيد الملاّ صادق وجذبه بقوة إلى جانبه وخاطب الجموع قائلاً: ’ارفعوا أيديكم عنه واتركوه في عهدتي وسآخذه إلى منزلي وأبحث الموضوع مليًّا، ربما نوبة جنون مفاجئة أجبرته على التفوه بهذه الكلمات. وسأفحصه بنفسي، وإذا وجدته متعمدًا أو معتقدًا في الأمور التي نطق بها، فإني بيدي أوقع عليه العقاب الذي يستوجبه شرع الإسلام.‘

وبهذا التأكيد الرزين نجا الملاّ صادق من هجمات المغيرين الشرسة. وإذ جُرّد من عباءته وعمامته، وحُرم من نعله وعصاه، وأثخن بالجراح، سلموه إلى رعاية مرافقي السيد حسين الذين فتحوا طريقهم عنوة بين الحشد وأفلحوا أخيرًا في اصطحابه إلى منزل سيدهم.

وكذلك أصاب الملاّ يوسف الأردبيلي في تلك الأيام اضطهاد أقسى شراسة وأشد تصميمًا من الهجوم الوحشي الذي أصاب الملاّ صادق على أيدي أهالي يزد. ولولا تدخل ميرزا أحمد ومساعدة خاله لوقع فريسة لغضب عدو مفترس.

ولما وصل الملاّ صادق والملاّ يوسف الأردبيلي إلى كرمان اضطرا إلى تحمل مثل هذا الاضطهاد والأذى ثانية على أيدي الحاج ميرزا كريم خان وأعوانه.(1) وأخيرًا خلصهما

________________________

(1) ’وحصل نزاع كبير بين المقدس وكريم خان الذي تبوأ، كما هو معروف، مركز رئيس الشيخية بعد وفاة السيد كاظم. وحصلت المناقشة أمام جمع غفير حيث تحدى كريم خان خصمه ليدلل على صدق دعوة الباب وقال له: ’’إذا نجحت فإني أول من يؤمن ويتبعني في ذلك تلاميذي ولكن إذا لم تقدر فإني سوف أصيح في الأسواق وأقول: انظروا إلى الذي أوقع أحكام الإسلام لتداس تحت الأقدام!‘‘ فأجاب المقدس: ’’إني أعلم من أنت يا كريم. ألا تذكر ما قاله لك مولاك السيد كاظم "يا كلب ألا ترضى أن أموت وبعد موتي يظهر الحق المطلق؟" فاشهد في هذا اليوم كيف اتبعت هواك بغناك وفخرك بحيث تكذب على نفسك!‘‘ وببداية كهذه ↓

صورة 72
السيد جواد الكربلائي

الحاج السيد جواد من قبضة مضطهديهما بمساعيه المتكررة ومكنهما من التوجه إلى خراسان.

ورغم الملاحقة والمضايقة من قبل أعدائهم، فإن تلاميذ حضرة الباب المقربين، بالإضافة إلى أصحابهم في مناطق متفرقة من إيران، لم تصدهم مثل تلك الأعمال الإجرامية عن إتمام تحقيق مهمتهم. وبعزيمة راسخة وثبات في العقيدة استمروا ثابتين في إيمانهم بلا ملل يحاربون جنود الظلام الذين هجموا عليهم في كل مقام في طريقهم. وبإخلاصهم الذي لا تشوبه شائبة وثباتهم منقطع النظير، تمكنوا من أن يظهروا للعديد من مواطنيهم التأثير النبيل لذلك الأمر الكريم الذي قاموا على نصرته.

ولما كان وحيد(1) لا يزال في شيراز، وصل الحاج السيد جواد الكربلائي(2) وأدخله الحاج ميرزا سيد علي إلى محضر حضرة الباب. وفي لوح وجّهه إلى وحيد والحاج السيد جواد، أثنى حضرة الباب على ثبات إيمانهما

_____________________________________________________________________

كان لا بد أن ينتهي النقاش مختصرًا. وعلى الفور استل بعض تلاميذ كريم خان خناجرهم وطعنوا بها الذي سب رئيسهم. ولحسن الحظ كان حاكم المدينة قد تدخل وقبض على المقدس وقاده إلى منزله. وأبقاه عنده فترة من الزمن حتى هدأت الخواطر وأبعده بعد ذلك ومعه عشرة من الخيالة إلى مسافة بضعة أميال خارج المدينة.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 228-229)

(1) "وحيد" هو لقب أعطي للسيد يحيى الدارابي من حضرة الباب.

(2) وذكر في "كشف الغطاء" الأحوال العجيبة التي رافقت إيمان الحاج السيد جواد الكربلائي (الصفحات 70-76)، وأشار إلى لوح هام صدر له من بهاءالله (الصفحة 63) وفيه يؤكد على أهمية "الكتاب الأقدس" وأخذ الحيطة في تنفيذ أحكامه بالحكمة والاعتدال. ونقل نص اللوح في الكتاب (الصفحات 64-70). وذكر في "الدلائل السبعة" اشارة لإيمان الحاج السيد جواد الكربلائي قال: ’إن السيد جواد الكربلائي ذكر أن هنديًا كتب له اسم الداعي الذي سيظهر وذلك قبل إظهار الدعوة.‘ ("الدلائل السبعة"، ترجمة نقولاس، الصفحة 59)

وأكد رسوخ إخلاصهما. وكان الأخير قد قابل حضرة الباب وعرفه قبل إظهار أمره وأعجب كثيرًا بتلك الصفات الخلقية العجيبة التي ميزته منذ نعومة أظفاره. وقابل فيما بعد حضرة بهاءالله في بغداد وكان محل عنايته الخاصة. ولما نفي حضرة بهاءالله بعد سنوات إلى أدرنة كان قد وصل إلى سن الشيخوخة، فرجع إلى إيران ومكث قليلاً في العراق ثم توجه إلى خراسان. ولرقة مزاجه وشدة تحمله ودوام بساطته حاز على لقب "سيد النور".

وذات يوم بينما كان الحاج السيد جواد يعبر شارعًا في طهران، رأى بغتة الشاه يمر ممتطيًا جواده. ودون أن يضطرب من وجود مليكه تقدم منه وحيّاه. فسرَّ الشاه جدًا من جلال بنيته ووقار هيكله ورد عليه التحية ودعاه لمقابلته. فأخذ الحسد حاشية الشاه لما رأوه من حسن استقباله واحتجوا قائلين: ’هل يعلم جلالة الشاه أن هذا الحاج السيد جواد ليس سوى الرجل الذي اعترف بأنه بابي حتى قبل إعلان السيد الباب وعاهده على الولاء المطلق لشخصه مدى الحياة؟‘ فلما اطلع الشاه على نواياهم السيئة، حزن جدًا ووبّخهم على طيشهم وصغر عقولهم. وروي أنه قال متعجبًا: ’يا عجبًا! كلما رأينا شخصًا مستقيمًا في سيره ومحترمًا في سلوكه اتهمه قومي بأنه بابي واعتبروه مستحقًا لسخطي!‘

فصرف الحاج السيد جواد بقية أيام حياته في كرمان وبقي حتى آخر ساعة مؤيدًا مخلصًا لأمر الله. ولم يتردد في اعتقاده أو يتهاون في جهوده الوافرة في سبيل نشره.

وكان ضمن الذين قابلوا حضرة الباب في شيراز في تلك الأيام الشيخ سلطان الكربلائي، الذي كان أسلافه من أشهر علماء كربلاء، وكان هو بنفسه مؤيدًا راسخًا وصديقًا حميمًا للسيد كاظم. وهو الذي ذهب فيما بعد إلى السليمانية للبحث عن حضرة بهاءالله، والذي تزوجت ابنته لاحقًا من آقا كليم. ولما وصل إلى شيراز، صحبه الشيخ حسن الزنوزي الذي أشرنا إليه في الصفحات السابقة من هذا الكتاب. وكان حضرة الباب قد عهد إليه وإلى الملاّ عبد الكريم باستنساخ الألواح التي نزلت أخيرًا. وإذ كان الشيخ سلطان مريضًا وقت وصوله، لم يتمكن من ملاقاة حضرة الباب، وذات ليلة بينما كان طريح الفراش وصلته رسالة من محبوبه يخبره فيها بأنه سوف يزوره بنفسه بعد ساعتين من غروب الشمس. فصدرت

الأوامر اللازمة إلى الخادم الحبشي الذي كان يحمل مصباحه أن يمشي على بعد مبتعدًا عنه حتى لا يلفت إليه الأنظار، وأن يطفئ السراج بمجرد وصوله إلى وجهته.

وسمعت الشيخ سلطان نفسه يصف تلك الزيارة الليلية قال: ﴿وكان حضرة الباب قد أمرني أن أطفئ السراج في غرفتي قبل وصوله، ودخل مباشرة ووقف بجانب سريري. أمسكت بذيل ردائه في ذلك الظلام الحالك وتضرعت إليه قائلاً: ’يا محبوب قلبي أجب ندائي واسمح لي أن أضحي بنفسي لأجلك فلا أحد خلافك يقدر أن يمنحني هذه العطية.‘ فأجاب حضرة الباب: ’يا شيخ إني أيضًا أتمنى أن أقدم نفسي قربانًا على مذبح التضحية، وعلينا نحن الاثنين أن نتشبث برداء المحبوب ونطلب منه السرور والفرح بالشهادة في سبيله. وتأكد بأني أدعو لك ربي القدير أن يمكنك أن تتشرف بلقائه، فاذكرني في ذلك اليوم الذي لم يرَ العالم شبهه من قبل.‘ وإذ جاءت ساعة الفراق وضع هدية في يدي وطلب أن أصرفها على نفسي، فحاولت أن أرفض، ولكنه رجاني أن أقبلها. وأخيرًا وافقته على مراده ثم قام وتركني.

وأثارت إشارة حضرة الباب إلى "المحبوب" في تلك الليلة عجبي وفضولي. وفي السنوات التالية كنت أعتقد أحيانًا أن الشخص الذي عناه حضرة الباب ليس سوى الطاهرة. وتخيلت أيضًا أن السيد "علوّ" هو ذلك الشخص. وصرت في حيرة شديدة من أمري ولم أعلم كيف أحل هذا اللغز. ولما وصلت إلى كربلاء وتشرفت بمحضر حضرة بهاءالله، تيقنت أنه هو وحده الذي يشير إليه حضرة الباب بمحبته، وأنه هو وحده الجدير بهذا الابتهال.﴾

وفي النوروز التالي لدعوة حضرة الباب الذي صادف 21 ربيع الأول سنة 1262ﻫ(1) كان حضرة الباب لا يزال في شيراز متمتعًا ببعض الراحة والسكون مع أسرته وأهله. واحتفل بهدوء بعيد النيروز في منزله، وحسب عادته أنعم على والدته وزوجته بمحبته وفضله. وبحكمة نصائحه ولطف محبته، فرّح قلبيهما وأزال همومهما وأوصى بجميع

________________________
(1) سنة 1846م.

ممتلكاته لهما وسجّلها باسميهما. وفي كتاب وصيته قرر بأن منزله وأثاثه وباقي أملاكه تكون ملكًا لوالدته وزوجته، وعند وفاة الأولى يرجع نصيبها إلى زوجته.

ولم تتوفق والدة حضرة الباب في البداية إلى إدراك أهمية رسالة ابنها. وبقيت مدة غير عالمة بعظمة القوة المودعة في ظهوره. إلا أنها لما قاربت أواخر أيام حياتها، أدركت قدر ذلك الكنز النفيس الذي حملته ووهبته للعالم. وكان حضرة بهاءالله هو الذي مكّنها أخيرًا من اكتشاف قدر ذلك الكنز المكنون الذي بقى سنين عديدة محجوبًا عن أنظارها. وكانت تعيش في العراق، حيث رغبت أن تصرف بقية أيام حياتها فيه، عندما أمر حضرة بهاءالله اثنين من أحبائه المخلصين، وهما الحاج السيد جواد الكربلائي وزوجة الحاج عبد المجيد الشيرازي، وهما من أخص معارفها أن يعلّماها مبادئ أمر الله. فاعترفت بأحقية الدعوة وعاشت لأواخر القرن الثالث عشر الهجري(1) وتوفيت وهي مدركة تمامًا للمواهب العميمة التي منحها لها ربّ العزة.

صورة 73
داخل منزل الحاج ميرزا سيد علي
في شيراز (خال حضرة الباب)

أما زوجة حضرة الباب فكانت خلافًا لوالدته قد اطلعت على جلال الأمر في أوائل إشراقه وشعرت من البداية بغزارة قوته. ولم يفُقها من قريناتها في قوة العبادة أو قوة الإيمان سوى الطاهرة. وقد أعلمها حضرته بسر آلامه المقبلة وكشف أمام عينيها أهمية الحوادث التي ستحصل في يومه. وأمرها أن لا تذيع هذا السر إلى والدته، ونصحها أن تصبر وتمتثل لإرادة الله. وأوصاها بدعاء خاص كتبه لها بنفسه، وأكد لها أن تلاوته تزيل عنها كل آلامها وتخفف حمل متاعبها. وقال لها: ’في وقت اضطرابك اقرئي هذا الدعاء قبل أن

________________________

(1) وكان آخر القرن الثالث عشر الهجري في أكتوبر/تشرين الأول سنة 1882م.

تنامي فسأظهر لك وأزيل عنك همومك.‘ وكان صادقًا في نصحه، فكلما اتجهت له في صلواتها لم يلبث نور هدايته أن يضيء لها الطريق ويحل لها معضلاتها.(1)

وبعد أن أنهى حضرة الباب شؤون منزله ورتب أمور معيشة والدته وزوجته نقل إقامته من منزله إلى منزل الحاج ميرزا سيد علي، وهناك انتظر ساعة آلامه المنتظرة. وعرف أن المصائب المخزونة له لا يمكن أن تتأخر وأنه سوف يؤخذ وسط عاصفة الشدة والضراء ويُحمل منها سريعًا إلى ميدان الشهادة التي هي تاج فخر حياته. وأمر من أقام في شيراز من تلاميذه أن يرحلوا إلى إصفهان. وكان بينهم الملاّ عبد الكريم والشيخ حسن الزنوزي وأن ينتظروا هناك أوامره. وكذلك صدر الأمر للسيد حسين اليزدي أحد حروف الحيّ، وكان قد حضر إلى شيراز حديثًا، أن يسافر أيضًا إلى إصفهان، وينضم إلى زملائه من الأتباع في تلك المدينة.

وفي هذه الأثناء، كان حسين خان حاكم فارس يعمل كل جهده لإيقاع حضرة الباب في إرباكات جديدة وليحط من منزلته أكثر في نظر العامة. وكانت جمرات عداوته الخامدة قد عادت للاشتعال إذ علم أن حضرة الباب قد سُمح له بمواصلة نشاطاته بلا اعتراض، وأنه لم يزل قادرًا على لقاء بعض أصحابه، وأنه مستمر بمواصلة الاختلاط مع أسرته وأهله دون أي مانع.(2) ونجح الحاكم المذكور، بعون عملائه السريين، في الحصول على معلومات دقيقة عن طبيعة الحركة التي أسسها حضرة الباب ونفوذها. فراقب تحركات حضرته سرًا، وتحقق من درجة الحماس الذي أثاره، وتفحص دوافع أولئك الذين اعتنقوا أمره وعددهم.

وفي إحدى الليالي جاء إلى حسين خان رئيس جواسيسه ومعه تقرير بأن عدد الذين احتشدوا لرؤية حضرة الباب زاد لدرجة تستلزم تصرفًا سريعًا من جانب من كانت وظيفته

________________________

(1) ’وعاشت أرملة الباب لغاية سنة 1300ﻫ، أي قبل ست سنوات. وكانت أخت جد صاحبي لأمه. وسمعت ذلك من سيدة مسنة في الأسرة، لذلك هناك أكثر من سبب لاعتبار كلامها موثوقًا.‘ ("مجلة الجمعية الآسيوية الملكية" سنة 1889م، الصفحة 993)

(2) ’وفي تلك الأثناء استمر الاضطراب والمجادلات العنيفة في شيراز بحيث ضجر الحاج ميرزا آقاسي من كل هذه الضوضاء وخشى عواقبها فأصدر أمره إلى حسين خان نظام الدولة أن ينهي موضوع المصلح ويقتله سرًا على الفور.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 235)

صورة 74
منزل الحاج ميرزا سيد علي (خال حضرة الباب)

حفظ أمن المدينة. وقال له: ’إن الجمهور المتعطش الذي يجتمع كل ليلة لزيارة الباب، يفوق في العدد حشد الناس الذين يتزاحمون كل يوم على أبواب مقر حكومتك. ومن بينهم يشاهد رجال اشتهروا بعلو المقام والعلم الواسع.(1) وإن مرؤسيك لا يرضوا أن يعلموك بحقيقة الحال، لأن لخاله إحسان عليهم ويعاملهم بلباقة. وإنك لو تسمح لي فإني بمساعدة نفر من مرافقيك أفاجئ السيد الباب في منتصف الليل وأحضر لك بعضًا من أتباعه مغلولي الأيدي. وهم يخبرونك بكل نشاطاته ويصادقوني على قولي.‘ فلم يقبل

________________________

(1) ’وكان الملاّوات في فارس قد ضجروا وملوا ورأوا أنهم عاجزون عن ايقاف تيار الحركة التي هددتهم، ولكنهم لم يكونوا هم وحدهم المتحيرين بل أن السلطات المحلية في المدينة وفي المقاطعة أيضًا علموا أن الأهالي الذين كانوا دائمًا يشقون عصا الطاعة قد أصبحوا خارجين عن قبضة يدهم، لأن أهالي شيراز هوائيون مستهزئون مهرجون محبون للثورة والهياج ووقحون للغاية غير عابئين بسلالة آل قاجار بتاتًا، وكان من الصعب السيطرة عليهم ولاقى حكامهم أوقاتًا صعبة. فماذا يكون الحال بالنسبة لهؤلاء الحكام إذا كان الرئيس الحقيقي للمدينة والبلاد والحاكم النافذ على الجميع ومعبود الكل شابًا صغيرًا؟ البتة لا يخضع لهم أحد منهم، فلا تبادل للمنفعة بينه (المصلح) وبينهم، بل إنه يعمل لاستقلاله ولا يخشى أن يتهجم في كل يوم على ما هو معروف ↓

حسين خان تحقيق رغبته وكان جوابه: ’إني أعرف المصلحة التي تتطلبها الدولة أحسن منك، فراقبني عن بعد وسأعرف كيف أتعامل معه.‘

وفي تلك اللحظة دعا الحاكمُ عبدَ الحميد خان رئيس الشرطة في المدينة وأمره قائلاً: ’اذهب توًا إلى منزل الحاج ميرزا سيد علي. وبكل هدوء ودون أن يراك أحد، تسلّق الحائط واصعد إلى السطح ومنه ادخل فجأة المنزل واقبض على السيد الباب في الحال وأحضره إلى هنا ومعه كل من تجد من الزائرين. واضبط كل الكتب والوثائق التي تقدر أن تجدها في ذلك المنزل. أما الحاج ميرزا سيد علي، فقد عزمت أن أوقع به في اليوم التالي عقوبة عدم وفائه بالوعد. وإني أقسم بتاج محمد شاه الملكي أني في هذه الليلة لابد مرسل السيد الباب وأصحابه التعساء إلى ساحة الإعدام. وسيكون موتهم المشين مطفئ الشعلة التي أوقدوها، ومنبّه كل من يريد الانتماء إلى هذه العقيدة إلى الخطر الذي يتهدد كل من يعكر صفو هذه المملكة. وبهذا العمل أكون استأصلت بدعة كان استمرارها ليشكل أعظم خطر على مصلحة الدولة.‘

فانسحب عبد الحميد خان لتنفيذ المهمة. واقتحم مع مساعديه منزل الحاج ميرزا سيد علي،(1) ووجدوا حضرة الباب بصحبة خاله والسيد كاظم الزنجاني وهو الذي استشهد فيما بعد في مازندران، وكان أخوه السيد مرتضى ضمن الشهداء السبعة في طهران. فقبض عليهم جميعهم فورًا وأخذ كل ما وجده من الوثائق وأمر الحاج ميرزا سيد علي بالبقاء في منزله وقاد الباقين إلى مقر الحكومة. وقد سُمع حضرة الباب يردد الآية القرآنية بكل شجاعة وثبات: "إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب؟"(2)

_____________________________________________________________________

وثابت من الأصول والأوضاع المحترمة والقوية في المدينة، ومع أنه في الحقيقة والواقع لم يكن الحكام ولا أرباب السلطة مقصودين بالذات بالتشديد عليهم من المصلح، ولكنه لما كان قاسيًا على العلماء وأرباب الدين ولا يلين فيما يختص بتشديد النكير عليهم وزجرهم عن النهب والسلب، لذلك كان من المشكوك فيه أنه في ذات يوم يوافق على تصرفات الحكام وموظفي الدولة. ولا يحجم إذ ذاك عن توبيخهم أيضًا كما وبخ العلماء على ما لم يقدروا على ستره.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصحفتين 122-123)

(1) 23 سپتمبر/أيلول سنة 1845م. (انظر "التاريخ الجديد"، للحاج ميرزا جاني، الصفحة 204)

(2) القرآن الكريم، سورة هود، الآية 81.

وما كاد رئيس الشرطة يصل إلى السوق حتى وجد لفرط دهشته أن أهالي المدينة يهرعون ذاهلين في كل اتجاه كأنما دهمتهم مصيبة كبرى. وتملكه الفزع إذ رأى صفًا طويلاً من النعوش ينقل في الشوارع على عجل ويمشي خلف كل نعش موكب من الرجال والنساء وهم يصيحون ألمًا وحزنًا. فغمره الكرب والحيرة من هذه الضجة الفجائية والعويل والوجوه العابسة الوجلة والجلبة الصادرة من الجموع. وسأل عن السبب فأخبروه قائلين: ’إن وباء خبيثًا(1) انتشر فجأة هذه الليلة وقد ضربنا بقوته المهلكة، ومنذ منتصف الليل مات بسببه نحو مائة نفس، وارتفع العويل واشتد الخوف في كل منزل، والناس يتركون بيوتهم ويجأرون إلى الله أن ينجيهم في محنتهم.‘(2)

وهلع عبد الحميد خان من هذا الخبر المروع وأسرع إلى منزل حسين خان فأخبره رجل مسن يحرس البيت ويقوم مقام بواب بأن منزل سيده قد هُجر وأن الوباء قد تفشى فيه وأصاب أفراد الأسرة. وأضاف: ’لقد هلكت بسببه جاريتان حبشيتان وخادم، وباقي أسرته هم مرضى في حالة خطرة. ولذلك ترك سيدي المنزل وهو يائس، حتى إنه ترك الموتى دون دفن وهرب مع باقي أسرته إلى "باغ تخت".‘(3)

فعزم عبد الحميد خان على أخذ حضرة الباب إلى منزله هو لحجزه هناك حتى تصله تعليمات من الحاكم. ولما اقترب من منزله صدمه صوت البكاء والعويل من أفراد أسرته. وكان الوباء قد أصاب ابنه وصار على شفا الهلاك. ففي حالة يأسه وقع على أقدام حضرة الباب وتضرع إليه باكيًا أن ينقذ حياة ابنه، وسأله أن يغفر له سابق تعدياته وسيئاته. وتوسل لحضرة الباب وهو ممسك بطرف ردائه: ’أتضرع إليك بالذي رفعك إلى هذا المقام الرفيع أن تشفع لي وتدعو لشفاء نجلي. ولا تجعله يؤخذ مني وهو في ريعان شبابه ولا تعاقبه

________________________
(1) الكوليرا.

(2) وقد أشار الباب إلى الحادثة في "الدلائل السبعة" بقوله: "فارجع إلى الأيام الأولى من الدعوة كم من الناس ماتوا من الكوليرا فهذه إحدى معجزات الظهور ولم يفهمها أحد. ولمدة أربع سنوات، عاقب الله الشيعة بهذا البلاء ولم يعلم أحد دلالته." ("الدلائل السبعة"، ترجمة نقولاس، الصفحتان 61-62)

(3) حديقة في ضواحي شيراز.

لأجل ذنب اقترفه والده فإني تُبت عما فعلته. وفي هذه الساعة استعفي من وظيفتي وأتعهد أن لا أقبل بعد اليوم مثل هذا المنصب ولو مُت جوعًا.‘

وكان حضرة الباب في ذلك الوقت يتوضأ لصلاة الفجر، فأمره أن يأخذ بعضًا من الماء الذي يغسل به وجهه ويطلب من نجله أن يشربه، وقال إن ذلك سينقذ حياته.

وما كاد عبد الحميد خان يشاهد علامات شفاء نجله، حتى كتب للحاكم خطابًا يعلمه بالوضع العام ويرجوه أن يترك تهجماته على حضرة الباب، وقال فيه: ’ارحم نفسك والذين أولتك العناية الإلهية رعايتهم. ولو استمر عنف هذا الوباء في سيره المهلك فأخشى أن لا ينجو من أهواله أحد من سكان هذه المدينة مع نهاية هذا اليوم.‘ فأجاب حسين خان بأن يجب إطلاق سراح حضرة الباب على الفور وإعطاؤه الحرية ليذهب حيث يشاء.(1)

وبمجرد وصول أخبار هذه الأحداث لطهران، ولفت نظر الشاه إليها، أصدر أمره الملكي بعزل حسين خان من وظيفته وأرسل الفرمان إلى شيراز. ومن وقت عزله، وقع ذلك الطاغية الوقح أسيرًا لمصائب عديدة وأصبح في النهاية عاجزًا عن كسب قوته اليومي. ولم يبدِ أحد استعداده لإنقاذه من ورطته السيئة. وعندما نفي حضرة بهاءالله إلى بغداد أرسل له حسين خان خطابًا أظهر فيه التوبة والعزم على التكفير عن سابق سيئاته بشرط أن يستعيد وظيفته السابقة، فلم يجِبه حضرة بهاءالله إلى شيء، وأخيرًا وقع في البؤس والذلّة وخمد إلى أن مات.

وعندما كان مقيمًا في منزل عبد الحميد خان، أرسل حضرة الباب السيد كاظم إلى الحاج ميرزا سيد علي ليأتي لزيارته. وأخبر خاله بعزمه على مبارحة شيراز، وأوصاه بوالدته وزوجته وأن ينقل إليهما محبته ويعدهما بعون الله الأكيد. وقال له وهو يودّعه: ’أينما تكونان ستحيطهما محبة الله الشاملة وحفظه. وسأقابلك مرة أخرى وسط جبال آذربيجان ومنها أرسلك لتحصل على تاج الشهادة. وسأتبعك بنفسي ومعي أحد أصحابي المخلصين ونتقابل في عالم الأبدية.‘

________________________

(1) وتبعًا ﻟ"مقالة سائح" (الصفحة 10، في الترجمة العربية) أفرج حسين خان عن الباب شريطة أن يترك المدينة.

صفحة خالية
الفصل العاشر
إقامة حضرة الباب في إصفهان
صورة 75
منظر إصفهان

كان صيف سنة 1262ﻫ(1) قد أذن بالرحيل إذ ودّع حضرة الباب موطنه في شيراز وسافر إلى إصفهان ورافقه في سفره السيد كاظم الزنجاني، ولما قرب من ضواحي المدينة كتب خطابًا إلى منوچهر خان معتمد الدولة،(2) والي تلك المقاطعة وطلب إليه أن يعيّن له مكان

________________________
(1) سنة 1846م.

(2) ’وكان (منوچهر خان) رجل نشاط وشجاعة وفي سنة 1841م أتم هزيمة القبائل البختيارية التي قامت على الثورة. وكانت إدارته النشيطة رغمًا عن قسوتها قد ضمنت لأهالي إصفهان بعض العدالة.‘ ("لمحة عامة عن تاريخ إيران" لماركهام، الصفحة 487)

صورة 76
المدخل
صورة 77
الفِناء
مناظر منزل إمام الجمعة في إصفهان

الإقامة حسب رغبته. وكان الخطاب الذي أرسل بواسطة السيد كاظم ناطقًا بالاحترام ومحررًا بخط رائع جعل المعتمد يأمر سلطان العلماء إمام الجمعة في إصفهان(1) وهو أكبر رجال الدين في تلك المقاطعة، بأن يستقبل حضرة الباب ويستضيفه في منزله بكل ترحاب وإكرام. وإضافة إلى ذلك أرسل الحاكم لإمام الجمعة خطاب حضرة الباب. فأمر سلطان العلماء أخاه، الذي تسمى فيما بعد ﺑ"الرقشاء" من قلم حضرة بهاءالله نظرًا للوحشية التي ظهرت منه في السنين اللاحقة، أن يذهب مع بعض أصحابه المقربين لاستقبال ومرافقة الزائر المنتظر إلى بوابة المدينة. وإذ اقترب حضرة الباب، خرج إمام الجمعة بنفسه للترحيب به وأدخله منزله باستقبال رسمي.

وكان يحفّ حضرة الباب الاحترام والإجلال حتى إنه في أحد أيام الجمعة بينما كان عائدًا من الحمام العمومي إلى المنزل، شوهد جمهور من الناس يتشاحنون على اقتسام الماء الذي استعمله في وضوئه. وكان معجبوه المتحمسون يعتقدون في طهارتها الأكيدة وقدرتها على شفاء أمراضهم وأسقامهم. ووصلت محبة إمام الجمعة من أول ليلة إلى درجة أنه أعدَّ نفسه لخدمة ضيفه المحبوب وقضاء حوائجه بنفسه، وكان يمسك بالإبريق من يد رئيس خدمه ويصب الماء بنفسه على يدَي حضرة الباب متناسيًا بالكلية شرف رتبته.

وذات ليلة بعد العشاء أخذ إمام الجمعة العجب من المناقب الخارقة لضيفه الشاب وطلب منه أن ينزّل تفسيرًا لسورة "والعصر". فأجيب إلى طلبه حالاً، وطلب حضرة الباب القلم والورق وأخذ يكتب بسرعة مدهشة دون أدنى تأمل، ما طلبه مضيفه ونزّل أمامه تفسيرًا جليلاً لتلك السورة. فكان قريبًا من نصف الليل عندما كان حضرة الباب يتلو عليهم المعاني المتعددة التي يدل عليها أول حرف من السورة وهو حرف الواو الذي كان الشيخ أحمد الأحسائي كثيرًا ما يلفت إليه الأنظار في كتاباته. فكان في نظر حضرة الباب يدل على ابتداء دورة جديدة للوحي الإلهي، وأشار إليه حضرة بهاءالله في الكتاب

________________________

(1) ’وقد ذكر ميرزا أبو الفضل في مخطوطة له (الصفحة 66) أن اسم إمام الجمعة كان مير سيد محمد ولقبه سلطان العلماء وأما وظيفة صدر الصدور وهو الرئيس الديني في الدولة الصفوية فقد ألغاها نادر شاه وحل محله الآن إمام الجمعة في إصفهان فهو الرئيس الديني لإيران قاطبة.‘ ("لمحة عامة عن تاريخ إيران" لماركهام، الصفحة 365)

الأقدس بعبارات مثل "سرّ التنكيس لرمز الرئيس". وبعد ذلك أخذ حضرة الباب يتلو أمام مضيفه وأصحابه موعظة جعلها مقدمة لتفسيره السورة. فأدهشت قوة بيانه سامعيه الذين سحروا من صوته ونهضوا عفويًا بمن فيهم إمام الجمعة وقبلوا طرف ردائه. ونطق الملاّ محمد تقي الهراتي المجتهد الشهير فجأة بعبارات المدح والثناء وقال: ’حقًا إنها لكلمات فريدة لا مثيل لها تلك التي صدرت من هذا القلم، فما أعجب وأظهر هذه القدرة، حيث تمكن في وقت قصير أن يجري من فمه عددًا كبيرًا من الآيات ما يعادل ربع بل ثلث القرآن ببلاغة تامة فهذا ما لا يقدر أي إنسان أن يعمله من نفسه دون تأييد إلهي، فلا انشقاق القمر ولا إحياء الحصى يضاهيان عظمة هذا العمل.‘

ولما عمّت شهرة حضرة الباب في سائر أنحاء مدينة إصفهان، حضر لزيارته جمع غفير متصل من الزوار من كل حي إلى منزل إمام الجمعة، وكان بعضهم يحضر لمجرد الفضول وبعضهم الآخر لمعرفة الحقائق الدينية لظهوره وكثيرون حضروا طلبًا للشفاء من الأمراض والآلام. وجاء المعتمد نفسه ذات يوم لزيارة حضرة الباب، وبينما كان جالسًا وسط ألمع علماء إصفهان طلب منه تفسيرًا لطبيعة النبوة الخاصة ويبرهن على صحتها. وكان قبل ذلك، وفي نفس المجلس، قد طلب من الحاضرين أن يظهروا البراهين والحجج على صحة معتقدهم المذكور، ليكون ذلك دليلاً كافيًا لكل من ينكره. فلم يقدر أحد من الحاضرين على إجابة الطلب، ولكن حضرة الباب سأله: ’أيهما تفضل؟ ردًا كتابيًا أم شفاهًا على سؤالك؟‘ فقال له: ’بل أريد ردًا كتابيًا ويكون بحيث لا يقنع فقط الحاضرين في هذا المجلس بل يكون مُعلمًا ومُهذبًا للأجيال الحاضرة والمستقبلة.‘

فأمسك حضرة الباب قلمه على الفور وشرع في الكتابة، وفي أقل من ساعتين ملأ أكثر من خمسين صفحة ببحث مستفيض عن أصل وكيفية تأثير الإسلام الشامل وكانت قوة عباراته ووضوحها ومتانتها ودقة تفاصيلها قد طبعت الموضوع الذي يعالجه بطابع الامتياز الذي لم يغب عن ذهن أحد من الحاضرين. وبرؤيته الفذة ربط هذه الفكرة الرئيسة في الفصول الأخيرة من التفسير بحادثة ظهور القائم الموعود ورجعة

صورة 78
صورة 79
مناظر مسجد الجمعة في إصفهان، تظهر المنبر الذي
صلى حضرة الباب أمامه

الإمام الحسين المنتظر. وقد أدلى بالحجج القوية بشجاعة تامة حتى إن المستمعين لتلاوة الآيات أخذتهم الدهشة من عظمة وحيه ولم يجرؤ أحد أن ينبس بأقل اعتراض، فضلاً عن أن يرد علنًا على شيء من بياناته. ولم يقدر المعتمد أن يخفي حماسه وسروره وصاح قائلاً: ’اسمعوني يا أصحاب الفضيلة! إني أشهدكم بأني لم أكن إلى هذا اليوم أعتقد بقلبي اعتقادًا جازمًا بصحة الإسلام، ولكني الآن أعترف بأني صرت مؤمنًا حقًا بالدين الذي جاء به رسول الله. وأشهد بإيماني بحقيقة القوة الخارقة الخارجة عن طاقة البشر التي يمتلكها هذا الشاب، والتي لا يقدر أي تعليم أن يهبها.‘ وبهذه الكلمات أنهى الاجتماع.

وسببت شهرة حضرة الباب الآخذة في الازدياد حقد الرؤساء الدينيين في إصفهان فنظروا بعين القلق والحسد إلى المقام الرفيع الذي وصل إليه شاب غير متعلم والعظمة التي حصل عليها في أعين أتباعهم تدريجيًا. وقد تيقنوا أنهم إن لم يقوموا على صدّ تيار الحماس الشعبي فإن أساس وجودهم ينهار، ورأى قليل من عقلائهم أن الحكمة تقتضي الامتناع عن أعمال العداء المباشر لشخص حضرة الباب أو لتعاليمه، لأنهم شعروا أن مثل هذه الأعمال لا تفيد إلا في إعلاء شأنه وتثبيت مقامه. وكان الأشرار يروجون الإشاعات بتقارير كاذبة عن شخصية حضرة الباب وادعاءاته. وسرعان ما وصلت هذه التقارير إلى طهران وأعلم بها الحاج ميرزا آقاسي رئيس وزراء محمد شاه، وأدرك هذا الوزير المتعجرف المتغطرس بمشاعر القلق احتمال ميل مليكه ذات يوم إلى التودد لحضرة الباب وكسب صداقته، وذلك يؤول طبعًا إلى سقوطه هو، وكذلك خشي الحاج أن يرتب المعتمد مجلسًا يجمع فيه حضرة الباب مع الشاه، لأن المعتمد المذكور يتمتع بثقة الشاه. وتيقّن الحاج بأنه لو تم هذا الاجتماع فإن ذلك المذهب الجديد يأخذ بلب الشاه ويستحوذ على قلبه الرقيق بجاذبيته وحداثته. ولما تمكنت منه هذه الهواجس أرسل إلى إمام الجمعة خطابًا شديدًا وبّخه فيه على إهماله الخطير في حراسة مصالح الإسلام. وكتب الحاج ميرزا آقاسي إليه قائلاً: ’كنا ننتظر منك أن تقاوم بكل قدرتك أي أمر يتعارض مع مصالح الحكومة وشعب البلاد. ولكن يظهر

أنك صاحبت بل عظّمت مؤسس هذه الحركة المظلمة المزرية.‘ ثم كتب أيضًا جملة خطابات مشجعة إلى علماء إصفهان الذين كان يتجاهلهم قبل ذلك وأصبحوا إذ ذاك موضع عنايته الخاصة. ومع إن إمام الجمعة أبى أن ينتقص شيئًا من احترامه وإجلاله لحضرة الباب، فإنه بسبب لهجة الرسالة التي وصلته من الوزير الكبير أصدر الأوامر إلى أقرانه بأن يبحثوا عن وسيلة لتقليل العدد المتزايد من الزوار الذين يقصدون الاجتماع بحضرة الباب يوميًا، وأخذ محمد مهدي المدعو سفيه العلماء ابن المرحوم الحاج الكلباسي في سبّ حضرة الباب على المنبر بألفاظ قبيحة إرضاء لرغبة الحاج ميرزا آقاسي لينال عنده الحظوة.

ولما علم المعتمد بهذه التطورات أرسل إلى إمام الجمعة يذكره بزيارته كحاكم لحضرة الباب ودعاه للحضور مع مضيفه لمنزله. وكذلك دعا المعتمد كلاً من الحاج السيد أسد الله ابن المرحوم الحاج السيد محمد باقر الرشتي والحاج محمد جعفر الآبادي ومحمد مهدي وميرزا حسن النوري وغيرهم لحضور الاجتماع. ورفض الحاج السيد أسد الله قبول الدعوة واجتهد في منع المدعوين الآخرين من حضور هذا الاجتماع قائلاً: ’إني اعتذرت وأطلب منكم بإلحاح أن تفعلوا مثلي وإني لا أرى من الحكمة أن تقابلوا السيد الباب وجهًا لوجه، لأنه بالتأكيد سوف يؤيد دعوته بالحجة ويظهر لكم كل ما تطلبونه من البراهين ودون أدنى تأمل يتلو عليكم آيات عديدة تربو على نصف القرآن ليؤيد بها حجته، وأخيرًا يباهلكم بقوله: "فأتوا بمثلها إن كنتم صادقين". فلا يمكننا والحالة هذه أن نقاومه وإذا امتنعنا عن إجابته فإن ذلك يظهر عجزنا وإذا خضعنا لدعوته فإننا لا نخسر فقط شهرتنا وامتيازاتنا وحقوقنا بل أيضًا نلتزم بقبول كل ما يدعيه في المستقبل.‘

فاستمع الحاج محمد جعفر لهذه النصيحة وعدل عن قبول دعوة الحاكم. أما محمد مهدي وميرزا حسن النوري وقليل غيرهما فحضروا في الموعد المعين إلى منزل المعتمد واحتقروا مثل هذا النصح، وفي هذا الاجتماع، وبناء على دعوة المضيف، طلب ميرزا حسن (وهو من مشاهير الأفلاطونية) من حضرة الباب أن يفسر بعض القواعد الفلسفية

صورة 80
صورة 81
مناظر منزل معتمد الدولة في إصفهان

المتعلقة بالعرشية للملاّ صدرا(1) والتي لا يفقه معانيها إلا القليل. فأجابه حضرة الباب بعبارات سهلة عن كل سؤال(2) بطريقة غير مألوفة. فعرف ميرزا حسن تفوّق أجوبة ذلك الشاب على تفاسير من يُدعون أصحاب المدرسة الفكرية الأفلاطونية والأرسطية في زمانه، ومقدار الفرق العظيم بين الاثنين ولو أنه لم يستوعب معاني الإجابات التي سمعها. أما محمد مهدي فسأل حضرة الباب بدوره عن بعض النظريات في التشريع الإسلامي، ولما لم تقنعه الإجابة ابتدأ يتجادل مع حضرة الباب فأسكته المعتمد وقطع حديثه وطلب من أحد أتباعه أن يشعل مصباحًا ويقود محمد مهدي إلى منزله. ثم أسرّ المعتمد إلى إمام الجمعة بمخاوفه قائلاً: ’إني أخاف من تدابير أعداء السيد الباب، وقد أمر الشاه بإحضاره إلى طهران وإني مضطر أن أعمل الترتيبات لإرساله وأرى أن يمكث في منزلي حتى يحين الوقت لمغادرته مدينتنا.‘ فوافقه إمام الجمعة على ذلك وعاد إلى منزله لوحده.

وكان حضرة الباب قد مكث أربعين يومًا في منزل إمام الجمعة. وكان الملاّ محمد تقي الهراتي في أثنائها يتشرف بزيارة حضرة الباب كل يوم ويترجم إحدى كتاباته المسماة

________________________

(1) انظر "مقالة سائح"، الحاشية ك، وأيضًا "الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصفحات 65-73.

(2) ’ولما سكت محمد، طلب ميرزا محمد حسن، الذي كان يتبع عقيدة الملاّ صدرا الفلسفية، من الباب تفسير ثلاث عجائب تكفي لتنوير القارئ. الأولى: طي الأرض، أي انتقال الشخص فوريًا من مكان إلى آخر بعيد في العالم. ويعتقد الشيعة أن الإمام الثالث جواد كان يستخدم هذه الوسيلة السهلة الاقتصادية في الأسفار. فمثلاً كان ينتقل في غمضة عين من المدينة (المنورة) في بلاد العرب إلى طوس في خراسان. والمعجزة الثانية: تواجد شخص معين في وقت واحد في عدة أماكن مختلفة. فقد كان الإمام علي يستضيف ستين شخصًا كل في مكان مختلف في نفس الوقت. والمعجزة الثالثة: معضلة في علم الكونيات التي أتركها (الكلام لنقولاس) لعلمائنا الفلكيين الذين سيتندرون بها بالتأكيد. فقد قيل بأن السموات تدور بسرعة أثناء ولاية حاكم ظالم، وأما أثناء حكم إمام فتدور ببطء. أولاً، كيف يكون للسموات حركتان، ثم ماذا كانت تفعل أيام حكم بني أمية وحكم العباسيين؟ فكان حل هذه الخرافات هو ما طلب من الباب! ولن أعلق عليها كثيرًا ولكني أعتقد أنه يجب عليّ هنا أن أوضّح عقلية علماء إيران المسلمين. وإذا تفكر المرء بأن العلم عندهم كان يرتكز مدة ألف سنة تقريبًا على مثل هذا الهراء، وبأن رجالاً يتعبون أنفسهم في أبحاث مستمرة في مواضيع كتلك، فإن المرء سيفهم بسهولة مدى ضآلة عقولهم وعجرفتها. ومهما يكن من الأمر فان الاجتماع فض باعلان ميعاد وجبة العشاء التي شارك فيها كل شخص وبعدها قام كل منهم راجعًا إلى منزله.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 239-240)

"رسالة الفروع العدلية" من اللغة العربية إلى الفارسية بإذن منه. ولكن تلك الخدمة التي أداها للمؤمنين في إيران محيت بسبب تصرفه لاحقًا. فقد استولى عليه الخوف فجأة وفي النهاية قطع علاقته بزملائه من المؤمنين.

وقبل انتقال حضرة الباب إلى منزل المعتمد كان ميرزا إبراهيم، وهو والد سلطان الشهداء والأخ الأكبر لميرزا محمد علي النهري الذي أشرنا إليه سابقًا، قد دعا حضرة الباب إلى منزله ذات ليلة. وكان ميرزا إبراهيم صديقًا حميمًا لإمام الجمعة ويدير شؤونه وأعماله. وكانت الوليمة التي أعدت لحضرة الباب في تلك الليلة رائعة فخمة لم يسبق لها مثيل. ولاحظ الحضور أنه لم يقم أي من المسؤولين أو من علية القوم في المدينة بإعداد وليمة بمثل حجمها وروعتها. وخدم على المائدة كل من سلطان الشهداء وأخوه محبوب الشهداء وهما طفلان في التاسعة والحادية عشر من عمرهما. وقد أبدى حضرة الباب اهتمامًا خاصًا نحوهما. وفي تلك الليلة أثناء تناول الطعام، استدار ميرزا إبراهيم إلى ضيفه وقال: ’إن أخي ميرزا محمد علي ليس له طفل، فأرجوك أن تتوسط له وتهبه مرغوب فؤاده.‘ فأخذ حضرة الباب بعضًا من الطعام ووضعه بيده في صحن وناوله لمضيفه، وطلب منه أن يأخذه لميرزا محمد علي وزوجته، وقال: ’ليأكل كلاهما من هذا فيتم لهما مرادهما.‘ وبفضل الطعام الذي اختاره حضرة الباب لزوجة ميرزا محمد علي، حملت ثم أنجبت في تمام الوقت طفلة اقترنت فيما بعد بالغصن الأعظم،(1) وكان هذا القران منتهى آمال والديها.

وأثار التبجيل الجزيل لحضرة الباب عداوة علماء إصفهان، وشاهدوا بمشاعر الامتعاض دلائل تأثيره النافذ يخترق معاقل الدين التقليدية ويهدم أساساتها. فدعوا إلى عقد اجتماع وفيه حرروا وثيقة ختمها كل من الرؤساء الدينيين في المدينة وحكموا فيها على حضرة الباب بالإعدام.(2) ووافقوا جميعهم على هذا الحكم عدا الحاج السيد أسد الله والحاج

________________________
(1) إشارة إلى زواج منيرة خانم بحضرة عبدالبهاء.

(2) وتبعًا لميرزا أبو الفضل فقد قارب السبعين عدد العلماء والأعيان المرموقين الذين ختموا بأسمائهم على وثيقة تدين حضرة الباب بأنه كافر، والتي تعلن أنه مستحق لعقوبة الموت.

محمد جعفر الآبادي، فإنهما رفضا أن يكون لهما أية صلة بمضامين وثيقة على هذا النحو الواضح من الاعتساف. وأما إمام الجمعة فمع امتناعه عن إمضاء حكم الإعدام على حضرة الباب فإنه كتب إقرارًا بخط يده على الوثيقة بسبب شدة جبنه الشديد وطموحه الأكال: ’أشهد أني في مدة صحبتي مع هذا الشاب لم أجد منه عملاً يناقض أحكام الإسلام، وبالعكس لم أرَ منه إلا التقوى وإنه شديد التمسك بأحكامه، ولكن مغالاته في الإدعاء واحتقاره لأمور هذا العالم تجعلني أعتقد أنه خال من العقل والحجى.‘

وما أن علم المعتمد بالإدانة الصادرة من علماء إصفهان حتى قرر، بناء على خطة وضعها بنفسه، إلغاء تأثير هذا الحكم القاسي. فأصدر تعليمات فورية بخروج حضرة الباب من إصفهان ساعة الغروب محروسًا بخمسمائة من الخيالة من حرسه الخاص عن طريق بوابة المدينة ليتوجهوا نحو طهران. ثم أصدر أوامر مشددة بأن يعود في كل فرسخ مائة من الخيالة إلى إصفهان، وأسرّ إلى قائد المائة الأخيرة وهو رجل يثق به أن يأمر عشرين فارسًا من المائة الباقية بعد كل ميدان(1) بالعودة مباشرة إلى إصفهان. ومن العشرين الباقية يرسل عشرة منهم إلى أردستان لتحصيل الضرائب التي تفرضها الحكومة ثم يعود بطريق آخر غير مطروق مع العشرة الباقية من رجاله الموثوق بهم إلى إصفهان خفية. ويعدلوا سيرهم بطريقة يعودون فيها بحضرة الباب متخفيًا إلى إصفهان(2) قبل الفجر في اليوم التالي ويسلموه له.

وقد طبقت تلك الخطة على الفور ونُفذّت بحذافيرها. وعاد حضرة الباب في ساعة غير منظورة إلى المدينة وأوصلوه إلى مقر المعتمد الخاص المسمى بعمارة خورشيد(3)

________________________
(1) جزء من فرسخ.

(2) وتبعًا ﻟ"مقالة سائح" ( الصفحة 10، في الترجمة العربية) فإن المعتمد أعطى أوامره السرية أنه عند وصول الباب إلى مورچه خوار (وهي المحطة الثانية خارج إصفهان على الطريق شمالاً وتبعد نحو 35 ميلاً) يجب أن يعود إلى إصفهان.

(3) "وهذه الغرفة (التي أجد نفسي فيها) لم يكن لها أبواب ولا حدود ظاهرة هي اليوم أعلى غرف الجنان لأن فيها يقطن سدرة الحق ويبدو كأن كل ذرات الغرفة تغني "حقًا إنني أنا الله لا إله إلا أنا الحاكم على كل شيء" وهي تغني بذلك على أعلى غرفات الأرض كلها حتى التي تزينت بمرايا الذهب. فإذا قطن في إحداها سدرة ↓

صورة 82
منظر عمارة خورشيد في إصفهان
صورة 83
أطلال القسم الذي شغله حضرة الباب
صورة 84
منوچهر خان،
معتمد الدولة

ودخل إليه من مدخل خاص به إلى غرفته الخصوصية. وكان الحاكم المذكور يتولى خدمة حضرة الباب بنفسه ويقدم له وجباته ويوفر له كل ما يلزم لراحته وسلامته.(1) وفي هذه الأثناء كثرت التقولات والظنون بخصوص سفر حضرة الباب إلى طهران، والمتاعب التي لاقاها في طريقه إلى العاصمة، والحكم الذي صدر ضده، والعقوبة التي أنزلت به، وكانت هذه الأراجيف قد أحزنت أتباعه المقيمين في إصفهان حزنًا عميقًا. وكان المعتمد عالمًا بحزنهم وشوقهم وتوسط عند حضرة الباب لأجلهم ورجاه أن يسمح بإحضارهم إلى محضره. فكتب حضرة الباب بضعة أسطر إلى الملاّ عبد الكريم القزويني الذي كان مقيمًا في مدرسة نيم آورد وطلب من المعتمد إيصالها إليه مع رسول موثوق. وبعد ساعة أدخل الملاّ عبد الكريم إلى محضر حضرة الباب. ولم يعلم بحضوره أحد سوى المعتمد نفسه. واستلم من مولاه بعض الرسائل وأمر أن ينسخها بمعونة السيد حسين اليزدي والشيخ حسن الزنوزي. فقفل راجعًا إلى الأخيرين يحمل خبر حضرة الباب السار وسلامته ولم يسمح لأي من الأحباء المقيمين في إصفهان إلا لهؤلاء الثلاثة أن يروه.

وذات يوم أثناء جلوسه مع حضرة الباب في حديقته الخاصة داخل باحة المنزل، أفضى المعتمد إلى ضيفه ببعض أسراره وخاطبه قائلاً: ’إن الذات العلية قد وهبتني أموالاً عظيمة(2)

___________________________________________________________________

الحق فجميع ذرات مراياها تغني بهذا القول، كما غنت وتغني ذرات مرايا قصر صدري، لأنه كان في أيام الصاد (إصفهان) يقطن فيها." ("البيان" الفارسي، الجزء 1، الصفحة 128)

(1) وفي "مقالة سائح" ( الصفحة 11، في الترجمة العربية) أن الباب مكث في ذلك المنزل مدة أربعة أشهر.

(2) في 4 مارس/آذار سنة 1847م كتب السيد بونيير إلى وزير خارجية فرنسا: ’لقد توفي معتمد الدولة حاكم إصفهان وترك ثروة تقدر بمبلغ أربعين مليون فرنك.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 242، الحاشية 192)

ولا أعلم كيف أصرفها على أحسن وجه، والآن الحمد لله قد وصلت إلى معرفة حقيقة هذا الظهور ولي رغبة شديدة في أن أخصص كل ممتلكاتي للصرف منها على شؤون هذا الأمر ولإعلاء صيته ولي رغبة أن أسافر بإذنك إلى طهران وأعمل جهدي حتى يعتنق محمد شاه هذا الأمر وهو شديد الثقة بي، وإني متأكد أنه سيقبل الدعوة ويقوم على ترويجها في كل الأكناف. وسأجتهد أن اقنع الشاه أن يطرد الحاج ميرزا آقاسي الفاسق الذي جعل البلاد تشرف على الخراب بطيشه وسوء إدارته. ثم أجتهد أن أحصل لك على يد إحدى أخوات الشاه وأنفذ مراسيم الزواج بنفسي. وأخيرًا أرجو أن أكون قادرًا على أن أكسب قلوب حكام الأرض وملوكها إلى هذا الأمر المدهش وأن أقضي على كل أثر باق من هذه الهيئات الدينية التي لطخت اسم الإسلام النظيف.‘ فأجابه حضرة الباب قائلاً: ’جازاك الله خيرًا على مقاصدك النبيلة فإن مثل هذا الغرض السامي بالنسبة لي أثمن من الفعل نفسه. ولكن أيامك وأيامي في هذه الدنيا محدودة وهي أقصر من أن تمكنني من مشاهدة تحقق آمالك أو أن تسمح لك أن تعمل على تحقيقها، فلا يتم الله القدير نصرة أمره بالطرق التي تتصورها بل بواسطة المساكين والمستضعفين في هذه الأرض، وبدمائهم التي يسفكها أولئك في سبيله يحقق القدير أمره ويحفظه ويصونه ويوطد أركانه. وسيتوج الله في العالم الآتي رأسك بإكليل الفخر الأبدي ويمطرك ببركاته التي لا تحصى. وقد بقي لك الآن في الحياة الدنيا ثلاثة أشهر وتسعة أيام فقط وبعدها تعود إلى المسكن الأبدي بالإيمان والإيقان.‘ ففرح المعتمد بهذه الكلمات وأسلم أمره لإرادة الله وابتدأ يستعد للفراق الذي أنبأه به حضرة الباب بوضوح تام. وكتب وصيته وأنهى أشغاله الخصوصية وأوصى بأمواله لحضرة الباب. وبعد وفاته مباشرة اكتشف ابن أخيه گُرگين خان الجشع وصيته فمزقها واستولى على ممتلكاته وتجاهل رغباته.

وإذ اقتربت أيامه الأخيرة، كان المعتمد يزداد رغبة في مجالسة حضرة الباب وفي ساعات ألفته الحميمة معه كان يزداد يقينًا وعلمًا بطبيعة الروح المحركة لظهوره. وذات يوم قال لحضرة الباب: ’بما أن ساعة فراقي قد دنت فإني أشعر بفرح لا يوصف يحيط بروحي. ولكني أخشى عليك وأرتجف إذ أعلم أني سأفارقك وأتركك لتقدير وارثٍ قاسٍ

مثل گرگين خان. فإنه بلا شك سيكشف أمر وجودك في هذا المنزل وأخاف عليك أن يؤذيك إيذاءً بليغًا.‘ فاعترض حضرة الباب قائلاً: ’لا تخَف، إني أسلمت أمري إلى الله وعليه توكلت ولقد منّ عليّ بقوة من عنده بحيث لو أرغب أن أقلب هذه الأحجار إلى جواهر مما لا عدل لها، وأن أثبت في قلب أشقى المجرمين أعلى مظاهر الاستقامة والإخلاص، لأقدر، ولكني اخترت بنفسي أن أعذب بيد أعدائي ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً.‘(1) وكلما مرت تلك الساعات السعيدة كان قلب المعتمد يمتلئ بإخلاص خارج عن إرادته وبازدياد شعور التقرب إلى الله وزالت من نظره أبهة العالم وأذنت زينته بالزوال إذ رأى مواجهة الحقائق الأبدية المخزونة في أمر حضرة الباب وشاهد جماله وعزته وبركاته التي لا حد لها كلها وهي تزداد جلاء أمام عينيه كما تحقق من غرور الأطماع الأرضية وعجز القوة البشرية، واستمر على تأمل هذه الأفكار في قلبه حتى انتابته حمى طفيفة لم تطل سوى ليلة واحدة وانتهت بذلك حياته فجأة وطار إلى العالم الأبدي بصفاء واطمئنان.(2)

ولما كانت حياة المعتمد قد قربت على الانتهاء، دعا حضرة الباب لمحضره كلاً من السيد حسين اليزدي والملاّ عبد الكريم وأخبرهما بما تنبأ به لمضيفه وأمرهما أن يخبرا به المؤمنين المجتمعين في تلك المدينة وأن يتفرقوا إلى كاشان وقم وطهران وينتظروا ما يقضي به الله ويختاره.

وبعد أيام قليلة من وفاة المعتمد، علم گرگين خان من أحد المطلعين(3) بمقر حضرة الباب الحالي في عمارة خورشيد وبالانعامات التي أعطاها سلفه لصديقه في خاصة منزله وكذلك أطلعه على سرّ الاحتياطات التي عملها سلفه لحماية ضيفه. ولدى اطلاعه على تلك المعلومات أرسل گرگين خان رسوله إلى طهران ليسلم الرسالة الآتية إلى محمد

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة الأنفال، الآية 44.

(2) وحسب ما ذكره براون ("مقالة سائح"، الصفحة 277، الحاشية ل) فإن وفاته حصلت في شهر ربيع الأول سنة 1263ﻫ (فبراير/شباط - مارس/آذار سنة 1847م).

(3) ورد في "مقالة سائح" (الصفحة 11، في الترجمة العربية) أنه كان ابن أخ المعتمد.

شاه شخصيًا: ’كان من المعتقد في إصفهان منذ أربعة أشهر أن معتمد الدولة سلفي قد أرسل السيد الباب إلى مقر حكومتكم بناء على استدعاء جلالتكم. وقد ظهر الآن أن هذا السيد قاطن في عمارة خورشيد، مقر إقامة معتمد الدولة الخاص. واتضح أن سلفي قد أكرم السيد الباب في ضيافته واجتهد في إخفاء ذلك السر عن الناس وعن المسؤولين في المدينة. فمهما يرى الآن جلالة الملك فإني أتعهد القيام بتنفيذه بلا تردد.‘

ولما كان الشاه مقتنعًا بولاء المتعمد، فقد أدرك عندما استلم تلك الرسالة أن رغبة الحاكم المخلصة كانت في انتهاز فرصة مناسبة لترتيب اجتماع بينه وبين حضرة الباب، وإن منيّته المفاجئة عاجلته وحالت دون تنفيذ تلك الخطة. فأصدر أمرًا ملكيًا بدعوة حضرة الباب إلى العاصمة وفي خطابه إلى گرگين خان أمره أن يرسل حضرة الباب متخفيًا بصحبة حرس من الخيالة(1) برئاسة محمد بيك چاپارچي(2) من طائفة "عليُّ اللّهي" إلى طهران وأن يظهر له منتهى الاعتبار أثناء سفره وأن يبقي أمر مغادرته سرًا مكتومًا.(3)

فذهب گرگين خان توًا إلى حضرة الباب وسلمه الخطاب الصادر من الشاه. ثم دعا محمد بيك وأطلعه على رغبات الشاه، وأمره بالاستعداد للرحيل، وحذره قائلاً: ’احترس لئلا يطلع أحد على شخصيته أو يشتبه فيه. ولا تجعل أحدًا خلافك يعرف شخصيته حتى ولا أفراد حرسه. وإذا سألك أحد عنه فقل إنه تاجر مطلوب للعاصمة ولا نعلم هويته.‘ وبعد منتصف الليل قام حضرة الباب بالارتحال عن المدينة إلى جهة طهران تبعًا للأوامر الصادرة.

***
________________________

(1) ورد في "مقالة سائح" (الصفحة 11، في الترجمة العربية) أن أفراد الحرس كانوا من الفرسان النصيرية.

(2) چاپارچي معناها حامل الرسائل.

(3) ’ولما كان الشاه نزويًا متقلبًا ناسيًا أنه قبل مدة وجيزة أصدر أمره بقتل المصلح، فقد رغب أخيرًا في رؤية ذلك الشخص الذي أثار اهتمامًا واسعًا. ولذلك أصدر أمرًا إلى گرگين خان بأن يرسله إليه في طهران.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 242)

الفصل الحادي عشر
إقامة حضرة الباب في كاشان
صورة 85
منظر كاشان

وفي ليلة اليوم الذي سبق وصول حضرة الباب إلى كاشان، كان الحاج ميرزا جاني المشهور ﺑ"پَرپا" وهو من مشاهير سكان المدينة، قد رأى في المنام كأنه واقف عصرًا في ساعة متأخرة على بوابة العطار، إحدى بوابات المدينة، إذ رأت عيناه فجأة حضرة الباب راكبًا جواده وعلى رأسه "كلاه" بدل العمامة التي اعتاد لبسها، وكان في حراسته من الأمام والخلف عدد من الخيالة يبدو أنه سلم إلى عهدتهم، وإذ اقترب من البوابة حيّاه حضرة الباب قائلاً: ’سوف نكون ضيوفًا عليك مدة ثلاث ليال فاستعد للقائنا.‘

وإذ استيقظ شعر من وضوح رؤياه أنها حقيقية وجاءته على غير انتظار واعتبرها في نظره بمثابة إنذار سماوي رأى من واجبه الالتفات إليه وتنفيذه. وبناء عليه أخذ في إعداد منزله لنزول الزائر وتوفير كل ما يبدو ضروريًا لراحته. وبعد أن أتم الترتيبات للوليمة التي عزم على تقديمها لحضرة الباب في تلك الليلة، ذهب الحاج ميرزا جاني إلى بوابة العطار وانتظر هناك علامات وصول حضرة الباب المتوقع. وفي الساعة المعينة بينما كان يمعن النظر في الأفق شاهد عن بعد، مجموعة من الخيالة تتقدم نحو بوابة المدينة. ولما أسرع للقائهم ميزت عيناه حضرة الباب محاطًا بحرسه وهم بنفس الملابس والهيئة التي رآهم بها في الرؤيا، فاقترب منه الحاج ميرزا جاني بفرح وانحنى ليقبّل ركابه، فمنعه حضرة الباب وقال: ’سنكون ضيوفك مدة ثلاث ليال. وغدًا هو يوم النوروز فسنحتفل به سويًا في منزلك.‘ وكان محمد بيك ممتطيًا جواده بجانب حضرة الباب، فظن أن حضرته صديق حميم للحاج ميرزا جاني، فالتفت إليه وقال: ’أنا مستعد لتنفيذ كل ما يأمر به السيد الباب، ولكني أطلب منك أن تطلب من زميلي الذي يشاركني في الحراسة إلى طهران الموافقة على ذلك.‘ فعرض الحاج ميرزا جاني طلبه على زميله، ولكنه قوبل بالرفض التام وقال له الزميل: ’إني أُمرت بحزم قاطع أن لا أدع هذا الشاب يدخل أي مدينة حتى وصوله إلى العاصمة، وقد أُمرت خصيصاُ أن أقضي الليلة خارج المدينة وأن أقطع مسيري عند غروب الشمس وأكمله في اليوم التالي عند الفجر، فلا أقدر أن أحيد عن الأوامر الموجهة إليّ.‘ وتسبب ذلك في جدال شديد انتهى لمصلحة محمد بيك الذي نجح في إقناع خصمه في تسليم حضرة الباب إلى عهدة الحاج ميرزا جاني، مع التفاهم الواضح على إنه في اليوم الثالث صباحًا يعيد ضيفه إليهم. وكان الحاج ميرزا جاني قد عزم على استضافة كافة أفراد حرس حضرة الباب، ولكن حضرته أمره أن يترك ذلك العزم قائلاً: ’لا يرافقني سواك إلى منزلك.‘ فطلب الحاج جاني أن يسمح له بدفع مصاريف بقاء الخيالة لثلاثة أيام في كاشان، ولكن حضرة الباب قال له: ’هذا غير ضروري ولولا إرادتي ما كان يمكن إقناعهم بأن يسلموني ليديك، فكل شيء موكول إلى قبضة قدرته ولا يستحيل عليه شيء فهو يزيل كل صعوبة ويتغلب على كل مانع.‘ وذهب الخيالة إلى خان في جوار بوابة

صورة 86
صورة 87
بوابة العطار، كاشان

المدينة، وأما محمد بيك فاتباعًا لأوامر حضرة الباب رافقه حتى قربوا منزل الحاج ميرزا جاني، ثم رجع بعد أن علم بمكان المنزل وانضم لأصحابه.

وتصادف وصول حضرة الباب للمنزل المذكور مع مساء اليوم السابق للنيروز الثالث بعد إعلان دعوته، ويوافق اليوم الثاني من شهر ربيع الثاني سنة 1263ﻫ.(1) وفي تلك الليلة نفسها كان السيد حسين اليزدي، بناء على تعليمات حضرة الباب، موجودًا في كاشان، قد دعي إلى منزل الحاج ميرزا جاني وتشرف بمحضر مولاه. وبينما كان حضرة الباب يمليه لوحًا في إعزاز مضيفه، إذ وصل صديق من أصحاب الحاج وهو السيد عبد الباقي الذي اشتهر في كاشان بعلمه. فدعاه حضرة الباب للدخول وصرح له بسماع الآيات التي

________________________
(1) سنة 1847م.
صورة 88
صورة 89
صورة 90
مناظر منزل الحاج ميرزا جاني في كاشان،
تظهر الغرفة التي شغلها حضرة الباب

كان ينزلها، ولكنه لم يكشف له عن هويته. وفي الفقرة الختامية من اللوح الذي وجه للحاج ميرزا جاني دعا له وتضرع إلى الله القادر أن ينير قلبه بنور المعرفة الإلهية وأن يطلق لسانه لخدمة أمر الله وانتشاره. ومع أن ميرزا جاني لم يتعلم في مدرسة ولم يتضلع في العلوم والمعارف فإنه تمكن بهذا الدعاء أن يؤثر بأقواله على أعظم علماء كاشان. ووهبت له القوة على إسكات كل مدّع يتجرأ على تحدي أحكام دينه. حتى إن الطاغية العاتي الملاّ جعفر النراقي عجز عن مقاومة حجته رغم فصاحته التامة، واضطر للاعتراف ظاهريًا بمزايا أمر غريمه، ولو إنه في قلبه لم يقبل أن يعتقد بصحة الدعوة.

وجلس السيد عبد الباقي يستمع لحضرة الباب. فسمع صوته ولاحظ حركاته ونظر إلى تعابير وجهه ولاحظ كلماته الجارية من شفتيه بلا انقطاع، ولكنه لم يتحرك بقوتها وعظمتها وبقي محجوبًا في حجاب أهوائه وعلمه إذ لم تكن عنده قدرة على فهم معاني كلمات حضرة الباب، بل إنه لم يشأ أن يسأل عن اسم أو شخصية الضيف الذي أدخل إلى محضره. ولما لم يتأثر مما سمعه ورآه، خرج من ذلك المحضر غير مدرك للفرصة النادرة التي أضاعها للأبد بسبب عدم مبالاته. وبعد بضعة أيام علم اسم ذلك الشاب الذي قابله بعدم الاعتناء، فامتلأ قلبه حزنًا وأسفًا ولم تتح له الفرصة مرة ثانية لمقابلته ليعتذر عن سلوكه، لأن حضرة الباب كان قد غادر كاشان. ومن شدة حزنه اعتزل المجتمع وعاش إلى آخر أيامه حياة عزلة غير مريحة.

ومن بين الذين تشرفوا بمقابلة حضرة الباب في منزل الحاج ميرزا جاني، رجل يدعى مهدي وكان نصيبه فيما بعد الاستشهاد في طهران سنة 1268ﻫ.(1) وكان هو وقلة آخرون في ضيافة الحاج ميرزا جاني الكريمة مدة ثلاث ليال، وكان الحاج ميرزا جاني قد كسب رضاء ومدح مولاه بسبب كرمه وما أظهره من المحبة أيضًا إلى أفراد حرس حضرة الباب وكانوا جميعهم معجبين بكرمه ودماثة أخلاقه. وفي صبيحة اليوم الثاني بعد النوروز وبناء على تعهده سلمهم المسجون وبقلب مملوء بالحزن والأسى ودّعه الوداع الأخير المؤثر.

***
________________________
(1) سنة 1851-1852م.
صفحة خالية
الفصل الثاني عشر
رحلة حضرة الباب من كاشان إلى تبريز
صورة 91
صورة 92
مناظر قُم، تظهر حرم المعصومة

وسار حضرة الباب وبموكبه مرافقوه في طريق قُم(1) وكانت جاذبيته الساحرة الممزوجة بالوقار الأخاذ واللطف الدائم قد غيّرت سلوك حرسه وجعلتهم منقادين له، وبدا أنهم طرحوا جانبًا كل حقوقهم وواجباتهم وأنهم سلموا أنفسهم لإرادته ورضاه. ومن شدة شوقهم لخدمته قالوا له يومًا: ’إننا ممنوعون قطعيًا بأمر الحكومة أن نسمح لك بدخول مدينة قُم ومأموريتنا أن نسلك بك طريقًا غير اعتيادي لإيصالك مباشرة إلى طهران. وقد صدرت إلينا التعليمات الخاصة بأن لا نقترب من حرم المعصومة،(2) الذي من التجأ إليه يكون آمنًا من القبض عليه، حتى ولو كان من أعتى المجرمين. إلا أننا مستعدون أن نتجاهل بالكلية لأجلك كل الأوامر التي تلقيناها. وإذا أردت فإنا دون تردد نمرّ بك من وسط شوارع مدينة قُم ونمكّنك من زيارة المقام المقدس.‘ فأجاب حضرة الباب بقوله: ’قلب المؤمن عرش الرحمن، والذي هو سفينة النجاة وحصن القادر الذي لا غالب له، يسافر معكم الآن في هذه البيداء، وإني أفضّل السير في طريق الريف عن الدخول إلى هذه المدينة الفاسدة، فالمعصومة التي دُفنت بقاياها في هذا المقام تندب هي وأخوها وأسلافها اللامعون مصيبة هؤلاء القوم الأشرار. فهم يحترمونها بأفواههم ويهينون اسمها بأعمالهم. في الظاهر يخدمون ضريحها ويحترمونه، وفي الباطن يلوثون شرفها.‘

وكانت هذه الإحساسات الشريفة قد غرست الثقة في قلوب الذين رافقوا حضرة الباب بدرجة إنه لو أراد في أي وقت أن يبتعد فجأة ويتركهم، فلا يوجس أحد من حراسه في نفسه خيفة ولا يرى ضرورة لملاحقته. وأثناء سيرهم في الطريق الدائر حول الناحية الشمالية لمدينة قُم، نزلوا للإستراحة عند قرية قُمرود التي يملكها أحد أقرباء

________________________

(1) مدينة قُم هي ثاني الأماكن المقدسة في إيران وفيها مدافن كثيرة لملوكها ومن بينهم فتح علي شاه ومحمد شاه.

(2) ’ويوجد في مدينة قُم جدث أخت الإمام الرضا فاطمة المعصومة وعاشت وتوفيت هناك وكانت قد هربت إليها من بغداد من اضطهاد الخلفاء، ويقال إنها مرضت وتوفيت في قُم في طريقها لرؤية أخيها في طوس. ويعتقد الصلحاء بأنه رد جميلها بأن يزورها كل يوم جمعة من قبره في مشهد.‘ ("إيران والمسألة الإيرانية" للورد كرزون، الجزء 2، الصفحة 8)

محمد بيك، وجميع سكانها من طائفة "عليّ اللّهي". ومكث حضرة الباب فيها ليلة بناء على دعوة زعيم القرية، وانشرح صدرًا من دفء أهل القرية البسطاء وعفويتهم. وقبل استئناف رحلته طلب من الله القدير أن ينزل البركات عليهم وفرّح قلوبهم بتأكيدات تقديره ومحبته.

صورة 93
قرية قُمرود

وبعد مسير يومين من تلك القرية، وصلوا بعد ظهر اليوم الثامن بعد النوروز إلى قلعة كِنارگِرد(1) التي تبعد ستة فراسخ من جنوب طهران. وكانوا يخططون للوصول إلى العاصمة في اليوم التالي فقرروا أن يصرفوا الليل في جوار تلك القلعة، وإذا برسول يصل فجأة من طهران ومعه أمر خطي من الحاج ميرزا آقاسي إلى محمد بيك يأمره فيه بالذهاب توًا بحضرة الباب إلى قرية كُلين،(2) التي دفن فيها الشيخ الكليني، محمد

________________________

(1) محطة على طريق إصفهان القديم تبعد نحو 28 ميلاً من طهران. ("مقالة سائح"، الصفحة 14، الحاشية 2)

(2) انظر "مقالة سائح"، الصفحة 11، في الترجمة العربية.

صورة 94
أطلال قلعة كنارگرد

ابن يعقوب، مؤلف كتاب "أصول الكافي"، والذي وُلد في تلك القرية ودُفن فيها مع والده، ويحترم الناس ضريحهما في تلك الأنحاء.(1) وبالنظر إلى عدم صلاحية المنازل في تلك القرية، أُمر محمد بيك أن يضرب خيمة خاصة في جوارها لأجل حضرة الباب ويقيم حولها الحرس حتى تصله أوامر جديدة. وفي صباح اليوم التاسع بعد النوروز وهو اليوم الحادي عشر من شهر ربيع الثاني سنة 1263ﻫ،(2) نصبت لحضرة الباب الخيمة التي كان الحاج ميرزا آقاسي ينزل فيها عند زيارته لتلك المحلة، ونصبت على سفح تل جميل الموقع وسط حدائق غنّاء ومروج خضراء من كل الجهات، وسرّ حضرة الباب من هدوء تلك الجهة ونضارة خضرتها وخرير مياه جداولها، ولحق به بعد يومين السيد حسين اليزدي وأخوه السيد حسن والملاّ عبد الكريم القزويني والشيخ حسن

________________________

(1) ’وانتشرت الإشاعة وكان من المستحيل تنفيذ أمر رئيس الوزراء الحاج ميرزا آقاسي، فمن إصفهان إلى طهران كان الناس يتكلمون عن ظلم العلماء والحكومة للباب وكانوا يهمسون في كل مكان ويصرخون من الظلم.‘ ("المجلة الآسيوية"، الجزء 7، الصفحة 355)

(2) 29 مارس/آذار سنة 1847م.
صورة 95
صورة 96
مناظر قرية كلين

الزنوزي، وكانوا جميعهم قادمين من إصفهان، ووجهت إليهم الدعوة ليقيموا في جوار الخيمة. ووصل الملاّ مهدي الخوئي والملاّ محمد مهدي الكَنْدي من طهران في اليوم الرابع عشر من شهر ربيع الثاني(1) وهو اليوم الثاني عشر بعد النوروز، وكان الأخير من أصحاب حضرة بهاءالله في طهران وهو الذي أرسله ومعه خطاب مختوم وبعض الهدايا لحضرة الباب، الذي بمجرد وصولها ليده شعر بسرور غير عادي وتهلل وجهه فرحًا وأغدق على الرسول عبارات الشكر والامتنان.

وأثرت هذه الرسالة التي وصلت في ساعة الحيرة والتوقف وجددت في حضرة الباب نشاطًا وسُلُوًّا ونفت ذلك الغم الذي كان يساور قلبه ونفثت في روحه تأكيد الفوز والنصر، فتبدد ذلك الحزن الذي كانت تزيده متاعب الأسر. ولم يعُد يسكب دموع الكرب التي كانت تجري من عينيه بغزارة منذ أيام اعتقاله وخروجه من شيراز. وبعد أن كان يناجي ربه في حزنه العميق وفي وحدته بقوله ’يا محبوبي ويا مقصودي،‘ أصبح ينطق بعبارات الشكر والمدح والأمل والنصر. وبدا على وجهه فرح لم يفارقه حتى وردت عليه أخبار الفاجعة العظيمة بسقوط شجعان قلعة الشيخ الطبرسي، فاحتجبت من محياه تلك الابتسامة وزال من قلبه الفرح والابتهاج.

وسمعتُ الملاّ عبد الكريم يقص الرواية الآتية: (كنت مع أقراني النائمين معي في جوار خيمة حضرة الباب، إذ تيقظنا على صوت وقع أقدام الخيّالة، وسرعان ما سمعنا أن حضرة الباب غادر خيمته وأن الذين ذهبوا وراءه للبحث عنه لم يجدوه. وكان محمد بيك يوبّخ الحرس ويقول لهم: ’لماذا تضطربون؟ أليست شهامته ونبل روحه راسخين في نظركم لإقناعكم بأنه لن يرضى أبدًا أن يوقع غيره في الحيرة والارتباك لأجل نجاة نفسه؟ ولا بد أنه قد تنحى ناحية في الليلة المقمرة إلى مكان هادئ ليناجي فيه ربه، ولا بد أن يعود قريبًا إلى خيمته لأنه لا يرضى أن يهجرنا مطلقًا.‘ ومشى محمد بيك على قدميه في الطريق الذي يؤدي إلى طهران لرغبته في إقناع أقرانه بذلك، فسِرتُ خلفه مع باقي الأصحاب ووراءنا الحرس على ظهور الخيل، ولم نقطع إلا مسافة

________________________
(1) أول أبريل/نيسان سنة 1847م.
صورة 97
محمد شاه

ميدان(1) واحد حتى نظرنا على بعد من خلال نور الفجر الضئيل، هيكل حضرة الباب آتيًا نحونا من طريق طهران، وقال لمحمد بيك وهو يقترب منه: ’هل اعتقدت أني هربت؟‘ فارتمى محمد بيك على أقدامه يقبلها ويقول: ’أستغفر الله أن تساورني مثل هذه الأفكار!‘ وكان جلال حضرة الباب وهيبته قد روّعت محمد بيك كثيرًا في ذلك الصباح فلم يقدر على إبداء أي ملحوظة أخرى. وظهرت على محيّا حضرة الباب علامات الثقة وكانت كلماته مشبعة بقوة فائقة. فلم يقدر أحد أن يسأله عن سبب هذا التغيير العظيم الحاصل في أقواله وأفعاله، وكذلك لم يشأ هو بنفسه أن يزيل حيرتنا وفضولنا.(

________________________
(1) جزء من فرسخ.

وأقام حضرة الباب مدة أسبوعين(1) في تلك البقعة. إلا أن الهدوء الذي استمتع به وسط تلك المناظر الخلابة انقطع بوصول خطاب موجه من محمد شاه(2) نفسه إلى حضرة الباب وفيه يقول(3): ’ولو إننا كنا نود مقابلتك إلا أننا نجد أنفسنا غير قادرين على استقبالك في

________________________

(1) وفي "مقالة سائح" (الصفحة 11، في الترجمة العربية) مكث الباب في قرية كُلين مدة 20 يومًا.

(2) وقال جوبينو أن محمد شاه كان حاكمًا ذا صفات خاصة لم تكن نادرة في آسيا ولكنها على الأقل مما لا يعرفها الأوروپي. ولا يمكنه أن يفهمها، فمع كونه كان حاكمًا في الوقت الذي كانت فيه العوائد السياسية المحلية قاسية فإنه كان لطيفًا سهلاً وصبورًا وكان ينظر بعين هادئة إلى الاضطرابات التي تحصل داخل الحريم والتي كانت تغضبه. ووصل تركه الحبل على الغارب واتباع النفس والهوى لدرجة لم يصل إليها أحد حتى ولا فتح علي شاه. وتنطبق عليه تلك العبارة اللائقة للقرن الثامن عشر وهي: ’يا سيدتي لا تختبئي لأني لا أريد أن أمنعك من الحظوظ والتمتع.‘ وما كان ذلك بسبب عدم الاهتمام بل من الإعياء والملل. لأن صحته كانت دائمًا في تراجع وتضعضع. فكان مصابًا بالنقرس بدرجة كبيرة ويتألم من الأوجاع المستمرة فلم يكن لديه راحة من حيث صحته. وكانت أخلاقه ضعيفة من طبيعتها وذلك مما يجعله دائمًا حزينًا. ولأنه كان يحتاج إلى المحبة التي لم يجدها في أسرته ولا في نسائه ولا عند أنجاله لذلك كان يحصر محبته كلها في معلمه العجوز. فكان هو الحبيب الوحيد ورئيس وزارته الأمين. وأخيرًا أصبح معبوده بغير مبالغة بل إلهه الأعلى. ومن هذا الصنم استمد أفكارًا مضادة ومضرة بالإسلام فكان لا يكتفي بإهمال أحكام النبي بل كان يعتقد أنه هو النبي بذاته، فلم يكن عنده اهتمام بالأئمة، واحترامه لعلي لم يكن إلا بسبب تلك العقيدة الفارغة التي جعلت الأمة الإيرانية تدمج وطنيتها في ذلك الشخص المحترم، وبالاختصار لم يكن محمد شاه مسلمًا ولا مسيحيًا بل كان يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الحقيقة الإلهية تتجسم في الحكماء بكل قوتها. وبما إنه يعد الحاج ميرزا آقاسي الحكيم الأول فما كان يشك إنه هو الله ذاته، وكثيرًا ما كان يطلب منه المعجزات ويقول لضباطه بيقين تام: ’قد وعدني الحاج بإظهار معجزة في هذا المساء فسوف ترونها.‘ وما كان محمد شاه يهتم بنجاح أو تنفيذ أمر ديني إن لم يكن خاصًا بالحاج المذكور بل كان على العكس يسر من تطاحن الآراء التي تكشف له عن جهل الناس وعماهم. ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصفحتان 131-132).

(3) وفي "مقالة سائح" (الصفحة 11، في الترجمة العربية) أرسل الباب ’رسالة إلى السدة الملوكية ملتمسًا فيها الإذن بالمثول بين يديه لإظهار الحقيقة وكشفها، وعدّ ذلك سببًا لحصول الفوائد العظيمة.‘ وكتب جوبينو ما يأتي: ’إن علي محمد كتب بنفسه إلى البلاط ووصل خطابه في نفس الوقت الذي وصلت فيه خطابات أعدائه، ودون أن يتعرض للملك، وبالعكس طلب منه العدل والإنصاف وأظهر أن أخلاق العلماء تغيرت في فارس من زمن بعيد وفسدت كما هو معلوم للجميع. فلم يقتصر الأمر على فساد الأخلاق بل إنه بسبب خطأ الكثيرين من المفسدين أصبح الدين في حالة حرجة وقريبًا من التلاشي بالكلية بحيث يترك الناس في ظلمات حالكة... وذكر له أن الله أمره برسالة خاصة لإصلاح هذه المفاسد وأنه ابتدأ يوضح لأهالي فارس بأن الدين الحق هو الترقي الظاهر السريع وأنه أخمد جميع مقاوميه حتى أصبحوا في عجز تام أمام الجمهور، وهذا لم يكن سوى مقدمة. وطلب من عظمة السلطان الإذن له بالحضور للعاصمة مع تلاميذه المشهورين وأن يهيئ ↓

طهران بما هو لائق لك، نظرًا لمغادرتنا عاصمتنا. وقد أبدينا رغبتنا أن تُرسَل إلى ماه كو وأصدرنا التعليمات اللازمة إلى علي خان محافظ القلعة أن يعاملك بالإجلال والاعتبار. وأملنا وعزمنا أن نطلب حضورك لدى عودتنا إلى سرير السلطنة، وفي ذلك الوقت نقدر أن نحكم في مسألتك ونعتقد إننا لم نسبب لك أي انزعاج وإنك لا تتأخر أن تخبرنا عن أي حيف يصيبك ونتمنى لك أن تستمر على الدعاء والتوفيق لنا والسعادة لمملكتنا.‘ (مؤرخ في ربيع الثاني سنة 1263ﻫ.)(1)

ومما لا شك فيه أن الحاج ميرزا آقاسي(2) كان مسؤولاً عن تحفيز الشاه لإرسال مثل

__________________________________________________________________

له مجلسًا للمناظرة مع العلماء ومع جميع الملاّوات في المملكة وأن يكون ذلك بحضرة السلطان والكبراء والعامة وذكر إنه متأكد إنه سيغلبهم ويخجلهم ويبرهن له على عدم صدقهم وأمانتهم. وإنه سوف يسكتهم كما أسكت الملاوات من الكبير والصغير من الذين قاموا ضده وإنه إذا -لا سمح الله- لم يغلبهم في هذه المعمعة فليحكم السلطان عليه بما يشير به لأنه مستعد أن يقدم رأسه ورأس أتباعه له.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى"، الصفحة 124)

(1) 19 مارس/آذار - 17 أبريل/نيسان سنة 1847م.

(2) وقال هدايت في "مجمع الفصحاء" إن اسم الحاج ميرزا آقاسي هو عباس علي. وكان نجل ميرزا مسلم، أحد مشاهير علماء إيروان. وكان عباس علي تلميذًا لفخر الدين عبد الصمد الهمداني إذ كان في كربلاء. ومن كربلاء سافر إلى همدان وزار آذربيجان ومنها حج إلى مكة. ولما عاد كان في فقر مدقع إلا أنه تمكن وهو في آذربيجان بعد عودته من تحسين حالته واشتغل بصفة معلم لأنجال ميرزا موسى خان أخ المرحوم ميرزا أبو القاسم القائم مقام، وبشّر محمد ميرزا باعتلائه عرش المملكة، فأخلص له وعينه رئيس وزارته. ولما توفي الشاه سافر الحاج إلى كربلاء وتوفي هناك في رمضان سنة 1265ﻫ. (من مذكرات ميرزا أبو الفضل). وفي تاريخ الحاج معين السلطنة (الصفحة 120) أن الحاج ميرزا آقاسي ولد في ماه كو حيث كان يقيم والداه بعد سفرهم من إيروان في القوقاز. ’وكان الحاج ميرزا آقاسي أحد أهالي إيروان. وكان له تأثير عظيم على سيده ضعيف العقل حيث كان قبلاً معلمه وكان يتبع الطريقة الصوفية وكان رجلاً عجوزًا ذا شكل مضحك وله أنف طويل ويظهر من ملامحه أنه فريد في أخلاقه معجب بذاته.‘ ("لمحة عامة عن تاريخ إيران" لماركهام، الصفحة 473)

’وكان الحاج مثالاً فريدًا من نوع خاص. ولم يعلم بالضبط إن كان يعتقد في نفسه ما يراه فيه محمد شاه، وعلى العموم كان في اعتقاده موافقًا لاعتقاد محمد شاه نفسه الذي طبعه في عقله. ولم يمنعه ذلك من أن يتمسخر، وكانت مسخرته منظمة وجزءًا من أعمال حياته اليومية الاعتيادية. وهو لا ينظر إلى أي شيء بعين الجد مبتدئًا بنفسه. فكان يصف نفسه قائلاً: ’’إنني لست رئيسًا للوزراء وفقط شخص ملاّ عجوز لا استحقاق له ولا شهرة في مولده. وإذا كنت في المركز الذي أنا فيه فذلك بسبب إرادة الملك فقط.‘‘ وكان ↓

هذا الخطاب إلى حضرة الباب. وكان دافعه الأوحد شعوره بالخوف(1) من أن تكون المقابلة المرتقبة مع الشاه سببًا في خلعه وسلبه مقامه الذي يتمتع به وسلطته التامة على كافة أمور الحكومة. ولم يكنّ لحضرة الباب أي سوء أو كراهية. وقد نجح(2) أخيرًا في إقناع مليكه على نقل مثل هذا الخصم المخيف إلى ركن بعيد منعزل في مملكته، وبهذه الوسيلة يخلص فكره من الهم الذي كان دائمًا يساوره.(3) فما أعظم خطأه وأشد ضلاله!

__________________________________________________________________

يذكر هذه العبارة ويكررها دائمًا خصوصًا لمن كان يعاكسه. وكان يخاطب أولاده بأولاد الكلاب وأولاد الغجر وبهذه التسمية يسألهم عن أحوالهم أو يرسل إليهم أوامره بواسطة ضباطه عندما يكونون غائبين. وكانت مسرته في استعراض الخيالة الذين يجمعهم بملابسهم الفخمة تحت قيادة الخانات الرحل في إيران. وعندما تجتمع هؤلاء القبائل الحربية في الوادي يأتي الحاج كالشخص الفقير لابسًا طرطورًا بسيطًا ومعوجًا وحاملاً سيفًا في وسط ردائه وراكبًا حمارًا صغيرًا. ثم يجمع الخيالة حوله ويعاملهم كأنهم مغفلين ويضحك على ملابسهم ويفهمهم إنهم لا ينفعون لشيء ثم يعيدهم إلى أماكنهم بعد أن يعطيهم هدايا، ذلك لأن طبيعته الهزلية كانت مخلوطة بالكرم.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصفحتان 132-133)

(1) ’ومن الحكاية الآتية يتبين الإحساس الذي كان يساور رئيس الوزارة عندما يبت في أمر إرادة الشاه وكان الرئيس فرهاد ميرزا وهو صغير تلميذًا للحاج ميرزا آقاسي وحكى ما يأتي: ’’لمّا استشار الشاه رئيس وزارته وكتب للباب بالمكث في ماه كو ذهبنا مع ميرزا آقاسي لتمضية بضعة أيام في الحديقة التي زرعها بنفسه في "يفت آباد" من ضواحي طهران وكنت أريد ان أسأل معلمي عن الحوادث الواقعية ولكني ما كنت أحب أن أسأله أمام الناس بل على انفراد. وفي ذات يوم بينما كنت أتمشى معه في الحديقة وكان يظهر عليه الانشراح تجاسرت وسألته: ’’يا حاج لماذا ترسل الباب إلى ماه كو؟‘‘، فأجابني: ’’إنك الآن صغير ولا تقدر أن تفهم بعض الأمور ولكني أعلم إنه لو حضر إلى طهران لا نقدر لا أنا ولا أنت أن نتنزه أحرارًا ومرتاحي البال تحت ظلال هذه الأشجار الطيبة.‘‘ ‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 243-244) وفي تاريخ الحاج معين السلطنة (الصفحة 129) إن الباعث الذي أملاه الحاج ميرزا آقاسي على السلطان لنفي الباب إلى آذربيجان هو الخوف من إتمام حصول وعد الباب بشفاء الشاه من مرضه إذا حضر إلى طهران. وكان متأكدًا إنه لو تمكن الباب من شفائه فإن رئيس الوزارة يقع في قبضة يد مسجونه فيحرمه من المنافع والامتيازات التي يتمتع بها الآن.

(2) وقال أبو الفضل إن ميرزا آقاسي أقنع الشاه إنه نظرًا للثورة التي قام بها محمد حسن خان في خراسان وقيام آقا خان إسماعيل في كرمان، يحسن عدم إحضار الباب إلى طهران وأن يرسل بدلاً عن ذلك إلى إقليم آذربيجان البعيد.

(3) ’ومع ذلك فقد جاء حساب رئيس الوزراء، في هذه المناسبة، مخطئًا في خوفه أن حضور الباب إلى طهران يحدث اضطرابات جديدة (وكان هناك الكثير منها بسبب اتّباع هواه وسوء إدارته) فغيّر خططه وأصدر أمره للحرس، الذين كلفوا بمرافقة الباب من إصفهان إلى طهران، وهم على بعد 30 كيلومترًا من العاصمة، أن ↓

فقليلاً ما كان يفقه في تلك اللحظة أنه بسبب دسائسه المستمرة كان يحجب عن الملك وعن الوطن منافع لا تُحصى يأتي بها أمر إلهي يملك وحده القدرة على تخليص المملكة من حالة الانحطاط المروعة التي وقعت فيها. فهذا الوزير قصير النظر لم يتسبب فقط في منع محمد شاه من الوسيلة العظمى التي بها يمكنه أن يعيد مجد المملكة المنحدرة في هاوية السقوط، بل حرمه أيضًا من تلك القوة الروحية التي تمكنه من التفوق الكامل على كل ملل العالم وأممه. وبسبب طيشه وإسرافه وخيانته في النصح، قوّض أساس الدولة وأذل كرامتها وسلبها ولاء أتباعها وأسقطهم في هاوية الذلة والتعاسة.(1) ولم يتّعظ بسيرة أسلافه متجاهلاً حاجات البلاد ومحتقرًا مصالح العباد وأمعن في عمل التدبير اللازم لإعلاء شؤونه الخاصة بحماس فائق وفي الانهماك في الفجور والتبذير وإيقاع المملكة في الارتباك والحروب المهلكة مع جيرانها. لقد وصل سعد معاذ بسبب استقامته وإخلاصه لدين محمد ﷺ إلى مقام رفيع، ويحترم ذكراه زعماء الإسلام وحكامه حتى هذا الحين ويبجلون فضائله مع إنه لم يكن من سلالة ملكية ولم يكن له نفوذ ولا سلطة. بينما كان "بُزُرگ مِهْر" أبرز وزراء نوشيروان العادل في المقدرة والحكمة والخبرة الإدارية، ورغمًا عن مقامه الرفيع، أصابه أخيرًا نكال، وطُرح في حفرة وأصبح موضع الاحتقار والسخرية من الناس. فكان يندب حظه ويبكي بحرقة حتى فقد بصره. أما الوزير الحاج ميرزا آقاسي فلم يعتبر لا بالمثل الأول ولم يتّعظ بنصيب الثاني ولم ينتبه ذلك الوزير الواثق من نفسه إلى مخاطر منصبه هو، وأصر على أفكاره وآرائه حتى فقد هو أيضًا رتبته وأضاع ثروته

_________________________________________________________________

لا يحضروا إليها، بل يسيروا به مباشرة إلى ماه كو. وهي المدينة التي ظن رئيس الوزراء أنها لن تقدم شيئًا للمدّعي (الباب، حسب تفكيره) لأن أهلها سيقاومون أي اضطراب من منطلق جميله نحوهم في السابق وما أولاهم من الحماية.‘ ("المجلة الآسيوية/ 1866م، الجزء 7، الصفحة 356)

(1) ’ولم تكن حالة إيران مرضية لأن الحاج ميرزا آقاسي الذي كان حاكمها الحقيقي مدة 13 سنة كان جاهلاً بالسياسة والعلوم العسكرية ولم يرض من تكبره أن يتعلم أو أن يتعاون مع مستشار آخر من شدة حسده، وكان وحشيًا في لغته وقبيحًا في أخلاقه وقذرًا في عوائده وجعل المالية تشرف على الخراب والإفلاس واقتربت البلاد من شفير الثورة. وتأخرت رواتب الجيش ما بين ثلاث إلى خمس سنوات. وانعدم تقريبًا وجود خيالة القبائل. وعلى هذه الصفة كانت حالة إيران في وسط القرن التاسع عشر كما ذكرها رولنسون في كلماته القيمة.‘ ("تاريخ إيران" لسايكس، الجزء 2، الصفحتان 439-440)

صورة 98
الحاج ميرزا آقاسي

وسقط في خجالته وذلته. وضاعت منه أملاكه(1) العديدة التي كان قد استولى عليها بالظلم من رعية الشاه المساكين الملتزمين بالقانون، وكذلك الأثاث الثمين الذي كان يفرشه في تلك المنازل وما صرفه عليها من الأموال والجهود لأجل صيانتها وتجديدها، ذهب كل ذلك هباء منثورًا بعد سنتين من إصداره الأمر بحبس حضرة الباب في جبال آذربيجان الموحشة. وصادرت الدولة سائر ممتلكاته وغضب عليه مليكه وطرده من طهران بالذلة

________________________

(1) ’وكانت الإدارة كلها في قبضة يد الحاج ميرزا آقاسي رئيس الوزراء المخبول وكانت له السلطة التامة على الشاه. وازداد سوء الإدارة في البلاد بينما الأهالي جياع يلعنون السلالة القاجارية... وكانت حالة الأقاليم محزنة للغاية وكل من كان صاحب وطنية أو تعقل جرى نفيه على يد الحاج المسن، الذي كان يجمع لنفسه الثروة في طهران بكل جد على حساب البلاد التعيسة. وكان يبيع مناصب إدارة الأقاليم لأكبر عطاء، والذين يتعينون بهذه الطريقة كانوا يظلمون الأهالي بطرق مخيفة.‘ ("لمحة عامة عن تاريخ إيران" لماركهام، الصفحتان 486-487)

والهوان ووقع فريسة للمرض والفقر وضاع منه الأمل وهبط في الذل وخمد ذكره في كربلاء حتى حانت منيته.(1)

وعليه أُمر حضرة الباب بالتوجه إلى تبريز.(2) وصحبه الحرس أنفسهم تحت إمرة محمد بيك إلى مقاطعة آذربيجان الشمالية الغربية. وسُمح له أن ينتخب رفيقًا واحدًا وخادمًا أيضًا من بين أتباعه أثناء إقامته في تلك المقاطعة. فانتخب السيد حسين اليزدي وأخاه السيد حسن. وامتنع أن يصرف على نفسه الأموال التي قدرتها الحكومة لمصاريف تلك الرحلة. وصرف كل المستحقات التي أعطتها له الحكومة على المساكين والمحتاجين وخصص لنفقاته واحتياجاته الضرورية المال الذي ربحه في التجارة في بوشهر وشيراز. ولما كانت الأوامر قد أعطيت لمنعه من الدخول إلى المدن التي يمر بها في طريقه إلى تبريز، توجه فوج من أحباء قزوين ممن علموا بقرب مجيء رئيسهم المحبوب إلى قرية سِياه دِهان(3) وتشرفوا بمحضره هناك.

________________________

(1) وكتب جوبينو عن كيفية سقوطه قال: ’طرد الحاج ميرزا آقاسي من سلطة كان قد أمضى بعضًا من الوقت في التمسخر بها وعاد إلى كربلاء وفيها قضى بقية عمره في عمل الألاعيب مع الملاّوات وحتى السخرية من الشهداء.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى"، الصفحة 160) ’وكان هذا الرجل الماكر قد اغتصب كل سلطة الملك المتوفي حتى قيل إنه كان هو السلطان الحقيقي، ولذلك لم يتحمل فقدان حظوظه الطيبة. ولما توفي محمد شاه اختفى وأخذ طريقه إلى كربلاء التي يحتمي فيها أكبر المجرمين بحمى أكبر الأئمة، إلا أنه سرعان ما وقع في أرزاء الحزن المتلف فضلاً عن توبيخ ضميره مما قصّر حياته.‘ ("المجلة الآسيوية" سنة 1866م، الجزء 7، الصفحتان 367-368)

(2) وتبعًا ﻟ"مقالة سائح" (الصفحة 12، في الترجمة العربية) كتب الباب إلى ذلك الوزير أثناء ارتحاله... يقول فيها: ’إنكم استدعيتموني من إصفهان لأجتمع بالعلماء فيحصل الحكم الفاصل. فماذا جرى الآن حتى بدل هذا المقصد العزيز بماه كو وتبريز؟‘

(3) وقال سمندر (مخطوطة عن تاريخ أمر الله، الصفحتان 4-5) أن الباب انتظر في قرية سياه دهان قرب قزوين في طريقه إلى آذربيجان. وفي أثناء تلك الرحلة يقال أنه أنزل جملة ألواح إلى مشاهير العلماء في قزوين ومن بينهم الحاج الملاّ عبد الوهاب والحاج الملاّ صالح والحاج الملاّ تقي والحاج السيد تقي. ووصلت هذه الألواح إلى أصحابها بواسطة الحاج الملاّ أحمد إبدال. وكثير من المؤمنين ومن بينهم نجلا الحاج الملاّ عبد الوهاب تمكنوا من مقابلة الباب أثناء الليلة التي أمضاها في تلك القرية. وهناك، كما قيل، كتب الباب رسالته إلى الحاج ميرزا آقاسي.

وكان أحدهم الملاّ إسكندر الذي انتدبه الحجة لزيارة حضرة الباب في شيراز ويتحقق أمره، فأوفده حضرة الباب بالرسالة الآتية إلى سليمان خان أفشار الذي كان من المعجبين بالمرحوم السيد كاظم: ’قد ظهر الآن من كان السيد المرحوم يشير إليه ودائمًا يمتدحه ويفخمه ويشير باستمرار إلى قرب ظهوره، وإني أنا هو الموعود فقم وأنقذني من يد الظالمين‘، ولما سلّم حضرة الباب الرسالة إلى الملاّ إسكندر كان سليمان خان في زنجان ويستعد للسفر إلى طهران، فوصلته الرسالة في ظرف ثلاثة أيام. إلا أنه فشل في تلبية ذلك النداء.

وكان أحد أصحاب الملاّ إسكندر قد أخبر الحجة بعد يومين بنداء حضرة الباب، وكان الحجة قد حبس في العاصمة بتحريض العلماء في زنجان. وعلى الفور أمر الحجة الأحباء في موطنه أن يستعدوا ويجمعوا قواتهم لأجل تخليص سيدهم، وحرضهم أن يقوموا مع الاحتراس ويجتهدوا في انتهاز الفرصة لأخذه وإرساله إلى أي جهة يشاء. وسرعان ما انضم إلى هؤلاء عدد من المؤمنين في قزوين وطهران وذهبوا بناء على أمر الحجة لتنفيذ الخطة. فأدركوا الحرس ساعة متنصف الليل، ولما وجدوهم نائمين اقتربوا

صورة 99
منظر عام لتبريز

من حضرة الباب ورجوه أن يهرب. فأجابهم بثقة: ’إن جبال آذربيجان أيضًا لها حقوق.‘ ونصحهم بكل محبة أن يتخلوا عن خطتهم ويعودوا إلى منازلهم.(1)

ولما اقترب الركب من بوابة تبريز وشعر محمد بيك بأن ساعة الفراق من مسجونه قد دنت، حضر أمامه، وبأعين دامعة رجاه أن يغفر له تقصيره وتعدّيه وقال له: ’إن السفر من إصفهان كان طويلاً وشاقًا وقد قصّرت في أداء واجبي في خدمتك كما ينبغي لي، لذلك استسمحك وأرجوك أن تباركني.‘ فأجابه حضرة الباب قائلاً: ’كُن مطمئنًا فإني أعدّك أحد شيعتي والذين يتبعون أمري سوف يباركونك إلى الأبد ويعظمونك ويمجدون عملك ويرفعون اسمك.‘(2) وفعل باقي الحرس كما فعل رئيسهم وتضرعوا إلى مسجونهم أن يباركهم وقبّلوا قدميه وودعوه الوداع الأخير بعيون دامعة. وعبّر حضرة الباب لكل منهم عن عناياته وأكد دعاءه لهم في صلواته، وأسلموه بعد التردد الكثير إلى يد حاكم تبريز، ولي عهد محمد شاه. وكان هؤلاء المرافقون، الذين شاهدوا بأعينهم حكمة حضرة الباب وقدرته الفائقتين عن حدود البشر، قد أخبروا بمشاعر الحيرة والإعجاب كل من قابلهم بروايات مما رأوه وسمعوه، وبهذه الوسيلة ساعدوا على نشر الأمر الجديد بطريقتهم الخاصة.

وأثارت أحباء تبريز أخبار اقتراب حضرة الباب من تلك المدينة، فخرجوا جميعهم لمقابلته وهم مشتاقون أن يظهروا ترحيبهم لرئيسهم المحبوب. ولكن موظفي الحكومة

________________________

(1) وفي "التاريخ الجديد" أن محمد بيك حكى ما يأتي للحاج ميرزا جاني: ’وركبنا سائرين حتى وصلنا إلى خان مبني بالطوب على بعد فرسخين من المدينة. ومن هناك سرنا إلى ميلان حيث جاء كثير من الأهالي لرؤية حضرته، وامتلؤوا تعجبًا من جلال رب الإنسانية وجماله. وبينما كنا نستعد للرحيل في الصباح من ميلان، جاءت عجوز معها طفل أصلع الرأس ومغطى بالجرب بحيث كان أبيض اللون لغاية الرقبة، وتوسلت إلى حضرته أن يشفيه. وكان الحراس يريدون ردعها، ولكن حضرته منعهم، ودعا بإحضار الطفل. ثم مرر منديلاً على رأسه وتلفظ بضع كلمات معينة. وما كاد يتمها حتى شفي الطفل. وكان يوجد في ذلك المكان نحو مائتي شخص آمنوا كلهم دفعة واحدة وأصبحوا من الراسخين في اعتقادهم.‘ (الصفحتان 220-221)

(2) ويقول ميرزا أبو الفضل في كتاباته إنه عندما كان في طهران، قابل نجل محمد بيك واسمه علي أكبر بيك وأسمعه العجائب التي كان والده يحكيها عن الباب أثناء رحلته معه إلى تبريز. وكان علي أكبر بيك مؤمنًا صادقًا بأمر حضرة بهاءالله ومعروفًا بذلك بين أحباء إيران.

صورة 100
صورة 101
قلعة تبريز حيث سجن حضرة الباب
ويظهر داخل وخارج (x) غرفة حبسه

الذين تسلموا حضرة الباب أبَوا أن يسمحوا لهم بأن يقتربوا منه أو يتلقوا بركاته. ولكن أحد الشبان لم يقدر أن يمنع نفسه وهجم وهو حافي القدمين واخترق بوابة المدينة، وفي لهفته لرؤية وجه محبوبه جرى مسافة نصف فرسخ باتجاه حضرته حتى وصل إلى الخيالة الذين كانوا سائرين في المقدمة أمام حضرة الباب، ورحب بهم بكل فرح، وأمسك بطرف رداء أحدهم وقبّل ركابه، وصاح قائلاً وهو يبكي: ’أنتم رفقاء محبوبي وإني أعزكم لذلك مثل حبة عيني.‘ وكان هذا المسلك الغريب والحنين الزائد قد بهرهم، فسمحوا له في الحال بالمثول بين يدَي سيده، وبمجرد أن وقع نظره عليه صاح بفرح غامر ووقع على وجهه باكيًا بحرقة، فنزل حضرة الباب من جواده وعانقه ومسح دموعه وبدّل اضطرابه بالاطمئنان. ومن بين المؤمنين جميعهم في تبريز لم يتمكن أحد من تقديم ولائه لحضرة الباب سوى ذلك الشاب، أو أن يتبرك بلمسة يده. وقنع الآخرون بإلقاء نظرات على محبوبهم من بعد. واكتفوا بذلك لشفاء غليل فؤادهم.

ولما وصل حضرة الباب إلى تبريز أدخلوه أحد المنازل التي أعدت لحبسه(1) في تلك المدينة، وكان يحرسه على مدخل الباب كتيبة من فوج الناصري ولم يتمكن أحد من مقابلته سواء من العامة أو من أنصاره سوى السيد حسين وأخيه، وكان هذا الفوج الذي شكل من بين سكان بلدة "خمسة"، وكانت محط عناية الحكومة، هو نفس الفوج الذي انتخب فيما بعد ليمطر حضرة الباب بوابل مقذوفاته. وأثارت أخبار وصوله إلى تبريز ضجة كبيرة بين الأهالي واحتشد جمع غفير لمشاهدة دخوله إلى المدينة.(2) وحضر بعضهم لمجرد الإطلاع وآخرون ليتحققوا بأنفسهم من صحة الإشاعات السيئة التي كانت تحوم حوله، كما كان هناك من أهل الإيمان من حرّكهم خلوصهم وانقطاعهم ليتشرفوا بمحضره ويؤكدوا له ولاءهم. وبينما كان يسير في الشوارع كان صياح الغوغاء يتردد من كل الجهات، وكان أغلب الجمهور الذين رأوا وجهه يحيّونه بنداء "الله أكبر" وكان غيرهم يرحب به ويهلل وبعضهم يطلب من الله نزول بركات العلي القدير عليه، وشوهد غيرهم يقبّل تراب موطئ قدميه باحترام. وبلغت جلبة الغوغاء على أثر وصوله لدرجة أنهم أمروا مناديًا يحذر السكان من الخطر الذي يحدق بهم إذا تجاسروا على الحضور أمامه ويقول: ’كل من يحاول الاقتراب من السيد الباب أو يسعى للقائه تُضبط وتُصادر أملاكه جميعها ويُحكم عليه بالسجن المؤبد.‘

وفي اليوم التالي لوصول حضرة الباب، تجاسر الحاج محمد تقي الميلاني وهو تاجر مشهور في المدينة أن يقابل حضرة الباب ومعه الحاج علي عسكر. وقد حذّرهما أصدقاؤهما بأنهما بعملهما هذا لا يعرضان أملاكهما فقط للخسارة بل إن حياتهما أيضًا تكون معرضة

________________________

(1) وفي "مقالة سائح" (الصفحة 13، في الترجمة العربية) إن الباب مكث 40 يومًا في تبريز. وقال الحاج معين السلطنة في تاريخه الخطي (الصفحة 138) إن الباب أمضى الليلة الأولى في منزل محمد بيك. ومن هناك انتقل إلى غرفته في القلعة المجاورة لمسجد علي شاه.

(2) ’وكان نجاح ذلك الرجل النشيط (الملاّ يوسف الأردبيلي) عظيمًا وسريعًا لدرجة أنه على بوابات تبريز، خرج سكان هذه المدينة المزدحمة عن بكرة أبيهم واعترفوا بالباب زعيمًا لهم وسمّوا أنفسهم بابيين. ولا حاجة للقول أن البابيين في المدينة عديدون، مع أن الحكومة اتخذت التدابير اللازمة لإدانة الباب ومعاقبته لكي تبرر موقفها أمام الجمهور.‘ ("المجلة الآسيوية" سنة 1866م، الجزء 7، الصفحتان 357-358)

للخطر، إلا أنهما رفضا التقيد بهذه النصائح. وبمجرد أن اقتربا من باب المنزل الذي كان حضرة الباب محبوسًا فيه حتى ألقي القبض عليهما، ولكن السيد حسن الذي كان في ذلك الوقت خارجًا من محضر حضرة الباب تدخل فورًا واحتج بشدة قائلاً: ’إني مأمور من السيد الباب أن أبلغكم هذه الرسالة وهي أن لا تمنعوا الزائرَين من الدخول لأني بنفسي طلبتهما لمقابلتي.‘ وسمعت الحاج علي عسكر يشهد بالآتي: ﴿إن هذه الرسالة أسكتت المعارضين وأدخلنا توًا إلى محضره، فحيّانا بهذه الكلمات: ’إن هؤلاء التعساء الذين يحرسون على باب منزلي أوجدتهم بأمري للحماية من هجوم الغوغاء الذين يحتشدون حول المنزل. وهم عاجزون عن منع من أريد إدخالهم إلى محضري.‘ ومكثنا معه نحوًا من ساعتين، فلما أذن لنا بالانصراف سلّمني حجرين من خواتم العقيق وأمرني أن أنقش عليهما الآيتين اللتين أعطاهما لي سابقًا وأن أثبّتهما على الخاتمين وأحضرهما له بعد أن يجهزا. وأكد لنا إنه في أي وقت أردنا مقابلته فلا يقدر أحد على منعنا من الدخول إلى محضره. ولم أصادف أي اعتراض بسيط في أي مرة من قبل أولئك القائمين على حراسة مدخل منزل حضرته. ولم أسمع منهم أي كلمة مسيئة، ولم يبدُ أنهم ينتظرون مني أية مكافأة على هذا التسامح.

وأتذكر أني أثناء مرافقتي بالملاّ حسين كنت أعجب من الدلائل الوفيرة على لباقته وقوته الخارقة. وكان لي الشرف أن أرافقه في رحلته من شيراز إلى مشهد وزرت معه مدن يزد وطبس وبشرويه و"تُربَت"، وكنت أتأسف في تلك الأيام حزنًا على ما فاتني من رؤية حضرة الباب في شيراز، فأكد لي الملاّ حسين قائلاً: ’لا تحزن فإن الله القدير سوف يعوضك بلا شك في تبريز ما ضاع منك في شيراز ويمنحك فرح زيارته سبع مرات بدلاً من المرة الواحدة التي فاتتك‘. وكنت أندهش من الثقة التي كان يخاطبني بها الملاّ حسين. وقد مرت الأيام إلى أن زرت حضرة الباب في تبريز وتشرفت بمحضره جملة مرات رغم الظروف المعاكسة، وتذكرت إذ ذاك كلمات الملاّ حسين وتعجبت من صدق فراسته وزادت دهشتي عندما سمعت حضرة الباب يقول لي في زيارتي السابعة: ’الحمد لله الذي مكنك من أن تكمل عدّة زياراتك وشملك بحمايته العزيزة.‘﴾

***
صورة 102
قلعة ماه كو
صفحة خالية
الفصل الثالث عشر
حبس حضرة الباب في قلعة ماه كو

ومما رواه السيد حسين اليزدي قال: ’في مدة العشرة أيام الأولى من حبس حضرة الباب في تبريز، لم يعلم أحد ماذا يكون مصيره وكثرت الإشاعات في المدينة. وذات يوم تجاسرت على سؤاله، إذا كان سيستمر في البقاء حيث هو أو إنه سينتقل إلى جهة أخرى. فأجابني فورًا: ’’هل نسيت سؤالك لي في إصفهان؟ فسوف نمكث مدة لا تقل عن تسعة أشهر محبوسين في جبل باسط (ماه كو)(1) ثم ننتقل منه إلى جبل شديد (چهريق).(2) وهذان الجبلان هما من سلسلة جبال خوي ويقعان على جانبَي المدينة التي تحمل هذا الاسم.‘‘ وبعد مرور خمسة أيام من صدور هذا التنبؤ من حضرة الباب صدرت الأوامر لنقله وأنا معه إلى قلعة ماه كو وأن نكون في حراسة علي خان الماه كوئي.‘

والقلعة عبارة عن بناء حجري متين ذي أربعة أبراج ويقع على قمة جبل وفي أسفله بلدة ماه كو والطريق الوحيد الذي يصلها يمتد إلى المدينة، وفي آخره بوابة ملاصقة لمقر الحكومة وهي مغلقة دائمًا. وهذه البوابة هي خلاف بوابة القلعة. وهذه القلعة الواقعة على حدود الإمبراطوريتين العثمانية والروسية استخدمت، نظرًا لموقعها الاستراتيجي المشرف ومزاياها الحربية، مركزًا للمراقبة. ويلاحظ الضابط المنوط بهذه المحطة حركات العدو في وقت الحرب ويراقب المناطق المجاورة ويرسل التقارير بما

________________________

(1) "باسط" يوافق "ماه كو" في العدد الأبجدي وهو 72.

(2) "شديد" يوافق "چهريق" في العدد الأبجدي وهو 318.

يراه للحكومة عند الضرورة عن الأمور التي تقع تحت نظره. وتحد القلعة غربًا بنهر أراكسِس الذي يمثل الحدود بين ممالك الشاه والإمبراطورية الروسية. وفي الجنوب تمتد أملاك سلطان تركيا، وتبعد بلدة بايزيد أربعة فراسخ فقط من جبل ماه كو. وكان اسم الضابط المنوط بالقلعة، علي خان. وسكان المدينة جميعهم من الأكراد وهم من المسلمين السنة.(1) والشيعة الذين يكوّنون غالبية سكان فارس هم أعداء الأكراد الألداء. ويكره الأكراد بالخصوص الشيعة الأسياد، الذين يعتبرونهم رؤساءهم الروحانيين ومن أكبر المهيجين عليهم. وكانت والدة علي خان كردية، ولذلك كان الابن محترمًا جدًا ومطاعًا إطاعة مطلقة من سكان ماه كو، لأنهم يعتبرونه أحد أفراد جماعتهم ويضعون فيه أكبر الثقة.

وكان الحاج ميرزا آقاسي قد دبر مسألة إبعاد حضرة الباب إلى تلك الجهة البعيدة الموحشة الخطيرة في أحد أركان مملكة الشاه، ولم يقصد من ذلك سوى صد تيار تأثير حضرته ونفوذه المتزايد، وقطع كل علاقة تربطه مع جماعة أتباعه في سائر أنحاء المملكة.(2) وإذ وثق بأن معظم الناس لا يرغبون في اختراق تلك البلاد الموحشة المضطربة، فقد تهلل فرحًا وظن بأن الإبعاد القسري لأسيره عن اهتمامات أتباعه ومصالحهم يؤول إلى خنق الحركة في مهدها وإلى إطفائها وزوالها في نهاية المطاف. ولكن سرعان ما أجبر على إدراك خطئه في معرفة طبيعة أمر حضرة الباب، ولم يقدّر قوة تأثيره. ذلك أن لطف صفات حضرة الباب سرعان ما أخضعت الروح المضطربة للسكان، ورقت قلوبهم بتأثير محبته السامية. فأخضع تكبرهم وصلفهم بدماثة أخلاقه التي لا شبيه لها ولانت غطرستهم وحمقهم من حكمة كلماته. وكان الحماس الذي أوقده حضرة الباب في قلوبهم على شأن كانوا في كل صباح يبدأون أعمالهم بأن يبحثوا

________________________

(1) "ويقطن في هذا الجبل أناس لا يقدرون أن ينطقوا بكلمة جنة العربية، فكيف يفهمون معناها. فانظروا ماذا جرى لسيد الكائنات." ("البيان" الفارسي، الجزء 4، الصفحة 14)

(2) ’وهي بلاد رئيس الوزراء على الحدود في آذربيجان وقد برزت تلك المدينة من احتجابها في مدة حكم الوزير. وكثير من أهالي ماه كو تبوؤا أعلى الوظائف في الحكومة بفضل انتمائهم إلى الرئيس الحاج ميرزا آقاسي.‘ (المجلة الآسيوية" سنة 1866م، الجزء 7، الصفحة 356، الحاشية 1)

عن مكان يقدرون أن يفوزوا فيه بنظرة لوجهه ويناجونه ويطلبون منه البركة في عملهم اليومي. وعند حصول مشاجرة أو خصام يسرعون إلى ذلك المكان ويولون وجوههم تلقاء سجنه ويحلفون باسمه أن يقول كل منهم الصدق. وكثيرًا ما حاول علي خان أن يمنعهم عن هذا العمل، ولكنه وجد نفسه عاجزًا على منعهم عن ذلك الحماس. وكان بنفسه يؤدي وظيفته بكل صرامة ولا يأذن لأحد من تلاميذ حضرة الباب المخلصين أن يمكث ولو ليلة واحدة في بلدة ماه كو.(1)

________________________

(1) ﴿وقد أخبرنا الباب بنفسه عن كيفية حياته في السجن الذي حبس فيه وكان يتألم منه كثيرًا وكان ذلك كما هو مذكور في "البيان" ناتجًا من تشديد النظام اتباعًا للأوامر الآتية من وقت لآخر من طهران. وجميع المؤرخين سواء من المسلمين أو البابيين متفقون أنه رغمًا عن الأوامر المشددة بعدم السماح للباب بالاتصال بأحد، كانت جموع التلاميذ والأتباع تهرع لمقابلته في سجنه وكذلك كان يفعل غير المؤمنين، وقال مؤلف كتاب "المتنبئين": ’وكان البابيون من كل الجهات يأتون إلى آذربيجان للحج عند رئيسهم.‘ وقد ورد في "البيان" قوله: "فما أجهلك يا عبدي فقد فعلت ما فعلت ظنًا منك أنك ترضيني. فبالرغم عن الآيات التي أظهرتها بنفسي وتلك التي تجري بقدرتي التي مخزنها شخص الباب وبالرغم من أن الآيات لا تخرج منه إلا بإذني فإنك بلا حق وضعته في رأس جبل لا يستحق سكانه أن يُذكروا. ولم يكن أحد موجودًا بالقرب منه ذلك القرب الذي هو عين القرب مني إلا أحد حروف الحيّ من كتابي حتى ولم يكن بين يديه اللتين هما يداي خادم ليسرِّج له المصباح ليلاً. فهذا كان شأن الذي لولاه لم يخلق كل من على الأرض ومن جوده هم متنعمون فلم يسمحوا له بسراج يوقدونه." [الواحد الثاني من الباب الأول]. "ومع أن الثمرة من كل ذلك (الإسلام) هو الاعتقاد في هذا الظهور إنهم حبسوه في ماه كو." [الواحد الثاني، الباب السابع]. "وكل ما كان متعلقًا برجل الجنة كان في الجنة. وتلك الغرفة المنفردة التي لم يكن لها باب إنها اليوم أعظم الجنات لأن سدرة منتهى الحق غرست فيها. وتنادي فيها كل الذرات التي تتكون منها، أن لا إله إلا الله وأني أنا الله لا إله إلا أنا رب العالمين." [الواحد الثاني الباب 16]. "وثمرة هذا الباب أن الناس لما رأوا أن لهم أن يعملوا كل هذا (صرف النقود) لأجل البيان الذي لم يكن إلا أثرًا ممن يظهره الله، فإنهم يحاسبون عما يعملونه لأجل من يظهره الله في وقت ظهوره حتى لا يجري عليه ما جرى علينا في هذا اليوم. يعني إنه توجد عدة قرآنات في العالم مما تساوي ألفًا من التومانات في حين أن الذي أنزل الآيات قد وُضع في جبل وفي غرفة مبنية باللبن الذي جفف في الشمس، ومع ذلك كانت هذه الغرفة ذاتها هي العرش بنفسه (السماء التاسعة التي استقرت عليها الربوبية) وهذا بمثابة نذير للبيانيين حتى لا يعملوا معه ما عمله معنا أهل القرآن." [الواحد الثالث الباب 19].﴾ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحات 365-367 ). "ويعتقد الكل فيه ومع ذلك فقد حبسوه في جبل ومع أنهم يفرحون بسببه ولكنهم تركوه وحيدًا، والذين فعلوا معه هذه الأعمال كانت نفس أعمالهم جحيمًا لهم وكذلك لم تكن للمؤمنين جنة أعلى من إيمانهم نفسه." ("البيان" الفارسي، الجزء 1، الصفحتان 126-127)

وأضاف السيد حسين قائلاً: ﴿في الأسبوعين الأولين لم يسمح لأحد بزيارة حضرة الباب. وكنت أنا وأخي الوحيدين المسموح لنا بملاقاته، وكان السيد حسن في كل يوم ينزل إلى المدينة ومعه أحد الحراس لشراء اللوازم اليومية الضرورية، وأما الشيخ حسن الزنوزي الذي وصل إلى ماه كو فصرف الليالي في مسجد خارج بوابة المدينة، وكان يقوم بدور وسيط بين أتباع حضرة الباب الذين كانوا يأتون أحيانًا للزيارة في ماه كو وبين أخي السيد حسن، الذي بواسطته كانت تسلّم العرائض من المؤمنين إلى مولاهم وترسل الأجوبة بواسطته إلى الشيخ حسن الزنوزي.

وفي ذات يوم طلب حضرة الباب من أخي أن يبلغ الشيخ حسن بأنه سوف يطلب بنفسه من علي خان أن يغير سلوكه تجاه المؤمنين الذين يزورون ماه كو وأن يترك قسوته. وأضاف: ’أخبره بأني سوف آمر المحافظ غدًا ليأتي إلى هذا المكان.‘ فحصلت لي دهشة من هذه الرسالة. وفكرت في نفسي كيف يمكن إقناع علي خان المتسلط أن يلطف من قسوة انضباطه. وفي اليوم التالي في وقت مبكر دهشنا لطرق بوابة القلعة المغلقة فجأة مع علمنا الأكيد بأن الأوامر أعطيت أن لا يسمح لأحد بالدخول قبل طلوع الشمس. وعرفنا صوت علي خان وهو يتناقش مع الحرس، وجاء أحدهم وأخبرني بأن محافظ القلعة مصمم على التصريح له بالدخول لمقابلة حضرة الباب في زنزانته. فأوصلت الرسالة وأمرت أن أدخله إلى محضره. وإذ شرعت بالخروج من الغرفة المجاورة لغرفته، وجدت علي خان واقفًا على العتبة بهيئة خضوع تام وتظهر على وجهه علائم الخشوع والتعجب على غير المعتاد. وظهر لي أن كِبره وغطرسته قد زالتا بالكلية. وبكل خضوع وبكمال الأدب رد عليّ التحية ورجاني أن أصرح له بالدخول لمقابلة حضرة الباب. فأخذته إلى الغرفة التي يشغلها مولاي، وكانت أطرافه ترتعش وهو يتبعني. وظهر في باطنه هيجان لم يقدر على إخفائه وظهر جليًا على أسارير وجهه. فقام حضرة الباب من مقعده ورحّب به. فاقترب علي خان وانحنى تعظيمًا له وارتمى على أقدامه وتوسل قائلاً: ’خلصني من حيرتي، فإني أستحلفك بالنبي جدّك العظيم أن تقشع عني شكوكي لأن ثقلها عليّ يقطّع نياط قلبي. فإني كنت أقود جوادي في

البيداء وعندما اقتربت من بوابة المدينة وقت الفجر، رأيتك بعينَي فجأة بجانب النهر واقفًا تؤدي صلاتك. وبيدين ممدودتين وعينين مرتفعتين إلى السماء كنت مشتغلاً بالمناجاة لله. فوقفت ساكنًا ألاحظك وانتظرت حتى أتممت الصلاة لأقترب منك وأوبخك على التجاسر لترك القلعة دون أذني. وكنت أثناء مناجاتك مع الله منهمكًا في العبادة والابتهال ناسيًا نفسك تمامًا، فاقتربتُ منكَ بهدوء وأنت في حالة وله ولم تشعر بوجودي بتاتًا. وفجأة شعرت بخوف شديد ورجعت عن عزمي عن إيقاظك من هيامك، فقررت أن أتركك وأذهب إلى الحرس لأوبخهم على إهمالهم. ولكني سرعان ما دهشت إذ وجدت البوابتين الخارجية والداخلية مغلقتين ولم يُفتحا إلا بناء على طلبي، فدخلت إلى محضرك، والآن وجدتك جالسًا أمامي مما أوجب تعجبي وارتبت أن يكون عقلي قد فارقني.‘ فأجابه حضرة الباب قائلاً: ’إن الذي رأيت هو حق لا ينكر. لقد بخست قدر هذا الأمر واحتقرت صاحبه ولم يشأ الله برحمته أن يوقعك في العقاب بل أراد أن يظهر الحق أمام عينيك وبتوسطه الإلهي أوقع في قلبك محبة وليّه وجعلك تعترف بقوة أمره التي لن تُقهر.‘﴾

وقلّبت هذه الحادثة العجيبة قلب علي خان كلية. وهدّأت تلك الكلمات اضطرابه وأخضعت وحشيته وأزالت عداوته. وأراد أن يكفّر عن سابق سلوكه بكل ما أوتي من نفوذ، وأسرع بإخبار حضرة الباب قائلاً: ’هناك شيخ مسكين يحنّ للقائك وهو قاطن في مسجد خارج بوابة ماه كو. أرجوك أن تأذن لي أن أحضره بنفسي إلى هذا المكان لمقابلتك. وبذلك العمل أرجو أن تغفر لي سيئاتي حتى أكون قادرًا على محو شوائب آثار سلوكي السيئ مع أحبائك.‘ فأذن له في ذلك، وذهب توًا وأحضر الشيخ حسن الزنوزي للمثول بين يدي مولاه.

ولم يألُ علي خان جهدًا، ضمن الصلاحيات المخولة له، في عمل كل ما من شأنه تخفيف وطأة الحبس على حضرة الباب. وبقيت بوابة القلعة مغلقة أثناء الليل، وأما في النهار فكان كل من يريد الدخول إلى حضرة الباب يصرح له ويتمكن من التحدث معه وتسلّم التعليمات اللازمة منه.

وأثناء حبسه بين جدران القلعة خصص حضرته كل وقته لكتابة "البيان" الفارسي(1) وهو أهم وأنور وأشهر وأجمع من كل كتاباته وفيه شرّع القوانين والقواعد لدورته الجديدة، وبيّن وأوضح وبشّر بظهور جديد يأتي بعده، وحرّض أتباعه للبحث عن "من يظهره الله"(2) وحذرهم من أن يؤولوا الأسرار والإشارات الموجودة في "البيان" بطريقة تمنع الاعتراف بأمره.(3)

________________________

(1) ’وكانت الجموع تهرع لزيارة الباب من كل مكان وكان عدد الكتابات والألواح التي صدرت من قلمه في تلك المدة عديدة بدرجة أنها بلغت نحو ماية ألف آية.‘ (كتاب "التاريخ الجديد"، الصفحة 238) "فانظروا أنه صدر ما يقرب من ماية ألف سطر من مثل هذه الآيات وانتشرت بين الناس، خلاف الخطب المتوالية وأجوبة المسائل العلمية والفلسفية." ("البيان" الفارسي، الجزء 1، الصفحة 43) "وانظروا أيضًا في مسألة نقطة البيان، إن الذين أوتوا العلم يعرفون رتبته قبل ظهوره ولكنه فيما بعد أظهر للآن ما ينوف عن خمسمائة ألف آية في مختلف المواضيع، ومع ذلك تكلموا عليه بكلمات لا يرضى القلم أن يكررها." ("البيان" الفارسي، الجزء 3، الصفحة 113) "بينما قد نزّلت الآيات من هذا الغمام الرحمانية على قدر لم يحصها أحد للآن. حيث إن المتداول منها في اليد إلى الآن نحو عشرين مجلدًا، وكم منها لم تصل إليه الأيدي، وكم منها أيضًا قد نُهب وسُلب ووقع بأيدي المشركين، ولا يُعلم ما فعلوا به." ("كتاب الإيقان"، الصفحة 183)

(2) إشارة إلى حضرة بهاءالله - وقد كتب حضرة الباب للملاّ باقر، أحد حروف الحيّ، عليه رحمة الله وبركاته: "لعلك في ثمانية سنة يوم ظهوره تدرك لقاءه." ("لوح ابن الذئب"، الصفحة 129، طبعة مصر)

(3) ﴿وعلى هذا النمط كانت كتابات الباب جميعها بعد حبسه في سجن ماه كو، فقد خاطب محمد شاه بخطاب طويل نقوم على تحليله وهو يبتدئ بحمد الله الواحد ثم يستمر في المدح على محمد والأئمة الاثني عشر الذين هم حجر الزاوية في بناء "البيان" كما يظهر ذلك من الجزء الثاني من هذا الكتاب. وكتب ما يأتي: "أقول بأن كل ما سواهم ممن في الإمكان في هذه الدنيا عندهم عدم صرف، وإذا ذكر فإنما يكون الكل بمثابة ظل الظل. واستغفر الله من هذا التحديد الذي أصفهم به. لأن درجة المدح الذي يمدحون به هو عدم إمكان مدحهم... ولهذا خلقني الله من طينة لم يخلق أحد من طينة مثلها. وأعطاني ربي ما لا يفهمه العلماء بكل ما أوتوه من العلم وما لا يعرفه أحد إلا الذين انمحوا بالكلية أمام آية من آياتي... واعلم إني بالحق عمود الكلمة الأولى تلك الكلمة التي من عرفها عرف الله ودخل في كل الخير. والذي ما أراد أن يعرفها فقد جهل الله ودخل في كل الشر. فوربك رب الأرضين والسموات إن الذي يعيش هنا بقدر ما تسمح له طبيعته ويمضي حياته يعبد الله، وفي جميع أعمال الخير حسبما يقتضيه علم الله، إذا كان في قلبه عداء لي بأقل مما لا يقدر أحد على معرفته إلا الله فجميع أعماله الطيبة والصالحة ليس لها من فائدة ولا منفعة ولا ينظر إليها الله إلا للعقاب وكان معدودًا من بين الأموات. فقد قدر الله كل الخير كما يعرفه خيرًا في طاعتي وقدر كل الشر في مخالفتي وفي الحقيقة إني اليوم أرى في مرتبتي أن كل ما أريد أن أقوله وجميع أهل محبتي وطاعتي في أعلى غرف الجنان. بينما أعدائي مغموسين في أسفل دركات الجحيم. أما عن وجودي فإني أقسم أنه لولا ↓

وسمعت الشيخ حسن الزنوزي يشهد بالآتي: ’إن صوت حضرة الباب وهو يملي تعاليم ومبادئ دينه كان مسموعًا بوضوح في سفح الجبل. وكانت نغمة ترتيل الآيات

_____________________________________________________________________

أني أجبرت على أن أقبل أن أكون حجة لله فما كنت أقدم على تحذيرك..." وهنا يستمر الباب بكل وضوح يؤيد أقواله في كتاب "بين الحرمين". ولا يزيد عليها شيئًا ولا ينقص منها شيئًا. قال: "وأني أنا النقطة التي ظهر منها كل الوجود وأني أنا وجه الله الذي لن يفنى ولا يطفى والذي يعرفني يصحبه كل الخير والذي ينكرني يأتي خلفه كل الشر. ولما سأل موسى ربه ما سأل وتجلى ربك للجبل تنور من أحد شيعة علي كما يدل على ذلك الحديث: "وأقسم بالله أن ذلك النور هو نوري." ألا ترى أن عدد اسمي يساوي عدد اسم الرب ألم يقل الله في القرآن "فلما تجلى ربك للجبل؟" واستمر حضرة الباب في بحث النبوات المذكورة في القرآن وبعض الأحاديث وذكر حديث المفضل الشهير وهو من أكبر الأدلة على ظهوره وفي القرآن يقول: "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون." [سورة السجدة، الآية 5] وقد اختفى آخر أيام سنة 260ﻫ وفي ذلك الوقت تم تدبير الأمر الإلهي وأغلق باب العلم. وقد سأل المفضل الإمام الصادق عن علامات ظهور المهدي فأجابه: "إنه يظهر في سنة الستين ويرتفع أمره"، يعني سنة 260 وهي السنة التي كان فيها ظهور حضرة الباب. ويقول حضرة الباب: "قسمًا بالله إني لم أتلق الدرس وكان تعليمي كتعليم التجار. وفي سنة الستين امتلأ قلبي بآيات بينات وعلوم حقة وشهادة لله الحق وقد أظهرت دعوتي في تلك السنة بعينها."

"وفي تلك السنة أرسلت لك أيضًا رسولاً (الملاّ حسين البشروئي) ومعه كتاب يحمله لعل الحكومة تفعل ما تراه بالنسبة للحجة. ولكن الإرادة الإلهية أقامت الحروب الأهلية التي أصمت الآذان وأعمت الأعين وأقست القلوب حتى بذلك لم يتمكن رسولي من الوصول إليكم وعارضه الذين ظنوا أنفسهم وطنيين. وللآن بعد مرور أربع سنوات لم يخبركم أحد بحقيقة الأمر. والآن قد اقترب وقتي لأن عملي هو عمل إلهي وليس بشريًا ولذلك كتبت إليك بالاختصار. قسمًا بالله لو تعلم ما نزل عليّ في هذه المدة من موظفيك ومن مأموريك فإن خوف الله يمنعك من الشهيق الذي تردده الآن على شفتيك إلا إذا فكرت ورتبت الدخول في طاعة الحجة وأصلحت حالاً ما حصل وقد كنت في شيراز ووقع علينا من ذلك الطاغية الشرير وهو حاكمها من الظلم ما لو علمتَ بأقل قليل منه لعاقبته بالقصاص لأن شره قد جلب غضب السماء إلى يوم يبعثون على جميع أنحاء المملكة. فهذا الرجل المتكبر الحسود لم يصدر منه أي أمر ينطبق على العقل فأجبرني على مبارحة شيراز وسرت في طريقي إلى طهران لمقابلتك ولكن المرحوم معتمد الدولة كان يعلم بحقيقة الدعوة وعمل كل ما يقتضيه واجب الاحترام نحو آل الله. وابتدأ جهال المدينة يثورون وهذا ما جعلني أختبئ في قصر الصدر حتى توفي المعتمد جزاه الله عنا كل خير. ولا شك أن ما عمله معنا كان سببًا في نجاته من نار الجحيم. ثم جاء من بعده گرگين وجعلني أسافر سبع ليال مع خمسة رجال بغير أن يعطينا ما يلزمنا للسفر ومعه ألف أكذوبة وألف ظلم. فيا أسفًا على ما نابني وما أصابني. وأخيرًا أمر السلطان بذهابي إلى ماه كو دون أن يعطيني ركوبة للسفر عليها، فيا أسفي فقد أصابني ما أصابني ووصلت أخيرًا إلى هذه القرية التي سكانها جهلاء غلاظ. قسمًا بالله لو تعلم في أي مكان سكنت لكنتَ أول من يرحمني، إنه عبارة عن قلعة على قمة جبل وهذا من رعايتك أنني سكنت في هذا المسكن. وكان عدد الساكنين فيه رجلين وأربعة كلاب، والآن ↓

تفيض من شفتيه وهي تشنّف الأسماع وتخترق القلوب والأرواح وتتحرك بندائه قلوبنا من أعماقها.‘(1)

_____________________________________________________________________

فكّر كيف كنت أمضي وقتي. إلا أني مع ذلك شكرت لربي كما يجب أن يشكر. وأقسم بالله أن الذي حبسني هناك كان مسرورًا من فعلته ولو كان يعرف الذي عمل معه ذلك حق المعرفة لزال فرحه. والآن أكشف لك عن سر وهو أن ذلك الرجل قد حبس جميع الأنبياء والأولياء في شخصي، والذي أحاطه علم الله، ولم يبق من تعد لم يصبني منه الأنين… ولما علمت بالأمر الذي أصدرتم في حقي باعتقالي في ماه كو كتبت للصدر الأعظم وقلت له اقتلني وأرسل رأسي لأي مكان شئت ولا ترسلني حيًا دون ذنب إلى حيث يرسل المذنبون، ولكنه لم يجبني بشيء. وإني لعلى يقين أنه لم يكن عالمًا بحقيقة الحال لأن إغضاب قلوب المؤمنين بغير سبب أشد وأصعب من هدم بيت الله. قسمًا بالله إني أنا الآن بيت الله الحقيقي، وكل خير معلق بما يعمله كلٌ نحوي من الخير، لأنه يكون كمن يعمل الخير لله وملائكته وأحبائه. ولو أن الله وأحباءه قد عَلو عُلوًا كبيرًا من أن يصل إلى تراب عتبتهم أي خير أو شر من أي إنسان. ولكن كل ما يصل اليّ إنه يصل إلى الله. قسمًا بالله إن الذي أمر بحبسي إنما حبس نفسه ولن يصيبني إلا ما أراد الله، فآه آه على من يخرج من يده الشر وطوبى لمن يبذل الخير."

وفي نهاية هذه الرسالة الطويلة يقول: "أما الأمر الآخر فعن هذه الدنيا الدنية فإن المرحوم المعتمد صرف أعوانه ذات ليلة وخاصة الحاج الملاّ أحمد ثم قال لي: ’إني أعلم يقينًا أن كل ما ملكتُهُ جمعته بالغصب وهو ملك لصاحب الزمان، ولذلك أسلمكَ جميع مالي لأنك سيد الحقيقة. وأرجو أن تجعلني في حلٍ من حيازته.‘ ثم خلع خاتمًا كان في يده وأعطاه لي، فأخذت الخاتم ثم أعدته إليه وجعلته حايزًا لكل أملاكه. والله شاهد على ما أقول وكفى بالله شهيدًا. لم أقبل من جميع أملاكه دينارًا ولكن لك أن تأمر فيها بما تشاء وبما أن الله أمر أن يكون لكل نزاع شاهدان فمن بين جميع العلماء أطلب السيد يحيى والآخوند الملاّ عبد الخالق فهما يطلعانك على أمري ويوضحان لك آياتي فلا يبقى بعد هذه المقابلة إلا أمر واحد وهو إتمام حجتي. لأن أحد هذين الشاهدين عرفني قبل الظهور وأما الآخر فعرفني بعده. ويعلم الاثنان كلاهما ذلك حق العلم. ولذلك اخترتهما."

وينتهي الخطاب بأحاديث وبراهين عديدة حرفية على هذا النحو وكان الباب محزونًا جدًا في حبسه ومكث فيه كثيرًا لأن الخطاب المومى إليه صدر سنة 1264ﻫ وكانت شهادته في 27 شعبان 1266ﻫ (8 يوليو/تموز سنة 1850م).﴾ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحات 367-373)

(1) وهذا هو الدعاء الذي كان الباب يدعو به كما يذكره في "الدلائل السبعة" وهو مناجاته أثناء حبسه في قلعة ماه كو (ما ترجمته): "أي رب أنزل عليه وأهله وذريته وأحبائه وأتباعه وأقربائه وكل من على الأرض نورًا يفتح أبصارهم، وسهل أمورهم ومكنهم من الطيبات في الدنيا والآخرة إنك فعال لما تريد. أحيي اللهم في قلبه ما يقتدر به على تجديد شريعتك ويحيي به ما تغير في كتابك. وأظهر له ما أردت من تعديل أوامرك حتى تتجدد شريعتك. وامنحه في يده كتابًا جديدًا طاهرًا نقيًا لا ريب فيه فلا يشك فيه أحد ولا يقدر أن يغيره أو يعدله. فيا إلهي أنر بضيائك كل ما هو مظلم وأمح بقوته الثابتة ما غبر من الأحكام وأهلك باعتلائه الذين لم يتبعوا ↓

وكان للإرخاء التدرجي للقيود التي فرضت على حضرة الباب، الأثر الجميل في تشجيع الكثيرين من أتباع حضرته على الحضور من الأقاليم المختلفة من إيران لزيارته في قلعة ماه كو. فكان الزوار يفدون زرافات على بوابات القلعة ويدخلونها بلطف علي خان وتساهله،(1) وبعد إقامة ثلاثة أيام يسمح لهم بالانصراف بأمر حضرة الباب مع التعليمات بالعودة إلى خدماتهم وأعمالهم لإعلاء شأن أمره، ولم يتأخر علي خان نفسه في كل يوم جمعة من أداء واجبات الاحترام لحضرة الباب ليؤكد له إخلاصه وولائه. وكثيرًا ما قدم له أندر وأطيب الفاكهة الموجودة بالقرب من ماه كو، ويهديه بكل ما لذَّ وطاب من الأطعمة التي تكون موافقة لمذاقه ورغبته.

وعلى هذا النحو أمضى حضرة الباب الصيف والخريف بين حوائط تلك القلعة، وتلا ذلك شتاء قارس حتى إن الأواني النحاسية تأثرت من شدة البرد. ووافق ابتداء ذلك الفصل شهر محرم سنة 1264ﻫ،(2) وكان الماء الذي يستعمله حضرة الباب في الوضوء وصل لدرجة من البرودة الثلجية أن قطراته كانت تلمع وهي تتجمد على وجهه. وكان باستمرار عقب كل صلاة يطلب حضور السيد حسين أمامه ويأمره أن يقرأ بصوت مرتفع فقرة من "محرِّق القلوب" وهو كتاب المرحوم الحاج الملاّ مهدي، الجد الأكبر للحاج ميرزا كمال الدين النراقي، وفيه يمتدح المؤلف فضائل الإمام الحسين ويندب وفاته ويذكر

_____________________________________________________________________

طريق الحق كما تهلك به الظالمين. فأمحُ بسيفه أعمالهم المجتثة، وبعدله كل ظلم واجعل كل من عنده مطيعًا لأمره. واقلب جميع الممالك بسلطنته. فيا إلهي أنزل من يريد إنزاله وأهلك عدوه وأنكر كل من أنكره وشتت شمل كل من خالف حقه وأنكر أوامره وسعى في إطفاء نوره وامحُ اسمه (عدوه)."

وأضاف الباب هذه العبارات: "اتلو هذه العبارات والبركات مرارًا وأن لم يكن عندك وقت لتلاوتها بأجمعها فلا تنسَ أن تتلو الجزء الأخير منها وانتبه لظهور من يظهره الله لأن هذا الدعاء نزل لأجله من السماء حتى لا يصيبه حزن وعلَّمتُ أتباعي أن لا يُحزنوا أحدًا وقت الظهور لئلا يصيب شمس الحقيقة أي حزن." ("الدلائل السبعة"، ترجمة نقولاس، الصفحتان 64-65)

(1) ’وقد كتب صاحب كتاب "المتنبئين" ما يأتي: "إن البابيين يأتون من كل جهة إلى آذربيجان للحج عند رئيسهم."‘ (من كتاب "السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 365، الحاشية 227) نقلاً عن كلام الأمير علي قلي ميرزا اعتضاد السلطنة، مؤلف كتاب "المتنبئين".

(2) 9 ديسمبر/كانون الأول سنة 1847م - 8 يناير/كانون الثاني سنة 1848م.

أحوال استشهاده. وكانت قراءة تلك المآسي تثير الهياج العميق في قلب حضرة الباب، فتستمر دموعه في الجريان وهو يستمع إلى رواية الشتائم والإهانات التي وجهت إلى الإمام، مما لا يصح التفوه بها، وإلى الألم المضني الذي قاساه على أيدي طغاة الأعداء. وبينما كان يستعرض حوادث تلك الحياة المحزنة، كان دائمًا يردد في ذهنه صورة تلك الفاجعة المحزنة التي ستحصل وقت مجيء الحسين الموعود. ولم تكن تلك المفاجع السابقة إلا إشارة تنبئ عن الآلام القاسية التي سوف يقاسيها محبوبه الحسين على أيدي مواطنيه، فكان يبكي أثناء تصور هذه المصائب في مخيلته والتي سيتعرض لها "من يظهره الله" وهي مما لم تحصل للإمام الحسين حتى في أشد مراحل نكبته.(1)

ويقرر حضرة الباب في إحدى كتاباته المنزلة سنة 1260ﻫ ما يأتي: "إن تبتلي وصلواتي ونسكي كانت نتيجة رؤيا رأيتها قبل إعلان أمري بسنة واحدة. وهي أني رأيت رأس الإمام الحسين سيد الشهداء معلقًا على شجرة. وكان بلعومه المقطوع يقطر دمًا بغزارة. فاقتربت من تلك الشجرة وأنا مبتهج أشد الابتهاج وبسطت يداي وجمعت قليلاً من

________________________

(1) ’وكتب الباب أثناء إقامته في ماه كو جملة كتب ومنها "البيان" الفارسي و"الدلائل السبعة" وكلها مملوءة بالأدلة الدالة على أنها كتبت في ذلك الوقت. وإذا صدقنا ما ورد في "التاريخ الجديد" استنادًا إلى أقوال ميرزا عبد الوهاب كانت كتابات الباب المتداولة في تبريز لا تقل عن مليون آية.‘ ("مقالة سائح"، الحاشية ل، الصفحة 200). أما بخصوص كتاب "الدلائل السبعة" فكتب نقولاس ما يأتي: (إن كتاب "الدلائل السبعة" من أعظم الكتب الاستدلالية التي أملاها قلم الباب السيد علي محمد [المقدمة، الصفحة 1] وكان مكاتبه قد طلب منه جميع الأدلة على رسالته وكان الجواب الذي وصله فريدًا في بابه من جهة الإتقان والدقة وهو مبني على آيتين من القرآن، الأولى: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأْتوا بمثل هذا القرآن لا يأْتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا." [سورة الإسراء، الآية 88]. والثانية: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم." [سورة آل عمران، الآية 7] [المقدمة، الصفحة 5]. فالتدليل الذي أتى به الباب جديد في ذاته ولم يسبق له مثيل ومن هذا نلحظ الفائدة العظمى من قراءة هذا الكتاب. ومن اتساع الكتاب لم تتح لي الفرصة لاستعراض أصول المسائل التي فيه ولو بالاختصار والتي هي قواعد ثابتة والتي يظهر عليها الجمال ومقترنة بالتصديق. وأتعشم أن أقوم بذلك فيما بعد. والآن عندي ملحوظة أقولها عن كتاب "الدلائل السبعة"، فإن الباب تكلم في نهاية الكتاب عن المعجزات التي قارنت دعوته. وهذا ما يدعو إلى الدهشة لأن الرسول ينكر بتاتًا المعجزات المادية التي ظنوا أن محمدًا أتى بها، ولم يذكر له وللنبي العربي من المعجزات سوى نزول الآيات لا غيرها ولم يكن ذلك بسبب عدم إمكان الإتيان بها، بل لأن العجائب المادية هي أحط من العجائب غير المادية والله يفعل ما يشاء. [المقدمة، الصفحتان 12-13]﴾ ("الدلائل السبعة"، ترجمة نقولاس)

قطرات ذلك الدم المقدس وشربتها بإخلاص. ولما انتبهت شعرت بأن روح الله قد اخترقت جسمي واستولت على نفسي. وابتهج قلبي بفرح الحضرة الإلهية وتجلت أسرار ظهوره أمام عيني بكل مجدها."

وما كاد محمد شاه يحكم على حضرة الباب بالأسر وسط جبال آذربيجان حتى واجهه تغيير مفاجئ في حظوظه، فتبدلت راحته بالمتاعب بدرجة لم يعهد لها مثيل من قبل، واشتدت عليه الكوارث من كل الجهات وابتدأت أركان السلطنة تتزلزل، وأخذت المصائب المفجعة تنتاب القوات التي كانت تحافظ على الأمن في داخل البلاد(1) وارتفع علم الثورة في خراسان واستولى الذعر والرعب على المملكة بدرجة اضطر الشاه إلى إلغاء سفره إلى هرات في الحال. وكان إهمال الحاج ميرزا آقاسي وإسرافه قد سببا إشعال نيران الاستياء واندلاع لهيبها وسخط الجمهور، فتشجع الناس للقيام على النهب والسلب. وأخذت أكثر العناصر مشاغبة في خراسان من السكان في أقاليم قوچان وبُجنورد وشيروان تتّحد تحت إمرة السالار ابن آصف الدولة وهو الخال الأكبر للشاه والحاكم على الإقليم

________________________

(1) ’وكانت هذه المقاطعة معرضًا للقلاقل الخطيرة، ففي نهاية سنة 1844م وابتداء سنة 1845م كان حاكم بجنورد قد ثار على الشاه واتحد مع التركمان على إيران، فاستغاث الأمير آصف الدولة حاكم خراسان بطهران، فصدر الأمر للجنرال خان بابا خان رئيس الجيش الإيراني بإرسال عشرة آلاف رجل لإخماد الثورة ولكن فراغ الخزينة من المال عطل إرسال القوة فامتنع عن إطاعة الأمر. ورتب الشاه مشروعًا لإرسال حملة في الربيع وهو على رأسها وأخذ في الإعداد لها وكمل تنظيم عشر كتائب تضم ألف رجل لكل كتيبة، انتظروا وصول الأمير حمزة ميرزا الذي تعيّن رئيسًا للحملة. وكان حاكم خراسان آصف الدولة خال الملك أحس بفزع من جراء النميمة التي وشي بها في حقه في طهران فحضر فجأة إلى البلاط الملكي ووقع على رجل الملك وأعلن إخلاصه لشخصه وطلب معاقبة متهميه وأعدائه وخاصة ميرزا آقاسي رئيس الوزراء القوي وانتهى النزاع بهزيمة الحاكم حيث استلم الأمر بالسفر إلى الحجاز مع والدة الملك إلى مكة المكرمة. وكان ابن آصف الدولة سالار محافظًا على جامع مشهد وهو رجل غني بنفسه وقوي بمحالفته مع شيخ الأكراد جعفر قلي خان إيلخاني من قبيلة قاجار قد قام بشق عصا الطاعة واستلزم ذلك إرسال ثلاثة آلاف رجل مع الأسلحة وعشرين مدفعًا وأعطى مقاطعة خراسان لحكم حمزة ميرزا، ولما جاءت الأخبار بأن جعفر قلي خان حضر ومعه خيالة من الكرد والتركمان وقتل بعض فصائل من الجيش الإيراني، استلزم الحال إرسال خمسة أفواج من الجيش وثمانية عشر قطعة إضافية من المدفعية. وبذلك تم إخماد الثورة في 28 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1847م. وتسمى موقعة شاهرود "15 سپتمبر/أيلول" وفرّ جعفر قلي خان والسالار.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 257-258)

المذكور، وخلعوا سلطة الحكومة المركزية وثاروا عليها. وكلما أرسلت قوات من العاصمة كان محركو الثورة يهزمونها في الحال. وكان جعفر قلي خان نامدار والأمير أرسلان خان ابن السالار، اللذان يقودان الثوار المحاربين للشاه قد أظهرا منتهى القسوة في معاملة الأسرى، وإذ صدّا هجوم الأعداء، قاما بإعدام أسراهم بوحشية.

وكان الملاّ حسين البشروئي في ذلك الوقت مقيمًا في مشهد(1) ومنشغلاً في نشر الأمر الجديد بالرغم من الهياج الذي أحدثه وقوع تلك الثورة. وما كاد يعلم أن السالار عزم على مقابلته للحصول منه على المعونة والمساعدة ليمد نطاق الثورة، حتى قرر ترك المدينة توًا لئلا يدمج نفسه في الدسائس التي كان يحيكها ذلك الزعيم الثائر. وخرج في ظلام الليل من المدينة ومعه قمبر علي خادمه فقط، سائرين على الأقدام باتجاه طهران ومنها عزم على زيارة آذربيجان حتى يقابل هناك حضرة الباب. ولما علم أصدقاؤه بسفره، هيئوا له كل أسباب الراحة لذلك السفر الطويل المتعب، وذهبوا بها ليلحقوه. ولكن الملاّ حسين امتنع عن قبول مساعدتهم قائلاً: ’إني أقسمت أن أسير على قدمَي كل المسافة التي تفصلني عن محبوبي، فلن أنثني عن عزمي حتى أصل إلى المكان المقصود.‘ بل اجتهد أن يقنع قمبر علي بالرجوع إلى مشهد، ولكنه أخيرًا اضطر للسماح له بخدمته أثناء حجه إلى آذربيجان بناءً على توسله.

________________________

(1) ’مشهد هي أكبر مدينة يحج إليها في إيران وفيها جدث الإمام الرضا، ولا أذكر المئات من المعجزات التي تنسب إلى ذلك القبر المقدس وتحصل في كل يوم ويكفي الإشارة إلى أنه في كل سنة يحضر للحج آلاف من الحجاج لذلك القبر. ولا يرجعون إلى بيوتهم حتى يصرفوا آخر قرش على ما فيها من البضائع والصنائع ويجري فيها من أجل ذلك نهر من ذهب بلا انقطاع ويتناول هذه النقود الموظفون السعداء ولا يفتأون يعملون ألف حيلة ليبقوا زبائنهم في شباكهم. ولذلك وجدت هناك أعظم إدارة منظمة في إيران. فلو فرضنا وكان هناك نصف المدينة من الزوار فإن النصف الآخر يقومون على خدمتهم والانتفاع منهم، فيكون منهم أصحاب حانات ونزل وفنادق وسماسرة، حتى البنات اللائي لا يجدن أزواجًا يلجأن إليها للتزوج. ومع أنهم جميعًا قاموا ضد الرسول الذي لا يعرفونه ويجهلون أحكامه. فلا يخافون من جانبه على شيء إلا بوار تجارتهم فإنهم لا يأذنون بذلك. وإذا كان الرسول يقوم على محاربة الفساد فذلك جائز فيما عدا مدينة مشهد من البلاد. أما عندهم في تلك المدينة فمن فيها من كبار وصغار نشأوا على الفساد ولا يعيشون إلا عليه. فللإمام المهدي إذًا أن يظهر كيف يشاء إلا إذا كان ظهوره يضر بتجارتهم. وفي نظرهم إنه يصح له أن يجمع الناس حوله وبهم ينتصر وإن في ذلك مشقة عليه لمواجهته ضربات قاسية ولكن الناس في مدينتهم هادئون يكسبون عيشهم وأموالهم دون أي مخاطرة أو تعب.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 258-259)

وقابل الأحباء الملاّ حسين في طريقه إلى طهران بكل ترحاب وحماس في مختلف المدن التي مرّ بها، فكانوا يقدمون له عرض المعونة نفسه ويتلقون رد الرفض نفسه. وسمعت الشهادة الآتية من شفتَي آقا كليم: ’لما وصل الملاّ حسين إلى طهران، ذهبت ومعي عدد كبير من الأحباء لزيارته. كان يظهر لنا أنه هيكل الرزانة والتقوى والفضيلة. وكان يحرضنا على مكارم الأخلاق والولاء التام. وهكذا كانت قوة شخصيته وشدة إيمانه على شأن اعتقدنا أنه وحده ودون عون أحد يقدر أن يحقق النصر لأمر الله.‘ وقد توصل سرًا إلى المثول أمام حضرة بهاءالله، وبعد التحدث معه قام إلى آذربيجان.

وفي الليلة السابقة على وصوله إلى ماه كو التي كانت في عشية النوروز الرابع من إعلان دعوة حضرة الباب، ووافق في سنة 1264ﻫ(1) اليوم الثالث عشر من شهر ربيع الثاني، رأى علي خان رؤيا، قال: ’رأيت كأني أُخبرت فجأة بعزم محمد رسول الله على المجيء إلى ماه كو وأنه سوف يحضر إلى القلعة ليزور الباب وليهنئه بمجيء عيد النوروز. وفي منامي خرجت جريًا لمقابلته وأنا مشتاق لأقدم خضوعي وترحيبي لزائرٍ مقدسٍ مثله. وبفرحٍ لا يُوصَف أسرعت على الأقدام إلى ناحية النهر، ولما وصلت إلى القنطرة التي هي على بعد ميدان(2) من بلدة ماه كو، رأيت رجلين قادمين نحوي وظننت أن أحدهما رسول الله نفسه والآخر الذي يسير خلفه أحد أصحابه المميزين. فأسرعت إلى الوقوع على أقدامه وانحنيت لأقبّل طرف ردائه، وإذ ذاك استيقظت فجأة. فانغمست روحي في بحر من السرور وشعرت كأن الجنة بنفسها وما فيها من مسرات قد تجمّعت في قلبي. وإذ أيقنت بصحة رؤياي، قمت وتوضأت وصليت وارتديت أفخر ملابسي وتعطرت وذهبت إلى تلك البقعة التي نظرت فيها في الرؤيا الليلة الماضية وجه الرسول. وكنت قد أمرت أتباعي أن يسرجوا لي ثلاثة جياد من خيارها وأسرعها وأن يقودوها إلى القنطرة. وما كادت الشمس تشرق حتى خرجت وحدي دون حرس وخرجت من بلدة ماه كو باتجاه النهر، وما كدت أصل إلى القنطرة حتى عجبت لرؤيتي الرجلين الذين شاهدتهما في الرؤيا

________________________
(1) سنة 1848م.
(2) جزء من فرسخ.

يمشيان الواحد خلف الآخر ويسيران نحوي، ودون أي تفكّر وقعت على قدمَي الشخص الذي اعتقدت أنه الرسول وقبّلتهما بإخلاص ورجوته هو ورفيقه أن يركبا الجوادين اللذين هيّئتهما لدخولهما إلى ماه كو. فقال: ’’لا فإني آليت على نفسي أن أتمّم رحلتي ماشيًا على قدمَي. وسأسير ماشيًا إلى قمة الجبل وهناك أزور سجينك.‘‘ ‘

صورة 103
منظر ميلان في آذربيجان

وجعلت هذه الحادثة الغريبة علي خان يشعر باحترام زائد في مسلكه نحو حضرة الباب، وأصبح يقينه في صحة الأمر وقوته أعظم من ذي قبل. وبخشوع تام تبع الملاّ حسين إلى أن وصلوا إلى بوابة القلعة. وما كادت عينا الملاّ حسين تقع على وجه سيده الذي كان واقفًا على عتبة البوابة، حتى وقف فجأة وانحنى أمامه ومكث بجانبه دون حراك. فمدَّ حضرة الباب ذراعيه وعانقه بكل شوق. وأمسك بيده واصطحبه إلى غرفته. ثم دعا أحباءه إلى محضره واحتفل معهم بعيد النوروز. وقدمت أطباق الحلوى والفاكهة المميزة أمامه، وفرّقها على أحبائه المجتمعين، وإذ ناول الملاّ حسين بعضًا من السفرجل والتفاح، قال له: ’إن هذه الفاكهة اللذيذة قد أتتنا من ميلان، أرض الجنة، وقُطفت خصيصًا لهذا العيد بواسطة اسم الله الفاتق محمد تقي.‘

وحتى ذلك الوقت لم يكن يُسمح لأحد من أتباع حضرة الباب سوى السيد حسين اليزدي وأخيه بالمبيت ليلاً داخل القلعة. ولكن في ذلك اليوم ذهب علي خان إلى حضرة الباب وقال: ’إذا كنت ترغب في أن يبقى معك الملاّ حسين هذه الليلة، فإني مستعد لتنفيذ رغبتك لأنه ليس لي إرادة من تلقاء نفسي ومهما طال الوقت الذي تريده أن يمكث معك فإني لا أمانع بل أكون رهن إشارتك.‘ وكان تلاميذ حضرة الباب يفدون عليه بأعداد متزايدة في ماه كو وكان يسمح لهم بالدخول إلى محضره توًا دون أي حائل.

وذات يوم كان حضرة الباب يتأمل في المناظر المجاورة من سطح القلعة ورأى من ناحية الغرب كيف أن نهر أراكسس يتعرج في مجراه بعيدًا تحت ناظرَي حضرته، فالتفت إلى الملاّ حسين وقال: ’هذا هو النهر وهذه هي ضفته التي كتب عنها الشاعر حافظ: ’’يا نسيم إذا مررت بضفاف نهر أراكسس، فقبّل تراب ذلك الوادي، وعطّر مشام أنفاسك من عبير طيبها، ويا منازل سلمى إليك ألف تحية وثناء، فما أعز صوت الحادي هناك وما أحلى جلجلة أجراسه.‘‘(1) إن أيام إقامتك في هذا الإقليم أصبحت معدودة ولولا قصر مدة إقامتك لأريناك "منازل سلمى" كما أريناك ضفاف نهر أراكسس.‘ وكان حضرة الباب يقصد من "منازل سلمى" بلدة سلماس التي تقع قريبًا من چهريق ويسميها الأتراك سلماس. واستمر حضرة الباب في ملاحظاته بقوله: ’إن الروح القدس هي التي تنطق على ألسن الشعراء وهم في غالب الأحيان لا يقدرون أن يعرفوا المغزى. والشعر الآتي أيضًا موحى به من الروح الأمين: "شيراز سوف تضطرب، وسيظهر فيها ذلك الفتى الحلو اللُمى وأخشى أن تهيج طيب أنفاس فمه وتقلب بغداد." والسر في هذا البيت مخفي الآن "وسيعلم نبؤه بعد حين."‘(2) ثم تلا حضرة الباب الحديث المعروف الذي يفيد أن الكنوز

________________________

(1) وقال الحاج معين السلطنة في تاريخه (الصفحتان 67-68) أن ميرزا حبيب الشيرازي المعروف باسم القائني وهو أحد مشاهير شعراء الفرس كان أول من أنشأ قصيدة في مدح الباب وإعلاء شأنه ومقامه وكانت النسخة الخطية المتضمنة هذه الأشعار قد اطلع عليها مؤلف التاريخ وقد كتب على رأس المديح: "في مدح ظهور السيد الباب".

(2) عدد "حين" يوازي 68 أي سنة 1268ﻫ وهي سنة بدء دعوة حضرة بهاءالله في طهران إذ كان مسجونًا في سياه چال.

الإلهية مخبوءة تحت عرش الرحمن ومفتاحها ألسن الشعراء. ثم أنبأ الملاّ حسين بكافة الحوادث التي ستحصل في المستقبل واحدة بعد أخرى، وأمره أن لا يخبر بها أحدًا(1) وقال له حضرة الباب: ’بعد بضعة أيام على مغادرتك هذا المكان سوف ينقلوننا إلى جبل آخر. وقبل أن تصل إلى وجهتك ستصلك أخبار انتقالنا من ماه كو.‘

وتحقق تنبؤ حضرة الباب سريعًا. فالأشخاص الذين كانوا يتجسسون على حركات علي خان ومسلكه، أرسلوا تقريرًا مفصلاً إلى الحاج ميرزا آقاسي واتهموه فيه بإخلاصه الشديد لسجينه، ووصفوا الوقائع التي تثبت أقوالهم. ومما كتبوه: ’إن محافظ قلعة ماه كو يعاشر المسجون ليل نهار بحرية تامة وود خالص، وإن علي خان الذي رفض أن يزوج ابنته إلى ولي عهد عرش إيران بحجة أن هذا العمل يثير ثائرة أقارب والدته الذين هم من أهل السنة ويعرّضونه هو وابنته للقتل، يطلب الآن من الباب بإلحاح تزويجها له. وقد رفض الباب ذلك، إلا إن علي خان يصر في تضرّعه. ولولا رفض المسجون لتمّت المراسم الخاصة بالزواج والاحتفال به.‘ وكان علي خان قد قدم طلبًا كهذا وترجّى الملاّ حسين أن يتوسط لدى حضرة الباب ولكنه لم يتمكن من الحصول على الإذن منه.

فكان لهذه التقارير المغرضة أثر فوري على الحاج ميرزا آقاسي. فقاد الخوف والاستياء ذلك الوزير الأحمق إلى إصدار أمر جازم بنقل حضرة الباب إلى قلعة چهريق.

وبعد مرور عشرين يومًا على النوروز، ودّع حضرة الباب أهالي ماه كو الذين عرفوا إلى درجة كبيرة قوة شخصيته العظيمة وسمو أخلاقه أثناء الأشهر التسعة التي قضاها في الحبس. وكان الملاّ حسين الذي غادر ماه كو بأمر حضرة الباب لا يزال في تبريز، إذ سمع بأخبار نقل مولاه إلى چهريق كما سبق وتنبأ به حضرته. وكان حضرة الباب وقت وداعه للملاّ حسين قد خاطبه بهذه الكلمات: ’لقد سِرتَ على قدميك طول الطريق من

________________________

(1) وفي "الدلائل السبعة" يقول الباب أن حديث آذربيجان خاص بهذا الموضوع وهو "إن كلما يحصل في آذربيجان هو بلا شك لأجلنا ولا يمكن لأي أحد أن يمنع حصوله. فاذهبوا إذًا إلى بيوتكم ولكن إذا سمعتم بظهور أحد فاذهبوا إليه." ويستمر الحديث "ويلٌ للعرب من شر قد اقترب." ولو كانت هذه الأقوال الصادرة من الرسول خاصة برسالته لما كان لها أي معنى بل تكون عبثًا. ("الدلائل السبعة"، ترجمة نقولاس، الصفحة 47)

موطنك إلى هذا المكان، فعليك الآن أن تعود أيضًا سيرًا على الأقدام إلى أن تصل إلى وجهتك، لأن الأيام التي تمتطي فيها ظهور الجياد سوف تأتي فيما بعد، فقد قدر لك أن تظهر منك الشجاعة والمهارة والبطولة التي تقصر عنها أعمال أعظم الأبطال من قديم الأزمان. إن مآثرك الجريئة ستستوجب مديح سكان الملكوت الأبدي وإعجابهم. عليك أن تزور في طريقك أحباء خوي وأروميه ومراغه وميلان وتبريز وزنجان وقزوين وطهران. عليك أن تبلغ محبتي وأرق أشواقي لكل منهم. واجتهد أن تشعل في قلوبهم مرة أخرى نيران محبة الجمال الإلهي، وتسعى في تقوية إيمانهم في أمره. عليك أن تسير من طهران إلى مازندران وهناك ينكشف لك الكنز الإلهي المستور. فسوف يطلب منك أن تقوم بأعمال عظيمة تقل دونها أعظم الأعمال التي وجدت منذ القدم. وسوف تتضح لك طبيعة مأموريتك في ذلك المكان وتعطى القوة والهداية حتى توفق لإسداء خدماتك لأمره.‘

وفي صبيحة اليوم التاسع بعد النوروز قام الملاّ حسين برحلته في مازندران كما أمر به مولاه. وقال حضرة الباب لقمبر علي أثناء توديعه: ’إن قمبر علي في العصر الماضي كان ليفتخر أن اسمه قد بقي حتى يشاهد اليوم الذي كان رب سيده يتأوه ويتحسر ليراه وكان يقول بكل شوق ’’وا شوقاه لرؤية وجوه أحبائي الذين سيتشرفون بلقاء يوم حضرته!‘‘ ‘

***
صفحة خالية
الفصل الرابع عشر
رحلة الملاّ حسين إلى مازندران

وطلب علي خان من الملاّ حسين أن يتأخر بضعة أيام في منزله قبل سفره من ماه كو وأظهر رغبته في عمل كل التسهيلات أثناء رحلته إلى مازندران، ولكن الملاّ حسين رفض أن يؤخر سفره أو أن يقبل ما وضعه علي خان تحت تصرفه من وسائل الراحة.

وإذ كان موفيًا بالتعليمات التي أعطيت له، فقد مكث في كل بلدة وقرية أمره حضرة الباب بزيارتها، وجمع الأحباء فيها وأوصل لهم رسالة المحبة والتحيات وتأكيدات مولاهم المحبوب، وكان يحيي فيهم الحماس وينصحهم على أن يظلوا ثابتين على نهجه. وتشرف في طهران ثانية بمحضر حضرة بهاءالله وتسلّم من يديه الغذاء الروحي الذي مكنه أن يواجه المخاطر التي اكتنفته بشدة في أواخر أيام حياته بتلك الشجاعة والجرأة.

وواصل الملاّ حسين رحلته من طهران إلى مازندران شوقًا لمشاهدة أمر الكنز المكنون الذي وعده مولاه به. وكان القدوس في ذلك الوقت قاطنًا في بارفروش في المنزل الذي كان أصلاً مُلكًا لوالده. وكان يعاشر الناس على اختلاف طبقاتهم وبسبب لطف طباعه واتساع دائرة معارفه اكتسب محبة سكان تلك المدينة وإعجابهم. ولدى وصوله إلى تلك المدينة ذهب الملاّ حسين توًا إلى منزل القدوس وتلقى منه ترحيبًا وديًا. وكان القدوس يقوم بنفسه على خدمة ضيفه ويعمل كل ما في وسعه لراحته. وبيده قام على غسل رجليه من أدرانها وإزالة ما علق بها من الأوضار. وخصص له مقعد الشرف في مجلس الأحباء وعرّف المؤمنين الذين تجمّعوا لملاقاته.

وفي ليلة وصوله، وبعد رجوع الأحباء الذين حضروا العشاء المعد لاستقبال الملاّ حسين إلى منازلهم، التفت المضيف إلى ضيفه وسأله إن كان بإمكانه توفير معلومات بخصوص مشاهداته الدقيقة مع حضرة الباب في قلعة ماه كو. فأجابه قائلاً: ’إن الأمور والأشياء التي سمعتها في مدة تسعة أيام التي اجتمعت فيها معه كثيرة ومتنوعة. وتحدث معي في أمور ترتبط مباشرة وبشكل غير مباشر في نفس الوقت بدينه. إلا إنه لم يرشدني بصفة خاصة إلى الطريقة التي اتبعها لنشر أمره. ومحصل ما قاله لي: ’’إنك في طريقك إلى طهران عليك أن تزور الأحباء في كل مدينة وقرية تمر بها. ومن طهران تتجه إلى مازندران وسيظهر لك هناك كنز مستور سوف ينير لعينيك طريقة العمل الذي قدر لك إنجازه.‘‘ ومن إشاراته أمكنني أن أشاهد، ولو بنحو باهت، مجد ظهوره وعلائم ارتفاع أمره في المستقبل. وفهمت من كلمات حضرته أني سوف أُدعَى في النهاية لأن أضحي بنفسي الحقيرة في سبيله. فقد كان في كل مرة يودعني يؤكد لي حضرة الباب أني سوف أدعى مرة أخرى لمقابلته. أما في هذه المرة عندما كان يلفظ كلمات وداعه لم يعدني بمثل ذلك الوعد ولا أشار إلى ميعاد مقابلتي له في هذا العالم، بل كانت آخر كلماته لي ’’إن عيد التضحية سريع الاقتراب، فقم وشمّر عن ساعد الجد ولا تسمح لأي شيء أن يمنعك عن الوصول إلى المقام الذي قدر لك، فإذا وصلت إليه فاستعد عند ذلك للقائنا لأننا نحن أيضًا سنتبعك.‘‘ ‘

وسأله القدوس إن كان أحضر معه شيئًا من كتابات مولاه؟ فلما أجابه سلبًا، أهدى القدوس ضيفه بصحائف من كتاب خطي كان في حوزته وطلب منه أن يقرأ بعض فقرات معينة، وإذ قرأ صفحة واحدة من ذلك الكتاب حصل في وجهه تغيير كلي فجائي. وبدت عليه علامات الدهشة والإعجاب وأثار سمو تلك العبارات وعمقها وتأثيرها وقوة نفوذها، ولهًا شديدًا في قلبه وابتدأ يذكرها بمدح فائق. وإذ وضع الكتاب من يده قال: ’إني أرى أن كاتب هذه الكلمات قد استقى وحيه من المنبع الأصلي الذي هو أعلى وأشرف من جميع المنابع التي يستقي منها العلماء معارفهم. وإني أشهد بكل قلبي وجوارحي بعلو كعب هذه الكلمات ورفعتها وقبولي لكل الحقائق التي تحتويها.‘ وقد استنتج الملاّ حسين من

صمت القدوس ومن أسارير وجهه أن مضيفه هو الشخص الوحيد الذي يقدر أن يكتب هذه الكلمات، فقام من مكانه توًا ووقف برأس منحن على عتبة الباب وقال باحترام: ’إن الكنز المستور الذي تكلم عنه حضرة الباب قد انكشف الآن أمام عينَي وبدلت أنواره ظلام الحيرة والشك، ومع أن مولاي الآن مستور في حصون جبال آذربيجان إلا إن آية بهائه ومظهر قوته يقف الآن أمامي وقد وجدت في مازندران مرآة عظمته.‘

فما أعظم وأفدح خطأ الحاج ميرزا آقاسي! فقد ظن هذا الوزير الأحمق خطًأ أنه بالحكم على حضرة الباب بالنفي والإبعاد في أحد أركان آذربيجان المحجوبة ينجح في إطفاء الشعلة الإلهية الأزلية ليحجب نورها عن أعين مواطنيه. وغاب عنه أنه بعمله قد وضع النور الإلهي على قمة الجبل فساعد بذلك على انتشار أشعته وإعلاء عظمته. وبسوء تدبيره وخطأ حسابه الفادح، زاده علوًا واشتعالاً بدلاً عن إخفاء هذه الشعلة الإلهية عن أعين البشر. ومن جهة أخرى كم كان إنصاف الملاّ حسين ودقة حكمه وثقته! ولن تجد بين من عرفه ورآه، من يشك للحظة واحدة في معرفته الواسعة، أو في جاذبيته أو في وقاره الرفيع أو في بسالته المدهشة. فلو ادّعى بعد وفاة السيد كاظم أنه هو القائم الموعود، فإن أشهر زملائه التلاميذ كانوا لا يحجمون عن تلبية دعوته بالإجماع ويخضعون لسلطانه. حتى إن الملاّ محمد الممقاني ذلك العالِم الشهير من تلامذة الشيخ أحمد الأحسائي كان يقول بعد أن تعرّف عن طريق الملاّ حسين في تبريز بدعاوى الظهور الجديد: ’أشهد بالله لو كانت هذه الدعوة التي ادّعاها السيد الباب صدرت من نفس الملاّ حسين لكنت أول من يصدّقها نظرًا لما هو عليه من حسن الأخلاق وسعة العلم وكنت إذ ذاك أنشرها في كل أنحاء العالم. ولكنه لما اختار أن يخضع لشخص آخر فقد امتنعت من أن أثق في كلماته ورفضت إجابة ندائه.‘ كذلك الحاج السيد محمد باقر الرشتي لما سمع الملاّ حسين يحل له بمقدرة فائقة المعضلات الدينية التي أشكلت عليه زمنًا طويلاً، شهد له بعلو كعبه بعبارات لامعة قائلاً: ’كنت أظن نفسي قادرًا على إسكات السيد كاظم الرشتي وتحييره، فلما قابلت وتكلمت مع مَن يدعي إنه أحقر تلاميذه علمت لأول مرة أني أخطأت خطًأ فاحشًا في حكمي. فإن حجة

هذا الشاب والموهبة التي منحها كانت بدرجة لو يحكم بأن النهار ليل لكنت أصدق أنه يمكنه تقديم براهين كافية تثبت في أعين علماء الدين صحة بيانه.‘

ورغم اعتقاده في البداية بعلو مقامه وتفوقه وتوجهه نحو التقليل من شأن دعاوى قدمها ابن تاجر مغمور من شيراز، فإن الملاّ حسين في الليلة نفسها التي التقى فيها بحضرة الباب لم يفُته، منذ اللحظة التي بدأ فيها مضيفه بعرض موضوعه، إدراك ما انطوى عليه أمره من المنافع العديدة. فاعتنق دينه بكل شوق وطرح جانبًا كل ما يعوقه عن التفهم الصحيح لحقيقة أمر الله وإعلاء شأنه. ولما سنحت الفرصة لاحقًا للملاّ حسين أن ينظر في كتابات القدوس الفائقة ويدرك سموها، وبما ملك من حنكة ورأي سديد، اعترف حالاً بقيمة المواهب الخاصة التي منحت للقدوس، فتضاءل اتساع علمه الذي حصّله أمام قوته وصار كالعدم تلقاء الفضائل الإلهية المحيطة التي ظهرت من روح ذلك الشاب. ومنذ ذلك الوقت كرس ولاءه الدائم لمن تجلت في مرآة فؤاده أشعة شمس مولاه المحبوب، فشعر بأن أول واجباته أن يخضع كلية إلى القدوس ويتبع خطواته ويسير طبق إرادته، ويعمل على راحته وسلامته بكل ما أوتي من قوة. ولساعة استشهاده كان الملاّ حسين وفيًا بوعده، وكان احترامه الشديد للقدوس مسيرًا باعتقاد راسخ متين في تلك المواهب الإلهية التي شملته والتي هي خارجة عن حدودات البشرية وهي التي ميزته عن باقي أقرانه. ولم يكن لدى الملاّ حسين أي اعتبار آخر يجعله يخضع ويحترم من كان يعتبره أولاً قرينه ومساويًا له في الرتبة. إلا أن فراسة الملاّ حسين وشرف أرومته دفعته إلى الاعتراف بهذه الحقيقة الواضحة فأظهرها بما يليق لمقامها.

وهكذا حصل التغيير في سلوك الملاّ حسين نحو القدوس، حتى إن الأحباء الذين اجتمعوا صباح اليوم التالي في منزله دهشوا إذ رأوا أن الضيف الذي كان يحتل المقام الأول والذي كان مشمولاً بالعطف والإكرام قد ترك مقامه لمضيفه ووقف في محله على العتبة بخضوع تام. وأول ما تكلم به القدوس للملاّ حسين في محضر الأحباء المجتمعين هو الآتي: ’عليك الآن أن تقوم في هذه الساعة وتتسلح بعصا الحكمة والقوة وتسكت ملأ المعتدين الذين يجهدون لإهانة اسم دين الله النقي. فعليك أن تواجه هؤلاء الجموع وتكسر

قوتهم وتتكل على فضل الله وأن تعتبر مكائدهم محاولة خاسرة لإطفاء أنوار الأمر. وعليك أن تجتمع بسعيد العلماء ذلك الطاغية المشهور ذي الضمير السيئ وتبين له بلا خوف معالم امتياز هذا الظهور. ثم تذهب إلى خراسان وفي بلدة مشهد تبني منزلاً يكفي أن يكون مسكنًا لنا وتكون فيه المرافق الكافية لاستقبال ضيوفنا. وسنسافر إلى هناك ونسكن في ذلك البيت وندعو إليه كل نفس مستعدة للاطلاع من طلاب الهداية إلى مَعين الحياة الأبدية وسوف نعدّهم وننصحهم أن يتكاتفوا على خدمة أمر الله.‘

وقام الملاّ حسين في اليوم التالي عند طلوع الشمس لمقابلة سعيد العلماء ودخل عليه وحيدًا دون معين، وكما أمره القدوس أبلغه الرسالة عن ظهور اليوم الجديد وبفصاحة تامة ودون وجل أظهر أمر مولاه المحبوب في وسط الجمع الحاشد من تلاميذه وطلب منه أن يكسر تلك الأصنام التي نحتها له وهمه وأن يرفع على أنقاضها علم الهداية الإلهية ويخلص فؤاده من قيود التقاليد الماضية ويسرع بعد فكها والخلاص منها إلى شاطئ النجاة الأبدية. وتمكن من رد كل حجة أراد هذا الساحر المغرور أن يدحض بها أمر الرسالة الإلهية، وأظهر بمنطقه الذي لا يغلب كذب كل قضية اجتهد في أن يقيمها. وإذ تسلط على سعيد العلماء خوف انفضاض التلاميذ والمريدين من حوله والتفافهم حول شخص الملاّ حسين، شرع إلى أحط الوسائل وتذرع بقبيح الأقوال أملاً في لم شعث مقامه، فكان يقذف بالشتائم في وجه الملاّ حسين، وتجاهل باحتقار قوة البراهين والأدلة التي كان يحاججه بها خصمه وقرر بلا مبرر عدم صلاحية الأمر الذي دعي لقبوله. وما كاد الملاّ حسين يعلم منه عدم قدرته على تفهم أهمية الرسالة التي جاءه بها حتى قام من مجلسه وقال له: ’إن حجتي قصرت عن أن توقظك من نوم غفلتك، وإن أعمالي في الأيام المقبلة ستريك وتبرهن لك قوة الرسالة التي رأيتَ احتقارها.‘ وكان يتكلم بقوة وتأثير جعل سعيد العلماء يرتبك كلية ومن شدة رعبه لم يقدر على الجواب، ثم التفت الملاّ حسين إلى أحد الحاضرين في ذلك المجلس والذي ظهر عليه التأثر من كلماته وطلب منه أن يخبر القدوس بما وقع في هذه المقابلة، وأضاف: ’قل له بما إنك لم تأمرني بالمثول أمامك لذلك قررت أن أتوجه فورًا إلى خراسان، لأقوم بتنفيذ كل ما أمرتني بعمله.‘

وقام الملاّ حسين فريدًا ومنقطعًا عن كل ما سوى الله وسافر إلى مشهد ولم يكن معه أثناء سيره إلى خراسان سوى الرغبة في إتمام أوامر القدوس وما يكن في ضميره للوفاء بوعده الثابت، فذهب توًا إلى منزل ميرزا باقر القائني وتمكن من أن يشتري في جوار هذا المنزل في بالا خيابان قطعة أرض وابتدأ بتشييد منزل عليها حسب الأمر وأسماه "البابية" وهو اسم تُعرف به إلى هذا اليوم. وبعد إتمام بنائه وصل القدوس إلى مشهد وسكن في المنزل. وبدأ سيل منتظم من الزوار الذين أعدهم الملاّ حسين بهمة وحماسة بالوفود على المنزل والاجتماع بالقدوس ثم اعتناق الأمر والانضمام تحت رايته طواعية. وكانت يقظة الملاّ حسين وانتباهه للعمل على نشر المعارف التي جاء بها الأمر الجديد والطريقة المثلى التي قام بها القدوس على تهذيب أتباعه قد أحدثت موجة شديدة من الحماس عمّت مدينة مشهد بأسرها. وسرعان ما انتشر تأثيرها خارج حدود خراسان وأصبح منزل البابية مركزًا يلمّ جميع المخلصين الذين عزموا عزمًا أكيدًا متشبثين بكل ما أوتوا من قوة لإظهار القوى الباطنية العظيمة التي يكنّها إيمانهم بأمر الله.

***
الفصل الخامس عشر
رحلة الطاهرة من كربلاء إلى خراسان

وإذ اقتربت الساعة المحددة من الإرادة الربانية، أخذت الحجب المانعة من ظهور الدين الإلهي في خراسان تتلاشى، واشتعلت النار الإلهية في قلوب أهل خراسان، حتى أذابت وأحرقت أعظم الموانع والعقبات في طريق الاعتراف النهائي بالأمر.(1) فزادت النار المشتعلة في القلوب بدرجة أن الجميع حتى في المقاطعات النائية من إيران شعروا بقوة إحيائها للنفوس، فانمحى كل أثر للشكوك والهواجس من قلوب الأحباء، تلك التي كانت تمنعهم عن تفهم عظمة الأمر، ودنت الساعة التي فيها زالت جميع الموانع التي حجبت تقدير عظمة الأمر حق التقدير. وخاب ظن العدو الذي أمر بإبعاد صاحب الأمر مظهر الجمال الإلهي وفصله عن أتباعه رغبة من هذا العدو في أن يتمكن بهذه الوسيلة من إطفاء شعلة محبته الموقدة في القلوب. ولكن يد القدرة كانت تعمل بجد على إخماد مقاصد الأعداء وإحباط أعمالهم. ففي أقصى مقاطعات إيران شرقًا أوقد الباري بيد القدوس نارًا ربانية مشتعلة في صدور أهالي خراسان. وفي كربلاء خارج الحدود الغربية لتلك الأرض أشعل نور الطاهرة الذي قدر له

________________________

(1) وكتب كلمنت هوارت ما يلي: ’ولا يندهش إنسان بأن الأمر الجديد انتشر في خراسان بسرعة أكبر عن أي مكان آخر. فقد كان لخراسان امتيازها الأوحد، كونها مسرحًا للأفكار والآراء الجديدة حيث تجد فيها مرتعًا خصيبًا، وخرجت من هذه المقاطعة معظم الحركات التي أثرت جذريًا في الشرق الإسلامي. ويكفي أن نتذكر أن فكرة التجديد الإيراني بعد الفتح العربي نشأت في خراسان. وفيها تكون الجيش تحت إمرة أبي مسلم الذي أجلس العباسيين على كرسي الخلافة عندما قضى على الأرستقراطية المكّية التي احتلته منذ تولي الأمويين الخلافة.‘ ("دين الباب"، الصفحتان 18-19)

أن ينتشر شعاعه في إيران بكاملها. وارتفع النداء الغيبي من شرق المملكة وغربها آمرًا هذين النورين الوضائين أن يسرعا إلى أرض الطاء(1) فجر المجد وموطن حضرة بهاءالله وأن يمثلا أمامه ويطيعا أمره ويطوفا حول كوكب هدايته ويشدا أزره ويهيئا الطريق لظهوره القادم.

واتباعًا للأمر الإلهي نزل لوح من قلم حضرة الباب في تلك الأيام التي كان القدوس لا يزال قاطنًا في مشهد. وفي ذلك اللوح يأمر كل الأحباء في إيران بالإسراع إلى أرض الخاء، مقاطعة خراسان.(2) وانتشرت أنباء هذا الأمر الرفيع بسرعة البرق وأهاجت حماسًا عامًا ووصلت إلى مسامع الطاهرة التي كانت إذ ذاك مقيمة في كربلاء وتعمل جهدها لتوسيع نطاق الأمر الذي اعتنقته.(3) وكانت قد تركت موطنها في قزوين ووصلت بعد وفاة السيد كاظم إلى تلك المدينة المقدسة متشوقة لمشاهدة العلائم التي أخبر بها السيد الراحل. وقد علمنا في الصفحات السابقة كيف اكتشفت بوجدانها حقيقة أمر حضرة الباب واعترفت بأحقيته تلقائيًا. فرأت في نفسها أن فجر الظهور الموعود قد أشرق على مدينة شيراز دون أن يعلمها أو يدعوها أحد، فحررت رسالة لمنبع ذلك النور تعرض فيها إخلاصها وخضوعها.

وكان رد حضرة الباب الفوري على قبولها لاعتناق الأمر دون مقابلته قد أحيا فيها الحماس، وزاد كثيرًا في شجاعتها، فقامت على نشر تعاليمه بكل قوتها وانتقدت بشدة فساد أخلاق أبناء جيلها، وعملت بكل شجاعة على إحداث انقلاب فكري بتغيير عادات الأهالي وأخلاقهم.(4) وكانت نار محبة حضرة الباب أشعلت روحها التي لا تقهر وتعاظم لديها مجد رؤياها بما اكتشفته من البركات الفائضة المكنونة في أمره وزادت شجاعتها

________________________
(1) طهران.

(2) وذكر المقدّم پ. م. سايكس أنه يُعتقد أن الإمام الثاني عشر لم يمت وأنه في سنة 260ﻫ (873م) اختفى في مخبأ سري، وأنه سوف يخرج منه في يوم القيامة ويظهر في مسجد گوهر شاد في مشهد ويتبعه الناس على أنه الإمام المهدي وهو الذي يملأ الأرض عدلاً. ("تاريخ إيران"، الجزء 2، الصفحة 45)

(3) وطبقًا لمحمد مصطفى (الصفحة 108) أن الطاهرة وصلت إلى كربلاء في سنة 1263ﻫ. وأنها زارت الكوفة والمنطقة المحيطة بها واشتغلت بنشر تعاليم حضرة الباب. وكانت تشارك الذين تقابلهم بكتابات مولاها وبينها تفسيره لسورة الكوثر.

(4) ’وسمعت بنداء الباب من شيراز لأول مرة في أسرتها وعلمت القواعد والأحكام التي يبني عليها دعوته. وإن كان علمها ذاك ناقصًا وبعيدًا عن الكمال، ولكنها أعجبت به جدًا، وأخذت في مكاتبة الباب وسرعان ما ↓

الباطنية وقوة شخصيتها أضعافًا مضاعفة بسبب اعتقادها اليقين في نصرة الأمر الذي اعتنقته، وتجددت طاقتها التي لا حدّ لها بعرفانها مقدار فضل هذه الدعوة التي قامت على ترويجها ونصرتها. فكان كل من يقابلها في كربلاء ينجذب من فصاحتها وسحر بيانها ويشعر بالإعجاب من أثر كلماتها. ولم يقدر أحد أن يقاوم سحر لطفها، والقليل أمكنه الإفلات من تأثير معتقدها. وشهد كل الناس بكمال أخلاقها الخارق وأعجبوا بشخصيتها المدهشة واقتنعوا بصدق إيمانها الراسخ.

وتمكنت من ضم أرملة السيد كاظم تحت لواء أمر الله، وهي التي ولدت في شيراز وكانت أولى المؤمنات بين نساء كربلاء اللائي أدركن أحقية الأمر. وسمعتُ الشيخ سلطان يصف إخلاصها الشديد للطاهرة واعتبارها مرشدتها الروحية وصديقتها الحميمة. وقد كان من أكبر المعجبين بشخصية أرملة السيد كاظم، وكثيرًا ما كان الشيخ يشهد بسمو أخلاقها ويقول: ’إن تعلقها بالطاهرة اشتد لدرجة إنها كانت لا تسمح لتلك البطلة العظيمة التي كانت ضيفتها أن تغيب عنها ولو ساعة واحدة. فكان عظيم تعلقها بها مما يثير إعجاب صويحباتها ويقوي يقينهن وإيمانهن عرَبًا كُنّ أم إيرانيات ممن كُنّ يفِدْن عليها للزيارة في منزلها بانتظام. وفي السنة الأولى من اعتناقها لأمر الله وقعت فريسة المرض فجأة. وبعد ثلاثة أيام فارقت هذه الحياة كما حدث للسيد كاظم نفسه.‘

ومن بين الرجال الذين اعتنقوا أمر حضرة الباب بجهود الطاهرة كان الشيخ صالح وهو عربي قاطن في تلك المدينة، فكان أول من سفك دمه في سبيل أمر الله في طهران وكان مدحها للشيخ صالح عظيمًا لدرجة أن البعض ظن أنه يكون مساويًا في الرتبة

_____________________________________________________________________

تبنّت كل أفكاره. وهي لم تكتف بالعطف المجرد ولكنها أعلنت علنًا إيمانها بدعوة مولاها. ولم تدين تعدد الزوجات فحسب، بل حاربت عادة لبس الحجاب وكانت تظهر في الأماكن العامة سافرة مما أثار دهشة عائلتها وجلب عليهم العار وانسحب ذلك أيضًا على كل المسلمين المخلصين. أما أقرانها من المواطنين الذين شاركوها الحماس، فكانوا مبتهجين واتسعت جمعيتهم يومًا فيومًا نتيجة تبليغها لأمر الله. وحاول عمها الطبيب ووالدها القانوني وزوجها بكل الوسائل إقناعها بسلوك أكثر هدوءًا وتحفظًا. ولكنها صدتهم ببراهين موحاة من إيمان يعجز عن تقبل الأمر الواقع بهدوء.‘ ("الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى" لجوبينو، الصفحتان 137-138)

للقدوس. وكان الشيخ سلطان أيضًا من الذين وقعوا في أسر تأثيرها. وإذ رجع من شيراز اعتنق الأمر بكل جسارة وقوة وتأثير، وبذل جهده في إعلاء شأنه وفي تنفيذ أوامر الطاهرة ورغباتها. وكان الشيخ محمد الشبل والد محمد مصطفى أيضًا من المعجبين بها وهو عربي من سكان بغداد وله مقام كبير بين علماء المدينة. وبمساعدة هذه الفئة المنتخبة من الأعوان القادرين المخلصين، تمكنت الطاهرة من إشعال قلوب العديدين من العرب والإيرانيين من سكان العراق وأدخلتهم تحت لوائها، وقادت أغلبهم للانضمام إلى إخوانهم في إيران من الذين دعوا لنصرة أمر الله بأعمالهم وما قدر لهم من سفك دمائهم وتضحية حياتهم.

وكان نداء حضرة الباب الموجه أصلاً إلى أتباعه في إيران، قد وصل في وقت قصير إلى المؤمنين بأمره في العراق. واستجابت الطاهرة في الحال بشكل باهر، واقتفى أثرها عدد كبير من المخلصين المعجبين بها والذين أظهروا جميعهم رغبتهم واستعدادهم للسفر توًا إلى خراسان. وكان علماء كربلاء قد اجتهدوا في أن يثنوا عزمها على السفر. وإذ أدركت للتوّ الداعي الذي حركهم لنصحها على هذا المنوال ومتيقنة من تدبيرهم السيئ، حررت لكل من هؤلاء السفسطائيين رسالة مطولة أظهرت فيها الأسباب التي دعتها إلى السفر وكشفت مكرهم ورياءهم.(1)

وتوجهت من كربلاء إلى بغداد(2) وقابلها وفد من مندوبي أقدر رؤساء الدين من المجتمع الشيعي والسنّي والمسيحي واليهودي في تلك المدينة، وسعوا لإقناعها بطيش

________________________

(1) وطبقًا لسمندر (مخطوطة، الصفحة 9) فإن السبب الحقيقي لهيجان أهل كربلاء، والذي دفعهم لاتهام للطاهرة أمام حاكم بغداد، كان عملها الجريء بعدم الاعتناء بذكرى استشهاد الإمام الحسين الذي أقيم في أوائل شهر محرم في منزل المرحوم السيد كاظم في كربلاء، والاحتفال بدلاً عنها بذكرى ميلاد حضرة الباب الذي يقع في أول يوم من ذلك الشهر. ويقال أنها طلبت من أختها وأقاربها أن يخلعوا أثواب الحزن ويلبسوا بدلاً عنها أثواب الفرح، في تحدٍ علني لعادات الناس وتقاليدهم في تلك المناسبة.

(2) وتبعًا لمحمد مصطفى (الصفحتان 108-109) كان بصحبة الطاهرة عند ورودها إلى بغداد من التلاميذ والأصحاب الملاّ إبراهيم المحلاتي والشيخ صالح كريمي والسيد أحمد اليزدي (والد السيد حسين كاتب حضرة الباب) والسيد محمد البايگاني والشيخ سلطان الكربلائي ووالدة الملاّ حسين وابنتها وزوجة ميرزا ↓

أعمالها. فتمكنت من دحض حججهم وإسكاتهم مذهولين من قوة حجتها. فتركوها وهم متحيرون مرتبكون عالمون بعجزهم.(1)

وقابلها علماء كرمانشاه بالاحترام مبدين الدلائل الوفيرة على تقديرهم وإعجابهم.(2) أما في همدان(3) فكان القادة الدينيون في المدينة منقسمين في موقفهم تجاهها. وكان القليل منهم يحرض الناس ضدها ويسعى لزعزعة مكانتها، وكان بعضهم الآخر يتغنى علنًا بفضائلها ويثني على شجاعتها. وكان هؤلاء الأصحاب يتكلمون من المنابر قائلين:

_____________________________________________________________________

هادي النهري ووالدته. وحسب "كشف الغطاء" (الصفحة 94) فإن والدة الملاّ حسين وأخته كانتا من ضمن السيدات والتلميذات اللائي صحبن الطاهرة في سفرها من كربلاء إلى بغداد. ولدى وصولهن أقمن في منزل الشيخ محمد ابن الشبل العراقي ثم نقلن بأمر حاكم بغداد إلى منزل المفتي السيد محمود الآلوسي صاحب التفسير الشهير المسمى "روح المعاني"، وبقين فيه انتظارًا لوصول تعليمات من السلطان في إسطنبول. وزاد في كشف الغطاء بقوله (الصفحة 96) إن في "روح المعاني" إشارات إلى الأحاديث التي أجراها المفتي مع الطاهرة، ويقال أنه وجه إليها هذه الكلمات: ’يا قرة العين! أقسم بالله إني أشاركك في اعتقادك، ولكني أخشى سيوف آل عثمان.‘ وفي "مقالة سائح" نقرأ: ’وقد ذهبت إلى منزل المفتي مباشرة ودافعت أمامه عن عقيدتها وسلوكها بغاية الاقتدار. وأما مسألة تركها تدعو إلى الدين، فقد عرض الأمر على باشا بغداد ثم على الحكومة المركزية فصدر الأمر لها بترك الأراضي التركية.‘ ("مقالة سائح"، الحاشية كيو، الصفحة 310)

(1) وحسب ما ذكره محمد مصطفى (الصفحة 111) فإن الذين رافقوا الطاهرة من خانقين (على الحدود الإيرانية) إلى كرمنشاه هم: الشيخ صالح كريمي والشيخ محمد الشبل والشيخ سلطان الكربلائي والسيد أحمد اليزدي والسيد محمد البايگاني والسيد محسن الكاظمي والملاّ إبراهيم المحلاتي ونحو ثلاثين من الأحباء العرب. ومكثوا ثلاثة أيام في قرية كَرَنْد حيث كانت الطاهرة تعلن تعاليم الباب بكل شجاعة ونجحت في إيقاظ اهتمام كل طبقات الناس بالظهور الجديد. وروي أن ألفًا ومائتي شخص تطوعوا لاتّباعها وتنفيذ أوامرها.

(2) وحسب ما كتبه محمد مصطفى (الصفحة 112) فإنها استقبلت لدى وصولها كرمانشاه بحماس زائد وأسرع لزيارتها الأمراء والعلماء وموظفو الحكومة وتأثروا جدًا بفصاحتها وشجاعتها واتساع علومها وقوة شخصيتها. وقد تلي تفسير حضرة الباب لسورة الكوثر علنًا وتمت ترجمته. وكانت زوجة الأمير حاكم كرمنشاه من بين السيدات اللائي قابلن الطاهرة وسمعن تفسيرها للتعاليم المقدسة. وأقر الأمير وعائلته بصدق الدعوة وأقروا بإعجابهم ومحبتهم للطاهرة. وذكر محمد مصطفى (الصفحة 116) أن الطاهرة مكثت يومين في قرية "صَحْنِه" في طريقها إلى همدان حيث استقبلت بترحاب لا يقل حماسًا عن ذلك الذي لاقته في قرية كرند. وقد رجاها سكان القرية أن يضعوا أيديهم في أيدي أتباعها لنشر الأمر الجديد وإعلاء شأنه، ولكنها نصحتهم أن يبقوا في أماكنهم وأثنت على مجهوداتهم وباركتها وتابعت سفرها إلى همدان.

(3) وجاء في "تذكرة الوفاء" (الترجمة العربية، الصفحة 207) أن الطاهرة مكثت شهرين في همدان.

صورة 104
صورة 105
المنازل التي عاشت فيها الطاهرة في قزوين

’يجدر بنا أن نتبع مثالها النبيل ونطلب منها باحترام أن تكشف لنا عن أسرار القرآن الكريم وأن تحل لنا تعقيدات الكتاب. لأن كل ما وصلنا إليه لم يكن إلا كقطرة من بحر بالنسبة إلى علمها.‘ وأثناء إقامتها في همدان قابلها الذين أرسلهم إليها والدها الحاج الملاّ صالح من قزوين للترحيب بها وحثها، نيابة عنه، على زيارة موطنها وإطالة مكثها بينهم.(1) فقبلت ذلك بعد تردد. وقبل مغادرتها أمرت الذين رافقوها من العراق أن يتوجهوا إلى موطنهم، وكان بينهم الشيخ سلطان والشيخ محمد الشبل وابنه الصغير محمد مصطفى، وعابد وابنه ناصر الذي تسمى فيما بعد باسم الحاج عباس. وأما رفقاؤها الذين هم من أهالي إيران مثل السيد محمد الگلپايگاني واسمه القلمي(2) "الطائر" والذي سمّته الطاهرة "الفتى المليح"، وغيرهم فقد أمرتهم أن يعودوا إلى أوطانهم. ولم تُبْقِ معها سوى الشيخ صالح والملاّ إبراهيم

صورة 106

مكتبة الطاهرة في منزل والدها في قزوين ويظهر أحد أقاربه

________________________

(1) وذكر محمد مصطفى (الصفحة 117) أن من بين الذين أرسلوا من قزوين كانوا إخوة الطاهرة.

(2) اسم مستعار يتخذه الكاتب أو الشاعر.

الگلپايگاني، واللذين شربا كأس الشهادة، الأول في طهران والثاني في قزوين. ورافقها في الطريق من كربلاء إلى قزوين من أقربائها ميرزا محمد علي، أحد حروف الحيّ وزوج أختها، وكذلك السيد عبد الهادي الذي كان قد عقد خطبته على ابنة الطاهرة.

وإذ وصلت إلى منزل والدها أرسل ابن عمها ذلك المتغطرس أسود القلب الملاّ محمد ابن الملاّ تقي الذي ظن نفسه بعد والده وعمه أقدر مجتهدي إيران، أرسل إليها بعض النسوة من منزله لإقناعها بنقل سكنها من عند والدها إلى منزله، فكان جوابها الجريء لهن: ’قولوا لقريبي الأحمق المغرور لو كان قصدك حقًا أن تكون رفيقًا لي وزوجًا، لكنتَ أسرعتَ لمقابلتي في كربلاء، ولسِرتَ على قدميك لحراستي وقيادة هودجي طول الطريق إلى قزوين، وإذ ذاك كنتُ أثناء سفري معك أقدر أن أوقظك من نوم غفلتك وأظهر لك طريق الحق، ولكن ذلك لم يقدّر لك وقد مرّ على فراقنا ثلاث سنوات فلا يمكن في هذه الحياة ولا في الحياة الآخرة أن اجتمع بك، فقد طرحتك كلية من حياتي إلى الأبد.‘

وكان الجواب قاسيًا شديدًا بدرجة أثار وأغضب الملاّ محمد ووالده وحكما عليها بالكفر فورًا، واجتهدا ليل نهار أن ينتقصا من مقامها وأن يلطخا سمعتها.(1) وكانت الطاهرة تدافع عن نفسها بحماس، وأظهرت لهما نقائص شخصيتيهما. وكان والدها المسالم المنصف يتأسف لهذا النزاع المرّ واجتهد في عقد الصلح وتحقيق الوفاق بينهما ولكنه خاب في مساعيه.

واستمرت حالة التوتر هذه إلى أن حضر الملاّ عبد الله من سكان شيراز وهو من أتباع الشيخ أحمد والسيد كاظم المخلصين، ووصل إلى قزوين في أول شهر رمضان سنة 1263ﻫ.(2) وفيما بعد حكى الملاّ المذكور إذ كان يحاكم في طهران أمام صاحب الديوان قال: ﴿إني لم

________________________

(1) ’وكيف يمكن لامرأة في إيران، حيث تُعتبر المرأة مخلوقًا ضعيفًا، وخاصة في مدينة كقزوين حيث يملك رجال الدين نفوذًا عظيمًا، وحيث يستقطب العلماء، بعددهم وأهميتهم، انتباه الحكومة والشعب، - كيف يمكن لامرأة، في ظروف صعبة كتلك، أن تجمع حولها مجموعة قوية من الكافرين؟ وهنا يكمن سؤال يحير حتى المؤرخ الإيراني "سِپهْر"، فهذا مما لا نظير له في السابق.‘ ("المجلة الآسيوية" سنة 1866م، الجزء 7، الصفحة 474)

(2) يوافق 13 أغسطس/آب - 12 سپتمبر/أيلول سنة 1847م.

أكُن يومًا ما بابيًا مقتنعًا، ولما وصلت إلى قزوين كنت في طريقي إلى ماه كو بقصد زيارة حضرة الباب والتحري عن طبيعة دعوته. وفي يوم وصولي إلى قزوين لاحظت أن المدينة كانت في حالة اضطراب شديد. وبينما كنت أمرّ في السوق رأيت أن حشدًا من الأوباش قد خلعوا عمامة رجل وحذاءه ولفوا رقبته بالعمامة وسحبوه بها في الشوارع. وكان جمع كبير غاضب يتوعدوه بتهديداتهم ويؤذونه بضرباتهم ولعناتهم. ولما سألت كانت الإجابة: ’إن جريمته التي لا تغتفر أنه تجاسر على مدح الشيخ أحمد والسيد كاظم وإظهار فضائلهما علنًا. ولذلك حكم عليه الحاج الملاّ تقي حجة الإسلام بالكفر وأمر بطرده من المدينة.‘

فدهشت من التبرير الذي تلقيته وتساءلت في نفسي كيف يكون الشيخي كافرًا ومستحقًا لمثل هذه المعاملة القاسية؟ ورغبة في التحقق من صدق هذه الرواية من الملاّ تقي نفسه ذهبت إلى مدرسته وسألته إذا كان أصدر مثل هذا الحكم ضده فعلاً. فقال: ’إن الإله الذي يعبده المرحوم الشيخ أحمد البحريني هو إله لا يمكن أن أعتقد به، وإني أعتبره هو وأتباعه تجسيدًا للخطأ والزلل.‘ وكنت في تلك اللحظة على وشك أن أصفعه على وجهه أمام تلاميذه المجتمعين ولكني تداركت نفسي وحلفت، أن أشق شفتيه بحربتي، إن شاء الله، حتى لا يقدر مرة أخرى أن يتفوه بمثل هذا الكفر.

فتركته توًا وذهبت إلى السوق واشتريت خنجرًا ومدية صغيرة من أحدّ أنواع الفولاذ، وخبأتهما في حجري لأشفي غليلي منه، وترصدت الفرصة، ودخلتُ ذات ليلة المسجد الذي كان يؤم الناس فيه للصلاة وانتظرت لغاية الفجر إلى أن رأيت عجوزًا دخلَت المسجد ومعها سجادة فرشَتها على أرض المحراب. وبعد برهة قصيرة رأيت الملاّ تقي يدخل وحده وأخذ يصلي، فجئتُ من خلفه بسكون واحتراس وتبعتُه ووقفتُ خلفه، وإذ خرّ على وجهه ساجدًا سحبت مديتي وغرزتها في رقبته من الخلف، فصاح صيحة قوية فقلبته على ظهره واستللت خنجري وغرزته عميقًا في حلقه ثم طعنته جملة طعنات في صدره وجوانبه وتركته يدمي في المحراب.

ثم صعدتُ إلى سطح المسجد وراقبتُ اضطراب الجمهور وذعره. ودخل حشد من الناس إلى الداخل ووضعوه على نقالة ونقلوه إلى منزله. ولما لم يُعلم القاتل، انتهز الناس

الفرصة للتشفي والانتقام من بعضهم البعض أمام الحاكم. ولما رأيت أن عددًا غفيرًا من الناس أوذي أذى بليغًا وطُرحوا في السجن، ناداني صوت الضمير أن أعترف بعملي. فطلبت المثول بين يدي الحاكم وقلت له: ’إذا أتيتك بالقاتل فهل تعدني أن تطلق سراح كل المظلومين الذين يعذبون مكانه؟‘ ولما أكد لي ذلك، اعترفت بما عملته. ولم يكن في بادئ الأمر يميل إلى تصديقي، وبناء على طلبي أحضروا العجوز التي فرشت السجادة في المحراب، ولكن لم يقتنع بالشهادة التي أدتها. وأخيرًا أخذوني إلى سرير الملاّ تقي الذي كان مشرفًا على الموت، وبمجرد أن رآني تعرّف على ملامحي، وفي اضطرابه أشار بإصبعه إليّ للدلالة على أني أنا القاتل وأظهر رغبته في أن يبعدوني عنه. وبعد برهة توفي. فقبضوا عليّ فورًا واتهمت بالقتل وأودعت السجن. إلا أن الحاكم لم يَفِ بوعده ولم يقبل بإطلاق سراح المساجين.﴾

وكانت سلامة طوية الملاّ عبد الله وصدقه قد أعجبت صاحب الديوان، فأعطى أوامر سريّة لخدّامه أن يسهّلوا هربه من السجن. وفي منتصف الليل التجأ السجين إلى منزل رضا خان السردار الذي اقترن بأخت السپاه سالار حديثًا، وبقي مختبئًا في ذلك المنزل إلى أن حصلت حادثة المعركة العظيمة عند قلعة الشيخ الطبرسي، حيث عزم على الاشتراك مع المدافعين الأبطال في تلك القلعة. وفيها شرب كأس الشهادة مع رضا خان السردار الذي تبعه إلى مازندران.

وكانت ظروف حادثة القتل قد أهاجت غضب ورثة الملاّ تقي، وعزموا على أن ينزلوا انتقامهم بسببها على الطاهرة. ونجحوا في حبسها في منزل والدها حبسًا مشددًا، وجعلوا عليها نسوة حراسًا وأمرن أن لا يسمحن لها بمغادرة الغرفة إلا للتوضؤ فقط. واتهموها فعلاً بالتحريض على القتل وقالوا: ’لا نتهم غيرك أحدًا بقتل والدنا لأنك أصدرت أمرًا بقتله.‘ وأرسل الذين قبض عليهم في هذه الحادثة إلى طهران، وحبسوا في منزل أحد كدخداوات العاصمة. وانتشر أصحاب الملاّ تقي وورثته في كل الجهات يتهمون المحبوسين بأنهم انشقوا عن الإسلام وطالبوا بإعدامهم حالاً.

وعلم حضرة بهاءالله الذي كان قاطنًا إذ ذاك في طهران بمحنة هؤلاء المسجونين الذين كانوا مساعدين ومعاونين للطاهرة. وعزم على زيارتهم في منزل الكدخدا الذي كان يعرفه

وأراد أن يتوسط نيابة عنهم. ولكن ذلك الموظف المخاتل الطمّاع كان يعلم حق العلم بجود حضرة بهاءالله وكرمه، فأراد أن يتخذ من هذه الحادثة وسيلة للحصول على منافع مالية لنفسه، فأخذ يبالغ في وصف المصائب التي حلت بالمحبوسين التعساء وقال: ’إنهم محرومون من ضروريات الحياة، جياع وملابسهم رثة.‘ فأرسل حضرة بهاءالله مساعدة مالية حالاً لإنقاذهم، وطلب من الكدخدا تخفيف وطأة الحبس عليهم. فأطلق المذكور سراح بعض منهم ممن كانوا غير قادرين على تحمل ثقل السلاسل والقيود. وعمل جهده في تخفيف حبس الباقين. وإذ حركته الأطماع، أخبر رؤساءه بالأمر وأن حضرة بهاءالله يمد هؤلاء المحبوسين بالمال والطعام بانتظام.

وسعى أولئك الموظفون أيضًا بدورهم للحصول على كل ما يمكن الحصول عليه من المنافع من كرم حضرة بهاءالله. فطلبوه أمامهم واحتجوا على عمله واتهموه بالاشتراك مع هؤلاء المحبوسين في جريمتهم، فأجاب حضرة بهاءالله: ’إن الكدخدا أظهر لي شدة احتياجهم وآلامهم، وشهد أمامي ببراءتهم وطلب مني مساعدتهم. والآن تتهمونني بجريمة أنا بريء منها جزاء على المساعدة التي أسديتها بناء على طلبه.‘ ولكنهم لم يقبلوا أن يسمحوا لحضرة بهاءالله أن يعود إلى منزله مؤملين أن يخيفوه بالعقاب، فكان حبسه أول ضير أصابه في سبيل أمر الله وأول حبس قضاه في سبيل أحبائه. ومكث على هذه الحالة بضعة أيام إلى أن توسط جعفر قلي خان أخ ميرزا آقا خان النوري، الذي تعين فيما بعد رئيس وزراء الشاه، وآخرون من أصدقائه بالنيابة عن حضرته وهددوا الكدخدا بلغة قاسية إلى أن تمكنوا من إخلاء سبيل حضرة بهاءالله. وكان المسؤولون الذين حبسوه يأملون الحصول على مبلغ ألف تومان مقابل الإفراج عنه، ولكنهم وجدوا أنفسهم مضطرين لإجابة رغبات جعفر قلي خان دون أن يحصلوا منه أو من حضرة بهاءالله على أقل مكافأة. وسلموه المحبوس بعد إبداء اعتذاراتهم المتكررة وتأسفهم العظيم.

وكان ورثة الملاّ تقي في تلك الأثناء يبذلون جهدهم للانتقام لدم قريبهم الشهير. وإذ لم يقتنعوا بما سبق لهم إنجازه، تقدموا بالطلب إلى محمد شاه نفسه وسعوا في أن يكسبوا عطفه في قضيتهم. وقيل أن الشاه أجابهم بالآتي: ’إن والدكم الملاّ تقي لا يمكن أن يبلغ

رتبة أعلى من رتبة الإمام علي أمير المؤمنين الذي لما علم أتباعه أنه وقع ضحية لسيف ابن ملجم لم يعدموا أحدًا سواه، فلماذا لا يكون القصاص في قتل أبيكم على هذا النحو؟ فلا يعدم سوى القاتل وحده، فأحضروا لي القاتل وأنا أصدر الأوامر أن يسلموه لأيديكم لتوقعوا عليه الجزاء الذي ترون أنه يستحقه.‘

وبذلك الموقف الثابت من جانب الشاه، تركوا الآمال التي كانوا يتعلقون بها وادّعوا أن قاتل والدهم هو الشيخ صالح وحصلوا على أمر بالقبض عليه، ورضوا لأنفسهم قتله ظلمًا. فكان أول مَن سُفك دمه في أرض إيران في سبيل أمر الله وهو أول الجماعة الماجدة الذين سجلوا بدمائهم المسفوكة نصرة دين الله المقدس. وبينما كان يُقاد إلى محل استشهاده كان وجهه يلمع بالفرح والحماس، وأسرع إلى درجات منصة الإعدام وقابل الجلاد كأنه يقابل صاحبًا عزيزًا وصديقًا حميمًا، وكانت تتطاير من فمه كلمات الأمل والنصر دون انقطاع وصاح بفرح عند دنو أجله: ’إني تركت آمال القوم واعتقادهم منذ عرفتك يا من أنت أملي ويقيني.‘ ودفنت رفاته في باحة ضريح الإمام زاده زيد في طهران.

وأخذ الحقد الذي لا يخمد يحرك أولئك المسؤولين عن استشهاد الشيخ صالح للبحث عن وسائل جديدة لتحقيق مخططاتهم. ولكن صاحب الديوان أفلح في إقناع الحاج ميرزا آقاسي بالمسلك الشرير لورثة الملاّ تقي، ولذلك لم يلتفت إلى طلبهم. ولكن رفضه لم يمنعهم من أن يتقدموا بقضيتهم إلى الصدر الأردبيلي وهو رجل مشهور بين رؤساء إيران الدينيين بالغرور والكبر. فتوسلوا إليه قائلين: ’انظر إلى هذه الإهانة التي وقعت على من كُلّفوا بالوظيفة العظمى المتمثلة بحفظ أمر الشريعة وصيانتها! فكيف تسمح وأنت رئيسها ومبيّن أحكامها أن تبقى مثل هذه الجريمة والجرأة المتناهية دون عقاب؟ فهل تعجز عن الانتقام لدم النائب عن رسول الله؟ ألا تدرك أنك لو سمحت بوقوع أمثال هذه الجريمة الشنيعة فإن فيضان التعدي يعمّ الذين هم مخازن التعاليم والأصول الدينية؟ ألن يجعل سكوتك أعداء الإسلام يتجرأون لنقض ذلك البنيان الذي أقمته بيديك؟ وبالنتيجة ألن تكون حياتك أنت أيضًا في خطر؟‘

فارتعب الصدر الأردبيلي وفي سورة عجزه اجتهد في أن يحتال على مليكه، وقدّم لمحمد شاه الطلب الآتي: ’إني أتضرع لجلالتك أن تسمح للمحبوسين أن يعودوا إلى قزوين بصحبة ورثة ذلك الرئيس المقتول حتى يتمكن الورثة من تلقاء أنفسهم أن يسامحوهم علنًا عن أعمالهم ويمكنوهم من استرداد حريتهم. فهذه المبادرة سترفع شأنهم وتجعلهم محترمين في أعين مواطنيهم.‘ ولما كان الشاه غافلاً عن المخططات الشريرة لذلك الدّساس المحتال، قبل ذلك الرجاء بشرط أن يصله إخطار كتابي من قزوين يطمئنه بأن حالة المحبوسين بعد إطلاق سراحهم مرضية جدًا، وأن لا يصيبهم أي أذى في المستقبل.

وما كاد هؤلاء الأشرار يستلمون المحبوسين حتى أخذوا يشفون غليلهم ويصبّون عليهم جام انتقامهم. وفي أول ليلة تسلموا المحبوسين أعدموا بلا رحمة الحاج أسد الله، أخا الحاج الله وردي، عم محمد هادي ومحمد جواد الفرهادي، وكان تاجرًا في قزوين اشتهر بالصلاح والتقوى بدرجة عظيمة لا تقل عن تقوى أخيه الشهير. ولعلمهم بعدم إمكانهم توقيع العقاب عليه في بلدته كما أرادوا، عزموا على قتله في طهران بطريقة تبعد عنهم شبهة اقتراف جريمة القتل. ففي منتصف الليل ارتكبوا فعلهم الشنيع، وفي صباح اليوم التالي ادعوا أنه توفي من مرض ألمّ به. وأما معارفه وأصحابه في قزوين فلم يتمكنوا من كشف الجريمة التي قضت على حياة مثل هذا الشخص العظيم، فدفنوه بالاحترام اللائق به.

أما باقي رفاقه، فقد أُعدموا بمجرد وصولهم إلى قزوين بطريقة وحشية. وكان من بينهم الملاّ طاهر الشيرازي والملاّ إبراهيم المحلاتي وكلاهما مشهور بعلمه وأخلاقه. وكان الأهالي الذين سبق تحريضهم من قبل بخديعة، قد هاجوا وماجوا وطالبوا بإعدامهم الفوري. وحضرت عصبة من الرعاع الأوباش المسلحين بالسكاكين والسيوف والحراب والفؤوس وقطعوهم إربًا إربًا. وشوهوا أجسادهم بدرجة من الوحشية بحيث لم يبقَ من أشلائهم جزء يصلح للدفن.

فيا لله! لقد وقعت في بلدة مثل قزوين هذه الأفعال بوحشية لا تكاد تصدق، مع أن هذه البلدة تفخر بأنها تجمع داخل بواباتها ما لا يقل عن مائة عالم من رؤساء دين الإسلام،

فلم يوجد فيها من يرفع صوته احتجاجًا على هؤلاء القتلة السفاكين، ولا من يسألهم كيف جاز لهم اقتراف مثل هذه الأعمال الظالمة المخجلة، ولا من يقدّر مقدار الفرق العظيم بين هذه الأعمال الوحشية التي يقترفها من يدّعون أنهم مخازن أسرار الإسلام، وبين أعمال السلف الصالح الذين ظهر نورهم في أنحاء العالم. فلم يوجد من يصيح مستنكرًا: ’أيها الجيل الفاسق الشرير! إلى أية دركة وقعتم في العار والشنار! ألم تتجاوزا في أعمالكم المفجعة أردأ الأفعال الصادرة من أرذل الناس؟ ألا تدركون أن وحوش الفلاة أو أي مخلوق على وجه البسيطة لا ينحط في وحشيته ليرتكب أمثال أعمالكم؟ فإلى متى تتيهون ولا تنتبهون؟ ألم يكن من أساس اعتقادكم أن صلاة الجماعة لا تصح إلا باستقامة إمامها وأمانته؟ ألم تقرروا مرارًا وتكرارًا أن هذه الصلاة لا تقبل أمام الله إلا إذا كان قلب الإمام طاهرًا من كل أثر من آثار الشرور؟ ومع ذلك تعتبرون القوم الذين حرضوا وساهموا في ارتكاب مثل هذه الفظائع أنهم رؤساء حقيقيون جديرون بالرئاسة الدينية وأنهم عنوان اللطف والعدل. ألم تسلموهم زمام أمور الدين وتعتبروهم متصرفين في مصائركم؟‘

ووصلت أخبار هذه الفاجعة إلى طهران وانتشرت فيها بسرعة البرق. واحتج الحاج ميرزا آقاسي بشدة قائلاً: ’بأي آية في القرآن أو بأي حديث من الأحاديث النبوية يصح قتل أشخاص عديدين انتقامًا لدم رجل واحد؟‘ وكذلك عبّر محمد شاه عن رفضه الشديد للتصرف الشائن من الصدر الأردبيلي وأعوانه، واستنكر جُبنه ونفاه من العاصمة، وحكم عليه بالعيش المغمور في مدينة قُم. وسُرّ الوزير الأكبر من طرده من الوظيفة، وكان دائم السعي في إسقاطه من قبل، ولكن دون جدوى. فلما نفي فجأة من طهران تخلص الوزير من الأفكار المقلقة التي كانت تساوره بخصوص اتساع سلطة الصدر. ولم يكن سخطه على حادثة القتل التي وقعت في قزوين ناشئًا عن عطفه على الضحايا المظلومين، بل عن الرغبة في التشفّي من الصدر الأردبيلي وسقوطه بما أوجب احتقاره أخيرًا في عينَي مليكه.

ولما عجز الشاه وحكومته عن إيقاع العقاب الفوري على المعتدين، ازدادوا جرأة وأخذوا يبحثون عن وسائل إضافية لصب جام انتقامهم وإشباع أحقادهم التي لا تفتر

وإرواء ظمئهم لسفك دماء أخصامهم، فالتفتوا الآن إلى الطاهرة نفسها، وعزموا على أن يذيقوها من نفس الكأس التي شربها أقرانها. فلما علمت الطاهرة بقصدهم وهي لا تزال في حبسها، كتبت رسالة إلى الملاّ محمد الذي ورث مقام أبيه وأصبح إمام الجمعة المعروف في قزوين، وقالت فيها: ’إنهم عبثًا "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون."(1) فإذا كان الأمر الذي أتّبعه هو الحق وكان الربّ الذي أعبده هو الإله الواحد الحق فإنه قبل مرور تسعة أيام يخلصني من ظلمكم. وإن فشل في تحريري، تكونون أحرارًا في أن تعملوا ما تشاؤون وتكونون أثبتم فساد اعتقادي.‘ واختار الملاّ محمد أن يتجاهل هذه المباهلة لأنه لا يقدر أن يقبلها. وسعى في الاحتيال بكل وسيلة وخداع أن يتمم مقصوده.

وفي تلك الأيام وقبل أن تحين الساعة التي عينتها الطاهرة لخلاصها، رغب حضرة بهاءالله أن تؤخذ من حبسها ويؤتى بها إلى طهران، وصمم أن يؤكد لأعين أعدائها صدق كلماتها وأن يفشل تدابيرهم لقتلها. وعليه دُعي محمد هادي الفرهادي وأوكل إليه حضرته أمر نقلها الفوري إلى منزله في طهران ودفع إليه خطابًا مختومًا ليسلمه إلى زوجته خاتون جان. وأمره أن يطلب منها أن ترتدي لباس سائلة لتدخل في المنزل الذي حبست فيه الطاهرة وتدفع لها الخطاب، وأن ينتظر هو على مدخل المنزل حتى تأتي إليه ويحضرها عنده. وقال حضرة بهاءالله للمبعوث: ’بمجرد أن تنضم إليك الطاهرة قم توًا إلى طهران. وفي هذه الليلة سوف أرسل إلى بوابة قزوين مرافقًا ومعه ثلاثة جياد، فتستلمها وتودعها مكانًا أمينًا خارج أسوار قزوين، ثم تأخذ الطاهرة إلى ذلك المكان وتركبون الجياد معًا وتسيرون في طريق غير مطروق، وتجتهدون أن تصلوا قبل طلوع النهار إلى ضواحي العاصمة. وبمجرد فتح البوابات تدخلون المدينة وتتجهون فورًا إلى منزلي. واحترس جدًا لئلا تنكشف هويتها. والله يهديكم ويسدّد خطاكم ويحفظكم في كنف حفظه وحمايته التي لا تضام.‘

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 32.

وقام محمد هادي توًا على تنفيذ تعليمات حضرة بهاءالله مطمئنًا بتأكيداته، فلم يعترضه في طريقه أي مانع، وأدى الخدمة المطلوبة باقتدار وإخلاص وتمكن من إحضار الطاهرة سالمة في الساعة المعينة إلى منزل مولاه. وقد أثار نقلها الفجائي الخفي من قزوين دهشة فيما بين الأحباء والأعداء على السواء. وأخذوا يبحثون عنها طوال الليل في المنازل، وخابوا في سعيهم ويئسوا في العثور عليها. وكان إتمام الوعد الذي نطقت به قد حيّر كل مقاوميها حتى أشدهم تشككًا. وقليل منهم أدرك قوة الأمر الذي اعتنقته والخارجة عن الحدود البشرية. فاعترفوا حالاً بصحة الدعوى واعتنقوا أمرها، واعترف ميرزا عبد الوهاب أخوها بصدق الرسالة في نفس اليوم، ولكنه فيما بعد لم يظهر منه ما يثبت صدق اعتقاده.(1)

وفي الساعة المعينة بمعرفة الطاهرة لخلاصها أصبحت في حفظ حضرة بهاءالله. وقد عرفت يقينًا من هو الذي دخلت محضره. وكانت عالمة بقداسة وفضل الذي أنقذها بعطفه ورحمته.(2) وكما قبلت أمر حضرة الباب من تلقاء نفسها دون دعوة من أحد واعترفت بصحته، فكذلك أدركت بفراستها مجد حضرة بهاءالله المقبل. فكانت في سنة 60 موجودة في كربلاء عندما خصصت أشعارها للاعتراف بالحق الذي سوف يظهره. وقرأت بنفسي في طهران في منزل السيد محمد، الذي كانت الطاهرة تسميه بالفتى المليح، تلك الأشعار التي نظمتها وسطرتها بخط يدها. ويشهد كل حرف منها بإيمانها

________________________

(1) وجاء في "كشف الغطاء" (الصفحة 110) أن الملاّ جعفر الواعظ القزويني، قال أن الملاّ حسين قابل الطاهرة في قزوين في منزل آقا هادي الذي ربما لم يكن سوى محمد هادي الفرهادي الذي أرسله بهاءالله لإيصال الطاهرة إلى طهران. ويقال أن المقابلة كانت قبل مقتل الملاّ تقي.

(2) ويروي حضرة عبدالبهاء في "تذكرة الوفاء" (الترجمة العربية، الصفحة 227) حوادث زيارة وحيد للطاهرة عندما كانت في منزل حضرة بهاءالله في طهران، فكتب: ’كانت الطاهرة جالسة وراء الحجاب وكنت أنا نفسي إذ ذاك طفلاً وكنت جالسًا على حجرها وما لبثنا حتى أخذت الآيات والأحاديث تتدفق كالدر المنثور من فم وحيد في إثبات هذا الأمر. وفجأة هاجت الطاهرة ثم قالت: ’يا يحيى، فأتِ بعمل إن كنت ذا علم رشيد. ليس الوقت وقت نقل الروايات إنما الوقت وقت الآيات البينات، وقت الاستقامة وهتك الأستار والأوهام، وقت إعلاء كلمة الله، وقت تضحية الروح في سبيل الله. العمل! العمل! لا بد من العمل!‘ (جرى تعديل على الترجمة العربية)

ويقينها بسمو الرسالة التي جاء بها حضرة الباب وحضرة بهاءالله. ومن تلك القصيدة(1) ما يأتي: "قد خرقت أنوار الجمال الأبهى حجاب الظلام، ورقصت أرواح محبيه في النور المشرق من وجهه، كما ترقص ذرات الهباء في الضياء الخارق للظلام." وكان يقينها في قوة حضرة بهاءالله التي لا تقهر مما حداها لأن تنطق بنبوتها بكل ثقة واطمئنان، وأن تباهل بها أعداءها بكل شجاعة. فكانت الثقة في تلك القوة الثابتة المتينة التي لا تتزعزع توحي إليها في أظلم ساعات حبسها أن تقرر بكل شجاعة ما قررته من تأكيد فوزها وخلاصها القريب.

فلم تمض إلا بضعة أيام على وصول الطاهرة إلى طهران حتى عزم حضرة بهاءالله على أن يرسلها إلى خراسان بصحبة الأحباء الذين استعدوا للرحيل إلى تلك المقاطعة، وكذلك عزم هو أيضًا على الرحيل من العاصمة في ذلك الاتجاه بعد بضعة أيام. ولذلك استدعى أخاه آقا كليم وأمره أن يتخذ فورًا التدابير الكفيلة بنقل الطاهرة مع خادمتها "قانتة" إلى مكان خارج بوابة العاصمة ليرحلوا من هناك فيما بعد إلى خراسان. وأمره أن يحترس لئلا يتعرف الحراس الموجودون على مدخل المدينة على هويتها فيمنعون سفرها، إذ إنهم لا يصرحون بمرور النساء دون رخصة.

وسمعت آقا كليم يقص الآتي: ﴿سرنا متّكلين على الله، الطاهرة وخادمتها وأنا، إلى مكان في جوار العاصمة ولم يعترض أحد من الحراس الواقفين على بوابة شميران بأدنى اعتراض ولم يسألونا عن وجهتنا. وعلى مسافة فرسخين من العاصمة نزلنا وسط حديقة تنساب فيها مياه غزيرة تقع على سفح جبل وفي وسطها منزل بدا مهجورًا تمامًا. ولما دخلت لأبحث عن صاحبه قابلت رجلا هرمًا كان منشغلاً في إرواء نباتاته. وإجابة عن سؤالي شرح بأنه حصل نزاع بين المالك والمستأجرين نتج عنه أن القاطنين في المنزل هجروه، وأضاف: ’لقد طلب مني المالك حراسة المكان حتى ينتهي النزاع.‘ فسررت جدًا من المعلومات التي أدلى بها وطلبتُ منه أن يشاركنا تناول الغداء. ولما عزمت

________________________
(1) مترجمًا عن الفارسية.

على العودة في عصر ذلك اليوم إلى طهران وجدته راغبًا في حراسة الطاهرة وخادمتها والمحافظة عليهما، فتركتهما لرعايته وأكدت له إني سأعود بنفسي في المساء أو أرسل مرافقًا موثوقًا أتبعه في اليوم التالي بكل معدات السفر إلى خراسان.

ولما وصلتُ إلى طهران، أرسلتُ الملاّ باقر، أحد حروف الحيّ ومعه خادم للانضمام إلى الطاهرة، وأخبرت حضرة بهاءالله بخروجها سالمة من العاصمة. فسرّ للخبر الذي أتيته به، وسمّى ذلك البستان "باغ جنّت"(1) وقال: ’إن ذلك المنزل قد أعدّته لكم يد القدرة الإلهية لاستقبالكم حتى ترحّب فيه بأحباء الله.‘

ومكثت الطاهرة في تلك البقعة سبعة أيام، وبعد ذلك سافرت إلى جهة خراسان ومعها محمد حسن القزويني المسمى بالفتى وآخرون. وأمرني حضرة بهاءالله أن أعد لرحيلها كل ما يلزم لسفرها.﴾

***
________________________
(1) حديقة الجنة.
الفصل السادس عشر
مؤتمر بدشت

وبعد قيام الطاهرة لرحلتها، أمر حضرة بهاءالله آقا كليم ليجهز ما يلزم لسفره إلى خراسان، وأوصاه بأسرته وسأله أن يسهل لها كل ما يلزم لراحتها وسلامتها.

ولما وصل إلى شاهرود، قابله القدوس الذي ترك مشهد مقر إقامته وحضر للترحيب به بمجرد أن سمع بقدومه. وكانت مقاطعة خراسان بأسرها في تلك الأيام تتمخض بالاضطراب العنيف، وكانت المساعي التي قام بها القدوس والملاّ حسين مع الحماس الذي ظهر منهما وشجاعتهما ولغتهما البليغة قد أيقظت الأهالي من نوم غفلتهم وأشعل في قلوب بعض السكان أنبل مشاعر الإخلاص والاطمئنان، كما أشعل في صدور آخرين نيران العناد والعداء. وجاء لتحري الحقيقة جمهور كبير باستمرار من كافة أنحاء مشهد إلى منزل الملاّ حسين الذي كان يدخلهم إلى محضر القدوس.

وزاد عدد الوافدين إلى درجة نبهت مخاوف السلطات. وكان رئيس الشرطة ينظر بالاهتمام والقلق إلى جموع الناس المتحمسة الذين كانوا يموجون في كل ناحية من نواحي المدينة المقدسة. ولرغبته في تدعيم سلطته وتخويف الملاّ حسين حتى يضيّق نطاق مساعيه، أمر بالقبض على خادمه الخاص وكان اسمه حسن وبمعاملته بالقسوة والإهانة، فخزموا أنفه ومرروا حبلاً فيه وسحبوه بهذه الكيفية في شوارع المدينة وأسواقها.

وكان الملاّ حسين ماثلاً في محضر القدوس إذ أتته أخبار الحادثة المحزنة التي وقعت على خادمه. وخوفًا من أن يحزن هذا الخبر قلب رئيسه المحبوب، قام وغادر محضره

بهدوء. وسرعان ما اجتمع أصحابه حوله وعبروا عن استيائهم من حصول هذا التهجم الشنيع الذي أصاب هذا المؤمن البريء وألحوا عليه بوجوب الانتقام. فهدّأ الملاّ حسين من روعهم وقال لهم: ’لا تضطربوا من حصول الإهانة لحسن، فإن الحسين لا يزال معكم وسيرجع لكم الحسن سليمًا لأيديكم باكرًا.‘

فلم يشأ أصحابه أن يتكلموا بكلمة إزاء هذا التأكيد. إلا أن قلوبهم كانت تحترق بالرغبة في الثأر لذلك الحيف المر. وأخيرًا قرر عدد منهم التجمع معًا والسير في شوارع مشهد هاتفين ’يا صاحب الزمان‘ بأعلى النداء احتجاجًا على ذلك التهجم المفاجيء الواقع على دينهم. وكان هذا النداء أول نداء من نوعه ارتفع في خراسان باسم أمر الله وتردد صداه في كل جهات المدينة، وعلت الهتافات حتى وصلت إلى الأقاليم المجاورة وأهاجت شعورًا عميقًا في القلوب. وكانت إشارة إلى وقوع الحوادث العظيمة التي ستظهر في المستقبل.

وفي وسط الاضطراب الناشئ، قُتل بالسيف أولئك الذين قادوا حسن بالحبل في الشوارع وأخذ أصحاب الملاّ حسين أسيرهم المحرر إلى محضر رئيسهم، وأخبروه بما أصاب ظالميه. فأجابهم الملاّ حسين: ’إنكم لم تسمحوا بالعذاب الذي أصاب حسن، فكيف تتصرفون إزاء استشهاد الحسين؟‘

وكانت مدينة مشهد التي ابتدأت تستعيد هدوءها وأمنها بعد ثورة السالار قد عادت ثانية إلى الاضطراب والفوضى، وكان الأمير حمزة ميرزا قد توقف بعساكره وذخيرته على بعد أربعة فراسخ من المدينة لمواجهة الطوارئ إذ وصلته فجأة أخبار الأحداث الجديدة. فأرسل على الفور كتيبة إلى المدينة ومعها تعليمات بالقبض على الملاّ حسين بمعونة حاكم المدينة وإحضاره عنده. وتدخل عبد العلي خان المراغي رئيس فرقة مدفعية الأمير قائلاً: ’إني أعتبر نفسي أحد محبي الملاّ حسين والمعجبين به، فإذا أردتم إيقاع أي ضرر به فأرجوكم أن تقتلوني قبل أن تنفّذوا غرضكم لأني لا أسمح وأنا على قيد الحياة بتوجيه أي إهانة نحوه.‘

ودهش الأمير وارتبك من هذا التصريح المفاجئ الصادر من ضابط يحتاجه. ولكنه اجتهد أن يزيل ما علق بذهن عبد العلي خان، فقال له: ’وأنا أيضًا قابلت الملاّ حسين

وأشعر بميل نحوه بالمحبة والإخلاص، وإذا طلبته إلى معسكري فإني أريد فقط أن أحصر نطاق ذلك الهياج الذي اشتعل في المدينة وأن أحافظ على حياته.‘ ثم كتب الأمير خطابًا بخط يده إلى الملاّ حسين ألح فيه بالرغبة الشديدة في أن ينقل مسكنه بضعة أيام فقط إلى مقره، وأكد له رغبته الخالصة في أن يحميه من هجوم أعدائه الهائجين. وأصدر الأوامر أن تنصب خيمته المزخرفة قرب معسكره وتخصص لاستقبال ضيفه المنتظر.

وبوصول هذه الرسالة قدّمها الملاّ حسين إلى القدوس الذي أمره أن يستجيب لطلب الأمير. وأكد له القدوس قائلاً: ’لن يصيبك أي ضرر، أما أنا فسأسافر هذه الليلة بصحبة ميرزا محمد علي القزويني أحد حروف الحيّ إلى مازندران. وستكون أنت أيضًا إن شاء الله في المستقبل على رأس جماعة كبيرة من المؤمنين تتقدمكم الرايات السود وتغادر مشهد وتنضم إليّ. وسيكون اجتماعنا في أي مكان يعيّنه العلي القدير.‘

فأطاع الملاّ حسين بكل فرح وطرح نفسه على قدمَي القدوس وأكد له عزمه على تنفيذ الواجبات التي فرضها عليه بكل إخلاص. فأخذه القدوس بكل محبة بين ذراعيه وقبّل جبهته وأسلمه إلى حفظ الله القدير. وفي وقت مبكر من عصر ذلك اليوم نفسه ركب الملاّ حسين جواده المطهم وسار بوقار وهدوء إلى معسكر الأمير حمزة ميرزا حيث استقبله عبد العلي خان الذي عيّنه الأمير مع جماعة من الضباط للترحيب به وأوصلوه إلى الخيمة التي أعدت خصيصًا له.

وفي تلك الليلة نفسها استدعى القدوس ميرزا محمد باقر القائني، وهو الذي بنى بيت "البابية"، مع جماعة من أشهر أتباعه، وأمرهم أن يظهروا الطاعة التامة للملاّ حسين وأن يأتمروا بكل ما يطلب منهم عمله. وقال لهم: ’سوف تنتابنا قريبًا امتحانات شديدة، وتقترب أيام المصائب والبلايا. فتمسكوا به فإن إطاعة أمره تكون سببًا لنجاتكم.‘

وبهذه الكلمات ودّع القدوس أصحابه وارتحل مع ميرزا محمد علي القزويني من مشهد. وبعد مرور بضعة أيام تقابل مع ميرزا سليمان النوري الذي أخبره بظروف خلاص الطاهرة من حبسها في قزوين وبرحلتها باتجاه خراسان وبانتقال حضرة بهاءالله من العاصمة بعد ذلك. وبقي ميرزا سليمان وكذلك ميرزا محمد علي في صحبة القدوس حتى وصلوا

صورة 107
قرية شاهرود

إلى بدشت. وكان وصولهم إلى تلك القرية في ساعة الفجر، ووجدوا هناك جماعة كبيرة عرفوا أنهم من زملائهم المؤمنين. ومع ذلك عزموا على إكمال رحلتهم فتوجهوا مباشرة إلى شاهرود. ولما اقتربوا من تلك القرية تقابل ميرزا سليمان الذي كان سائرًا على مسافة خلفهم، مع آقا محمد حناساب الذي كان في طريقه إلى بدشت. فلما سأل الأخير عن القصد من ذلك الاجتماع، أجيب بأن حضرة بهاءالله والطاهرة قد قاما برحلتهما إلى هذا المكان، وإنهما تركا فعلاً شاهرود منذ بضعة أيام لهذا الغرض. وأن جموعًا غفيرة جاءت من إصفهان وقزوين وغيرها من مدن إيران، وينتظرون الانضمام إلى حضرة بهاءالله في رحلته إلى خراسان. فقال ميرزا سليمان: ’أخبر الملاّ أحمد إبدال الموجود في بدشت الآن أنه في نفس هذا الصباح قد أشرق عليك نور لم تقدر أن تعرفه.‘(1)

وما كاد حضرة بهاءالله يعلم من محمد حناساب بوصول القدوس إلى شاهرود، حتى عزم على الانضمام إليه، وقام في مساء ذلك اليوم إلى تلك القرية ممتطيًا جواده

________________________
(1) إشارة إلى القدوس.

ومعه الملاّ محمد المعلم النوري ثم عاد مع القدوس إلى بدشت ساعة شروق شمس اليوم التالي.

وكان الصيف قد ابتدأ، وبوصول حضرة بهاءالله، استأجر ثلاث حدائق، عيّن واحدة منها خصيصًا للقدوس وأخرى على حدة للطاهرة وخادمتها والثالثة لنفسه. وكان عدد المجتمعين في بدشت واحدًا وثمانين نفرًا، ومن وقت حضورهم إلى يوم تفرقهم كانوا جميعهم ضيوفًا على حضرة بهاءالله. وفي كل يوم كان حضرته ينزل لوحًا يعطى لميرزا سليمان النوري ليرتله في مجمع الأحباء الحاضرين. وكان يسمّي كل فرد منهم باسم جديد. وتَسمّى هو أيضًا بالبهاء، وسُمّي آخر حروف الحيّ بالقدوس، وسمّيت قرة العين بالطاهرة. وصدر لوح من حضرة الباب فيما بعد لكل من اجتمع في بدشت وصدر بالاسم الذي تسمى به أخيرًا. ولما اختار بعض زملاء الطاهرة من المحافظين على التقاليد القديمة أن يتهموها لاحقًا بعدم مراعاة تلك التقاليد أمام حضرة الباب، أجابهم بالعبارات التالية: ’ما الذي أقوله عمن أسماها لسان العظمة بالطاهرة؟‘

وشهد كل يوم من أيام ذلك الاجتماع المشهود إلغاء أحد التقاليد القديمة، وبذلك خُرقت بقوة الحجب الناشئة من تقديس الأحكام الشرعية الإسلامية، وكُسرت الأصنام التي كان يعبدها الناس عبادة عمياء كسرًا عنيفًا. إلا أنه لم يعرف أحد مصدر هذا التجديد الجريء، ولم يرتَبْ أحد باليد التي كانت تدير دفة الأمور بكل بثبات وصواب. بل إن هوية ذلك الذي منح كل شخص من المجتمعين في تلك القرية اسمًا جديدًا بقيت مجهولة لدى حاملي تلك الأسماء. وكان كل فرد يعتقد في واحد حسبما يظن ولم يدرك منهم إلا القليل بأن حضرة بهاءالله هو الذي كان مصدر جميع هذه التغييرات ذات الأثر البعيد، وأنه هو الذي حددها بلا خوف ولا وجل.

ونقل أن الشيخ أبو تراب، أحد أكثر المطلعين على طبيعة التطورات في بدشت، حكى الرواية الآتية: ﴿كان حضرة بهاءالله قد لزم الفراش ذات يوم لمرض ألمَّ به، ولما علم القدوس بمرضه أسرع لزيارته. وعندما أُدخل إلى محضر حضرة بهاءالله جلس على يمين حضرته، وسُمح لباقي الأحباء بالدخول تدريجيًا، وما كادوا يتجمعون حوله حتى دخل فجأة محمد

صورة 108
قرية بدشت

حسن القزويني رسول الطاهرة وهو الذي تسمّي حديثًا بالفتى القزويني، وأعلم القدوس بدعوة ملحة من الطاهرة ليقوم بزيارتها في الحديقة الخاصة بها. فأجابه بجرأة وحزم: ’إني قطعت نفسي عنها بالكامل وأرفض أن أقابلها.‘(1) فاستأذن الرسول بالانصراف فورًا، ثم عاد ثانيًا وأعاد الرسالة وتضرع إليه أن يلبي نداءها المستعجل وقال: ’إنها مصممة على الزيارة وإذا كنت تصمم على الرفض فإنها لابد آتية إليك.‘ ولما شاهد امتناعه عن القبول، استل الرسول سيفه ووضعه عند قدمَي القدوس وقال: ’أنا لا أرضى أن أذهب بغيرك، فاختر أحد أمرين، إما أن تصحبني إليها أو تقطع رأسي بهذا السيف.‘ فأجاب القدوس غاضبًا: ’إني أعربت عن نيتي بعدم زيارة الطاهرة وسأنفذ لك غرضك الآخر الذي اقترحته عليّ.‘

________________________

(1) وقال في "كشف الغطاء" إنه حصل اتفاق بين القدوس والطاهرة على أن الأخيرة تقوم بتفهيم الحاضرين على إن الأمر الجديد مستقل بذاته عن القديم ويتكلم عن نسخ الأحكام في الشريعة القديمة، وأن يعارضها القدوس في آرائها ويرفض ادعاءها، وكان هذا الاتفاق يلزمها لتخفيف وطأة الأمر بالتجديد واتقاء المخاطر التي يتعرضون إليها من جراء مباغتة جماعة المؤمنين واطلاعهم على مقاصد الدين الجديد (صفحة 211). وكان حضرة بهاءالله على ما يظهر متخذًا خطة الحياد في هذا النزاع ولو إنه كان هو المحرك الأول وصاحب النفوذ الحقيقي في جميع أطوار هذه الحوادث.

وبينما كان محمد حسن القزويني راكعًا أمام القدوس قرب قدميه ورقبته ممدودة لتنفيذ الضربة، وإذ بالطاهرة حضرت فجأة مزينة دون حجاب أمام أعين الأصحاب المجتمعين. وأخذت الناس الدهشة ووقفوا كلهم حائرين أمام هذا المنظر المباغت غير المنتظَر.(1) وكانوا يعتبرون أن رؤيتها غير محجبة من أكبر المحال، بل يعتقدون أن النظر إلى ظلها غير جائز لأنهم يعتبرونها تجسيد فاطمة الزهراء ورمزًا للعصمة والطهر في نظرهم.(2)

فتقدمت الطاهرة بسكون وصمت ووقار تام نحو القدوس وجلست إلى يمينه. وكان سكونها التام يتناقض تمامًا مع الخوف الظاهر على وجوه ناظريها، فاضطربت أركانهم واستولى على أرواحهم الرعب والغضب والحيرة، وبدا أن هذا الظهور المفاجئ صدم حواسهم. وارتعش أحدهم المدعو عبد الخالق الإصفهاني بعنف وقطع حنجرته بيده وفرّ هاربًا من وجه الطاهرة مغطى بدمه وهو يصرخ بهيجان. وفعل قليل من أقرانه مثله وتركوا أصحابهم وتخلوا عن إيمانهم. وشوهد عدد منهم واقفين أمامها بلا حراك متحيرين من أمرهم. وفي هذه الأثناء بقي القدوس جالسًا في مكانه قابضًا على سيفه المسلول وعلى وجهه علائم الغضب الشديد. وبدا كأنه ينتظر فرصة ليضرب الطاهرة الضربة القاضية.

إلا أن منظره المهدد لم يحركها، بل كان يعلو وجهها الوقار والثقة التي ظهرت بها عند ابتداء دخولها أمام حشد الأحباء. وأضاء وجهها الآن شعور الفرح والغبطة والنصر ونهضت عن مقعدها وخاطبت الباقين من هذا الجمع غير وجلة ولا مهتمة بما حصل في قلوب أصحابها على البداهة ودون سابق تفكير، وبلسان له شبه كبير بلغة القرآن ألقت خطابتها

________________________

(1) ’وكان التأثير مدهشًا مخيفًا. فخبأ البعض وجوههم بأيديهم ووضع آخرون رؤوسهم تحت عباءاتهم حتى لا ينظروا وجه الطاهرة فإنه إذا كان النظر إلى وجه أجنبية محرمًا فكيف النظر إلى وجه الطاهرة الصديقة... وانتهى الاحتفال بهياج لا يوصف ووقعت الشتائم على خطابة امرأة لا حياء عندها لتظهر في الجمع عارية الوجه وظن البعض أنها جُنّت. وقال آخرون إنها لوقاحة ولم يوافق على عملها سوى القليل.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحتان 283-284)

(2) يعني فاطمة بنت الرسول، زوجة الإمام علي.

ببلاغة ليس لها مثيل وحماس شديد وختمتها بآيتين من القرآن الكريم: "إن المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر."(1) وكانت أثناء تلاوة هذه الآية تنظر خلسة إلى حضرة بهاءالله والقدوس معًا بحيث لا يقدر الحاضرون على تعيين من منهما كانت الطاهرة تعني بهذا القول. ثم قالت: ’إني أنا الكلمة التي ينطق بها القائم والتي يفرّ منها نقباء الأرض ونجباؤها.‘(2)

ثم أدارت وجهها إلى القدوس ولامته لأنه فشل في خراسان في تنفيذ الأمور التي رأت أنها أساسية لمصلحة أمر الله. فأجابها: ’إني حرّ أن أتبع ما يمليه عليّ ضميري ولست مقيدًا بآراء وإرادة أصحابي.‘ ثم أشاحت الطاهرة وجهها عنه وطلبت من الحاضرين أن يحتفلوا بهذه المناسبة السعيدة بما يليق بها، وقالت: ’إن هذا اليوم يوم عيد وسرور عام وهو اليوم الذي فيه تُحطم قيود الماضي. فليقُم أولئك الذين اشتركوا في هذا الانتصار العظيم ويعانقوا بعضهم بعضًا.‘﴾

وكان ذلك اليوم التاريخي والأيام التي تلته مباشرة قد شهدت أعظم التغييرات الثورية في حياة أتباع حضرة الباب المجتمعين وعاداتهم. فتغيرت طريقة العبادة تغييرًا فجائيًا جذريًا. وطرحت العبادات القديمة التي كان المتعبدون المخلصون يتبعون نظامها طرحًا أبديًا. وحصل اضطراب عظيم بين الذين قاموا على نشر هذا الإصلاح بكل جهدهم. وكانت قلة منهم لا توافق على حصول مثل هذا التغيير الأساسي، وظنوا إنه عين الكفر وامتنعوا أن ينسخوا ما يعتبرونه من أحكام الإسلام التي لا تُنسخ. وطائفة اعتبرت أن قول الطاهرة هو الفصل في مثل هذه الأحوال، وأن طاعتها واجبة على جميع المؤمنين. وكان هناك آخرون ممن امتعضوا من تصرفها ووقفوا مع القدوس واعتبروه الممثل والنائب عن حضرة الباب والوحيد الذي يحق له أن يحكم في مثل هذه الأمور الخطيرة. ونظر فريق يؤيد سلطة القدوس والطاهرة معًا إلى الحادثة بأجمعها على أنها امتحان إلهي لفصل الصادقين من الكاذبين والمؤمنين عن الكافرين.

________________________
(1) سورة القمر، الآيتين 54-55.
(2) انظر الصفحة 13 من هذا الكتاب.

وتجرأت الطاهرة في بعض الأحيان برفض الاعتراف بسلطة القدوس، وروي أنها قالت: ’إني أعتبر القدوس تلميذًا أرسله إليّ حضرة الباب لتعليمه وتهذيبه. ولا أنظر إليه بنظر آخر.‘ ولم يمتنع القدوس بدوره أن يتهم الطاهرة أنها "صاحبة هذه البدعة"، وادعى أن الذين يدعون إلى رأيها وقعوا "ضحية الخطأ". واستمرت حالة التوتر هذه بضعة أيام إلى أن توسط حضرة بهاءالله، وبأسلوبه البارع وفّق بينهما تمامًا ولمّ شعثهما ولأم الجرح الذي سببه هذا الهياج والنزاع الحاد ووجّه همّة كل منهما إلى طريق الخدمة المنتجة.(1)

صورة 109
الهودج الفارسي
________________________

(1) ’وكانت هذه الجسارة التي وقعت من قرة العين هي التي زعزعت أسس الأحكام الإسلامية في إيران يضاف إلى ذلك أن ثمرة تعليم قرة العين الأولى لا تقل عن تعليم القدوس من حيث الشجاعة، وأن استنارتها الباطنية ربما أخذتها من بهاءالله وطبعًا إن افتراض غضب أغلب وأكبر أصحابها من عملها وعزمهم على توبيخها إنما كان من قبيل المباسطة اللطيفة.‘ ("اتفاق الأجناس والأديان" للدكتور چين، الصفحتان 103-104)

وحصل المقصود من هذا الاجتماع المشهود،(1) لأن النداء بالنظام الجديد كان بمثابة النفخ في الصور، فمسحت التقاليد العقيمة المجمع عليها والتي كانت تقيد ضمائر الناس ومحيت بكل جسارة وبلا وجل. فتهيأ الطريق لإعلان الأحكام والقواعد التي جاء بها الأمر الجديد. وعزم الباقون من الجمع المحتشد في بدشت على الرحيل إلى مازندران. ورحل القدوس مع الطاهرة في هودج واحد أعدّه لسفرهما حضرة بهاءالله. وفي طريقها كانت الطاهرة تنظم قصيدة كل يوم وتأمر الأصحاب أن ينشدوها أثناء سيرهم خلف الهودج، وكانت الجبال والأودية تردد أصوات تلك العصبة المتحمسة وأناشيدها أثناء السفر إيذانًا بمحو القديم وبعث اليوم الجديد.

واستغرقت رحلة حضرة بهاءالله في بدشت اثنين وعشرين يومًا، وأثناء سفرهم إلى مازندران أراد بعض أتباع حضرة الباب أن يسيئوا استعمال الحرية التي نتجت عن نسخ الشرائع القديمة، وظنوا أن في طرح الطاهرة للحجاب إشارة منها للتجاوز عن حدود الأدب وإشباع النزوات الأنانية. وسبّب هذا التعدي الواقع من تلك القلة غضب المقتدر القدير وتسبب في تفريقهم وتشتيتهم. ففي قرية نيالا امتُحنوا امتحانًا شديدًا وأصيبوا بأضرار

________________________

(1) ’وقيل إن الغرض من هذا الاجتماع تخليص الباب ونقله إلى مكان آمن، ولكن الرأي المعول عليه إنه كان لوضع حد بين الإسلام والأمر الجديد وهو ما ينطبق على المعقول.‘ ("اتفاق الأجناس والأديان" للدكتور چين، الصفحة 80) ’وكان الغرض من المؤتمر تصحيح خطأ شائع فكان الكثيرون يعتقدون أن القائم الجديد إنما جاء ليتمم الأحكام الإسلامية، فكانوا يظنون أن مهمة محمد (ﷺ) هي لأجل إصلاح العالم بالعدل والأمن وإن ذلك لا يتم إلا بسفك الدماء والاعتماد على مساعدة الأحكام الإلهية. وأما الباب فكان على العكس من ذلك يتحرك مع تلامذته في طريق الإقناع الأدبي، فكان سلاحه سيف الروح وهو كلمة الله. وإنه إذا ظهر القائم تتجدد جميع الأشياء. ولكن القائم كان على وشك الظهور وكان لابد من تهيئة الأمور لظهوره ولا يصح أن يكون هناك فارق بين الأجناس والأقوام المختلفة. ولا بين الرجل والمرأة. وأن لا يكون الحجاب عنوان انحطاط المرأة. ولقد أوجدت تلك المرأة ذات المواهب الجليلة حلاً لشؤون المرأة... وقد قيل في إحدى الروايات إنها (أي قرة العين) بنفسها حضرت المؤتمر لابسة القناع وإذا كان الأمر كذلك فإنها ما لبثت أن صاحت في الجمع الحاشد: ’’إني أنا صوت الصافور والنداء الذي ينفخ في الصور أن انتبهوا أيها النائمون...‘‘ وقيل أن بهاءالله أتبع خطاب هذه المرأة الشجيعة بتلاوة "سورة القيامة". فلمثل هذه التلاوات تأثير قوي شديد. والمعنى المقصود من كل ذلك أن العالم ابتدأ يدخل في دورة جديدة دنيوية وكان من الضروري لها وجود قوانين وأحكام وقواعد جديدة.‘ ("اتفاق الأجناس والأديان" للدكتور چين، الصفحات 101-103)

جسيمة على أيدي أعدائهم. وأطفأ هذا التشتيت الشرور التي حاول إشعالها ذلك النفر القليل من غير المسئولين من بين أتباع أمر الله، وصان شرفه وسمعته في نقاء وصفاء.

وسمعت حضرة بهاءالله نفسه يصف الحادثة كما يلي: ’كنّا مجتمعين في بلدة نيالا ونزلنا للإستراحة في سفح جبل، وفي ساعة الفجر استيقظنا فجأة على صوت الأحجار التي رشقنا بها المجاورون، وكانوا يرموننا بها من أعلى الجبل. واشتد هجومهم علينا حتى التجأ أصحابنا إلى الهرب مرعوبين مذعورين. فألبستُ القدوس ملابسي وأرسلته إلى محل آمن وعزمت على اللحاق به، ولما وصلت إليه وجدته قد ارتحل عنه. ولم يبقَ أحد في نيالا سوى الطاهرة وشاب من شيراز يدعى ميرزا عبد الله. وكان عنف الهجوم الذي شن ضدنا قد أوقع الخراب في مخيمنا. ولم أجد أحدًا أسلم له الطاهرة سوى ذلك الشاب الذي أظهر في تلك المناسبة بسالة وعزمًا مدهشيْن. وإذ أمسك بسيفه غير هيّاب ولا وجل من هجوم السكان الوحشي الذين أسرعوا لنهب أمتعتنا، اندفع قدمًا لمنعهم عن مقصدهم. ومع أنه جرح في مواضع كثيرة من جسمه، ولكن أبى إلا أن يخاطر بحياته لصيانة أموالنا رغم أني أمرته بالكف عن ذلك. فلما هدأ الاضطراب تقدمت إلى بعض سكان القرية وأقنعتهم بقسوة عملهم المخجل ونجحت في إعادة جزء من أموالنا المنهوبة.‘

واتجه حضرة بهاءالله مع الطاهرة وخادمتها إلى نور، وعيّن الشيخ أبو تراب لحراستها وضمان سلامتها. وكان مثيرو الشغب في تلك الأثناء يسعون في إشعال غضب محمد شاه ضد حضرة بهاءالله. وادّعوا بأنه أكبر مثير للقلاقل التي وقعت في شاهرود وفي مازندران، ونجحوا أخيرًا في حمل الشاه على إصدار الأمر بالقبض عليه. ويحكى أن الشاه قال غاضبًا: ’لقد امتنعت للآن أن أصدق ما كان يقال ضده اعترافًا مني بالخدمات التي أسداها والده لوطني، ولكني هذه المرة عزمت على إعدامه.‘

وبناء عليه أمر أحد ضباطه في طهران أن يطلب من نجله المقيم في مازندران أن يقبض على حضرة بهاءالله ويرسله إلى العاصمة. ووصل هذا الأمر لنجل الضابط في اليوم السابق على اليوم الذي أعده للاحتفال بحضرة بهاءالله، لأنه كان من أخص محبيه. فاستاء من ذلك ولكنه لم يفض بالخبر لأحد. ولحظ حضرة بهاءالله في وجهه آثار الحزن، فنصحه

أن يوكل أمره إلى الله. وفي اليوم التالي بينما كان حضرة بهاءالله يصحب صديقه إلى منزله، وإذا بفارسٍ آتٍ من جهة طهران، وبعد حديث قصير بين الصديق والفارس صاح الأول بلهجة مازندران قائلاً: ’إن محمد شاه توفي.‘ ثم أخرج الأمر الملكي ليراه حضرة بهاءالله. فزال أثر الأمر سالف الذكر وصرف ذلك الصديق ليلته في صحبة ضيفه في جو من الهدوء والفرح.

وفي هذه الأثناء وقع القدوس في يد أعدائه وحبس في ساري في منزل ميرزا محمد تقي رئيس المجتهدين في تلك البلدة. أما باقي رفاقه فتفرقوا بعد حادثة نيالا في جهات متفرقة وحمل كل منهم أخبار الحوادث العظيمة التي وقعت في بدشت ليخبر بها أقرانه من المؤمنين.

***
الفصل السابع عشر
حبس حضرة الباب في قلعة چهريق
صورة 110
قلعة چهريق

وقعت حادثة نيالا في وسط شهر شعبان سنة 1264ﻫ.(1) وفي أواخر ذلك الشهر نقل حضرة الباب إلى تبريز وفيها تحمل على يد ظالميه أذىً شديدًا وضررًا مشينًا. وصادف هذا التوهين المتعمد من كرامة حضرة الباب، مع هجوم أهالي نيالا على حضرة بهاءالله

________________________
(1) 3 يوليو/تموز - أول أغسطس/آب سنة 1848م.

وأصحابه. فأحدهما رجم بالحجارة من قبل أناس جهلة مشاكسين، وجُلد الآخر على يد عدوٍ قاسٍ خائن.

وأعود الآن لسرد الحوادث التي أدت للإهانة البغيضة التي اختارها أعداء حضرة الباب ومضطهدوه للإيقاع به. فإنه نقل بناء على أوامر الحاج ميرزا آقاسي إلى قلعة چهريق(1) وسلّم لحراسة يحيى خان الكردي الذي كانت أخته زوجة محمد شاه وهي والدة نائب السلطنة. وكان الوزير الأكبر قد أصدر التعليمات المشددة الصريحة إلى يحيى خان يأمره فيها أن لا يصرّح لأحد أن يدخل محضر سجينه، ونبّه عليه خصيصًا أن لا يقتفي أثر علي خان الماه كوئي الذي تدرج في مخالفة الأوامر التي تسلمها.

ورغمًا عن صرامة الأمر الصادر إليه، وفي وجه المعارضة الشديدة من الحاج ميرزا آقاسي صاحب النفوذ والسلطان، وجد يحيى خان نفسه عاجزًا عن تنفيذ تلك التعليمات. فسرعان ما شعر هو الآخر بقوة سجينه السحرية وما أن اتصل بروح حضرته حتى نسي الواجب الذي كان متوقعًا منه تأديته. فمن البداية نفذت محبة حضرة الباب إلى قلبه وهيمنت على وجوده بالكامل. وكذا الحال مع الأكراد الذين يقطنون في چهريق، والذين يزيد تعصبهم وبغضهم للشيعة عن أكراد أهل ماه كو، فإنهم وقعوا جميعهم تحت تأثير حضرة الباب المقلّب. ووصلت المحبة التي أشعلها حضرته في قلوبهم لدرجة أنهم في كل صباح، قبل أن يبتدئوا أعمالهم اليومية، كانوا يوجهون خطاهم ناحية سجنه(2) وينظرون من بعد إلى القلعة التي تحتضن شخصه المحبوب، ثم يتضرعون باسمه ويستنزلون البركات منه ويسجدون على الأرض طالبين إحياء أرواحهم بذكراه. وكانوا يخبرون بعضهم بعضًا بكل حرية بالعجائب التي شاهدوها من قوته ومجده، ويقصّون رؤآهم التي تشهد بقوة تأثير خلاّقيته. ولم يرفض

________________________

(1) وفي "مقالة سائح" (الصفحة 14، في الترجمة العربية) أن الباب مكث ثلاثة أشهر في قلعة چهريق قبل نقله إلى تبريز لاستنطاقه.

(2) ’وكان الباب قد وضع في حبس چهريق وشدد عليه في هذا الحبس أكثر من ماه كو لذلك كان يدعو الأول بجبل شديد (عدد "شديد" 318 وهو يوافق في العدد "چهريق"، وسمى ماه كو "باسط").‘ ("مقالة سائح"، الصفحة 276، الحاشية ل)

يحيى خان دخول أي شخص إلى القلعة.(1) ولما كانت چهريق تضيق مساكنها عن أن تسع كل الزوار الذين كانوا يهرعون إلى بواباتها، لذلك كان الأحباء يجدون المأوى في "إسكي شهر" وهي چهريق القديمة وتقع على مسافة ساعة من القلعة، وكانت احتياجات حضرة الباب تُشترى من تلك البلدة القديمة وتنقل إلى سجن حضرته.

وذات يوم طلب حضرة الباب شراء عسل له، ولكن الثمن الذي دُفع بدا له باهظًا، فلم يقبل شراءه، وقال: ’إن العسل الجيّد يمكن شراؤه بقيمة أقل من هذه، وأنا الذي أكون الآن مقتداكم كنت تاجرًا من قبل. فعليكم أن تقتدوا بي في سائر معاملاتكم فلا تغشوا جيرانكم ولا تسمحوا لهم أن يغشوكم. هذا هو طريق مولاكم. فلم يتمكن أمهر الناس ولا أمكرهم أن يغشه، وكذلك لم يقبل هو من جهته أن يعامل أقل مخلوق وأضعفه معاملة لا تتصف بالشهامة والكرم.‘ وأصرّ أن يُعيد الخادم المشتري العسل ويأتيه بآخر أجود صنفًا وأقل ثمنًا.

وحصلت حوادث ذات طبيعة مفزعة أقلقت راحة الحكومة أثناء سجن حضرة الباب في قلعة چهريق. واتضح سريعًا أن جمعًا غفيرًا من أشهر أشراف "خوي" وعلمائها ومسؤوليها الحكوميين اعتنقوا أمر المسجون وأصبحوا من أخص أتباعه. وكان من بينهم ميرزا محمد علي وأخوه بيوك آقا وكلاهما من الأشراف الممتازين من الذين قاموا لنصرة أمر الله وأبلغوه لمواطنيهم من كل الأجناس والخلفيات بحماس وعشق. وكان هناك سيل متدفق من طلبة الحقيقة والمؤمنين الثابتين يتحرك جيئة وذهابًا ما بين خوي وچهريق.

وحدث في ذلك الحين أن أحد المسؤولين المرموقين، ممن عرف بالمقدرة الأدبية الفائقة واسمه ميرزا أسد الله، والذي سمّاه حضرة الباب فيما بعد ﺑ"الديّان"، والذي كان

________________________

(1) وهناك كما في كل مكان التف الناس حوله. وكتب السيد موشنين في مذكراته عن الباب: ’في شهر يونيو/حزيران سنة 1850م (أليست على الأرجح سنة 1849م ؟) ذهبت إلى چهريق لأعمال تخص وظيفتي ورأيت البالاخانة التي كان الباب يبلغ رسالته من على سطحها. وازداد تجمع الناس حولها حتى ملأوا المكان والفناء الذي أمامه وكان أغلب المستمعين الذين لم يجدوا مكانًا يقفون في الشوارع ينصتون إلى آيات القرآن الجديد. ثم بعد قليل من الزمن نقل الباب إلى تبريز لإعدامه.‘ ("المجلة الآسيوية" سنة 1866م، الجزء 7، الصفحة 371)

استنكاره العنيف لدعوة حضرة الباب قد حيّر أولئك الذين سعوا لتبليغه، رأى رؤيا. ولما استيقظ قرر ألا يرويها لأحد، واختار في نفسه آيتين من القرآن الكريم، وأرسل لحضرة الباب الطلب التالي: ’إني قد رتبت في عقلي ثلاثة أمور وأطلب منك أن تكشف لي عن طبيعتها.‘ وطلب من ميرزا محمد علي أن يسلم ذلك الطلب الكتابي إلى حضرة الباب. وبعد بضعة أيام جاءه الجواب بخط يد حضرة الباب، وكشف له فيه بشكل كامل ظروف تلك الرؤيا وكشف عن نص الآيتين حرفيًا. وسببت دقة تلك الإجابة تحولاً مفاجئًا. ومع إنه لم يكن معتادًا على المشي فقد أسرع ميرزا أسد الله وارتقى ماشيًا ذلك الطريق السحيق الحجري المؤدي إلى القلعة من خوي. وأراد أصحابه إقناعه أن يمتطي جوادًا إلى چهريق، فلم يقبل عرضهم وفضل السير. ولما تقابل مع حضرة الباب ثبت يقينه وأشعلت المقابلة فيه حماسًا شديدًا استمر إلى آخر أيام حياته.

وفي تلك السنة أبدى حضرة الباب رغبته بأن يقوم كل واحد من أربعين من أصحابه بكتابة رسالة يثبت فيها صحة الأمر مستندًا إلى الآيات والأحاديث. فاستجابوا لرغبته حالاً وعرضوا نتيجة أعمالهم في محضره، فنالت رسالة ميرزا أسد الله إعجاب حضرة الباب التام وكانت أعلاها جميعًا في تقديره، فأعطاه حضرة الباب لقب الديّان وأنزل في حقه "لوح الحروفات" الذي جاء فيه البيان التالي: ’لو لم يكن لدى "نقطة البيان"(1) دليلاً على صحة أمره سوى هذا اللوح، الذي لن تقدر كل العلوم أن تظهر مثله، لكفى.‘

ولما لم يفهم أهل "البيان" الغرض المقصود من هذا اللوح ظنوا أنه مجرد تفصيل لعلم الجَفر.(2) وفي السنين اللاحقة وفي أوائل أيام حضرة بهاءالله في سجن عكاء، طلب منه "جناب المبلّغ" من شيراز أن يظهر أسرار ذلك اللوح. فنزل من قلمه تفسير له يحق للذين لم يفهموا كلمات حضرة الباب أن يتدبروه، وقد بيّن حضرة بهاءالله البراهين الساطعة الدالة على ضرورة ظهور "من يظهره الله"(3) من تفسير كلمات حضرة الباب في ذلك

________________________
(1) أحد ألقاب حضرة الباب.
(2) علم العِرافة والنبوءة.
(3) إشارة إلى حضرة بهاءالله.

اللوح، وإن ظهوره يكون قبل مضي تسعة عشر سنة من إعلان دعوة حضرة الباب. وكان سر المستغاث موضع حيرة وعجب لأهل "البيان"، حتى لأشدهم ذكاء وأكثرهم علمًا، وثبت بأنه عقبة كأداء أمام إدراكهم وعرفانهم للموعود. وفي اللوح المذكور كشف حضرة الباب بنفسه ذلك السر، وإن لم يستطع أحد أن يفهم المقصود من الشرح الذي كتبه. فكان أن كشف حضرة بهاءالله ذلك اللغز لأنظار كل البشر.

وأظهر ميرزا أسد الله حماسًا لا يكل حمل والده أن يلتجئ إلى الحاج ميرزا آقاسي صديقه الحميم ويخطره بظروف اعتناق ابنه الأمر الجديد وينبهه إلى إهماله لواجباته التي ألقتها الدولة على عاتقه. وأطنب في الحديث عن توق مثل هذا الخادم الحكومي المقتدر لخدمة مولاه الجديد وبما تكللت به مجهوداته من نجاح.

وكان من دواعي قلق الحكومة أيضًا أن درويشًا حضر من الهند إلى چهريق، وبمجرد أن قابل حضرة الباب اعترف بصحة رسالته. وكان كل من يقابل ذلك الدرويش، الذي سمّاه حضرة الباب "قهر الله" أثناء إقامته القصيرة في إسكي شهر، يشعر بحرارة حماسه ويتأثر تأثرًا عميقًا من قوة يقينه. وتعاظم عدد المأخوذين بشخصيته واعترفوا طواعية بقوة إيمانه القاهرة. كان تأثيره عليهم لدرجة أن قلة من المؤمنين اعتبروا أنه مبين للوحي الإلهي، ولو إنه أنكر مثل هذا الادعاء. وسمع مرارًا يروي الآتي: ’في الأيام التي كنت أشغل فيها وظيفة نواب المرموقة في الهند، ظهر لي حضرة الباب في الرؤيا وحدق فيّ فانجذب قلبي إليه تمامًا. ونهضت وبدأت أتبعه عندما التفت ونظر إليّ بإمعان وقال: ’’تخلص من ملابسك الفخمة واهجر موطنك وأسرع سيرًا على قدميك لمقابلتي في آذربيجان وفي چهريق تحصل على مرغوب قلبك.‘‘ فاتبعت أمره حتى وصلت إلى بغيتي.‘

ووصلت إلى تبريز أخبار الهياج الذي وقع بين رؤساء الأكراد في چهريق بتأثير هذا الدرويش المسكين. وانتقلت الأخبار منها إلى طهران أيضًا وما كادت تصل إليها حتى صدر الأمر بنقل حضرة الباب حالاً إلى تبريز وذلك بأمل تهدئة الاضطراب الذي أثارته إقامته المستمرة في تلك الأنحاء. وقبل وصول أنباء هذا الأمر الجديد كان حضرة الباب قد أمر "عظيم" أن يخبر قهر الله برغبته في أن يعود إلى الهند وهناك يخصص حياته

لخدمة أمره الإلهي، وأمره قائلاً: ’وكما جاء وحيدًا سيرًا على الأقدام يعود من حيث أتى بالإخلاص نفسه والمحبة ذاتها اللذين وسما حجه إلى هذه البلاد. عليه أن يعود إلى موطنه وأن لا يألُ جهدًا في نشر الأمر وتحقيق مصالحه.‘ وكذلك أمره أن يخبر ميرزا عبد الوهاب الترشيزي الذي كان قاطنًا في خوي أن يذهب توًا إلى أروميه ليقابله (حضرة الباب) هناك قريبًا. وقد أمر "عظيم" أن يتجه إلى تبريز وهناك يخطر السيد إبراهيم الخليل عن قرب وصوله (حضرة الباب) إلى تلك المدينة. وأضاف حضرة الباب: ’أخبره أن نار النمرود سوف تشتعل في تبريز قريبًا ولكن رغمًا عن شدة لهيبها فلا يصيب أصحابنا منها أي أذى.‘

وما كاد قهر الله يتسلم الأمر من مولاه حتى قام لتنفيذ رغباته، فكان يقول لكل شخص يريد مرافقته في الطريق: ’إنك لن تقدر أن تتحمل متاعب السفر وامتحاناته، فاترك العزم في التوجه معي لأنك ستهلك حتمًا في الطريق، كما أن حضرة الباب قد أمرني أن أعود وحدي إلى موطني.‘ وكانت قوة إجابته الحازمة قد أسكتت الذين رجوه أن يسمح لهم بالسفر معه. ولم يقبل أن يأخذ أي نقود أو ملابس من أحد. ورجع قافلاً إلى وطنه فريدًا سائرًا على الأقدام وعصاه في يده ولم يعلم أحد ماذا أصابه في النهاية.

وكان محمد علي الزنوزي الملقب ﺑ"الأنيس" ضمن الذين سمعوا برسالة حضرة الباب في تبريز وتأججت فيه نيران الشوق للإسراع إلى چهريق للقائه، وأشعلت فيه تلك الكلمات شوقًا لا يقهر ليضحي بنفسه في سبيله. وعارض السيد علي الزنوزي زوج أمه، وهو من أعيان تبريز، تركه للمدينة. وتمكّن في النهاية من حبسه في المنزل وتشديد المراقبة عليه. فهزل الابن في الحبس إلى أن حان الوقت الذي فيه وصل محبوبه إلى تبريز ثم أعيد ثانية إلى سجنه في چهريق.

وسمعت الشيخ حسن الزنوزي يروي ما يأتي: ﴿في الوقت الذي أذن فيه حضرة الباب لعظيم بالخروج من محضره، أمرني حضرته أن أجمع كل ما توفر من الألواح التي نزلت أثناء الحبس في قلعتَي ماه كو وچهريق وأن أسلمها ليد السيد إبراهيم الخليل الذي كان وقتها موجودًا في تبريز وأن أحثه على إخفائها والمحافظة عليها بحرص.

وأثناء إقامتي في تلك المدينة، كنت كثيرًا ما أزور السيد علي الزنوزي، الذي كان من أقربائي، وأسمعه يندب حظ ابنه(1) المحزن، فكان يشكو بحرقة قائلاً: ’يظهر أنه فقد رشده وقد جلب عليّ العار بسلوكه، فاجتهد في أن تقنعه أن يخفي اعتقاده وتهدئ روع قلبه.‘ وفي كل يوم زرته (الابن) كنت أرى دموعه تجري دومًا من عينيه. ولما رحل حضرة الباب عن تبريز ذهبت يومًا لرؤيته، فتعجبت من منظره لأني رأيت أمارات الفرح بادية على وجهه وتهلل وجهه اللطيف بشرًا عندما تقدم للقائي وقال لي وهو يعانقني: ’إن أعين محبوبي قد نظرت هذا الوجه ورأت عيناي طلعته. فدعني أحكي لك سر سروري، فبعد أن أعيد حضرة الباب إلى چهريق وبينما أنا محبوس في غرفتي وجهت قلبي إليه وناجيته قائلاً: ’’ترى يا محبوبي أسري وعجزي وتعلم كم أحن شوقًا للنظر إلى وجهك. فارفع بأنوار طلعتك هذه الظلمة التي تخيم على قلبي.‘‘ فكم من دموع الألم الموجع سكبت في تلك الساعة! وغلب عليّ التأثر بدرجة أحسست كأني فقدت شعوري. وفجأة سمعت صوت حضرة الباب يناديني ويأمرني بالقيام. ورأيت جلال طلعته إذ ظهر أمامي. وابتسم وهو ينظر في عينَي، فاندفعت نحوه وطرحت نفسي على قدميه. فقال لي: ’’افرح فإن الساعة قادمة عندما أُعلّق فيها أمام أعين الجماهير في هذه المدينة نفسها وأقع ضحية لنار الأعداء. ولن أنتخب أحدًا خلافك ليشاركني في تجرع كأس الشهادة، وتأكد أن هذا الوعد الذي أعدك به سيتحقق.‘‘ وسحرت من جمال تلك الرؤيا. ولما صحوتُ وجدتُ نفسي غريقًا في بحر من السرور الذي لن تحجب بريقه أبدًا كل أحزان العالم. ولا يزال ذلك الصوت يرنّ في أذني. وتلازمني هذه الرؤيا في الليل وفي النهار. إن ذكرى تلك الابتسامة فائقة الوصف أنستني عزلة حبسي وأصبح اعتقادي يقينًا بأن الساعة التي ضمنها لي لتحقق الوعد لا تتأخر بعد ذلك.‘ فنصحته بالصبر وكتمان مشاعره، فوعدني أنه سوف لن يبوح بذلك السر، وتعهد أن يسلك مع السيد علي، بالرفق والأناة. وأسرعت إلى الأب لأخبره عن تصميم الشاب ونجحت في فكّ أسره. واستمر هذا الشاب إلى يوم شهادته في حالة من الفرح

________________________
(1) أو بالأصح ابن زوجته.

والسكون التام مع والديه وأقربائه. واستمر على هذا المنوال في سلوكه نحو الأصحاب والأقارب، حتى إنه في اليوم الذي ضحى فيه بحياته لأجل محبوبه كان أهل تبريز جميعهم يندبونه ويبكونه.﴾

***
الفصل الثامن عشر
التحقيق مع حضرة الباب في تبريز

وكان حضرة الباب عالمًا بدنوّ خاتمة حياته ولذلك فرّق تلاميذه الذين تجمعوا في چهريق وانتظر الأمر باستدعائه إلى تبريز بالتسليم والرضا. ورأى الذين تسلموا حراسته أن من الحكمة عدم مرورهم به في بلدة خوي التي تقع في طريقهم إلى عاصمة آذربيجان. وعزموا على سلوك طريق أروميه تجنبًا للتظاهرات المتوقع أن يقوم بها أهالي خوي المنفعلين احتجاجًا على طغيان الحكومة. ولما وصل حضرة الباب إلى أروميه استقبله مَلِك قاسم ميرزا استقبالاً رسميًا وأكرم وفادته للغاية. وفي محضر حضرته أظهر الأمير احترامًا فائقًا ورفض السماح لأي كان ممن يسمح لهم بمقابلة حضرته أن يعامله بغير الاحترام.

وذات يوم جمعة بينما كان حضرة الباب ذاهبًا إلى الحمّام العمومي، أراد الأمير أن يمتحن شجاعة ضيفه وقوته، فأمر سائسه أن يسرج لحضرته أصعب الجياد مراسًا. ولعلم الخادم بالضرر الذي ربما يلحق بحضرة الباب، اقترب منه ونبّهه سرًا أن لا يقبل امتطاء الجواد لأنه طرح سابقًا أشجع الفرسان وأمهرهم. فكان جوابه له: ’لا تخَف! اعمل كما أُمِرت واتركنا لحفظ الله وحراسة المولى القدير.‘ وكان أهل أروميه قد علموا بغرض الأمير فاجتمعوا في الميدان العمومي متلهفين لمشاهدة ما يحصل لحضرة الباب، ولما جاءوه بالجواد اقترب منه باطمئنان وهدوء وأخذ اللجام من يد السائس وربته بلطف ثم وضع رجله في الركاب. فوقف الجواد دون حراك كأنه شاعر بالقوة المهيمنة عليه. فدهش الجمهور الذي راقب ذلك المشهد الغريب من مسلك الجواد. ولضعف عقولهم

ظهرت لهم هذه الحادثة العجيبة شبه معجزة. فأسرعوا في حماسهم لتقبيل ركاب حضرة الباب، ولكن خدّام الأمير منعوهم من ذلك حرصًا على أن مثل هذا الهجوم ربما يحصل منه ضرر لحضرته. وكان الأمير الذي رافق حضرة الباب ماشيًا على قدميه إلى جوار الحمّام، قد أمره حضرة الباب قبل الوصول إلى المدخل بالعودة إلى منزله، وكان خدّام الأمير يفسحون الطريق أمامه طول المسافة لكثرة الازدحام الحاصل من الذين حضروا لالقاء نظرة على حضرة الباب، وعند وصوله صرف الخدم عدا خادم الأمير الخاص والسيد حسن الذي مكث في الغرفة المجاورة وساعده في خلع الملابس. وعند عودته من الحمّام امتطى الجواد نفسه وهلّلت له الجماهير نفسها. وجاء الأمير ماشيًا لمقابلته ورافقه إلى منزله.

وما كاد حضرة الباب يغادر الحمام حتى هجم أهالي أروميه وتقاسموا الماء الذي استعمله في وضوئه إلى آخر قطرة، وحصل في ذلك اليوم هياج عظيم. فلما شاهد حضرة الباب علائم هذا الحماس المتحرر تذكّر الحديث المشهور المنسوب للإمام علي أمير المؤمنين الذي أشار فيه إلى آذربيجان وورد في فقراته الأخيرة أن بحيرة أروميه سوف يغلي ماؤها ويفيض على ضفافها ويغمر المدينة. ولما أخبروا حضرته بأن غالبية السكان اعتنقوا أمره دفعة واحدة، أجاب بهدوء: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون."(1) وقد تأيّد هذا البيان بمسلك السكان أنفسهم نحوه حين بلغهم خبر المعاملة المفجعة التي عومل بها في تبريز. فلم يستقم على الأمر منهم إلا القليل رغم إجماعهم أولاً على الإيمان بمحض رغبتهم فكان ذلك امتحانًا لهم. وكان من بين الذين استقاموا على الأمر الملاّ إمام وردي، فلم يوجد أحد هناك أقوى إيمانًا منه سوى الملاّ جلال الأرومي أحد حروف الحيّ. وزادت شعلة إيمانه بالاضطهاد وتقوّى اعتقاده باستقامته على الأمر الذي اعتنقه. وأخيرًا حظي بلقاء حضرة بهاءالله واعترف برسالته فيما بعد. وجاهد في نشر أمره بنفس الأمانة التي قام بها على نشر أمر حضرة الباب. واعترافًا بخدماته على مر السنين الطويلة تشرف هو وأسرته بألواح عديدة من قلم حضرة بهاءالله وفيها امتدح أعماله ودعا

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة العنكبوت، الآية 2.
صورة 111

المنزل الذي شغله حضرة الباب في أروميه وتظهر الغرفة العليا (بالاخانه) (x) التي سكنها

بنزول البركات عليه من العلي القدير وبعزم لا ينثني استمر على العمل لإعلاء شأن الأمر حتى وصل إلى سن الثمانين وفارق هذه الحياة.

أما روايات صدور العجائب من حضرة الباب فكانت تتناقلها ألسن الذين شاهدوها من المعجبين به الذين لا يدخلون تحت حصر، وأوجدت حماسًا انتشر بسرعة مدهشة في أنحاء المملكة بأسرها. وانتقلت إلى طهران وأثارت فيها رؤساء الدين للقيام بعمل مجهودات أخرى جديدة ضده. فقد ارتعبوا من سرعة تلك الحركة التي شعروا لو أنها تركت تجري في مسارها لابتلعت المؤسسات التي ترتكز عليها سلطتهم، لا بل وجودهم نفسه. وقد رأوا دلائل الإخلاص لحضرة الباب بادية من كل الجهات وعجزوا عن إيجاد مثلها لأنفسهم، كما شاهدوا علائم ولاء جديد يضرب في جذور نسيج غزلوه ورعوه بأيديهم. ولاء فشلت كل الموارد الموضوعة تحت تصرفهم عن إطفاء شعلته.

وكانت تبريز على الخصوص تتمخض بأفجع الاضطرابات. وأهاجت أخبار قرب وصول حضرة الباب مخاوف السكان وأثارت أقسى أنواع العداء في قلوب زعماء آذربيجان الدينيين. وكان هؤلاء العلماء وحدهم من بين جميع سكان تبريز هم الذين لم يشتركوا في المظاهرة الودية التي حيوا بها رجوع حضرة الباب إلى مدينتهم. وبلغ حماس الناس لهذه الأخبار لدرجة أن الحكومة قررت أن تكون إقامة حضرة الباب خارج بوابات المدينة. ولم يتشرف بلقائه إلا الذين أراد هو مقابلتهم وأما غيرهم فحرموا من هذا الشرف.

وفي الليلة الثانية من وصول حضرة الباب، دعا عظيم إلى محضره، وأثناء محادثته معه أكد له أن دعوته إنما هي دعوة القائم الموعود، فوجده مترددًا في قبول هذه الدعوة دون قيد، ولما رأى اضطرابه الباطني قال له: ’إني باكرًا أمام ولي العهد وفي وسط الجمع الحاشد من العلماء والأعيان سوف أظهر دعوتي. وكل من يريد أن يطلب برهانًا سوى الآيات التي أنزلتها فليطلبها من قائمه الموهوم.‘

وسمعت عظيمًا يشهد بالآتي: ’كنت في تلك الليلة في اضطراب كبير وبقيت مستيقظًا متململاً إلى ساعة طلوع الشمس. وبمجرد أن صليت الصبح وجدت تغييرًا عظيمًا في نفسي حتى كأن بابًا جديدًا فتح أمام وجهي، وجاءتني الفكرة بأني لو كنت أمينًا ومطيعًا

لدين محمد رسول الله لاعترفت بدعاوى حضرة الباب دون قيد ولخضعت لكل ما يأمر به دون خوف أو تردد. وكانت هذه النتيجة التي وصلت إليها قد أزالت اضطرابي. فأسرعت إلى حضرة الباب وطلبت منه العفو والمغفرة. فقال لي: ’’إن من علائم عظمة الأمر أن أمثال عظيم يضطرب ويرتجف من قوته واتساع نطاقه.‘‘ ثم أضاف: ’’ثق أن فضل الله يمكنك أن تقوّي كل ضعيف قلب وتثبت كل متزلزل. وسيكون إيمانك قويًا على شأنٍ لو يقطّعك الأعداء إربًا إربًا رجاء أن تنقص محبتك بقدر ذرة فلا يقدرون على ذلك، وستقابل في مستقبل أيامك بالتأكيد مظهر رب العالمين وجهًا لوجه وتفرح بلقائه.‘‘ فأزالت هذه الكلمات هموم كل مخاوفي. ومنذ ذلك اليوم لم يظهر عليّ أي أثر للاضطراب ولا للخوف.‘

وكان حجز حضرة الباب خارج بوابة تبريز غير كافٍ لتهدئة الهيجان الذي ساد في المدينة. وكل تدابير الحيطة والقيود التي اتخذتها السلطات لم تزِد الموقف إلا حدة بحيث

صورة 112

ناصر الدين شاه طفلاً وميرزا أبو القاسم القائم مقام على يمينه والحاج ميرزا آقاسي على

يساره، وفي أقصى اليسار (x) منوچهر خان، معتمد الدولة

صورة 113
ناصر الدين شاه

أنذر بسوء العاقبة. وأصدر الحاج ميرزا آقاسي أوامره بدعوة فورية للرؤساء الدينيين في تبريز إلى سراي حاكم آذربيجان بهدف محدد هو استدعاء حضرة الباب لمحاكمته والبحث في أنجع السبل لإخماد تأثيره. وكان من بين المدعوين لهذا الاجتماع الحاج الملاّ محمود، المسمى نظام العلماء وكان معلم ناصر الدين ميرزا ولي العهد،(1) والملاّ محمد الممقاني وميرزا علي أصغر شيخ الإسلام وعدد من كبار علماء الشيخية والمجتهدين في الفقه.(2) وكان ناصر الدين ميرزا حاضرًا بنفسه في هذا الاجتماع. وكان رئيس الاجتماع نظام العلماء الذي ما أن بدأت الإجراءات حتى أمر، باسم المجتمعين، أحد ضباط الجيش أن يدخِل حضرة الباب. وفي تلك الأثناء اكتظ جمع غفير بالمدخل منتظرين بفروغ صبر لحظة فوزهم بنظرة إلى حضرة الباب. وكانوا يتزاحمون قدمًا بأعداد كبيرة بحيث اضطر العسكر لشق طريق لحضرته بالقوة بين الجموع المكتظة عند البوابة.

ولدى وصوله وجد حضرة الباب أن كل المقاعد مشغولة عدا واحدًا أعد لولي العهد. فألقى التحية على الجمع ودون أي تردد ذهب واحتل المقعد الشاغر. وكانت مهابة

________________________

(1) ’ولد في 17 يوليو/تموز سنة 1831م وابتدأ حكمه في سپتمبر/أيلول سنة 1848م وقتل سنة 1896م. وترك هذا الأمير طهران للانتظام في سلك الحكومة في 23 يناير/كانون الثاني سنة 1848م. ولأن والده توفي في 4 سپتمبر/أيلول من نفس السنة عاد في 18 منه ليكون شاهًا.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 243، الحاشية 195)

(2) وفي "مقالة سائح" (الصفحة 14، في الترجمة العربية) زاد عليهم ميرزا أحمد إمام الجمعة.

صورة 114
ناصر الدين شاه

مشيته، وعلائم الثقة المهيمنة التي علت وجهه، وفوق كل شيء روح القوة التي أشعت من هيكله، كأنها سحقت للحظة أرواح الذين حيّاهم، وساد عليهم فجأة صمت عجيب، ولم يقدر أحد منهم أن ينطق ببنت شفة. وأخيرًا قطع نظام العلماء الصمت السائد إذ سأل حضرة الباب: ’من تدعي أن تكون؟ وما هي الرسالة التي أتيت بها؟‘ فأجاب حضرة الباب ثلاثًا: ’إني أنا الموعود، وأنا الذي دعوتموه مدة ألف سنة وتقومون عند سماع اسمه، وكنتم تشتاقون للقائه عند مجيئه وتدعون الله بتعجيل ساعة ظهوره. الحق أقول لكم إن طاعتي واجبة على أهل الشرق والغرب.‘ فلم يجرؤ أحد على الكلام سوى الملاّ محمد الممقاني وهو أحد رؤساء الشيخية الذي كان نفسه تلميذًا للسيد كاظم. وكان أستاذه السيد يئن وينوح من عدم إيمانه ويأسف لفساد أخلاقه. وروى لي الشيخ حسن الزنوزي الذي سمع تلك الانتقادات من السيد كاظم ما يأتي:

﴿كنت أتعجب كثيرًا من تعريضه بالملاّ محمد وكنت أشتاق أن أعرف مستقبل حياته وسلوكه لأرى إن كان حكم السيد كاظم عليه في محله من عدمه، فلما رأيت سلوكه نحو حضرة الباب في ذلك اليوم عرفت صدق ما أخبر به الأستاذ عن غفلته وعَماه وكبره وغروره. وكنت واقفًا مع أشخاص آخرين خارج بهو القاعة التي كانوا فيها. وتمكنت من سماع الحديث الذي جرى في الداخل. وكان الملاّ محمد جالسًا على يسار ولي العهد. وحضرة الباب جالسًا بينهما. ولما أعلن حضرة الباب أنه هو الموعود أخذ الرعب جميع الحاضرين ونكسوا رؤوسهم مرتبكين وهم سكوت، وعلت وجوههم قترة واصفرار دل

على غليان قلوبهم. وكان الملاّ محمد ذلك الأعور أبيض الذقن الغادر قد قام على توبيخ حضرته بوقاحة قائلاً: ’إنك أيها الشقي الناقص صبي شيراز قد خربت العراق والآن تريد أن تثير مثل هذا الخراب في آذربيجان.‘ فأجابه حضرة الباب: ’يا فضيلة الشيخ أنا لم أحضر هنا من تلقاء نفسي بل دُعيت إلى هذا المكان.‘ فردّ عليه الملاّ محمد بغضب: ’أسكت يا أرذل أتباع الشيطان.‘ فأجاب حضرة الباب: ’يا فضيلة الشيخ أكرر لك ثانيًا ما سبق أن قلته لك.‘

ورأى نظام العلماء أن الأحسن هو الاعتراض على رسالته علنًا. فقال لحضرة الباب: ’إن الدعوة التي تقدمها الآن هي دعوة خطيرة فيجب أن تدعمها بالدليل القاطع.‘ فأجاب حضرة الباب: ’إن أقوى دليل مقنع على صحة دعوة رسول الله هو كلامه كما دلل على ذلك بقوله: "أو لم يكفِهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب."(1) ولقد منحني الله القوة لآتي بهذا البرهان، ففي ظرف يومين وليلتين أقرر أني أقدر أن أظهر آيات توازي في الحجم كل القرآن.‘ فقال له نظام العلماء: ’إن كنت صادقًا صف لنا هذا الاجتماع شفاهة بلغة تشابه آيات القرآن، حتى أن ولي العهد والعلماء المجتمعين يشهدون بصحة دعوتك.‘ فوافق حضرة الباب على طلبه وابتدأ ينطق بهذه الكلمات: ’بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق السموات والأرض.‘ فاعترض عليه الملاّ محمد الممقاني لافتًا نظره لغلطة نحوية وصاح قائلاً باحتقار: ’إن هذا القائم أظهر جهله في أول كلامه في أبسط القواعد النحوية.‘ فأجابه حضرة الباب: ’إن القرآن نفسه لا يتفق في كثير من الأحوال مع هذه القواعد السائدة بينكم، فكلمة الله لا تقاس بالحدود التي هي عند خلقه بل إن القواعد التي أوجدها الناس قد استنتجوها من كلام الله. وقد وجد هؤلاء الناس مخالفات نحوية في القرآن في أكثر من ثلاثمائة موضع مثل الموضع الذي تنتقد عليه، ولكنهم امتثلوا ولم يكن لهم بد من ذلك لأن الكلام إنما هو كلام الله.‘(2)

________________________
(1) القرآن الكريم، سورة العنكبوت، الآية 51.

(2) "وإذا حصل اعتراض على النحو والصرف الواقع في الآيات فذلك الاعتراض باطل لأن القواعد يجب أن تستمد من الآيات وليست الآيات مرتبة بمقتضاها، فمما لاشك فيه أن رب الآيات قد أنكر هذه القواعد وأنكر معرفتها لأنه قائم بذاته." ("البيان" الفارسي، الجزء 1، الصفحتان 45-46)

صورة 115
مشاهير المجتهدين في إيران

ثم أعاد الكلمات التي نطق بها وانتقد عليها ثانية الملاّ محمد. وبعد ذلك تجاسر شخص آخر على إيراد السؤال الآتي لحضرة الباب: ’على أي صيغة من صيغ الأفعال تصرف كلمة اشترطن؟‘ وجوابًا عن هذا السؤال، تلا حضرة الباب الآيات القرآنية: "سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين."(1) ثم قام بعد ذلك وترك مجمعهم.(2)﴾

________________________
(1) سورة الصافات، الآيات 180-182.

(2) ’وأما الروايات الإسلامية التي أمامنا فليس عليها مسحة الصدق بل يظهر أنها مزورة. ومما نعلمه عن الباب، فمن الأرجح أنه تفوق عليهم في المناقشات وأن العلماء والموظفين الذين حضروا الاجتماع كانوا غير راغبين في تدوين انهزامهم وخذلانهم.‘ ("اتفاق الأجناس والأديان، للدكتور چين، الصفحة 62) ’ومن الصعب الحكم على صحة الرواية الإسلامية عن المحاكمة في تبريز وقد تكون بعض الأسئلة المدونة قد وقعت فعلاً على ما فيها من القحة والقبح. وقد لا يصدر من الباب جواب عليها، فمن المعقول جدًا كما كُتب في "التاريخ الجديد" أن الباب فضّل الصمت الوقور، كما ينسبه بعض كتّاب المسلمين، على الإجابة عن الخزعبلات. وهذا يناقض ويخالف قضيتهم لأنهم اجتهدوا أن يظهروا الباب بمظهر الرجل الذي لم يكن عنده مواهب خارقة للعادة، فأظهروه بمظهر الرجل الجاهل، فيصعب تصديق ذلك بالكلية، ومما لاشك فيه أن المحاكمة كانت مهزلة والحكم عليه كان متفقًا عليه قبل المحاكمة ولم يكن لدى المجتمعين إذ ذاك ↓

وغضب نظام العلماء من الطريقة التي سلكها ذلك الجمع وسُمع يقول: ’وا أسفًا على سفاهة أهل تبريز! فما هي العلاقة بين هذه الأسئلة التافهة وبين النظر في أمثال هذه الدعوة الخطيرة؟‘ كذلك كان غيره يسفّه أحلام الذين عاملوا حضرة الباب بهذه الطريقة المعيبة المخجلة في تلك المناسبة. وكان الملاّ محمد المَمقاني مع ذلك مصرًا على رده العنيف وصاح في الجمع محتدًا: ’إني أحذركم بأنكم لو صرّحتم لهذا الشاب أن يستمر في تنفيذ أعماله دون إيقافه عند حدّه، فسيأتي اليوم الذي يدخل فيه كل سكان تبريز في أمره وينضمون إلى لوائه. وإذا أراد في ذلك اليوم، وأنتم مقبلون إليه، أن يظهر رغبته في طرد علماء تبريز حتى ولي العهد نفسه وأن يتولى زمام السلطة الدينية والمدنية وحده فلا يقدر أحد منكم على معارضته فعلاً لأن جميع سكان المدينة بل كافة سكان آذربيجان يكونون كلهم قائمين على إعانته.‘

صورة 116
نمازخانه شيخ الإسلام في تبريز

_____________________________________________________________________

أي غرض في معرفة طبيعة دعوة الباب أو السؤال عنها. وكان المجلس من أوله إلى آخره منحصرًا في التهكم والسخرية والاستهزاء والمهاترة وهذا ما يظهر لي جليًا في التواريخ الإسلامية أكثر منه في البابية.‘ ("مقالة سائح"، الحاشية م، الصفحة 290)

صورة 117
الركن (x) الذي جلد فيه حضرة الباب على قدميه

وكانت الاتهامات الملحة من ذلك المتآمر الشرير قد أثارت مخاوف أرباب السلطة في تبريز، وتشاور أولو الأمر معًا في أنجع التدابير الواجب اتخاذها لمقاومة تقدم أمر حضرة الباب. فألحّ بعضهم على دعوته مرة أخرى لمجمع آخر يوقع عليه فيه عقاب مذل بأيدي الأعضاء لأنه في المجمع الأول أظهر عدم الاحترام إذ جلس في المقعد المخصص لولي العهد وترك المجلس دون إذن رئيسه. ولكن ناصر الدين ميرزا لم يقبل هذا الحل. وأخيرًا تقرر إحضار حضرة الباب إلى منزل ميرزا علي أصغر الذي كان شيخ الإسلام في تبريز وسيدًا، فيعاقب بأيدي حرس الحاكم بالعقاب الذي يستحقه. ولكن الحراس أبوا أن يطيعوا هذا الأمر مفضلين عدم التدخل في موضوع خاص بعلماء المدينة وحدهم. فعزم إذ ذاك شيخ الإسلام أن يوقع العقاب بنفسه. فاستدعى حضرة الباب إلى منزله وبيده ضربه بالعصى على قدميه إحدى عشرة مرة.(1)

________________________

(1) وهذه رواية الدكتور كورمِك في انطباعاته الشخصية عن ميرزا علي محمد الباب، مستخرجة من رسائل كتبها إلى القس بنيامين لاباري (كان الدكتور كورمِك طبيبًا إنگليزيًا أقام في تبريز مدة طويلة كان فيها موضع الاحترام. وعرضت الوثيقة على الپروفسور إ. گ. براون من جامعة كامبردج بواسطة السيد و. أ. شيد، الذي حرر خطابًا خاصًا بها مؤرخًا في 1 مارس/آذار سنة 1911م قال فيه: ’عزيزي الپروفسور براون! أثناء البحث في أوراق والدي (المرحوم القس ج. ﻫ. شيد من الإرسالية الأمريكية في أروميه، إيران، وهي التي كان فيها الدكتور بنيامين لاباري)، وجدت بعض أشياء ربما يكون لها قيمة تاريخية. ليس عندي هنا كتب ولا يمكن ↓

وفي نفس السنة أصيب ذلك الطاغية الوقح بالشلل وبعد أن قاسى آلامًا مبرحة مات أشنع ميتة. وكان مشهورًا عند جميع أهالي تبريز بصفات الخيانة والغرور والأنانية. ولشهرته بالقسوة والخسة كان مخوفًا ومحتقرًا في الوقت نفسه من الأهالي الذين كانوا يئنون تحت نير ظلمه ويدعون الله للخلاص منه. وكانت حادثة وفاته المزرية قد ذكّرت الناس من الصديق والعدو بالعقاب الذي لا بد أن يصيب الذين لا تردعهم مخافة الله ولا صوت

_____________________________________________________________________

الحصول على أي منها حتى يمكن معرفة إن كانت هذه الشهادة قد حصل الانتفاع منها من عدمه. وأعتقد أنه لم يحصل ذلك، وإني متأكد أن أحسن شيء أعمله هو أن أرسلها إليك بأمل الانتفاع بها كما تراه مناسبًا. أما عن صحة المعلومات التي حوتها الأوراق فليس هناك أي شك فيها.‘) وهذا نص الخطاب كما يأتي:

’وإنك تسألني عن تفاصيل مقابلتي لمؤسس هذه الفرقة المعروفة بالبابية. لم يحصل في هذه المقابلة أمر مهم لأن الباب كان يعلم أني أرسلت مع اثنين من الأطباء الإيرانيين لفحص قواه العقلية حتى يمكن الفصل في إمكان إعدامه من عدمه، ولذلك كان يكره الإجابة عن أسئلتنا. وردًا على كافة الأسئلة كان ينظر إلينا نظرة هادئة وهو يتلو، على ما أعتقد، مناجاة بصوت منخفض موسيقي. وكان يوجد معه سيّدان من الأشراف من أعز أصحابه، وأعدما أيضًا فيما بعد، وكان عنده أيضًا اثنان من موظفي الحكومة. ولم يجبني سوى مرة واحدة عندما قلت له إنني لست مسلمًا وأريد أن أعلم شيئًا عن ديانته لأني ربما اعتنقتها. فدقق النظر فيّ إذ ذاك وأجاب إنه لاشك عنده أن جميع الأوروپيين سوف يؤمنون بدينه. فقدمنا تقريرنا إلى الشاه وقتئذ يوصي بعدم إعدامه. ولكنه أعدم فيما بعد بأمر أمير النظام، ميرزا تقي خان. وأما بعد تقديم تقريرنا مباشرة فقد أوقعوا عليه فقط عقوبة الجلد على قدميه، وفي أثناء ذلك ضربه الفرّاش على وجهه، سواء قصدًا أو دون قصد، فأحدث كدمًا كبيرًا في الوجه. ولما سُئل هل يرغب في حضور طبيب إيراني فأبدى إنه يرغب حضوري أنا لمعالجته. فعالجته بضعة أيام ولكنه في هذه المقابلات لم يمكن التكلم معه سرًا لأن بعض موظفي الحكومة كانوا دائمًا حاضرين للمراقبة لأنه كان سجينًا. وكان شاكرًا جدًا لعنايتي به. كان لطيفًا جدًا ورقيق الملامح ذا جسم نحيف أبيض البشرة بالنسبة لإيراني، وله صوت ناعم موسيقي أثّر فيّ كثيرًا. ولما كان سيدًا كان يرتدي ملابس الأشراف كعادة هذه الفئة، وكذلك كان صاحباه. وعلى وجه العموم كانت هيئته وتصرفه على شأن يجعل المرء يميل إليه. ولم أسمع منه شيئًا خاصًا بديانته ولو أنه شاع أن في دينه شبهًا كبيرًا بالمسيحية. وقد رآه كثير من النجارين الأرمن، الذين أرسلوا لإجراء صيانة في السجن، وكان يقرأ الكتاب المقدس ولم يجتهد في إخفائه بل بالعكس كان يتكلم معهم بخصوصه. وبكل تأكيد لا يوجد في دينه ذلك التعصب الإسلامي بالنسبة للديانة المسيحية ولا فيه ذلك التقييد المفرط للمرأة.‘ وبخصوص هذه الوثيقة كتب الپروفسور براون ما يلي: ’إن أولى هاتين الوثيقتين مهم جدًا إذ فيها انطباع عن الباب وقت حبسه وآلامه وتأثيره على عقل أوروپي مهذب محايد. وقليل جدًا من المسيحيين الغربيين تمكنوا من مقابلة الباب أو أتيحت له فرصة التحدث معهم ولا أعلم أحدًا خلافه كتب شيئًا عن ملحوظاته بالنسبة إليه.‘ ("مواد لدراسة الدين البابي" لبراون، الصفحات 260-262، 264)

الضمير من معاملة مواطنيهم بالقسوة الغادرة. وبعد وفاته ألغيت وظيفة شيخ الإسلام في تبريز. واشتد الخزي الذي لحق به لدرجة إنه ألصق العار بالوظيفة حتى مقتها الناس، فتقرر إلغاؤها.

ورغم مسلكه الدنيء الغادر، إلا أنه كان أنموذجًا واحدًا فقط من السلوك الشرير الذي طبع موقف قادة علماء الدين من مواطنيه تجاه حضرة الباب. فما أبعدهم وأضلهم عن طريق العدل والإنصاف! فكم ازدروا نصائح رسول الله ﷺ ومواعظ أئمة الدين! ألم يعلن أولئك صراحة أنه إذا ظهر شاب من بني هاشم(1) ودعا الناس إلى كتاب جديد وشرع جديد، فعلى كل الناس أن يسرعوا إليه ويعتنقوا أمره؟ ومع أن هؤلاء الأئمة قد بينوا بوضوح أن أكبر أعدائه سيكونون من العلماء، فإن هؤلاء القوم الجهلة العمي اختاروا أن يتبعوهم ويطيعوا أوامرهم ويوافقوهم على باطلهم بل يطبعونه بطابع الحق والعدل ويسيرون على منوالهم ويظنون أنهم هم وحدهم "الفرقة الناجية" وأنهم "المختارون" الذين اختارهم الله وأنهم هم "الأمناء على الحق".

وأعيد حضرة الباب من تبريز إلى چهريق وأوكلوا لحراسته يحيى خان مرة أخرى. وظن مضطهدوه أنه سوف يترك ادعاءه من جراء تهديده في مجلسهم. إلا أن ذلك الاجتماع الذي أعدوه له وأحضروه فيه كان قد مكّنه من أن يبين حقيقة مدعاه علنًا وبكل جسارة أمام أكبر هيئة دينية في عاصمة آذربيجان وأن يتغلب بكلام مختصر مفيد على كل حجج معترضيه. وكانت أنباء إعلان الدعوة ذات النتائج بعيدة المدى قد انتشرت في طول بلاد إيران وعرضها وحركت مرة أخرى إحساسات المؤمنين على نحو أعمق وأهاجت فيهم حماسًا شديدًا وقوّت مركزهم وكانت مقدمة للحوادث العظيمة التي سوف تجتاح البلاد قريبًا.

وما كاد حضرة الباب يعود إلى چهريق حتى كتب، بلغة جريئة محركة للمشاعر، لوحًا يندد فيه بالحاج ميرزا آقاسي وأفعاله. وفي الفصول الافتتاحية لذلك اللوح الذي سمّاه

________________________
(1) هاشم هو جد النبي محمد ﷺ.

ﺑ"الخطبة القهرية" يخاطب رئيس وزراء محمد شاه بقوله: "يا من كفر بالله وأعرض بوجهه عن آياته." وهذا اللوح المطول قد سُلم للحجة وكان في تلك الأيام محبوسًا في طهران، وقد أمر أن يسلمه بنفسه إلى الحاج ميرزا آقاسي.

وقد تشرفت بأن أسمع من فم حضرة بهاءالله، بينما كان في سجن عكاء، ما يلي: ’إن الملاّ محمد علي الزنجاني بعد أن سلّم اللوح إلى الحاج ميرزا آقاسي، حضر وزارني، وكان بصحبتي ميرزا مسيح النوري وعدد من المؤمنين عند وصوله. وحكى كيفية تسليم اللوح وقرأه أمامنا بأكمله وكان نحو ثلاث صحفات وقد حفظه عن ظهر قلب.‘ وكانت لهجة حضرة بهاءالله في إشارته إلى الحجة تنبئ عن عظيم امتنانه من طهارة ونبل حياته وكم كان يعجب بشهامته وجرأته وإرادته التي لا تقهر وزهده في الدنيا واستقامته التي لا تتزعزع.

***
الفصل التاسع عشر
ملحمة مازندران

وفي شهر شعبان نفسه الذي وقعت فيه الإهانة على حضرة الباب في تبريز ونزلت فيه المصائب على حضرة بهاءالله وأصحابه في نيالا، رجع الملاّ حسين من معسكر الأمير حمزة ميرزا إلى مشهد، على أن يسافر بعد سبعة أيام إلى كربلاء مصحوبًا بمن أراد. وقد عرض عليه الأمير مبلغًا من المال ليستعين به على مصاريف السفر، ولكنه رفض قبوله وأعاد إليه النقود طالبًا منه أن يصرفها على الفقراء والمحتاجين. كذلك تبرع عبد العلي خان بكافة الاحتياجات اللازمة لسفر الملاّ حسين، وأظهر رغبته في دفع مصاريف الذين يختارهم لصحبته، فلم يقبل من جميع ذلك سوى سيفًا وجوادًا قدر له أن يستخدمهما بشجاعة ومهارة تامة لصد هجوم عدو غادر.

وإن قلمي ليعجز عن أن يصف الإخلاص والإيمان اللذين أوقدهما الملاّ حسين في قلوب أهل مشهد ولا مدى تأثيره عليهم. فكان منزله في تلك الأوقات دائمًا حافلاً بجموع تواقة ليسمح لهم بمصاحبته في السفر. وكانت النسوة يحضرن أبناءهن والأخوات إخوانهن ويتضرعن إليه بدموع منهمرة أن يقبلهم فداء على محراب التضحية.

وكان الملاّ حسين لا يزال في مشهد إذ وصله رسول يحمل عمامة حضرة الباب مع لقب جديد أنعم به عليه مولاه وهو "السيد علي". وقال للرسول: ’قُل له زيّن رأسك بعمامتي الخضراء علامة نسبي وانشر الراية السوداء(1) أمامك وأسرع إلى الجزيرة الخضراء وساعد حبيبي القدوس.‘

________________________
(1) انظر الصفحة 324.

وبمجرد وصول هذه الرسالة قام الملاّ حسين على تنفيذ إرادة مولاه وترك مشهد لمحل يبعد عنها فرسخًا واحدًا، ورفع فيه الراية السوداء ووضع عمامة حضرة الباب على رأسه وجمع أصحابه وركب جواده وأعطى الإشارة بتوجههم إلى الجزيرة الخضراء، وتبعه أصحابه بحماس، وكان عددهم مائتين واثنين. وكان ذلك اليوم التاريخي في 19 شعبان سنة 1264ﻫ.(1) وعند نزولهم في أي قرية أو ناحية يمرون عليها كان الملاّ حسين وأصحابه ينادون دون خوف ولا وجل بظهور اليوم الجديد ويدعون الناس لاعتناق أمر الحق، وينتخبون نفرًا قليلاً من بين الذين استجابوا لندائهم ليصاحبوهم في رحلتهم.

وفي بلدة نيشاپور درج اسم الحاج عبد المجيد والد بديع(2) الذي كان تاجرًا مشهورًا، تحت لواء الملاّ حسين. ومع أن والده كان له احترام لا يدانى لأنه كان مالك أشهر منجم فيروز في نيشاپور، فإنه ترك هذا الجاه وهذه المنافع المادية التي درّتها عليه بلدته وتعهد بالولاء التام للملاّ حسين. وفي قرية ميامى اعتنق أمر الله من بين الأهالي ثلاثون نفرًا وانضموا إلى جماعته. وجميعهم استشهدوا في قلعة الشيخ الطبرسي ما عدا الملاّ عيسى.(3)

ولما وصلوا إلى "چشمه علي" وهي محلة تقع قرب بلدة دامغان وعلى الطريق الرئيس المؤدي إلى مازندران، عزم الملاّ حسين أن يتوقف بضعة أيام، ونصب خيامه تحت ظل شجرة كبيرة بالقرب من جدولٍ جارٍ، وقال لأصحابه: ’نحن الآن على مفترق طرق

________________________
(1) 21 يوليو/تموز سنة 1848م.
(2) بديع هو حامل لوح بهاءالله إلى ناصر الدين شاه.

(3) ’وقد وصل (الملاّ حسين) أولاً إلى ميامى وهناك انضم ثانية إلى ثلاثين بابيًا وكان رئيسهم ميرزا زين العابدين تلميذ المرحوم الشيخ أحمد الأحسائي، وكان شيخًا وقورًا صالحًا. وكان حماسه قويًا لدرجة أنه كان يصطحب معه نسيبه وهو شاب عمره 18 عامًا ولم يكن قد تزوج بابنته إلا منذ بضعة أيام فقط. فقال له: ’’احضر معي لنقضي سويًا آخر الأسفار. ولأكون لك أبًا حقيقيًا وتشترك معنا في أفراح السلام.‘‘ فغادرا بعدها وكان ذلك الرجل المسن يرغب بالسير على الأقدام في الطريق الذي أوصله إلى الشهادة.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 290)

صورة 118
قرية نيشاپور

وسننتظر من العلي القدير الأمر بالرحيل إلى الجهة التي نتوجه إليها.‘ وفي آواخر شهر شوال(1) قامت عاصفة شديدة وقطعت غصنًا كبيرًا من تلك الشجرة، فلاحظ الملاّ حسين قائلاً: ’إن شجرة سلطنة محمد شاه قد اقتلعت ووقعت على الأرض بإرادة الله.‘ وفي اليوم الثالث من تنبؤه وصل رسول كان في طريقه من طهران إلى مشهد وأعلن وفاة مليكه.(2) وفي اليوم التالي عزمت الجماعة على الرحيل إلى مازندران. ولما قام قائدهم استعدادًا للرحيل، أشار إلى جهة مازندران قائلاً: ’هذا هو الطريق الذي يؤدي إلى كربلائنا، فكل من لم يأنس في نفسه الاستعداد للامتحانات العظيمة المتوقع حصولها لنا فليعد إلى منزله ولا يستأنف الرحلة.‘ وكرر هذا الإنذار جملة مرات، ولما اقترب من سواد كوه، صرح لهم قائلاً: ’إني عزمت مع اثنين وسبعين من أصحابي على أن نضحي بحياتنا

________________________
(1) 31 أغسطس/آب - 29 سپتمبر/أيلول سنة 1848م.

(2) وتوفي محمد شاه في السادس من شوال. (4 سپتمبر/أيلول سنة 1848م) ’وكانت هناك فترة حكومية لمدة شهرين وتكونت حكومة موقتة مكونة من أربعة مديرين تحت رياسة أرملة الشاه المتوفى. وأخيرًا وبعد تردد طويل سمح للوارث الشرعي الأمير الصغير حاكم آذربيجان ناصر الدين ميرزا أن يرتقي للعرش.‘ ("المجلة الآسيوية" سنة 1866م، الجزء 7، الصفحة 367)

لأجل المحبوب، فالذي لا قدرة له على رفض الدنيا فليتركنا في هذه اللحظة، لأنه في المستقبل لا يقدر على الفرار.‘ فاختار عشرون من أصحابه العودة لأنهم شعروا بأنهم غير قادرين على تحمل الامتحانات التي كان رئيسهم دائمًا يشير إليها.

وأزعجت أخبار اقترابهم من بلدة بارفروش سعيد العلماء. وكان ازدياد شهرة الملاّ حسين وظروف مغادرته مشهد والراية السوداء التي رفعها أمامه، وفوق كل شيء عدد المؤمنين الذين معه وانتظامهم وحماسهم - كل تلك الأسباب اجتمعت لتشعل حقد المجتهد المتكبر الظالم وتثير غيظه الذي لا يشفى. فأمر المنادي أن ينادي بأهالي بارفروش ليجتمعوا في المسجد وأعلن لهم أنه سيلقي في الجامع خطبة خطيرة وأنه لا يسع أي مسلم حقيقي في تلك الأنحاء أن يتجاهلها. فماج المسجد بالجموع المحتشدة من الرجال والنساء التي شاهدته يصعد المنبر ويطرح عمامته على الأرض ويمزق صدر ردائه ويندب الحظ الذي وقع فيه الدين ويرعد ويبرق من المنبر قائلاً: ’تيقظوا لأن أعداءنا واقفون على عتبات أبوابنا متربصون ومترصدون لإلغاء ونقض كل ما نعتبره مقدسًا وطاهرًا في الإسلام! وإذا لم نقدر على مقاومتهم فلا يذرون أحدًا يفلت من بطشهم. وقد جاء رئيس تلك العصبة إلى مجلس درسي ذات يوم وحيدًا فتجاهلني واحتقرني في محضر تلاميذي المجتمعين. فلما لم أعطه الاحترام الذي كان يتوقعه قام غاضبًا وألقى عليّ التحدي. فهذا الرجل لم يخشَ أن يهجم عليّ هجومًا عنيفًا في الوقت الذي كان فيه محمد شاه متبوءًا سرير السلطنة وفي أوج قوته. فما الذي يا ترى يفعله الآن هذا الثائر الذي يتقدم ومعه عصبته من المتوحشين إذ رأى أن يد محمد شاه التي كانت تحمينا قد اختفت فجأة! فيجب على كل سكان بارفروش رجالاً ونساء وشبانًا وشيوخًا أن يتسلحوا ضد هؤلاء المحتقرين المخربين للإسلام وأن يقاوموا حملتهم بكل ما أوتوا من قوة، وعليكم باكرًا عند الفجر أن تخرجوا جميعًا لاستئصال شأفتهم ومحوهم.‘

فنهضت الجموع المحتشدة بأسرها تلبية لندائه. وأثرت على سكان المدينة بلاغته المهيجة وسلطته التي لا ينازعه فيها أحد والخوف من ضياع الأموال والأنفس، واستعدوا لعمل كل ما يمكنهم لخوض المعركة الآتية. فتسلحوا بكل آلة وجدوها

صورة 119
منظر قرية ميامى
صورة 120
خارج المسجد
صورة 121
داخل المسجد الذي صلى فيه الملاّ حسين وأصحابه

وخرجوا في الصباح الباكر من مدينة بارفروش عازمين على ذبح أعداء دينهم ونهب ممتلكاتهم.(1)

وما كاد الملاّ حسين يعزم على السير في الطريق المؤدي إلى مازندران، حتى أمر أصحابه، بعد أن أدى صلاة الصبح، أن يتركوا كل ما عندهم، وقال لهم: ’اتركوا ممتلكاتكم واكتفوا بجيادكم وسلاحكم واتركوا ما عداها حتى يعلم الكل بأن هؤلاء الجماعة من أحباء الله لا يرغبون في حفظ ممتلكاتهم فكيف في الرغبة في أخذ ممتلكات غيرهم.‘ فأطاعوا جميعًا الأمر وأنزلوا أحمال جيادهم وتبعوه بفرح عظيم. وكان والد بديع أول من طرح خرجه وكان محتويًا على مقدار عظيم من الفيروز الذي أخذه معه من منجم يمتلكه والده. وكانت كلمة واحدة من الملاّ حسين كافية لأن يطرح ما كان بلا شك أعزّ ممتلكاته على جانب الطريق مفضلاً عليها إرادة رئيسه.

وتقابل الملاّ حسين وأصحابه مع أعدائهم على مسافة فرسخ من بارفروش واعترض جمهور من الناس مسلحين ومعهم الذخيرة والعدّة وسدّوا عليه الطريق وكانت تظهر على وجوههم غبرة الافتراس والتوحش وتصدر من أفواههم عظائم الشتائم. وعزم الأصحاب على سلِّ سيوفهم إذ رأوا هذا الهجوم الوحشي، فأمرهم رئيسهم قائلاً: ’لم يحِن الوقت، لذلك فانتظروا حتى تلجئنا القوات المعادية أن ندافع عن أنفسنا فنستل إذ ذاك سيوفنا من

________________________

(1) ’أصدر الوزير (ميرزا تقي خان) بالاستقلال التام دون استشارة ولا استئذان الأمر إلى أطراف إيران بتأديب البابيين وتعذيبهم فألْفَت الحكام وولاة الأمور سبيلاً إلى الاكتساب ووجد المأجورون وسيلة لاغتنام المنافع. وقام العلماء المعروفون على رؤوس المنابر يحضون ويحرضون الناس عمومًا على القيام بهجوم عام. فتحاضنت قوتا التشريع والتنفيذ واصطلحا على مقاومة وقمع تلك الطائفة التي لم تكن بعد واقفة على قواعد وأسرار مبادئ الباب وتعاليمه كما يليق وينبغي وما كان لها إلمام بتكاليف نفسها، وكانت تصوراتها وأفكارها حسب العوائد الماضية وسيرها وسلوكها طبق التقاليد القديمة. وطريق الوصول إلى الباب والاقتباس منه مسدود ونار الفتنة مشتعلة مشهودة من كل الجهات. وباقتناء مشاهير العلماء شرع الحكام والولاة بل الغوغاء والعامة في جميع الأنحاء بشدة البطش والقهر تشن الغارات عليهم وتغتصب أموالهم وتنكل بهم وتستبيح دماءهم ظنًا أن ذلك يطفئ من لهب هذه النار ويخمد أنفاسهم. وفي البلدان التي كان تعدادهم فيها قليلاً غلت أيديهم وصاروا برمتهم طعمة السيف. أما في البلدان التي كان عددهم فيها كثيرًا فإنهم قاموا إلى الدفاع حسب العقائد السابقة إذ كان السؤال عما هو الواجب عليهم غير ميسور وجميع أبواب النجاة مسدودة.‘ ("مقالة سائح"، الصفحتان 23-24، في الترجمة العربية)

أغمادها.‘ وما كاد ينطق بذلك حتى صوبت نيران العدو عليهم، فسقط ستة من الأحباء شهداء. وصاح أحد الأصحاب قائلاً: ’أيها الرئيس المحبوب نحن قمنا معك وتبعناك بلا قصد سوى تضحية نفوسنا في سبيل الأمر المبارك الذي اعتنقناه فنرجو أن تسمح لنا بأن ندافع عن أنفسنا ولا تدعنا نقع بهذه الحالة فريسة مُهانة بنيران الأعداء.‘ فأجاب الملاّ حسين: ’لم يحِن الوقت بعد، لأن عدد الشهداء لم يكتمل.‘ وعلى الفور جاء مقذوف واخترق صدر أحد أصحابه وهو سيد من يزد(1) جاء ماشيًا على قدميه طول الطريق من مشهد إلى ذلك المكان، وكان من أقوى معاضديه الثابتين. ولما رأى الملاّ حسين صديقه الحميم وقع ميتًا عند قدميه، رفع عينيه إلى السماء وناجى ربه قائلاً: ’إلهي إلهي ترى نصيب أحبائك المختارين وتشهد ما قابل به هؤلاء القوم أحباءك، وإنك تعلم أنّنا ما قصدنا شيئًا سوى هدايتهم إلى ساحة قدسك وإعلامهم بظهور أمرك. وإنك أمرتنا أن ندافع عن أنفسنا ضد الهاجمين من أعدائنا. واتباعًا لأمرك أقوم الآن مع أصحابي لصد هجومهم الذي شنوه ضدنا.‘(2)

واستل سيفه من غمده وهمز جواده في وسط الأعداء واقتفى أثر قاتل صاحبه بإقدام مدهش، فخاف ذلك العدو أن يواجهه واحتمى خلف شجرة ورفع بندقيته للدفاع عن نفسه، فعرفه الملاّ حسين فورًا وانطلق نحوه، وبضربة واحدة من سيفه قطع كلاً من جذع الشجرة وماسورة البندقية وجسد عدوه إلى شطرين.(3) وكانت قوة هذه الضربة المدهشة

________________________

(1) ’أصابت الرصاصة السيد رضا في صدره وأردته صريعًا على الفور. وكان دمث الأخلاق صادق الاعتقاد متحمسًا. واحترامًا لسيده كان دائمًا يمشي بجانب جواده مستعدًا لخدمته عند أي إشارة.‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 294)

(2) "لا تقتل النفس من أجل الاعتقاد. لأن قتل النفس محرم في دين الله. ومن يأمر بقتل النفس فما كان ولن يكون من أهل البيان فليس ذنب أكبر منه." (كتاب "البيان". انظر "مجلة الجمعية الآسيوية الملكية" أكتوبر/تشرين الأول سنة 1889م، المقالة 12، الصفحتان 927-928)

(3) ’وكان الألم والغضب قد ضاعفا قوة الملاّ حسين حتى ضرب عدوّه ضربة واحدة فقطعه هو والشجرة والبندقية شطرين. (وزاد الميرزا جاني أن البشروئي استعمل يسراه في الضربة، ولم ينقض هذه الرواية مؤرخو الإسلام.)‘ ("السيد علي محمد الباب" لنقولاس، الصفحة 295، الحاشية 215) ’استدار باب الباب على نفسه وقال: ’’الآن هم الذين ألجأونا أن ندافع عن أنفسنا.‘‘ واستل سيفه وأخذ يدافع عن نفسه معترفًا بما ↓

قد أربكت العدو وشلت حركته، وهربوا جميعهم مذعورين أمام هذه المهارة والقوة والبسالة. وكانت هذه الحادثة الأولى من نوعها وتشهد بشهامة الملاّ حسين وبطولته واكتسبت مدح حضرة الباب وكذلك أثنى القدوس على الثبات والشجاعة التي أظهرها فيها، وروي أنه لما سمع بها تلا الآيتين القرآنيتين الآتيتين: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلى المؤمنون منه بلاء حسنًا إن الله سميع عليم. ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين."(1)

وكنتُ بنفسي في طهران سنة 1265ﻫ(2) وسمعت من ميرزا أحمد بعد مرور شهر على انتهاء واقعة الطبرسي، وكان يقصّ هذه الحادثة على مجمع من الأحباء ومن بينهم ميرزا محمد حسين حكيم الكرماني والحاج الملاّ إسماعيل الفراهاني وميرزا حبيب الله الإصفهاني والسيد محمد الإصفهاني.

ولما زرت خراسان فيما بعد وكنت في منزل الملاّ صادق الخراساني في مشهد حيث دُعيت لتبليغ أمر الله، سألت الملاّ محمد الفروغي في محضر عدد من الأحباء كان النبيل الأكبر ووالد بديع من بينهم، أن يروي كيفية حصول هذه الحادثة. فأكد لي ميرزا محمد قائلاً: ’إني كنتُ شاهدًا على فعلة الملاّ حسين البطولية، ولولا إني شاهدت الواقعة بعينَي ما كنت أصدقها أبدًا.‘ وبهذا الخصوص حكى ميرزا محمد نفسه أيضًا الرواية الآتية: ﴿بعد حصول حادثة وَسْكَس التي هزم فيها الأمير مهدي قلي ميرزا هزيمة نكراء وهرب

_____________________________________________________________________

أمر به الله. ورغمًا عن نحافته وضعف جسمه ويده المرتعشة فقد كانت قوته وبسالته في ذلك اليوم بدرجة أن كل منصف يرى ويعلم أن هذه الشجاعة لم تكن إلا من الله لأنها فاقت الحدود البشرية... ثم رأيت الملاّ حسين يستل سيفه ويرفع وجهه نحو السماء ويصيح: ’’يا إلهي قد أتممت الحجة على هذا الجيش ولكنها لم تنفع.‘‘ وابتدأ يهجم علينا من الميمنة والميسرة وإني أقسم بالله إنه في ذلك اليوم استخدم سيفه ببراعة تفوق القوة البشرية. ولم يبق في الميدان أمامه سوى خيالة مازندران الذين أبوا أن يهربوا. ولما حمي وطيس القتال في الملاّ حسين، لحق عسكريًا التجأ خلف شجرة واحتمى ببندقيته فضربه الملاّ حسين ضربة بسيفه فقطعه هو والشجرة والبندقية إلى ست قطع.‘ ("التاريخ الجديد"، الصفحات 49، 107-108)

(1) سورة الأنفال، الآيتان 17-18.
(2) سنة 1848-1849م.

حافي القدمين من وجه أصحاب حضرة الباب، وبّخه أمير النظام(1) بشدة وكتب إليه قائلاً: ’إني عهدتُ إليك أن تخضع نفرًا من التلاميذ الشبان المحتقرين وسلّمتك جيش الشاه، ومع ذلك سَمَحتَ أن تنزل به هذه الهزيمة المخجلة، فماذا يا ترى يكون مصيرك لو كنت عهدت إليك أن تحارب قوات حكومات الروس والترك مجتمعة؟‘ فاستحسن الأمير أن يرسل له مع رسول أجزاء البندقية التي قطعت نصفين بسيف الملاّ حسين، وأمره أن يعرضها بنفسه أمام أمير النظام ويقول له:’انظر هذه الشجاعة التي تحتقرها وهذا ما حصل من مبارز بابي، فبضربة واحدة من سيفه شطر الشجرة والبندقية وحاملها إلى ست قطع.‘

ولقد كانت شهادة العدو صريحة عن حصول هذه الحادثة على هذه الكيفية، وأصبح الموضوع جديرًا باهتمام أمير النظام الذي عرف إنه لا يمكن لرجل في مثل وظيفته أو نفوذه أن يتجاهل الحادثة أو ينقص من قدرها، إلا أنه عزم على أن يخضع هذه القوة التي قاومت جيشه. فعمد إلى الحيلة الدنيئة والغدر لأنه كان غير قادر على إخضاع الملاّ حسين وصحبه رغم وجود العدد الغفير الذي معه. فأمر الأمير أن يضع ختمه على القرآن

________________________

(1) كان ميرزا تقي خان اعتماد الدولة رئيس الوزارة خلفًا للحاج ميرزا آقاسي. وقد أشير إليه في "مقالة سائح" (الصفحتان 22-23، في الترجمة العربية) بما يأتي: ’وصحب هذا استقرار أمير النظام، ميرزا تقي خان، على عرش الصدارة العظمى والوزارة الكبرى. ووقوع أزمّة أمور الجمهور في قبضة اقتداره ومحض تصريفه فأخذ يجري جواد همته في مضمار الاستقلال بالحكم والاستبداد بالأمر والنهي. ولقد كان هذا الوزير ممن لم تحنكهم التجارب ولا من أبطال هذا الميدان ومن لا يحسبون لعواقب الأمور حسابًا. وإنما كان رجلاً مقدامًا على سفك الدماء غير هياب ولا وجل. وكان يعتقد صرامة السياسة وشراسة الأوامر مصلحة الحكومة وإنها الحكمة الناجعة، ويزعم أن صعوبة الأحكام والأخذ بالإرهاب والتضييق وتهديد الجمهور وإرعابه مما يرفع شأن السلطنة ويزيد أبهة الملك. ولما كانت الحضرة العلية الملكية في عنفوان الشباب وقع الوزير في أوهام غريبة ولم يبال بنشر استبداده بل ضرب طبل الاستقلال في الأمور. وأصدر الأمر باعتراض البابيين دون استئذان من الحضور الهمايوني وأقدم على هذا بعزم وجزم بلا أدنى استشارة من عقلاء الوزراء. وظن أن قوة القهر والتجبر تمكنه من اقتلاع هذه الأمور وقمعها. وأن الشدة والغلظة تثمر هذه الثمرة وغرب عن علمه أن التصدي للأمور الوجدانية لا يأتي إلا بنفوقها ورواج سوقها وأن نارها تزداد التهابًا واشتعالاً كلما أريد إطفاؤها لا سيما الأمور الدينية والمذهبية فإنها بمجرد التعرض لها بسفك الدماء تنتشر وتنفذ وتترك في القلوب أثرًا ثابتًا. هذا ما شهدت به التجربة.‘

وأن يحلف بشرف ضباطه إنه سيمتنع عن أي عمل عدائي لسكان القلعة، وبهذه الطريقة تمكن من إقناعهم بترك أسلحتهم. وإذ ذاك أنزل هزيمة ساحقة غير مشرفة بهم وهم عزل من السلاح.﴾

وكان الكثيرون ممن لم تتدنّس أفكارهم بالتعصب والشرور دائمًا متذكرين بإعجاب تلك الحادثة، فلم تغب عن أذهانهم تلك المهارة والقوة التي ظهرت من هذا الشجاع والتي أثارت حماس الشعراء في مختلف الجهات في إيران. فنظموا القصائد لإشهار مآثر صاحب هذا العمل الجريء المجيد وساعدت أشعارهم في نشر أخباره وإخلاد ذكره. وكان من يدعى رضا قلي خان لَلِه باشي مؤلف كتاب "تاريخ الناصري" ممن امتدح شهامة الملاّ حسين وأطرى على شجاعته المدهشة ومهارته الفائقة التي بها نفّذ ضربته تلك.

وتجاسرتُ أن أسأل ميرزا محمد الفروغي عن رأيه فيما ذكره صاحب "ناسخ التواريخ" من أن الملاّ حسين تعلّم في صغره الفروسية، وأنه تدرّب في هذه الصناعة مدة مديدة. فأجاب ميرزا محمد قائلاً: ’إن ذلك محض اختلاق، لأني عرفته منذ صباه وكنت أصاحبه كصديق وزميل دراسة مدة طويلة، ولم أعلم مطلقًا أنه كانت عنده أي قوة. بل كنت أظن نفسي أقوى منه جسمًا وكانت يده ترتعش وهو يكتب، وكثيرًا ما كان يظهر منه عدم القدرة على الكتابة بالسرعة والكمال الذي يرغبه، وكانت تعوزه القدرة في ذلك ويتألم من تأثير ذلك فيه إلى أن سافر إلى مازندران، وفي اللحظة التي استل فيها سيفه لصد ذلك الهجوم الوحشي، بدا وكأن قوة غيبية غيّرته فجأة. وكذلك في جميع المعارك التالية كان أول من يحرّك ركابه ويهجم بجواده وسط معسكر الأعداء. ودون أي مُعين كان يحارب القوات المجتمعة من أعدائه ويحمل عليهم بنفسه وينتصر عليهم. وكنا نحن نتبعه في المؤخرة ونكتفي أن نضرب الذين عجزوا وضعفوا من أثر ضرباته عليهم، فكان اسمه وحده كافيًا لأن يلقي الرعب في قلوب أعدائه، فيهربون عند ذكره ويرتعدون عند لقائه. حتى الذين كانوا من مرافقيه الدائمين انعقدت ألسنهم لفرط تعجبهم. وكنا مندهشين من ظهور عجائب قوته وإرادته التي لا تقهر وبطشه وبسالته، واقتنعنا جميعًا أنه لم يكن الملاّ حسين الذي نعرفه بل إن روحًا تملكته والتي لا يقدر أحد أن يهبها له إلا الله.‘

وحكى لي ميرزا محمد الفروغي نفسه قال: ’ما كاد الملاّ حسين يضرب خصمه تلك الضربة التاريخية حتى اختفى من أمامنا ولم نعلم أين ذهب ولم يتعقبه أحد سوى خادمه الوفي قمبر علي الذي أخبرنا فيما بعد أن سيده هجم على أعدائه وكان يمكنه بضربة واحدة من سيفه أن يجندل كل من يجرؤ أن يواجهه. فشق طريقه وسط صفوف أعدائه غير عابئ بما يمطر عليه من المقذوفات، وذهب توًا إلى بارفروش وتوجه إلى منزل سعيد العلماء وطاف حول منزله ثلاثًا، وصاح قائلاً: ’’فلينزل هذا الجبان الحقير الذي حرّض أهالي هذه المدينة لإشهار الجهاد علينا وخبأ نفسه بكل جبن ونذالة بين حوائط منزله، فليخرج من مخبئه وليتقدم حتى يكون مثالاً لغيره إن كانت دعوته صادقة. فهل نسي أن الذي يشهر حربًا دينية يجب عليه أن يكون على رأس أتباعه وبأعماله يثير حماسهم وإخلاصهم؟‘‘ ‘

وكان صوت الملاّ حسين قد أسكت أصوات الجماهير وأخضع أهالي بارفروش فرفعوا أصواتهم منادين: ’الأمان، الأمان!‘ وما كادت أصوات الخضوع والتسليم ترتفع حتى ظهر من كل الجهات صياح أتباع الملاّ حسين الذين هرعوا نحو بارفروش. وكانت صيحة "يا صاحب الزمان" التي صدرت منهم بأعلى أصواتهم قد أحدثت ارتباكًا في قلوب الذين سمعوها. وكان أتباع الملاّ حسين الذين يئسوا من العثور عليه حيًا، قد دهشوا إذ رأوه ممتطيًا جواده ولم يصبه أي ضرر من حملته. واقتربوا جميعهم منه وقبّلوا ركابه.

وفي عصر ذلك اليوم منح الملاّ حسين أهالي بارفروش الأمان الذي طلبوه، وفاه بالكلمات الآتية للجموع الملتفة حوله: ’يا أمة رسول الله وشيعة علي! لماذا قمتم ضدنا؟ لماذا اعتبرتم سفك دمائنا عملاً محمودًا عند الله؟ هل بدر منّا أي إنكار لصحة دينكم؟ هل هذا هو التكريم الذي أمركم به رسول الله تجاه المؤمن والكافر على حد سواء؟ فما الذي فعلناه حتى نستحق هذا الاضطهاد؟ تأملوا كيف أني بمفردي قابلت الرصاص الذي صبّه علينا الأهالي ولم يكن معي سوى سيفي. وقد نجوت وسط النيران التي أحاطوني بها وتخلصت أنا وجوادي سالمين من هجومكم العنيف. ولم تقدروا على إحداث أي جرح فيّ

صورة 122
منزل سعيد العلماء في بارفروش، مازندران

سوى خدش بسيط في وجهي وقد حفظني ربي وأراد أن يثبت أمام عيونكم علو أمره.‘

وذهب الملاّ حسين توًا إلى خان "سبزه ميدان" وترجل عن صهوة جواده ووقف عند باب الخان وانتظر وصول أصحابه. ولما تجمعوا واستضيفوا في ذلك المكان، أرسل ليحضر لهم خبزًا وماء. ولكن الرسل الذين كلفوا بتلك المهمة عادوا وأخبروه بعدم إمكانهم الحصول على خبز من الخباز ولا ماء من الميدان العام، وقالوا له: ’إنك وعظتنا أن نتكل على الله وأن نجعل فيه ثقتنا "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون."‘(1)

فأمر الملاّ حسين بإغلاق أبواب الخان وجمع أصحابه ورجاهم أن يبقوا مجتمعين معه إلى ساعة الغروب. وإذ اقترب المساء سأل، إذا كان أحد منهم يفدي نفسه في سبيل دينه ويصعد إلى سطح الخان ويرفع الأذان.(2) فأجاب طلبه شاب بفرح عظيم. وما كاد هذا