Announcing: BahaiPrayers.net


كتب أكثر من قبل دراسات بهائيه

(مطالع الانوار (ملخص
الدين البهائي بحث ودراسة
القاموس المبسط لكتاب الإيقان
بهاءالله والعصر الجديد
ظهور حضرة بهاءالله - المجلد الأول
ظهور حضرة بهاءالله - المجلد الثاني
مَطَالِعُ الأَنوَار تاريخ النبيل
Free Interfaith Software

Web - Windows - iPhone








دراسات بهائيه : ظهور حضرة بهاءالله - المجلد الأول
ظهور حضرة بهاءالله
المجلد الأول
بغداد 1853 - 1863م
تأليف
أديب طاهرزاده
عرّب بإشراف لجنة مختصة في الأردن
صفحة خالية
ظهور حضرة بهاءالله
المجلد الأول
من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل
رضوان 157ب، نيسان 2000م
صفحة خالية
مؤلفات أخرى بالإنجليزية لنفس المؤلف:
- أمناء الرحمن - دار النشر البهائية - لندن 1972م.
- ظهور حضرة بهاءالله - أدرنة، 63-1868م.

- ظهور حضرة بهاءالله - عكاء، السنوات الأولى، 68-1877م.

- ظهور حضرة بهاءالله - المزرعة والبهجة، 77-1892م.
- ميثاق حضرة بهاءالله.
صفحة خالية

إلى تلكم النفوس النيّرة من المهاجرين والمبلّغين البهائيين

في أرجاء الأرض الذين أنفقوا حياتهم وكلّ ما لهم
في سبيل حضرة بهاءالله
"لوح ملاح القدس"
لحضرة بهاء الله بخط يد حضرة عبدالبهاء
المحتوى المحتوى
فهرس الصور
تعريف
توطئة
توضيح
تمهيد: المظاهر الإلهيةط
م
س
ف
ق

11 ميلاد الدين البهائي72 حضرة بهاءالله في المنفى133 الكلمة الإلهية

الكلمة الإلهية منزهة عن المعرفة المكتسبة
ظهور حضرة بهاءالله وجوهر رسالته الإلهية
القوة الخلاقة للكلمة الإلهية
الكلمة الإلهية أصل المعرفة
القلم الأعلى
أصالة الكلمة الإلهية
المعرفة الحقيقية19
19
22
31
33
35
41
444 أول فيوضات القلم الأعلى
قصيدة "رشح العماء"
مدينة طهران
أخوات حضرة بهاءالله

مناجاة أنزلت أثناء مغادرة حضرة بهاءالله بلاد فارس47

47
49
51
525 بواكر الألواح النازلة في العراق
الظروف المحيطة بساعة الوحي55
55
"لوح كل الطعام"
بعض الألواح المنزلة في كردستان
يوم الله
رجوع حضرة بهاءالله إلى بغدادصفحة
58
63
67
706 الكلمات المكنونة737 من أوائل المؤمنين
الملا رضا من أهالي "محمد آباد"
النبيل الأكبر87
87
958 "الوديان السبعة"
السيد إسماعيل الزواري -الملقب بالذبيح-
"الوديان الأربعة"101
106
1089 بعض الألواح البارزة
"الصحيفة الشطية"
"مدينة الرضا"
"مدينة التوحيد"
"سورة القدير"
"لوح الحروفات العاليات"
"لوح الحورية"
"لوح آية النور"
"لوح الفتنة"
"سورة النصح"
"لوح شكر شكن شوند"
"لوح جواهر الأسرار"111
111
114
115
125
128
130
131
134
144
155
15910 "كتاب الإيقان"
الظروف المحيطة بنزول "كتاب الإيقان"
أهمية "كتاب الإيقان"
المواضيع الرئيسة في "كتاب الإيقان" (القسم الأول)
أسباب اعتراض الإنسان على رسل الله161
161
168
171
172
علامات رجوع السيد المسيح
تفسير العبارات الرمزية
أسباب أخرى لاعتراض الناس على الرسل
مواضيع رئيسة (القسم الثاني)
كينونة الله ومظاهر نفسه
سلطنة الرسل
معنى "الحياة" و"الموت" و"البعث"
حجاب العلم
الباحث الحقيقي
براهين على صدق رسالة حضرة الباب
حضرة بهاءالله يستبق إعلان ظهورهصفحة
174
175
181
185
185
191
194
196
197
200
20611 شخصيات أخرى من أوائل المؤمنين
الحاج ميرزا محمد تقي أفنان
النبيل الأعظم
أصحاب حضرة بهاءالله209
209
213
21812 اقتراب الإعلان عن رسالة حضرة بهاءالله
"لوح سبحان ربي الأعلى"
"لوح غلام الخلد"
"لوح حور عجاب"
"لوح أز باغ إلهي" (من البستان الإلهي)
قصيدة "هلة هلة يا بشارت"223
224
226
232
233
23413 الأحباء والخصوم
الحاج السيد جواد الكربلائي
بعض الأعداء الأقوياء237
237
24114 "لوح ملاح القدس"
ألواح أخرى نزلت في هذه الفترة245
25915 ميرزا يحيى والسيد محمد الإصفهاني261
16 إعلان دعوة حضرة بهاءالله في حديقة الرضوان
نفوذه بين أهالي بغداد
عيد الرضوان المبارك
"لوح أيوب"
مغزى عيد الرضوان
ثلاثة بيانات هامة لحضرة بهاءالله
نبوءات حضرة الباب تتحقق
مغادرة حضرة بهاءالله حديقة الرضوانصفحة
273
273
275
280
290
294
297

29717 الرحيل إلى الآستانة29918 "من يظهره الله"311 الملحق رقم 1 : ميرزا آقا جان

الملحق رقم 2 : الحاج محمد طاهر المالميري
الملحق رقم 3 : وحيد
الملحق رقم 4 : الحاج ميرزا كريم خان331
337
343
351 مسرد الكتب والمراجع
المصادر
الفهرس355
363
375
فهرس الصور
"لوح ملاّح القدس"

لحضرة بهاءالله، بخط يد حضرة عبدالبهاءمطلع الكتابمقابل صفحةحضرة عبدالبهاء

مركز العهد والميثاق، صورة أخذت في أدرنة16بهائية خانم

الورقة المباركة العليا، ابنة حضرة بهاءالله صورة أخذت في حدود عام 1895م17ميرزا موسى، ملقب بـ"آقاي كليم" الأخ المخلص لحضرة بهاءالله، وأبرز حوارييه50ميرزا محمد قلي

الأخ الأصغر لحضرة بهاءالله، المخلص الثابت على دين حضرته51أختام حضرة بهاءالله

معروضة بتنسيق فارسي منمّق (نقلا عن مجلد "العالم البهائي")82ميرزا زين العابدين

كاتب وحواري حضرة بهاءالله، لقّبه حضرته بـ"زين المقربين"83ورقة من لوح بخط كاتب الوحي ميرزا آقا جان

الكلمات الأولى تدل أن الفقرة هي "التجلي الثالث" من "لوح التجليات"116

بعض الأسطر من كتابة الوحي
مكبرة عن الصفحة السابقةبين الصفحات
116-117ميرزا حسين الإصفهاني

ملقب بـ"مشكين قلم". خطّاط مميز من حواريي حضرة بهاءاللهمقابل صفحة

117الحاج محمد طاهر المالميري

مؤرّخ ومبلّغ للأمر، والد المؤلف اقتبست بعض مذكراته في هذا الكتاب150لوح لحضرة بهاءالله

بخط يده المباركة، موجّه إلى الحاج محمد طاهر المالميري (انظر صفحة 39)151الملاّ محمد رضا من بلدة "محمد آباد"

أحد أبطال الأمر البارزين184الملاّ محمد القائني

مبلّغ واسع المعرفة، من حواريي حضرة بهاءالله لقّبه حضرته بـ"النبيل الأكبر"185الشيخ سلمان

حامل ألواح حضرة بهاءالله، الذي لم يعرف التعب218الحاج ميرزا محمد تقي أفنان

ابن خال حضرة الباب، ومن أتباع حضرة بهاءالله المشهورين219الملاّ محمد الزرندي

المؤرخ، من حواريي حضرة بهاءالله، وشاعره ملقب بـ"النبيل الأعظم"252الحاج السيد جواد الكربلائي

أحد "مرايا" الدورة البابية، ومن أتباع حضرة بهاءالله البارزين253

تعريف

زينت متن هذا الكتاب مقتبسات من آثار حضرة الباب وحضرة بهاءالله وردت في مصادر مبينة في المراجع والمخطوطات. وهناك الكثير من المقتطفات الأخرى بالفارسية جاءت في المخطوطات قمت بترجمتها ما لم أشر إلى غير ذلك. أما الحواشي فهي صياغتي عدا واحدة أشرت إليها. والآيات البينات المقتبسة من القرآن الكريم ثبتت أرقامها كما وردت في الطبعة العربية. وكتبت الأسماء الفارسية والعربية كما وردت في المراجع البهائية، أما المقتطفات فقد وضعت كما جاءت في الأصل. ولمساعدة القارئ، أشرت أحيانا إلى بعض الشخصيات الإيرانية المعروفة بألقابها بدل أسمائها، ويستطيع القارئ المهتم أن يجدها في الفهرس.

نادرا ما رغب المؤمنون الأوائل في أن تؤخذ لهم الصور الفوتوغرافية الفردية، ولكن في بعض المناسبات أخذت لهم بعض الصور الجماعية، ومن هذه الصور الجماعية استخرجنا لهذا الكتاب بعض الصور الفردية. وإنني على يقين بأن أهميتها التاريخية تفوق كونها باهتة غير واضحة. وأدين بالامتنان لقسم السمعيات والبصريات في المركز البهائي العالمي لتزويدي بأغلب الصور الفوتوغرافية هذه. ولا بد لي أن أذكر أن إحدى هذه الصور جاءتني من المحفل الروحاني المركزي للبهائيين في إيران، واستطاع السيد روحي شكيبائي أن يستخرج صورة عنها بمنتهى المهارة.

وأقدم شكري الجزيل للمحفل الروحاني المركزي للبهائيين في

إيران ودار الطبع والنشر في كل من لندن وويلمت/ إيلينوي على تعاونهم والسماح لي بالاقتباس من منشوراتهم. وأسجل امتناني للسيدة لورا دريفوس بارني لسماحها لي بالاقتباس من كتابها "مفاوضات عبدالبهاء".

وأرغب في تسجيل تقديري العميق للسيدة ماريون هوفمن، التي قامت على مراجعة الكتاب، فكان لنصائحها في كل مرحلة من مراحل إعداده للطبع ما أغناه مبنى ومعنى. كما أخص بالشكر كُلاّ من جوزيف داتسون على قراءته معظم مخطوطات هذا الكتاب وعلى مقترحاته القيمة، والآنسة روزماري ماجيل على مراجعتها الدقيقة للمقتبسات وعلى خدماتها في تصحيح مسودات الطباعة، والسيد بول رينولدز الذي أعد الفهرس بكفاءة كبيرة، والسيدة جاكلين مهرابي التي حولت المسودة إلى مخطوطة مطبوعة أنيقة، وإلى السيدة فرانسيس بيرد للمساعدة في الطباعة الإضافية، والآنسة ماري بيركنز والسيد جون كوتس على قراءتهما مسودة الطباعة بعناية فائقة.

وأخص الصديق الحميم السيد أ. ز. وايتهيد بالامتنان العميق على اهتمامه المستمر وتشجيعي.

وأخيرا وليس آخرا أود أن أعبر عن عميق شكري لزوجتي لزلي على حماسها المتفاني ودعمها المستمر والتي لولاها كان إخراج هذا الكتاب إلى حيز الوجود يغدو أكثر صعوبة.

نيسان / إبريل 1974م
أديب طاهر زاده
توطئة

في لغة تعجز عن إيفاء الموضوع حقه، نحاول في هذا الكتاب تقديم وصف، مهما يكن غير كامل، لرسالة حضرة بهاءالله، وهي أسمى ظاهرة روحانية شهدها عصرنا الراهن. فالكلمة الإلهية الخلاقة تعم البشرية عن طريق أنبياء الله ورسله. وما حضرة بهاءالله إلا مظهر هذه الكلمة الإلهية في يومنا هذا، فأتباعه الذين لا حصر لهم في العالم يؤمنون بأنه صاحب أحدث الرسالات السماوية التي تعاقبت على البشرية حتى الآن. ويعتقد هؤلاء أيضا بأن آثار حضرة بهاءالله الفارسية والعربية، المدونة نقلا عنه أو المكتوبة بخط يده، والتي وثقها هو بنفسه إبان حياته، هي آثار دينية مقدسة. ويجدر بالذكر هنا أنه يشار لهذه الآثار أحيانا بعبارة "الألواح المباركة".

ولتوضيح كيفية نزول بعض ألواح حضرة بهاءالله والظروف التي نزلت فيها طوال أربعين عاما من ولايته، كان من الضروري سرد جانب من تاريخ حياته الطاهرة، والإشارة إلى سير بعض صحابته وأتباعه من الذين خاطبهم في ألواحه، أو إلى أولئك الذين تأثروا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالفيض المدرار من آثاره المباركة، بالإضافة إلى أولئك الذين قاموا على كتابة وحيه، ونسخ ألواحه، وتوزيعها بين أتباعه. كما وجبت الإشارة أيضا إلى أولئك الذين بشروا برسالته في رحاب الأرض التي ولد فيها والأقطار المجاورة لذلك الوطن. ولقد اعتمد المؤلف في هذا الكتاب على الروايات والقصص التي تركها لنا هؤلاء فقام على ترجمة معظمها بنفسه.

هذا الكتاب هو الأول في سلسلة من الكتب تحتوي على مجلدات أربعة، الهدف منها رصد أشهر ما صدر من يراع حضرة بهاءالله إبان فترة ولايته. ولا يُعنَى هذا المجلد الأول إلا ببعض من الألواح التي أنزلها حضرة بهاءالله في العراق أثناء السنوات العشر التي قضاها هناك. ومما لا ريب فيه أنه يستحيل علينا وصف كل لوح من الألواح التي نزلت من قلمه الأعلى آنذاك، كما هو الحال بالنسبة للألواح النازلة في أية فترة أخرى. فالوحي الذي اختص به كان فيضا غزيرا مثيرا للإعجاز لدرجة أنه يستحيل على أحد الإلمام بأطرافه، وتصبح أية محاولة للإحاطة بذلك الفيض محاولة يائسة، تماما كمن يحاول جمع مياه بحر واسع لا قرار له في وعاء ضيق محدود.

وحيث أن معظم الآثار المباركة الصادرة من قلم حضرة بهاءالله لا تزال غير مترجمة حتى الآن، يجد المؤلف نفسه أمام مهمة بالغة الصعوبة مستحيلة التحقيق، وهي مهمة القيام بالتعبير، ولو بلغته القاصرة، عن جانب من تلك الروح الحقيقية والمشاعر الأصيلة الكامنة في تلك الآثار. فمدارك الإنسان ورؤيته للأشياء تعجز عن ذلك، وتستحيل هذه المهمة عليه نسبة لما تتمتع به آثار حضرة بهاءالله من سعة ونفوذ وأهمية لا حد لها ولا حصر. ولكن إذا تم لهذا الكتاب أن يعكس ولو بصورة ضئيلة، قبسا من روعة تلك الآثار وعظمتها، فإنه يكون بذلك قد حقق جزءا مما كان يهدف إليه أصلا.

توضيح

قامت اللجنة المكلفة بتعريب الكتاب على إخراج النصوص الأصلية العربية المتوفرة (وهي مطبوعة بخط عريض) بما فيها آيات القرآن الكريم والكتاب المقدس والأحاديث النبوية الشريفة. أما النصوص الفارسية فقد عربت من الأصل الفارسي مباشرة عندما لم يتوفر تعريب لها في الكتب الأمرية، ويشار إلى أرقام تلك المقتطفات أو تفاصيلها أدناه(1) مع رقم الفصل بين قوسين. وقد تم نقل النصوص والمقتطفات المتوفرة في المصادر المذكورة في بند "مسرد الكتب والمراجع" كما وردت دون تعديل يذكر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض النصوص المباركة لحضرة الباب وحضرة بهاءالله التي اقتبست من تلك المصادر لم تميز فيها إن كانت نصوصا أصلية أم معربة، فطبعت هذه بالخط العريض أيضا.

وقد عملت اللجنة على الالتزام بتعريب متن الكتاب ونقل المقتطفات كما وردت في الطبعة الإنجليزية الأصلية، عدا بعض المواقع، خاصة المقتطفات المقتبسة في "كتاب الإيقان" فقد أكملت بالآيات القرآنية في بعض الأحيان عندما وجد ذلك يتناسب مع السياق وفق ما ورد في "كتاب الإيقان" العربي.

__________________________________________________________

(1) 5 و 6 (4)، 2 (6)، 4 (14)، 1 و 2 و 3 (15).

البيانات المباركة المقتبسة من كتاب "ظهور العدل الإلهي" (الطبعة الفارسية) المتبوعة بأرقام صفحات من ذلك الكتاب، والواردة في الفصل 14.

بيانان لحضرة بهاءالله في مطلع الكتاب.

وفي متن الكتاب تشير الأرقام الصغيرة في قوسين (مرتفعة قليلاً)، إلى الهوامش المبينة في نفس الصفحة تحت خط. أما الأرقام الكبيرة في قوسين فتشير إلى المصادر المبينة في الصفحات 363-374.

نرجو أن نكون قد وفقنا في هذا العمل الذي شرعنا به بعد التماس موافقة المؤلف السيد أديب طاهر زاده، الذي أكرمنا بعبارات التشجيع والدعوات المخلصة لإتمام هذا الجهد المتواضع.

شباط (فبراير) 1997م لجنة الترجمة

كلمةُ الناشر

يسرّنا أن نضع بين أيدي القرّاء الأعزّاء التّرجمة العربيّةَ للجزء الأوّل من كتاب "ظهور حضرة بهاءالله" الّذي كان المغفور له السّيّد أديب طاهر زاده قد قام بتأليفه. وإنّه من دواعي الحزن أن تشأ الأقدار أن تكون المنيّة قد وافت المؤلّف قبيل صدور هذه التّرجمة التي نعتبرها إهداءً لذكراه العطرة. ونوّد أيضاً أن نقدّم شكرنا لجميع الأحبّاء الّذين ساهموا في ترجمة الكتاب وتهيئته للطّبع، كما يسرّنا أن نذكر هنا بأن التّرجمة العربيّة للأجزاء الثّلاثة المتبقّية جاهزةٌ ونأمل أن تُنشر تباعاً في وقت قريب إنْ شاء الله. ونسأل ربّنا البهيّ الأبهى أن يشمل أحبّاءه بالتّوفيق والتّأييد في جهدهم للتعمّق في حقائق أمره المبين.

النّاشر

بحركة من القلم الأعلى تشاهد روحاً جديدة من المعاني في أجساد الألفاظ بأمر الآمر الحقيقي، وترى آثارها في جميع الأشياء في العالم ظاهرة باهرة.

بهاءالله

قد تنور العالم اليوم بأنوار الظهور، وتصدح جميع الأشياء بالذكر والثناء والفرح والسرور. وتحتفل الكتب الإلهية السابقة بذكرى هذا اليوم المبارك. طوبى لنفس فاز به وأدرك مقامه.

بهاءالله

تمضي القرون وتنتهي الدهور وتنقضي آلاف الأعصار حتى تطلع شمس الحقيقة في برج الأسد وتسطع من دارة الحمل.

عبدالبهاء
تمهيد
المظاهر الإلهية

أكّد الأنبياء ومؤسسو الأديان العظيمة لأتباعهم وجود الله وقادوهم إلى حبه وعبادته. وبذلك، ومنذ آلاف السنين وعبر العصور المختلفة إلى يومنا هذا، فقد أحاطت مجهودات الإنسان في فهم خالقه أنوار تعاليم أولئك المؤسسين الإلهيين العظام ونمط حياتهم.

ولم يحظ تاريخ الأديان في السابق بمثل ما ألقته تعاليم حضرة بهاءالله من أضواء على هذا الموضوع، ففيها يؤكد أن الله سبحانه وتعالى -خالق هذا الكون- يسمو فوق خلقه، وأن الإنسان، كونه مخلوقا، لا يمكن له أن يسمو إلى تلك المراتب التي تجعله يفهم جوهر خالقه. فأي وصف أو صورة أو تشبيه قد ينسب إلى جوهر الله أو طبيعته لا يمكن أن يعتبر إلا من مخيلة الإنسان. فكيف يمكن للعقل المحدود أن يدرك اللامحدود؟ يؤكد حضرة بهاءالله: "ومن الواضح لدى أولي العلم والأفئدة المنيرة أن غيب الهوية وذات الأحدية كان مقدسا عن البروز والظهور، والصعود والنزول والدخول والخروج، ومتعاليا عن وصف كل واصف وإدراك كل مدرك... لأنه لا يمكن أن يكون بينه وبين الممكنات بأي وجه من الوجوه نسبة وربط وفصل ووصل أو قرب وبعد وجهة وإشارة."(1)

ولكن الله الذي لا يُدرك كنهه أظهر صفاته بكل جلاء في الخليقة التي لا حدود لها، سواء مادية كانت أم روحية. فالجماد -وهو أدنى مراتب الحياة ومحور كافة أشكالها- تظهر فيه بعض

الصفات الإلهية بتجليات في أدنى مستوياتها. فقوة التماسك في المعادن مثلا في حقيقتها هي تجلي المحبة الإلهية في عالم الجماد.

والنبات الذي يمد جذوره بقوة داخل التربة ليأخذ من عالم الجماد حياته ونموه، يعلوه رتبة بقوته النامية وتتجلى فيه الصفات الإلهية بشكل أكمل وأجلى. فالبذرة والزهرة والثمرة كلها مظاهر القدرة الإلهية في عالم التراب.

ويأتي في الرتبة التالية عالم الحيوان وهو المسيطر على عالمي الجماد والنبات. ففيه نجد بعض الصفات الإلهية بدرجة أرقى. فإلى جانب قوتي التماسك والنمو أضيفت قوة الإحساس. وما قوة السمع والبصر إلا انعكاسات غير متكاملة في هذا العالم الأرضي لصفات الله السميع البصير.

أما الإنسان، وهو بالجسد حيوان، فقد وُهب كافة الصفات الإلهية وهو يظهرها بمستوى أسمى بكثير من الحيوان، فهو أوج الخليقة والهدف منها والمهيمن على سائر أشكال الحياة في هذا العالم. ومع أنه خلق على صورة الله ومثاله وفيه كنزت صفاته تعالى كلها، فلا يمكنه أبداً تجاوز رتبته المحدودة التي فرضها عليه الخالق.

ولا يقف ظهور الصفات الإلهية عند هذا الحد. فالدرجة التالية منه تظهر في أنبيائه ورسله. فمع أنهم متشابهون في أجسامهم وأرواحهم مع باقي البشر إلا أن رسل الله موهوبون إضافة إلى ذلك بالروح الإلهية، ولهذا تظهر الصفات الإلهية في تلك الوجودات المقدسة على أكمل صورة وأتم وجه. فوصفهم حضرة بهاءالله في آثاره بـ"المظاهر الإلهية".

في عالم المخلوقات الواسع لا يمكن للمخلوقات الدنيا إدراك

ما فوقها. فعالم النبات لا يدرك وجود عالم الحيوان أو يعرف خصائصه، ولا يقدر الحيوان أن يحيط بالقدرات المتعددة للعقل الإنساني. وكذلك الحال بالنسبة للإنسان، فهو لا يمكن أن يأمل في الوصول إلى حقيقة مراتب المظاهر الإلهية بجهوده الشخصية، ولا يتسنى لأي عقل مهما كان لامعا أن يرتقي إلى تلك المراتب العليا بحيث يدرك فيها جوهرهم أو خاصيتهم.

فمظاهر أمر الله بالروح القدس المتجلية فيهم يعيشون في عالم يسمو على عالم الإنسان وفي قبضتهم مصير البشرية، ومع أنهم في طبيعتهم الإنسانية بشر، إلا أنهم يسكنون عوالم الروح التي لا يرقى إليها أي كائن. ويصفها حضرة بهاءالله بـ"سدرة المنتهى".

في الحقبة المعروفة من تاريخ البشرية ظهر قليل من مظاهر أمر الله الذين أطلوا في فترات متعاقبة امتدت كل واحدة منها ألف سنة تقريبا. فكريشنا وبوذا وزرادشت وموسى والمسيح ومحمد والباب وبهاءالله، كل كان مرآة صافية عكست الأنوار الإلهية المتجلية فيها، فأسس كل منهم لقومه شريعة قدسية وتكلموا بما لديهم من سلطة ربانية. فكل واحد كان سلطان دورته، وتعاليمه أضحت روح العصر وظهرت على قدر استعداد البشرية آنذاك، وأطلق فيها قوى روحانية هدفها دفع روح الإنسان في رحلتها نحو الله.

فالكائنات قاطبة على اختلاف أنواعها -محسوسة كانت أم غير محسوسة- تظهر للوجود بغرس بذرة في أرض خصبة. وهذا نهج للخليقة لا يستثنى منه حتى الديانة السماوية نفسها.

لنتصور نجارا اختار قطعة من الخشب ليصنع منها منضدة. فالقطعة بمثابة الأرض الخصبة وعقل النجار وفنه هما البذرة

الحاملة للحياة. يؤتي التفاعل بين الاثنين ثمرة هي المنضدة التي تجمع بين التناسق والجمال والشكل -وهي صفات البذرة- واللون والمتانة والنوعية من صفات الأرض الخصبة -أي قطعة الخشب.

وبالمثل تولد الحضارة، حيث يلعب فيها مؤسسها دور الأب الذي ينقل أفكاره ومبادئه إلى مجتمع ما، بينما يمثل ذلك المجتمع دور الأم، فبالعلاقة الروحية بين المؤسس والمجتمع تولد الحضارة التي تعكس الخصائص المميزة لمؤسسها ولذلك المجتمع الذي ولدت منه.

فبالعلاقة الروحية بين الله وشخص مظهر أمره تنزل الديانة السماوية، وبالحكمة الإلهية المستورة يختار مِن عباده من يجعله مهبط فيوضاته، فيطلق فيه قوى روحانية قدسية تجعل منه قطب نكران الذات في ذات الله ومحور فناء الإرادة في إرادة الحق، ليكون لائقا لتلك الطاقات الروحية.

عندما تؤسس هذه العلاقة يتم الحمل بطفل الدين الجديد، ثمرة ذلك الوصال الروحاني بين الخالق وعبده المختار الناطق بلسانه. وعند تمام الوقت تتم الولادة بإعلانه الشريعة السماوية الجديدة للبشرية. فقد أعلن حضرة الباب عن مقامه مبشرا بمن يظهره الله بعد سنة تقريبا من اختياره لهذه المهمة الإلهية. أما حضرة بهاءالله فقد انتظر عشر سنوات ليعلن عن رسالته.

كل رسالة سماوية تكتنز في شرعتها خصائص إلهية مميزة في تعاليم روحانية خالدة من جهة، وخصائص مظهره مميزة بتعاليم إنسانية واجتماعية تختلف من عصر لآخر من جهة أخرى. فمجيء الظهور الإلهي الجديد يطلق في هيكل البشرية قوى روحية تهبه إمكانات وقدرات جديدة وتمكّنه من إحراز مرتبة أعلى من التطور الروحي والمادي مثلما تهب أشعة الشمس الطبيعة في

الربيع حياة جديدة.

وكونه المظهر الإلهي لهذا العصر، فقد أطلق حضرة بهاءالله في عالم الإمكان قوى العالمية وقوى وحدة العالم الإنساني، وهي في حد ذاتها تشكل ضغطاً على الإنسانية يزداد يوماً بعد يوم. فأولئك الذين عرفوا حضرة بهاءالله واتبعوه، يجدون أنفسهم مدفوعين قدما بقوة خفية وفي الاتجاه ذاته لقوى الوحدة والاتحاد، لينفذوا مهمتهم في بناء صرح نظامه العالمي الجديد للبشرية جمعاء. وهنالك من يعارض هذه القوى -عن إدراك أو جهل- وهم يؤلفون غالبية البشر بحكامههم وحكمائهم الدنيويين الذين أثاروا في مجتمعاتهم المختلفة قوى الصد والاعتراض الهدامة بطبيعتها، وعليها تقع مسئولية تصدع أركان النظام القديم.

واليوم، فإن ظهور حضرة بهاءالله قد وهب الإنسانية إمكانات وقدرات هائلة وهي الإمكانات والقدرات التي سوف تسمو بالروح البشرية -عند تمام الوقت- إلى أعلى المراتب، وتؤسس ملكوت الله على الأرض تحقيقا لوعود أنبياء الله ورسله منذ القدم.

صفحة خالية
الفصل الأول
ميلاد الدين البهائي

قبل نيّف وقرن أضاء الكون وميض إلهي هو أنفس ما في الوجود، سماوي في فيضه، عظيم في جوهره، مثير في ظروف مولده، جليل في مقام صاحبه، مميز في شمولية رسالته، غني بآثاره وفيوضاته التي لا تضاهى، ذلك هو دين حضرة بهاءالله، المظهر الإلهي لهذا العصر. وقد انبثق نور هذا الدين من زنزانة مظلمة نتنة تحت الأرض في سجن سياه ﭽال بطهران، حيث سجن حضرة بهاءالله ومعه بعض البابيين وقد أحاط به مائة وخمسون سجينا من القتلة والمجرمين في الأشهر الأخيرة من عام 1852م.

كان حضرة بهاءالله، واسمه ميرزا حسين علي، نبيلا من نبلاء إقليم نور في بلاد فارس. وقد أكد العلامة البهائي -ميرزا أبو الفضل- في أبحاثه التاريخية الواسعة أن نسبه يرجع إلى زرادشت وملوك بلاد فارس الساسانيين وبذلك يكون مخلّص العالم من عرق فارسي نقي، وفقا لأحاديث معينة. كما يرجع نسبه أيضاً إلى حضرة إبراهيم من ثالث زوجاته -قتورة- فجمع في شخصه فرعي الديانتين الآرية والسامية. ولد حضرة بهاءالله في طهران عام 1817م، وكان والده ميرزا عباس النوري معروفا بميرزا بزرك لدى الدوائر الملكية وأحد الشخصيات المهمة في بلاط الشاه.

قبل تسع سنوات تقريباً من سجنه في سياه ﭽال تسلم حضرة بهاءالله رسالة من مبعوث حضرة الباب يعلن فيها (الباب) أنه المبشر بالمظهر الإلهي الذي وعدت به الأديان السماوية. ولم

يمض وقت طويل حتى قام حضرته بنشر دعوة حضرة الباب بين أقاربه وأصدقائه المقربين في إقليم نور ثم إلى الآخرين فيما بعد. اعتنق الكثيرون رسالة حضرة الباب وقاموا على نشرها ومن بينهم أعمام حضرة بهاءالله وعمّاته وإخوانه وأخواته وأبناء عمومته وغيرهم من البارزين والعلماء في إقليم نور حيث استشهد العديد منهم فيما بعد.

تميزت شخصية حضرة بهاءالله، قبل إعلان دعوة حضرة الباب، بخصال نبيلة وفضائل حميدة، تبلورت بعد ذلك متألقة بنور دين جديد ومدعومة بعنفوان ذلك الدين وقوته. وكان لا بد لشخصية مثله أن تجتذب اهتمام الناس جميعا. فعلمه اللدني، وبصيرته وحكمته، وإيمانه الراسخ، ودفاعه العلني عن دعوة حضرة الباب، وفصاحته الغالبة في شرح أصول الدين الجديد لجماعات المجتهدين والعلماء والعامة، بالإضافة إلى حنكته وحكمه النفاذ وقيادته الحكيمة لجماعة البابيين أثناء حبس حضرة الباب وبعد استشهاده، ما جعل منه محور عشق الجامعة البابية ومحط تقديرها، وبلغ من احترام الأتباع له أن أصبحوا يخاطبونه بضمير الجماعة. وفي مؤتمر بدشت لقب بـ"جناب البهاء" وهو لقب عززه حضرة الباب فيما بعد.

إن مظاهر التبجيل التي أحاطت به، مقترنة بدعوته العلنية للدين البابي، أثارت من حوله مقاومة الأعداء الذين طالما اضطهدوه في مناسبات عدة، وباتوا يتربصون به لسجنه فوجدوا فرصتهم سانحة بعد محاولة اغتيال ناصر الدين شاه من قِبل بعض البابيين الطائشين. فاعتقلوه وأجبروه على المشي أمام الخيالة الملكية بخطى سريعة حافي القدمين تقيدهما السلاسل من نياوران إلى طهران مسافة خمسة عشر ميلا تقريباً تحت أشعة الشمس الحارقة، وقد خلعوا عنه عمامته زيادة في الإذلال إذ

كانت العمامة رمزا لهيبة الرجل في تلك الأيام.

لم يكن سياه ﭽال -الحفرة السوداء- سجناً عادياً بل حفرة كبيرة استخدمت لتجميع مياه أحد الحمامات العمومية في المدينة. له مدخل واحد ويقع في وسط العاصمة قريباً من مقر الشاه ومجاورا لـ"سبز ميدان"، مكان استشهاد شهداء طهران السبعة. زجّ فيه كثير من السجناء الذين حرم بعضهم من اللباس أو الفراش. إنه زنزانة مظلمة نتنة الهواء، كريهة الرائحة، أرضها رطبة مليئة بالقاذورات، إلى جانب قسوة الحرّاس والمسؤولين ووحشيتهم تجاه الضحايا البابيين الذين قيدوا معاً في ذلك المكان الموحش. طوقت عنق حضرة بهاءالله قيود تعرف باسم "قَره كُهَر"(1) ثم السلاسل التي اخترقت لحمه وتركت آثاراً على جسده المبارك حتى أواخر أيامه، ومن شدة ثقلها كانت تعطى للسجين شوكة خشبية لمساعدته على حملها.

في أحد الأيام سُمح لابنه الأرشد حضرة عبدالبهاء، وكان في التاسعة من عمره(2)، أن يزور والده وذلك بفضل طيبة أحد السجانين ومحبته لحضرة بهاءالله. وعندما قطع الطفل نصف الممر أسفل الدرجات رآه والده من بعد فأمر بإبعاده فورا، وسمح له بالانتظار في باحة السجن حتى الظهيرة حينما كانت تعطى للسجناء ساعة واحدة لاستنشاق الهواء النقي. وعندما شاهد حضرة عبدالبهاء والده وهو أشعث الشعر واللحية مقيداً بالسلاسل مع ابن أخيه ميرزا محمود يسير بصعوبة بالغة وقد جرحت عنقه وانتفخت من ثقل السلاسل، وانحنى ظهره، أغمى عليه وحملوه إلى المنزل فاقد الوعي.

____________________________________________________________________

(1) "قره كهر" أثقل من "السلاسل" وتزن نحو 51 كيلوغراما.

(2) حسب التقويم القمري. وقد ولد في 23 أيار من سنة 1844م.

لقد كان مصير ميرزا محمود مأساويا، فبالرغم من عنايات حضرة بهاءالله له وشرف مشاركته القيود نفسها إلا أنه خانه بعد بضع سنين وانضم إلى يحيى أزل -الأخ غير الشقيق لحضرة بهاءالله- وعدوه اللدود وناقض عهد حضرة الباب.

في جو سياه ﭽال النتن وبأرجل مكبلة بالأغلال ورأس منحن أثقلته السلاسل الكبيرة تلقى حضرة بهاءالله، كما بيّن في "لوح ابن الذئب"، نداء الحق له مظهرا إلهيا كليا، ذلك المظهر الذي بشر به سائر الأنبياء السابقين كتجسيد كريشنا، وبوذا الخامس، وشاه بهرام، ورب الجنود، وعودة المسيح في مجد الأب، وروح الله، والذي لقّبه حضرة الباب بـ"من يظهره الله". ووصف حضرته بوادر تجلّي الروح الأعظم(1) على روحه قائلا:

"وبالرغم من أن النوم كان عزيز المنال من وطأة السلاسل والروائح النتنة حين كنت رهين سجن أرض الطاء (طهران) إلا أنني كنت في هجعاتي اليسيرة أحسّ كأن شيئا ما يتدفق من أعلى رأسي وينحدر على صدري كأنه النهر العظيم ينحدر من قلّة جبل باذخ رفيع إلى الأرض فتلتهب جميع الأعضاء لذلك. في ذلك الحين كان اللسان يرتل ما لا يقوى على الإصغاء إليه أحد."(1)

وبينما كان حضرة بهاءالله مسجوناً في طهران أمر ناصر الدين شاه رئيس وزرائه ميرزا آقا خان أن يرسل جنودا إلى إقليم نور لاعتقال أتباع حضرة الباب في تلك الأنحاء. وحيث أن رئيس الوزراء كان من "نور" وتربطه بحضرة بهاءالله صلة نسب بزواج

___________________________________________________________________

(1) اعتمد مظاهر أمر الله عبارات مختلفة لوصف نزول روح الله (الوحي) عليهم، ففي المسيحية استعمل لفظ "الروح القدس"، بينما أشار إليه حضرة بهاءالله بـ"الروح الأعظم"، مؤكدا بذلك الظهور الإلهي في أتم صورة.

ابنة أخيه من ميرزا محمد حسن، الأخ غير الشقيق لحضرته، فقد بذل كل جهد لحماية أقارب حضرة بهاءالله في "نور" إلا أنه فشل.

فكان أن صادر الشاه أملاك حضرة بهاءالله وسوي منزله في "نور" بالأرض، وحتى رئيس الوزراء نفسه استغل الموقف وسجل بعض تلك الأملاك باسمه دون أن يدفع أية تعويضات. كما نهب منزل حضرة بهاءالله الفاخر في طهران وأُفرغ من أثاثه الثمين واستولى رئيس الوزراء على بعض المخطوطات القيمة، من بينها جزء من لوح لا يقدر بثمن، مخطوط على الجلد منذ أكثر من ألف عام بخط يد الإمام علي، ومخطوطة نادرة من شِعر "حافظ" كتبها خطاط مشهور. (1)

ومع أن معظم البابيين اقتيدوا من السجن الواحد تلو الآخر ليستشهدوا في "سبز ميدان" المجاور إلا أن حياة حضرة بهاءالله سلمت بفضل العناية الإلهية ثم أُطلق سراحه بعد أربعة أشهر وأمر بمغادرة بلاد فارس خلال شهر واحد.

_____________________________________________________________________

(1) كان محمد شاه يتلهف حينا لتملك تلك المخطوطة، ولكنه عندما علم أن عليه دفع عملة ذهبية واحدة ثمنا لكل بيت من أبيات القصيدة، البالغ عددها اثني عشر ألف بيت، تخلّى عن الفكرة.

صفحة خالية
الفصل الثاني
حضرة بهاءالله في المنفى

غادر حضرة بهاءالله السجن وقد جرد من ممتلكاته واعتلّت صحته وحنت قامته ثقل القيود وأدمت رقبته وورّمتها حدة السلاسل. لم يصرح لأحد عن تجربته مع الوحي الإلهي إلا أن المقربين منه لم يغب عنهم ما طرأ على شخصيته من تألق وقوة وتغيير روحاني لم يشهدوا له مثيلا من قبل.

ونقتطف من حديث ابنته، الورقة المباركة العليا، تصف مشاعرها بُعيد إطلاق سراحه من سياه ﭽال حيث تفضلت:

"أثناء فترة السجن كان للجمال المبارك مكاشفة إلهية عجيبة. طوق وجوده المبارك إشعاع نوراني مضيء أدركنا أهميته بعد سنوات. تملّكنا العجب في ذلك الوقت دون فهم ذلك الحدث المقدس أو حتى معرفة تفاصيله".(1)

أمضى حضرة بهاءالله الشهر الذي سبق نفيه من بلاد فارس في منزل أخيه غير الشقيق، ميرزا رضا قلي، وكان طبيبا، لم يؤمن بالدين البابي بعكس زوجته مريم وهي ابنة عمّة حضرة بهاءالله، صاحب الفضل في إيمانها، في أوائل أيام الدين الجديد. كانت من المخلصين الأوفياء من أفراد العائلة. وبمنتهى العناية والاهتمام قامت مريم وحرم المبارك، آسية خانم، برعايته حتى تحسنت صحته، ومع أنه لم يتماثل للشفاء تماماً إلا أنه استجمع قواه ليتمكن من مغادرة طهران إلى العراق.

وخلال فترات نفيه، كثيرا ما كان حضرة بهاءالله يستذكر إخلاص مريم وولاءها فيغدق عليها من بركاته وعناياته. أرسل إليها من العراق بعض الألواح المعروفة بـ"ألواح مريم"، التي تعتبر نادرة في أسلوبها والأشجان التي عبّرت عنها. وبلغة مؤثرة رقيقة شاطرها في أحد الألواح أحزانه القلبية وعدّد ما أثقل كاهله من آلام نتيجة أعمال عديمي الوفاء من الأصحاب والأحباب حيث يتفضل:

"محا ما لحقني من ظلم ما لحق اسمي الأول (حضرة الباب) من لوح الوجود ... يا مريم إنا وردنا عراق العرب من أرض الطاء (طهران) بعد بلاء لا يعد ولا يحصى بأمر ظالم العجم.(1) وابتلينا بِغلّ الأحباء من بعد غلّ الأعداء وبعده الله يعلم ما ورد علي... لقد تحملت من البلايا والرزايا ما لا يقدر عليه أحد".(2)

كرست مريم حياتها لدين حضرة بهاءالله وكم كانت تتوق للتشرف بمحضر مولاها ثانية، ولكن أعداء الأمر من بعض أفراد العائلة منعوها من مغادرة المنزل، فماتت حزينة وفي قلبها غصة. كانت طوال حياتها محط عناية حضرة بهاءالله وعطفه وأغدق عليها بلقب "الورقة الحمراء" وبعد وفاتها أنزل بحقها لوح زيارة خاص بها.

في الثاني عشر من كانون الثاني عام 1853م غادر حضرة بهاءالله طهران إلى العراق يرافقه ابنه الأكبر عباس، الذي كان في التاسعة من عمره، واتخذ فيما بعد لنفسه لقب "عبدالبهاء". وبفضل بصيرته الروحانية أدرك مقام والده وما يزال بعد طفلا،

__________________________________________________________________

(1) ناصر الدين شاه. [الفقرة بالخط المائل لم ترد في "كتاب القرن البديع"، ولكنها واردة في الأصل الإنجليزي في God Passes By الصفحة 133. (المترجم)]

واعتاد حضرة بهاءالله في بغداد أن يناديه بالمولى (آقا) رِفعاً لمقامه بالرغم من حداثة سنه، وهو لقب كان حضرة بهاءالله يخاطب به والده في طهران. وأنعم عليه فيما بعد بعدة ألقاب رفيعة منها: "الغصن الأعظم"، و"سر الله"، و"غصن الأمر"، و"من طاف حوله الأسماء". ويعتبر بعد الرسالة الإلهية أثمن هدية من حضرة بهاءالله للبشرية، وقدر له أن يخلف والده مركزاً لميثاقه وأن يعهد إليه بإدارة كامل شؤون دين الله، وبعد صعود صاحب الأمر أن يكون منبع القوى الروحية التي أطلقها حضرة بهاءالله لإحياء الجنس البشري.

ورافق حضرة بهاءالله من أفراد عائلته المباركة ابنته بهائية خانم ذات السنوات الست والملقّبة بـ"الورقة المباركة العليا" وهي التي تبوأت مرتبة فريدة في الدورة البهائية وتعتبر من أبرز نساء هذا العصر. كانت حياتها مفعمة بالتجارب والمحن قلّما تحمّلها أحد من العائلة بمثل ذلك التسليم والثبات، والى جانب مشاركته الآلام، عاشت تحت نير الحزن والكرب بما أصاب حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء من معاملة وحشية قاسية. وتعجز الكلمات عن وصف درجة إخلاص الورقة المباركة العليا -ورقة الفردوس الأبهى- في خدمة حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء وتعجز الأقلام عن وصف فضائل حياتها الطاهرة.

لقد تخلت الورقة المباركة العليا عن فكرة الزواج حتى تتفرغ لخدمة والدها، وتمكنت عبر السنين بفضل إيمانها الراسخ ومثابرتها أن تخفف عن حضرة بهاءالله وأفراد عائلتها بعض المعاناة، وعكست في حياتها تلك المواهب والخصال التي تميز بها شقيقها حضرة عبدالبهاء، المثل الأعلى لدين حضرة بهاءالله.

أدت الورقة المباركة العليا دورا فريدا في تقدم دين والدها

وازدهاره. فبعد صعود حضرة عبدالبهاء، وقد كانت بلغت سنا متقدمة، أمسكت بزمام الأمور وأدارت دفّة الأمر بكفاءة وقدرة لفترة قصيرة عملت خلالها على جمع شمل المؤمنين ليلتفوا حول حضرة شوقي أفندي الذي عينه حضرة عبدالبهاء وليا لأمر الله. وفي عام 1932م صعدت إلى الملكوت الأبهى ووري جثمانها الطاهر قرب مرقد حضرة الباب على جبل الكرمل.

وفي رحلة حضرة بهاءالله هذه رافقته زوجته آسية خانم التي لقَبها بـ"نوّاب" و"الورقة العليا". وقد كانت آسية خانم، وهي ابنة أحد النبلاء يدعى ميرزا إسماعيل الوزير، صاحبة خلق رفيع وخصال نبيلة تشع عطفا وشفقة. وصفتها ابنتها الورقة المباركة العليا بهذه الكلمات:

"... أستعيد في ذاكرتي أول ذكرياتي فأجدها ملكة في وقارها وجمالها، تراعي مشاعر الجميع، مثالا للرقة واللطافة، مدهشة في إيثارها، وكل عمل تقوم به لا تستطيع إلا أن تجد فيه المحبة من قلبها الصافي الطهور. تشع منها المودة وعلائم السعادة أينما حلّت، وتطوق الزائرين بشذى اللطافة والكياسة."(3)

كان إيمانها بحضرة بهاءالله -وهو في قلبها مولاها- راسخاً لا يتزعزع، فقاست في سبيل محبته الآلام والصعاب بكل صبر وأناة جراء النفي أربع مرات متتالية. وفي لوح وجهه حضرة بهاءالله إليها بعد صعودها عام 1303ه‍ (حوالي 1886م) أسبغ عليها مقاما مميزا فريدا من نوعه فأشار إلى أنها ستكون "صاحبته الأبدية في كل عوالم الله".

ولمحبتهما لحضرة بهاءالله، أبدى اثنان من عائلته المباركة رغبتهما في مرافقته إلى منفاه وهما أخوه ميرزا موسى، الذي يصغره سنا، ولقبه "آقاي كليم"، وأخوه الأصغر غير الشقيق،

ميرزا محمد قلي الذي كان في العقد الثاني من عمره، فلازماه وشاركاه صعاب النفي المتكرر من بلد إلى آخر.

انجذب قلب آقاي كليم واستيقظت روحه في اللحظة التاريخية التي تسلم فيها حضرة بهاءالله الرسالة من مندوب حضرة الباب، وأصبح أكثر إخوانه إخلاصا له ومحطا للثقة ونصيرا أمينا قويا لا يعرف الكلل أو الضعف في حماية حضرة بهاءالله، إلى أن تسلم حضرة عبدالبهاء تلك المهام لينوب عن حضرة بهاءالله في مقابلة الوزراء والمسؤولين في الحكومة والشّخصيات البارزة ورجال الدين. فحياته المليئة بالخدمات والتضحيات رفعته إلى المقام الأول بين حواريي حضرة بهاءالله.

أما الأخ الآخر، ميرزا محمد قلي، الذي كان يكبر حضرة عبدالبهاء بسبع سنوات فقط، فقد كانت تربطه بحضرة بهاءالله علاقة قوية منذ الطفولة لأن والدهما توفي بعد فترة قصيرة من ميلاد ميرزا محمد قلي، فتلقّى الرعاية والتربية اللازمة من حضرة بهاءالله. كان هادئا في طبعه محبوباً من أقرانه، وظل أيام حياته مخلصا وفيا لأخيه البارز الشهير، وقد منح شرف نصب خيمة الجمال المبارك أثناء سفره من بغداد إلى الآستانة، كما كان يقدم الشاي للحاضرين في المحضر المبارك في مناسبات أخرى.

أما الأخوة الثمانية(1) الباقون لحضرة بهاءالله، فإن واحدا منهم هو ميرزا محمد حسن الذي يكبره سنا، كان مؤمنا مخلصا حائزا على التقدير. والآخرون عدا ميرزا يحيى، الذي أصبح الناقض الأكبر لميثاق حضرة الباب ومن ألد أعداء حضرة بهاءالله، فمنهم من مات قبل إعلان دعوتي حضرة الباب وحضرة بهاءالله أو ظلوا بعيدين عن أنوار الدين الجديد.

___________________________________________________________________

(1) كان أحدهم ابن والدة حضرة بهاءالله من زواج سابق.

في زمهرير الشتاء والبرد القارس، وعبر جبال بلاد فارس الغربية المغطاة بالثلوج، بدأت الرحلة إلى بغداد. كانت المعاناة شديدة، فأصابت المنفيين بكثير من الأذى والضرر. بقي حضرة بهاءالله في العراق عشر سنوات أمضى منها سنتين وحيداً في جبال كردستان الموحشة، ومعظم السنوات الباقية في بغداد.

ولكن الأعداء، ومن ضمنهم القنصل العام للحكومة الفارسية في بغداد وبعض رجال الدين، نجحوا في مسعاهم لنفيه مرة أخرى. فصدر مرسوم السلطان، بناء على رسالة من الحكومة الفارسية إلى الحكومة العثمانية، باستدعاء حضرة بهاءالله إلى الآستانة. وفي عشية مغادرته العراق عام 1863م، وفي مكان خارج بغداد، كشف عن مقامه لأصحابه على أنه "من يظهره الله" الذي بشر به حضرة الباب، وأنه الموعود المنتظر.

وبعد أن أمضى قرابة خمسة أشهر في العاصمة العثمانية، بدأ أعداؤه سعيهم في نفيه مرة أخرى، فنجحوا في إرساله إلى أدرنة، التي أسماها حضرته بـ"السجن البعيد" وفيها بلغت شمس ظهوره سمتها إذ أعلن دعوته للعالم أجمع. ولمدة خمس سنوات تحمل صنوف البلايا والمحن ثم نفي أخيرا إلى مدينة السجن -عكاء- في الأراضي المقدسة.

أمضى حضرة بهاءالله السنوات الأربع والعشرين الأخيرة من ولايته في عكاء أو في الأرياف المجاورة. فالمحن والآلام التي أحاطت به خلال السنوات التسع الأولى من سجنه داخل أسوار عكاء كانت شديدة القساوة حتى أنه أشار إليها في أحد ألواحه بما يلي: "إن في ورودنا هذا المقام سمّيناه بالسجن الأعظم، ومن قبل كنا في أرض أخرى تحت السلاسل والأغلال (أي طهران)، وما سمي بذلك..."(4)

الفصل الثالث
الكلمة الإلهية

لولاية حضرة بهاءالله ميزتان لا مثيل لهما في تاريخ الإنسانية. أولاهما المعاناة والاضطهاد اللذان ابتلي بهما صاحب الظهور الإلهي. وثانيتهما غزارة آثاره وكتاباته. ولا أدل على ذلك سوى التباين بين النور والظلمة، العظمة والعبودية، العزة والذلة. ويمكن وصف حياته بكتاب اسودت صفحاته بما ارتكبه جيل ضال من قسوة ووحشية، إلا أن حروفه لمعت بأنوار الوحي الإلهي وأشرقت ببهائها على عالم غلفته سحب الجهل والتعصب.

إن القوى الروحية الكامنة التي أطلقها حضرة بهاءالله في السنوات الأربعين لولايته، في هذا الظهور الأعظم قدر لها أن تعيد للبشرية حياتها وتؤسس لها حضارة إلهية بشر بها الرسل السابقون على أنها "ملكوت الله على الأرض". فالقناة التي جرت منها هي الكلمة الإلهية التي أظهرها للوجود في هذا العصر. لم تكن تلك الكلمة ثمرة العلم والمعرفة، بل كانت من وحي الروح القدس لأن حضرة بهاءالله لم يتلقَّ إلا تعليما ابتدائيا محدودا.

الكلمة الإلهية منزهة عن المعرفة المكتسبة

كان معظم سكان بلاد فارس في القرن التاسع عشر أميين تحت سيطرة رجال الدين يطيعونهم طاعة عمياء. فهناك طبقتان متعلمتان: علماء الدين ورجال الدولة ثم عدد قليل من عامة الناس. ولقب "العالِم" لم يكن يطلق إلا على أقطاب الدين ورجاله حيث كانوا

يمضون عقود أعمارهم في دراسة الفقه والشريعة الإسلامية وقوانين التشريع والفلسفة والطب والفلك، وفوق ذلك كله اللغة العربية وآدابها لأنها لغة القرآن، وهذا ما دعا رجال الدين إلى الاهتمام بها حيث قضى العديد منهم سني حياته في صقل ملكة الإبداع فيها لسعتها وغناها في التعبير، واعتبروا أن بحثا لم يكتب بالعربية لا قيمة له، وأي خطبة تلقى من على المنبر لم يستعمل الخطيب فيها كثيرا من الكلمات العربية الصعبة لن تلقى نصيبها من التأثير، وغالبا ما تكون غير مفهومة للعوام. وبهذا النهج كان الوعاظ يسرحون بخيال المستمعين الأميين في غالبيتهم، فيصابون بالذهول وتبدو لهم مليئة بالعلم. فكان مقياس علوم الإنسان معرفته باللغة العربية وحجم عمامته.

أما الطبقة الثانية فتضم رجال الدولة والموظفين وبعض التجار الذين ما أصابوا من العلم إلا قليلا في طفولتهم من قراءة وكتابة ودراسة الخط والقرآن الكريم وبعض أعمال شعراء الأدب الفارسي المشهورين، وكل ذلك يتم خلال سنوات قليلة يختتمها بعضهم بالزواج قبل سن العشرين، كما جرت العادة.

إلى هذه الطبقة كان ينتمي حضرة بهاءالله، وكان لوالده مكانة مرموقة في بلاط الشاه ومشهورا كخطاط مبدع، ذلك الفن الذي يمنح صاحبه منزلة رفيعة لدى الدوائر الملكية. تلقى حضرة بهاءالله تعليمه الابتدائي في طفولته لفترة قصيرة وبرع في الخط كوالده، وهناك نماذج رائعة من خطه في محفظة الآثار البهائية العالمية على جبل الكرمل. وعندما بلغ التاسعة عشرة تزوج من آسية خانم ورزقا بسبعة أولاد بقي منهم ثلاثة على قيد الحياة هم: حضرة عبدالبهاء، الورقة المباركة العليا وميرزا مهدي (الغصن الأطهر).

كان رجال الدولة في تلك الأيام يتنعمون بما توفره لهم السلطة

المستبدة واتصفوا بالغطرسة والعدوانية، ومجرد وجودهم يثير الرعب في نفوس الأبرياء. أما حضرة بهاءالله فكان على العكس من ذلك، ومن قابله في شبابه تملّكه العجب. فوالده يتبوأ منصبا مرموقا في بلاط الشاه وله حظوة لدى رئيس الوزراء، فمن الطبيعي أن تظهر عليه علائم التجبر والاستبداد، إلا أن حياته كانت تجسيدا للرحمة والشفقة والمحبة، فكان لليتيم أبا حنونا وللذليل عونا وللفقير والمحتاج ملجأ وملاذا. فجعلت منه هذه الفضائل الإلهية، التي انعكست على حياته منذ الصغر، موضع حب وافتتان لكل من سمع باسمه والتقى بشخصيته الجذابة.

وعلى الرغم من أن رجال الدولة كانوا في ذلك الزمان ساسة الأمة في بلاد فارس، إلا أن رجال الدين الأقوياء كانوا يعتبرونهم أقل مرتبة منهم وغير لائقين لولوج دنيا العلم والمعرفة. كان حضرة بهاءالله يدهشهم جميعا بسعة علمه وعمق كلماته وبشرحه في أكثر من مناسبة بحضور العلماء معضلات دينية إسلامية غامضة بأسلوب سلس بليغ.

لم تكن الكلمة الإلهية ثمرة العلوم المكتسبة، فحاملو الرسالات السماوية لم يتلقوا تعليما في أغلب الأحيان، فلم يكن موسى وعيسى رجلي علم ولا كان محمد مثقفا. وعند إشراق أنوار الوحي على قلبه نطق بالكلمات الإلهية التي كان يسجلها أحد صحابته في بعض الأحيان فورا وفي مكان نزولها، أو كانت تحفظ في الصدور لتدون فيما بعد. أما حضرة الباب وحضرة بهاءالله فلم يتجاوز تعليمهما المرحلة الابتدائية، إلا أن علمهما الموحى به كان فطريا أحاط البشرية جمعاء.

في أحد ألواحه المباركة المعروف بـ"لوح الحكمة"، الغني بنصائحه وتوجيهاته للفرد في سلوكه، بيّن حضرة بهاءالله جانبا من

المعتقدات الأساسية لبعض فلاسفة الإغريق القدماء، وذكر أنه لم يدخل مدرسة ولم يطلع على علوم الناس، بل إن معرفته بكل هذا أوحيت له من ذي القدرة والجلال وانطبعت على صفحة قلبه ونطق بها لسانه في كلمات. وفي لوح آخر كشف حضرة بهاءالله عن مصدر علمه ومشرق رسالته الإلهية في الكلمات التالية:

"يا سلطان، إني كنت كأحد من العباد وراقدا على المهاد، مرّت عليّ نسائم السبحان وعلّمني علم ما كان. ليس هذا من عندي بل من لدن عزيز عليم... هذه ورقة حرّكتها أرياح مشية ربك العزيز الحميد".(1)

ظهور حضرة بهاءالله وجوهر رسالته الإلهية

أدى الوصال الرمزي بين الله -باعتباره الأب- والرسول المختار -باعتباره الأم- إلى إنجاب الوحي الإلهي الذي نطق بالكلمة الإلهية. من المستحيل على الإنسان إدراك هذه العلاقة المقدسة، فهي واسطة الاتصال بمظهر أمره، إذ أن معلوماتنا المحدودة في هذا السياق مستقاة من كلمات حضرة بهاءالله، وتظل الكلمات غير قادرة على التعبير عن الحقيقة الروحانية.

فللكلمة الإلهية روح باطنية وشكل خارجي، ولا يمكن الإحاطة بالروح المودعة في باطن الكلمة لأنها تنتمي إلى عالم اللامخلوق ووجدت بقوة الروح القدس، بينما يكون الشكل الخارجي قناة تعبر فيها الروح القدس. وعندما تتعلق الكلمة الإلهية بعالم الإنسان تغدو محدودة.

وبما أن الأم تترك في طفلها شيئا من صفاتها وملامحها، كذلك فإن حامل الرسالة السماوية يؤثر على الشكل الخارجي للكلمة الإلهية. ولنأخذ مثلا النبي ( الذي ولد في

الجزيرة العربية وتكلم العربية فارتبطت الكلمة الإلهية في القرآن الكريم بطبيعة المجتمع الذي نشأ فيه ارتباطا وثيقا. ولكون حضرة بهاءالله فارسيا فقد نزلت الكلمة الإلهية بالفارسية والعربية. فشخصيته وأسلوبه وطبيعة اللغة الفارسية ومصطلحاتها وأمثالها والقصص التي أوردها عن حياة معاصريه في ذاك القطر والأماكن التي نفي إليها، أثرت في شكل الكلمة الإلهية المنزلة في هذه الدورة.

وبالرغم من أن حضرة بهاءالله لم يتلق العلم في مدارس الفقه وحلقات الدراسة، فقد شهد له الضالعون بفنون الأدب بأن كتاباته باللغتين العربية والفارسية متفوقة في غناها وجمالها وفصاحتها من الناحية الأدبية. ومع أنه كان غير متمرس باللغة العربية ومفرداتها الواسعة وقواعدها الصعبة، التي كانت تستنفد حياة رجال الدين كلها في سبيل إتقانها، فإنه أثرى الأدب العربي بكتاباته بحيث أوجد أسلوبا جديدا، كما حدث في أيام النبي محمد ( بحيث ألهم الباحثين والكتاب البهائيين، وكذا الأمر في كتاباته بالفارسية.

لن يجد القارئ نفسه في أسمى العوالم مفتونا بجمال أسلوبه وفصيح عباراته وتدفق كلماته ووضوح إنشائه وعمق بياناته فحسب، بل سيجد أمامه أيضا ما أبدعه حضرة بهاءالله من مصطلحات جديدة تنقله إلى فهم أوسع وإدراك أعمق لحقائق عالم الروح بدرجة كبيرة.

نزلت كتابات حضرة بهاءالله، المعروفة بـ"الألواح"، بالعربية أو الفارسية وغالبا بالاثنتين معا. فهناك العديد من الألواح نزل جزء منها بالفارسية وجزء بالعربية وقد أشار في أحد ألواحه إلى اللغة العربية بأنها "اللغة الفصحى" وإلى اللغة الفارسية بأنها "اللغة

النوراء" و"اللغة الحلوة". وامتازت كتاباته العربية بالقوة والعظمة، وتبرز بياناته فيها في قمة عظمتها وفصاحتها، وتتصف كتاباته الفارسية بالجمال والدفء وتحريك المشاعر الروحانية. وبعكس الكتّاب الذين ينشدون العمل في جو هاديء، فقد أنزل معظم ألواحه في خضم البلايا خلال نفيه أربع مرات متتالية.

وحتى يستطيع الكاتب أن يكتب، لا بد أن يعتمد على علمه ومعرفته ثم يتفكر ويتأمل في الموضوع ويقوم بالبحث، وبعد عمل مضن قد يتمكن من إنتاج كتاب يخضع دائما للتصحيح والتحسين، وغالبا ما يشعر الكاتب بضرورة إعادة محاولته من جديد. ولكن الأمر مع مظاهر أمر الله مختلف حيث لا يعتمد هؤلاء في ما يبدعونه من آثار على إنجازاتهم البشرية.

كانت الكلمات الإلهية تنهمر من شفتي حضرة بهاءالله عند نزول الوحي، ويقوم كاتب وحيه بتدوينها وأحيانا يكتبها بنفسه، وقد شهد حضرته في أحد ألواحه بأن غالبا ما عجز كاتب الوحي عن تدوينها لغزارة تدفقها.

يتضمن القرآن الكريم حوالي ستة آلاف وثلاثمائة آية نزلت على النبي محمد ( خلال ثلاث وعشرين سنة، إلا أن تدفق الآيات في هذا الظهور أفاض على الإنسانية بغزارة بحيث أنزل حضرة بهاءالله في ساعة واحدة ما يعادل ألف آية. وشهد حضرته بقوله: "بلغ اليوم من الفضل أن لو استطاع أحد الكتبة أن ينجز مهمته لنزل في اليوم والليلة من سماء القدس الربانية ما يعادل البيان الفارسي(1)."(2)

أحاطت الكلمة الإلهية بالبشرية في هذا العصر وكأن أبواب

___________________________________________________________________

(1) "كتاب البيان" هو أم الكتاب في الدورة البابية وأنزله حضرة الباب.

السماء قد فتحت. ففي فترة الأربعين سنة من ولاية حضرة بهاءالله، انغمس الوجود في بحر من الفيض الإلهي أطلق قوى روحية هائلة لا يدرك أحد كنه إمكاناتها. فكتاباته آثار مقدسة للجنس البشري كافة وهي غزيرة وواسعة -بشهادة حضرته- بحيث أنها تؤلف ما لا يقل عن مائة مجلد لو جمعت.

كان كاتب وحي حضرة بهاءالله -معظم فترة ولايته- هو ميرزا آقا جان من كاشان، ولقبه "خادم الله" و"العبد الحاضر"، ذلك لأنه كان دوما حاضرا لخدمة مولاه. لم ينتم إلى طبقة العلماء بل كان تعليمه بسيطا. عمل في شبابه في صنع الصابون وبيعه في كاشان. وقدم إلى العراق بعد فترة وجيزة من وصول حضرة بهاءالله وتشرف بمحضره الأنور بمنزل أحد الأحباء في كربلاء، وهناك شعر بقوة روحية هائلة تنبعث من محياه قلبت كيانه بالكلية واشتعل بمحبة مولاه. فكان أول شخص لمّح له حضرة بهاءالله عن مقامه ثم شرّفه فيما بعد فعيّنه كاتبا للوحي.

ورغم أنه عاش في كنف حضرة بهاءالله أربعين عاما يتنعم بأفضاله وبركاته مصاحبا له في رحلته مع الوحي الإلهي قريبا من مولاه قائما على خدمته ليل نهار، إلا أنه في النهاية خان العهد والميثاق وانضم إلى ناقضي العهد في عدائهم لحضرة عبدالبهاء بعد صعود حضرة بهاءالله.

وكلما كان الوحي ينزل على حضرة بهاءالله، أكان ذلك في بيته المتواضع ببغداد أو في أدرنة في البرد القارس، أو حين كان يسافر بحرا أو برا، أو حين وجوده في زنزانته بسجن عكاء أو قصره الفسيح في البهجة، كان ميرزا آقا جان دائم الحضور في تلك الأثناء برزمة أوراقه ودواة الحبر وحزمة أقلام القصب لتسجيل كلمات الفيض الإلهي المنهمر من الشفتين المباركتين، ولسرعة

نزولها لم يكن من السهل قراءتها قبل إعادة نسخها، وبعد قراءتها والموافقة عليها كان حضرته يزينها بأحد أختامه أحيانا(1).

استعمل حضرة بهاءالله عشرة أختام صنعت له في أوقات مختلفة من ولايته، بالإضافة إلى واحد كان يحمل اسم "حسين علي" ومن الأختام العشرة كان أحدها يحمل اسم "بهاءالله" والأخرى تحوي عبارات تصفه بالمسجون ومظلوم العالمين وفي بعضها ثبّت بلغة مهيبة وعبارات واضحة سلطانه الفريد، وعظمته السامية، ومقامه المجيد مظهرا إلهيا كليا وخليفة الله على الأرض.

ومن الذين قاموا على نسخ الألواح المباركة، حضرة عبدالبهاء الذي عكف على تلك المهمة منذ صباه في بغداد إلى نهاية ولاية حضرة بهاءالله. وقد كتب العديد منها بخط يده المباركة(2).

وكانت العادة أن يدوّن اللوح ثم يعمد إلى كتابة عدة نسخ منه لنشرها بين الأحباء، وفي بعض الأحيان في أيام حضرة بهاءالله كان الفيض ينزل بغزارة متناهية بحيث لم يكن بمقدور عدد من الكتبة العاملين ليلا ونهارا تدوين ألواحه جميعها وقد ترك بعض الكتبة للأجيال القادمة مجلدات كتبت بخط يدهم.

كان الملا زين العابدين من أبرز كتاب الوحي وقد لقبه حضرة بهاءالله بـ"زين المقربين". وكان قبل اعتناقه الدين البابي عالما مجتهدا وقطبا بارزا في مسقط رأسه -نجف أباد- وأثناء حبس حضرة بهاءالله في سياه ﭽال برزت فيه مشاعر الغيرة والحماس للدين البابي حتى أن أصدقاءه المقربين، الذين كانوا في وقت ما

___________________________________________________________________

(1) انظر اللائحة المقابلة للصفحة 82.
(2) انظر اللائحة في بداية الكتاب.

من تابعيه وأكثر المعجبين به، ناصبوه العداء وقاموا على معارضته واضطهاده بشدة.

وفيما بعد انتقل إلى بغداد وأخيرا تشرف بمحضر حضرة بهاءالله بعد عودته من جبال كردستان، ونتيجة لذلك اللقاء وبعد استلامه بعض الألواح المباركة سرت في كيانه روح جديدة بلغت به مقاما رفيعا من الإيمان والتضحية فأصبح في عداد حواريي حضرة بهاءالله البارزين. وبعد فترة طويلة من النفي والسجن في الموصل بالعراق أطلق سراحه وتوجه إلى عكاء حيث قضى بقية أيام حياته في خدمة حضرة بهاءالله ناسخا للألواح معظم الوقت.

كان زين المقربين دقيقا جدا في نسخ ألواح حضرة بهاءالله ويبذل جهودا مضنية في التأكد من صحة تدوينها، فكل لوح بخط يده يعتبر صحيحا ومطابقا للأصل. وقد ترك للأجيال عدة مجلدات بخط يده الرائع تضمنت معظم ألواح حضرة بهاءالله الهامة. واليوم توثّق المنشورات البهائية بالفارسية والعربية بمقارنتها بتلك المجلدات.

وثمة أثر كتابي آخر له علاقة وثيقة بما كان يتحلى به زين المقربين من ذكاء فذ ودقة في تقصي الأمور، وهو الكتاب المعروف بعنوان "رسالة سؤال وجواب". وبما أنه كان مجتهدا كفؤا في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فقد سمح له حضرة بهاءالله بأن يسأل أي سؤال يعنّ له حول تطبيق الأحكام الإلهية المنزلة في "الكتاب الأقدس". وتضمنت الإجابات التي تفضل بها حضرة بهاءالله على أسئلة زين المقربين إيضاحات إضافية وتوسعا في شرح أحكام شريعته السمحاء، ويعد كتاب "سؤال وجواب ملحقا لازما "للكتاب الأقدس".

وتبقى قصة حياة زين المقربين -رغم اختصارها- غير كاملة

دون الإشارة إلى ما كان يتمتع به من روح الدعابة والفكاهة التي كانت دائما تدخل السرور إلى قلوب الأحباء. وكان أحيانا يبدي بعض الملاحظات الباعثة على الفكاهة والضحك في المحضر المبارك، وقد سجل بعض هذه النوادر في ما أُرّخ من الأحداث والقصص.

أما الشخص الآخر صاحب المواهب الفذة الذي قدم أجل الخدمات في مجال تدوين واستنساخ الألواح فقد كان الخطاط المشهور ميرزا حسين الملقب بـ"مشكين قلم" وهو من أهل مدينة إصفهان، وقد تحلى كزميله زين المقربين بروح الدعابة والفكاهة والتندر.

كان "مشكين قلم" قبل إيمانه بالأمر الإلهي مقربا من بلاط ناصر الدين شاه في طهران حيث شغل منصبا بارزا فيه. ولما سمح له الشاه ذات مرة أن يذهب في زيارة قصيرة لمنزله في إصفهان قابل أحد البهائيين هناك واستنار قلبه بالإيمان، الأمر الذي دفعه أن يتوجه إلى أدرنة للتشرف بمحضر حضرة بهاءالله بدل الرجوع إلى بلاط الشاه. ومنذ ذلك الحين كرّس حياته كلها لخدمة أمر الله. وفيما بعد أرسله حضرة بهاءالله في مأمورية هامة إلى الآستانة ليدحض الادعاءات الباطلة التي روّجها السيد محمد الإصفهاني(1) -سيء السمعة- في الدوائر الملكية، إلا أنه بعد وقت قصير سجن "مشكين قلم" مع بعض الأتباع في الآستانة نتيجة لدسائس السيد محمد وأصحابه، ثم أرسلوا إلى جاليبولي لينتظروا وصول حضرة بهاءالله ومرافقيه في طريقهم إلى عكاء، وهناك تقرر مصير "مشكين قلم" حيث أرسلته السلطات مع ثلاثة

____________________________________________________________________

(1) بابي كان قطب الشر والأذى، ناصب حضرة بهاءالله العداء واعتبر دجال الدورة البهائية.

من الأحباء إلى قبرص برفقة ميرزا يحيى، ناقض عهد حضرة الباب وميثاقه فكان العدو الرئيس لحضرة بهاءالله.

بقي "مشكين قلم" منفيا في قبرص لمدة تسع سنوات، ورغم معاشرته الطويلة لميرزا يحيى الخائن الغادر، إلا أنه بقي غير مزعزع الإيمان ثابتا راسخا مستقيما في ولائه لمولاه.

وحالما تنشق نسيم حريته عام 1294ه‍ (1878م) توجه إلى عكاء وتشرف بالمثول بين يدي حضرة بهاءالله الذي سمح له بالإقامة في المدينة. فأصبح أحد حوارييه(1)، مرافقا وخادما مخلصا وفنانا ذا موهبة وخطاطا لا يبز، وعبقريا في ابتكار الأشكال الرائعة من الحروف والكلمات. ومن بين أعماله الفنية المميزة تلك التي خطها بأظافره على ورقة بيضاء.

أمضى "مشكين قلم" سنوات عدة من حياته في نسخ ألواح كل من حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء، وهنالك المجلدات العديدة بخطه الجميل، وقد خلد اسمه بفضل رسومه ورموزه وتصميمه لـ"الاسم الأعظم".

إن إحدى الميزات الرئيسة للدورة البهائية تتمثل في أن الكلمات التي أنزلها صاحب الظهور الإلهي وحي أصيل موثوق بصحته. بعكس الظهورات السابقة عندما لم تدون فيها كلمات الرسل حال إنزالها. أما الكلمات التي أنزلها حضرة بهاءالله فقد دونت كما أملاها هو بنفسه على كتّاب وحيه. وفي حالات كثيرة سجلت المناسبات التي نزلت فيها الألواح من قبل كتّاب الوحي، أو غيرهم من الصحابة الموثوق بهم، وأحيانا سجل تلك

___________________________________________________________________

(1) هناك قائمة بأسماء حواريي حضرة بهاءالله وصورهم في مجلد "العالم البهائي"، رقم 3، الصفحتين 80-81.

المناسبات الحجّاج الزائرون، وأحيانا أخرى سجلها أولئك الذين تشرفوا بمحضره المنير.

كان لاندفاع الروح القدس اندفاعا قويا أثناء نزول الوحي أثره المهيب على حضرة بهاءالله من الناحية الجسمانية. فالإنسان العادي يصعق عادة إذا ما وصلته أنباء فائقة الخطورة، فكيف يكون الأمر إذا بالنسبة للهيكل الجسماني للمظهر الإلهي حين يصبح ذلك الهيكل قناة يفيض بواسطتها روح القدس ليغمر الإنسانية جمعاء!

حين نزول الوحي لم يكن يسمح لأحد بالبقاء في المحضر المبارك سوى كاتب وحيه، ولكنه أحيانا كان يأذن لبعض المؤمنين بالبقاء حينئذ لفترة قصيرة. وقد شهد أولئك الذين نالوا هذا الشرف العظمة الخاصة بهيكله المبارك الذي كان يشع أيضا نورا وضياء. ووجد الكثيرون أنفسهم عاجزين عن النظر إلى طلعته البهية وقد بهر أبصارهم ذلك التجلي الإلهي العظيم.

من هؤلاء الحاج ميرزا حيدر علي الإصفهاني الموطن الذي اعتنق الأمر في مطلع ظهوره وتشرف بزيارة حضرة بهاءالله في أدرنة أولا، ومن هناك أرسله مولاه إلى الآستانة ليكون واسطة اتصال حضرته بالأحباء في بلاد فارس والعراق. ثم أرسله فيما بعد إلى مصر حيث اعتقله أعداء الأمر ثم أبعدوه إلى سجن في السودان. لم تعمل الاضطهادات التي لاقاها هناك لسنوات طويلة إلا على رسوخه وازدياد نار العشق لهيبا في قلبه. وبعد إطلاق سراحه توجه مباشرة إلى عكاء حيث نال شرف البقاء إلى جانب مولاه لعدة أشهر، ثم توجه بأمر منه إلى بلاد فارس ليخدم في مجال تبليغ الكلمة الإلهية بشكل بارز لسنوات عدة. وبعد صعود حضرة بهاءالله من هذا العالم أدّى الحاج ميرزا حيدر علي دورا

رئيسا في حماية الميثاق الإلهي بكل جدارة من هجوم تلك العصبة الخائنة من ناقضي العهد والميثاق الذين صمموا على هدم صرح أمره واقتلاع جذور مؤسساته. واختتم الفصل الأخير من حياته المليئة بالأحداث في خدمة حضرة عبدالبهاء في الأراضي المقدسة، وتوفي في حيفا حيث دفن في المقبرة البهائية على جبل الكرمل.

وفي إحدى زياراته لعكاء سمح له بالتشرف بالمحضر المبارك أثناء نزول الوحي، وقد ترك للأجيال القادمة ما كتبه باختصار عن تلك المناسبة التي لا تنسى:

"عندما صدر الإذن وأزيح الستار، دخلت الغرفة حيث استوى سلطان سلاطين الملك والملكوت، بل سلطان عوالم الله، على كرسي العظمة. كانت الآيات تتدفق كالغيث الهاطل، وكأن الباب والجدار والبساط والسقف والأرض والهواء في ذلك المقام الأقدس قد تعطر وتنور واهتز وتحرك وتحول كل منها إلى آذان امتلأت بروح من الفرح والحبور... في أي حال كنت وفي أي مقام؟ من لم يذق لم يدر..."(3)

وقيل أن أحد آثار نزول الوحي على حضرة بهاءالله، كان بقاء حضرته فترة من الوقت، بعد ذلك، في حالة من الاضطراب والتأثر بحيث لم يكن باستطاعته تناول الطعام.

القوة الخلاقة للكلمة الإلهية

إن كلمة الله هي أشرف إبداع للخلق الإلهي وتسمو فوق إدراك البشر. وفي أحد ألواحه حذرنا حضرة بهاءالله من مقارنة خلق الكلمة بخلق باقي الموجودات، وأشار إلى أن كل كلمة من الكلمات الإلهية بمثابة مرآة تنعكس منها الصفات الرحمانية،

وبقوة تأثيرها ظهر عالم الإمكان. وقد جاء في الإسلام أن الله خلق الكون بقوله "كن" وبها ظهرت الموجودات كلها. فوحي حضرة بهاءالله، وهو كلمة الله لهذا العصر، له أيضا قوة خلاقة مماثلة. وفي بعض ألواحه أشار حضرة بهاءالله إلى كلمة "كن" على أنها علة خلق الموجودات. ففي "لوح الزيارة" الذي جمع بين عدة مقتطفات من الألواح المباركة بعد صعوده، يتفضل: "وأشهد أن بحركة من قلمك ظهر حكم الكاف والنون وبرز سر الله المكنون، وبدئت الممكنات وبعثت الظهورات". وفي مثال آخر، يتفضل في "الصلاة الكبيرة": "... والذي ظهر إنه هو السر المكنون والرمز المخزون الذي به اقترن الكاف بركنه النون."(4) فباجتماع حرفي الكاف والنون تتكون كلمة "كن" التي بدئت بها الممكنات.

يشير المقتطف التالي من أحد ألواح حضرة بهاءالله إلى القوة الخلاقة لكلماته:

"كلما يخرج من فمه إنه لمحيي الأبدان لو أنتم من العارفين. كلما أنتم تشهدون في الأرض إنه قد ظهر بأمره العالي المتعالي المحكم البديع. إذا استشرق عن أفق فمه شمس اسمه الصانع بها تظهر الصنايع في كل الأعصار وإن هذا لحق يقين، ويستشرق هذا الاسم على كل ما يكون وتظهر منه الصنايع بأسباب الملك لو أنتم من الموقنين. كلما تشهدون ظهورات الصنعية البديعة كلها ظهر من هذا الاسم وسيظهر من بعد ما لا سمعتموه من قبل. كذلك قدر في الألواح ولا يعرفها إلا كل ذي بصر حديد. وكذلك حين الذي تستشرق عن أفق البيان شمس اسمي العلام يحمل كل شيء من هذا الاسم بدايع العلوم على حده ومقداره ويظهر منه في مد الأيام بأمر من لدن مقتدر عليم. وكذلك فانظر في كل الأسماء وكن على يقين منيع. قل إن كل حرف تخرج من فم الله إنها لأم

الحروفات وكذلك كل كلمة تظهر من معدن الأمر إنها لأم الكلمات وإن لوحه لأم الألواح فطوبى للعارفين..."(5)

وفي لوح آخر يشير إلى نفوذ كلماته بقوله الأحلى:

"قد أودع في كل حرف يخرج من فمنا قوة بحيث تخلق خلقا جديدا ما اطلع عليه أحد غير الله. إنه على كل شيء محيط".(6)

فكلمات مظاهر أمر الله هي الهيكل الخارجي للقوى الروحية المنبعثة عنهم، وما ستر في جوهر باطنها غير محدود في قوة الخلق والإبداع لأنها تنتمي للعالم الإلهي ولهذا يعجز الإنسان عن إدراكها بتمامها إلا على قدر محدود، ذلك لأن قواه العقلية محدودة.

يمكن تشبيه الكلمة الإلهية بأشعة الشمس التي تنقل حرارتها. فقريبا من قرصها تشتد الحرارة بحيث تستحيل الاستفادة منها في الفضاء الخارجي، إلا أن الأشعة نفسها بمرورها في طبقات الجو وغلاف الأرض وأطباق السحاب يصل قسم محدود من طاقتها إلى سطح الكرة الأرضية. وبالمثل تظهر الكلمة الإلهية في هذا العالم للعقل الإنساني على درجة محدودة بحقائقها ومعانيها الروحانية لأنه، بقواه المحدودة، عاجز عن إدراك هذه الحقائق بتمامها.

تتعاظم الكلمة الإلهية في قوتها ونفوذها وإبداعها وحقيقة معانيها عندما تعرج الروح إلى بارئها مفارقة الجسد لتبدأ ترقيها في العوالم الروحانية الإلهية. ورغم أن هذه المعاني والحقائق تبقى محجوبة عن إدراك البشر، فإن المظاهر الإلهية أصحاب هذه الكلمة يدركون قوة سطوتها وعمق معانيها بصورة كاملة.

الكلمة الإلهية أصل المعرفة

تلبية لطلب الشيخ محمود، أحد علماء المسلمين الذي اعتنق

الأمر في عكاء فيما بعد،(1) أنزل حضرة بهاءالله لوحا في تفسير سورة "والشمس" الفرقانية، وفيه كشف آفاقا من المعرفة فيما يخص الكلمة الإلهية، وكما نص حضرته، فإنه من كل كلمة منزلة من سماء الوحي جرت الأنهار العذبة السائغة من الأسرار الإلهية والحكم الربانية. وإجابة على سؤال الشيخ نفسه فصّل لكلمة "الشمس" معان عديدة، وأوضح أن لها معان أخرى فوق الحصر بحيث لو انشغل عشرة كتبة في تدوين تفاسيره لها مدة سنة أو اثنتين لما نفدت تلك التفاسير والشروح.

وفيما يلي آيات مقتطفة من ذاك اللوح المبارك الموجه إلى الشيخ محمود:

"فاعلم بأنك كما أيقنت بأن لا نفاد لكلماته تعالى أيقن بأن لمعانيها لا نفاد أيضا، ولكن عند مبينها وخزنة أسرارها والذين ينظرون الكتب ويتخذون منها ما يعترضون به على مطلع الولاية إنهم أموات غير أحياء ولو يمشون ويتكلمون ويأكلون ويشربون. فآه آه لو يظهر ما كنز في قلب البهاء عما علمه ربه مالك الأسماء لينصعق الذين تراهم على الأرض. كم من معان لا تحويها قمص الألفاظ وكم منها ليست لها عبارة ولم تعط بيانا ولا إشارة. وكم منها لا يمكن بيانه لعدم حضور أوانها كما قيل (لا كل ما يعلم يقال ولا كل ما يقال حان وقته ولا كل ما حان وقته حضر أهله)، ومنها ما يتوقف ذكره على عرفان المشارق التي فيها فصلنا العلوم وأظهرنا المكتوم. نسأل الله أن يوفقك ويؤيدك على عرفان المعلوم لتنقطع عن العلوم لأن طلب العلم بعد حصول المعلوم مذموم. تمسك بأصل العلم ومعدنه لترى نفسك غنيا عن الذين يدعون العلم من دون بينة ولا كتاب منير..."(7)

___________________________________________________________________

(1) جمع الشيخ محمود كل أحاديث النبي الخاصة بقداسة مدينة عكاء.

ليست لكلمات المظاهر الإلهية معان باطنية فحسب، بل أن كل حرف منها يكتنز المعاني والأسرار الإلهية. وفي حديث مشهور ينسب للإمام علي بن أبي طالب ورد أن: "كل ما في التوراة والإنجيل والزبور موجود في القرآن، وكل ما في القرآن في الفاتحة، وكل ما في الفاتحة في البسملة، وكل ما في البسملة في الباء، وكل ما في الباء في النقطة..." وليس أدلّ من ذلك صراحة على أن كلمة الله سامية في طبيعتها منزهة عن إدراك الإنسان.

وفي تفسير بعض الحروف المقطعة وبيان معانيها الباطنة أنزل حضرة الباب، المبشر بحضرة بهاءالله، آثارا كتابية لا حصر لها. فعلى سبيل المثال أنزل ما لا يقل عن ثلاثة آلاف آية في شرحه لسورة "والعصر" في القرآن الكريم وفسر فيها حرفها الأول "الواو"، كما أنزل حضرة بهاءالله ألواحا بديعة أسهب فيها في تفسير الحروف المقطعة.

القلم الأعلى

إن من بين النعم والعطايا النادرة لظهور حضرة بهاءالله ما فاض به قلمه الموصوف بالقلم الأعلى، ويدل هذا الوصف فيما يدل عليه من معان إلى أنه مظهر الروح الأعظم. ولم يسبق في تاريخ الأديان، عدا الظهور البابي، أن ترك المظهر الإلهي للأجيال القادمة تراثا من آثاره الكتابية خطّها بيده. فهناك العديد من الألواح في المواعظ والأدعية والصلوات خطّها حضرة بهاءالله بيده وتشكل هذه الألواح أنفس الآثار البهائية المقدسة.

كثيرا ما كتب الأحباء القدامى رسائل لحضرة بهاءالله يسألونه النصح أو يزودونه بالأخبار، فتنزل الألواح المباركة إجابة عنها، وقد وصف السيد أسد الله القمي كيفية نزولها. فاز هذا المؤمن

بالمحضر المبارك في عام 1886م تقريبا، وأذن له بالإقامة الدائمة في عكاء. فقام على خدمة الأمر الإلهي سنوات عديدة. وقد حظي بخدمة حضرة عبدالبهاء في رحلاته إلى أوروبا وأمريكا طاهيا للطعام. ومما قاله شفاها في وصف تلك الأحداث ما يلي:

"أثناء نزول الكلمات الإلهية على حضرة بهاءالله أذكر أن صرير قلم ميرزا آقا جان -كاتب وحيه- كان يسمع من مسافة عشرين قدما(1). ففي تاريخ الأمر لم يرد شيء يذكر في كيفية نزول الألواح. لذلك... سأصفها...

كان للميرزا آقا جان محبرة بحجم الكأس الصغير وأمامه عشرة أقلام إلى اثني عشرة وصحائف كبيرة من الورق مكدّسة أمامه. في تلك الأيام كان آقا جان يتسلم الرسائل الواردة إلى حضرة بهاءالله فيحملها ويتشرف بالمحضر الأبهى ويأخذ في قراءتها بعد صدور الإذن. وبعد ذلك يشير إليه الجمال المبارك أن يمسك بالقلم ليبدأ في تدوين الكلمات النازلة ردّا على الرسالة...

كانت سرعة ميرزا آقا جان في كتابة الألواح حين نزولها لدرجة أن حبر الكلمة الأولى لم يكن ليجف تماما عند كتابة آخر كلمة في الصفحة التي كانت تبدو وكأن أحدا غمس خصلة من شعر في الحبر وحركها على الصفحة بكاملها.

____________________________________________________________________

(1) عادة ما كانت المخطوطات العربية والفارسية تكتب بأقلام صنعت من القصب. وهذا النوع يصدر صوتا عند تحريكه بشكل معين يدعى الصرير. ويستطيع الخطاط أن يسيطر على هذا الصوت إلى حد ما، فبإمكانه إحداث الصوت أثناء الكتابة بحركة معينة أو انحناء في حرف. ولا يدل الصوت على مدى مد الحرف فحسب، بل يثير المشاعر في الخطاط نفسه ومن يشاهده. وقد أشار حضرة بهاءالله في العديد من ألواحه إلى القلم الأعلى للدلالة على مظهر أمر الله وظهوره بالذات، وإلى صرير ذلك القلم تعبيرا عن إعلان رسالته لأهل العالم.

فالكلمات غير واضحة وليس بمقدور أحد قراءتها سوى ميرزا آقا جان، حتى هو كان يعجز في بعض الأحيان عن فكّ رموز بعضها فيطلب مساعدة حضرة بهاءالله.(1) وبعد انتهاء النزول، وحسب الأمر، يعيد آقا جان كتابة الرسالة بخط جميل ويرسلها لصاحبها...(8)

ووصف ميرزا طراز الله سمندري نزول الألواح بالكيفية نفسها، وهو الذي تشرف في سن السادسة عشر بمحضر حضرة بهاءالله في آخر سنة من ولايته، وقد ولد ميرزا طراز الله في عائلة بهائية في قزوين. كان جدّه من أتباع حضرة الباب ووالده الشيخ كاظم هو أحد حواريي حضرة بهاءالله الذي لقبه بـ"سمندر". قام طراز الله بخدمة الأمر بامتياز كبير، وفي عام 1951م عيّنه حضرة ولي أمر الله أحد أيادي أمر الله(2).

وفي مقابلة معه في طهران ذكر ما يلي:

"في تلك الأيام كان حضرة بهاءالله يأمر ميرزا آقا جان أن يتلو على مسامعه الرسائل الواردة، وعند الرد عليها كانت الآيات الإلهية تنزل بسرعة مدهشة بلا تفكر أو تأمل. ولضرورة سرعة الكتابة أثناء نزول الوحي كانت معظم الكلمات غير مقروءة، حتى أن ميرزا آقا جان نفسه كان يجد صعوبة في قراءة بعضها فيلجأ إلى حضرة بهاءالله. وبإعجاز كهذا كانت الكلمات الإلهية تنهمر من سماء إرادة الرحمن على قلب مظهر أمر الله الممرد الصافي، ثم ينطق بها مبرهنة على أحقيته أمام عجز أي من البشر عن الإتيان بمثلها. ويؤكد حضرة بهاءالله على هذه الحقيقة في لوحه المبارك مخاطبا السلطان ناصر الدين شاه بقوله الأحلى:

____________________________________________________________________

(1) انظر نموذج خط ميرزا آقا جان عند نزول الألواح مقابل الصفحة 116.

(2) انظر الحاشية في صفحة 256.

"ليس هذا من عندي بل من لدن عزيز عليم..."(9) ... شملتني العناية الإلهية مرتين في المحضر المبارك أثناء نزول الألواح المباركة... كانت الكلمات تنهمر من شفتي المبارك وهو يذرع الغرفة جيئة وذهابا وكاتب الوحي يدونها... ليس من السهل وصف كيفية نزول الوحي الإلهي على حضرته."(10)

غالبا ما تشرف الأحباء الأوائل باستلام ألواح مباركة من القلم الأعلى نزلت بحقهم فكانت أثمن ما يملكون، أما أنفسها فهي التي كانت بخط يده ولكن حضرة بهاءالله كان نادرا ما يسبغ هذا الشرف وخاصة بعد فترة أدرنة التي عانى فيها من اعتلال صحته بسبب السم الذي دسه له ميرزا يحيى -الأخ غير الشقيق- حيث ساءت صحته للغاية وفقد الطبيب أي أمل في شفائه لولا القدرة الإلهية التي حفظت حياته. وبقيت الرعشة في يده حتى آخر أيام حياته ونادرا ما أمسك القلم للكتابة إلا في بعض الألواح الخاصة والهامة مثل كتاب عهده وما وجهه لحضرة عبدالبهاء من الألواح والرسائل، ولا بد للقارئ المتفحص أن يلاحظ رعشة اليد في المخطوط من تلك الآثار المباركة.

ترك أحد المؤمنين الأوائل وهو الحاج محمد طاهر المالميري(1) -المؤرخ والمبلغ ذائع الصيت- للأجيال القادمة وصفا ممتعا للكيفية التي استلم بها لوحا بخط يد حضرة بهاءالله. ولد الحاج محمد طاهر في عائلة اعتنقت أمر حضرة الباب في بداية عهده، ولما أصبح شابا يافعا سافر إلى عكاء حيث أمضى تسعة أشهر منجذبا بكلمات مولاه الذي أذن له بالتشرف بمحضره الأنور مرة كل يومين، وبعدها أمره بالرجوع إلى موطنه في يزد بعد أن زوده بما يرشده في تبليغ الأمر الإلهي من تعليمات واضحة. وعلى هذا النحو أنفق السنين الثمانين من باقي عمره في

____________________________________________________________________

(1) والد المؤلف. انظر الملحق رقم 2 للإطلاع على موجز عن حياته.

تبليغ الأمر للمئات من الناس. فروحه التي أنعشها وأحياها إتصالها بحضرة بهاءالله لم تستطع أن تخمد جذوة حماسها وغيرتها أية مصيبة أو محنة. وحتى آخر سني حياته التي بلغت المائة عام تحمل صنوف الآلام وقسوة الاضطهاد بروح لم تعرف إلا الثبات والاستقامة والسرور. وفي ما يلي مقتطف من ذكرياته(1) عن حضرة بهاءالله:

"... طلبت في أحد الأيام من ميرزا آقا جان نقل رجائي المتواضع لحضرة بهاءالله أن ينزل لوحا أو سطرا أو حتى بضع كلمات بخط يده. ذلك أنني سمعت أن إحدى نصائح حضرة الباب لمن عاش من أتباعه في أيام "من يظهره الله" أن يسعى في الحصول على لوح أو سطر أو حتى كلمة واحدة من خط يده، لأن امتلاك مثلها لا يعادله شيء في الوجود. رفض ميرزا آقا جان نقل رجائي هذا لعلمه أن مولاه نادرا ما كان يمسك القلم بيده منذ نفيه إلى عكاء. فشعرت بالحزن وخيبة الأمل ولكنني لم أتابع الموضوع. وفي اليوم التالي تشرفت بالمحضر المبارك وكان أول ما أخبرني به هو عن كتابة لوح بخط يده وأنني سأتسلمه فيما بعد. لم تكن الكلمات لتصف سعادتي الغامرة بذلك الفضل غير المتوقع.

وبعد ذلك بفترة ليست بطويلة سلمت ميرزا آقا جان قائمة بأسماء بعض أحباء يزد وتوسلت بنقل رجائي المتواضع إلى حضرة بهاءالله أن ينزل لوحا بحق كل فرد منهم.(2) وفي

___________________________________________________________________

(1) لم تنشر بعد مذكرات الحاج محمد طاهر المالميري المكتوبة بالفارسية. ومنذ عام 1951م قدمت النسخة الأصلية منها لولي أمر الله -حضرة شوقي أفندي- حيث تفضل بأنها مخزن غني بالمعلومات الشيقة لمؤرخي المستقبل.

(2) لم يذكر في الطلب كتابة الألواح بخط يد حضرة بهاءالله.

أحد الأيام، بينما كنت في محضره الأنور، أشار إلى قائمة الأسماء هذه وأكد لي نزول لوح لكل واحد منهم، ولم يسمح لي بأخذها معي حفظا على سلامتي، على أن ترسل فيما بعد. وتصورت أن ذلك اللوح الذي وعدني به بخط يده سيرسل إلى يزد مع بقية الألواح. إلا أني كنت مخطئا لأننى تسلمته بعد سنوات...

صدر الإذن في وقت لاحق لوالدتي بالتوجه إلى أرض الأقدس للقاء حضرة بهاءالله، ومنحت الشرف العظيم بالإقامة الدائمة في عكاء. رافق والدتي في رحلتها ابن عمي السيد محمد الذي رجع إلى يزد بعد فترة قصيرة بعد أن استدعاه حضرة بهاءالله وطلب منه عدة أمور من بينها نقل عنايته لهذا العبد وتأكيده على أن لوحا قد نزل في حقي مكتوبا بخط يده كما طلب منه إعلامي بأنني سوف أتسلم ذلك اللوح في مدينة يزد.(11)

وخلال قيامه بتبليغ الأمر المبارك لعدة سنوات واجه الحاج محمد طاهر معارضة شديدة من علماء المسلمين انتهت بإصدار حكم بقتله وقّعه كبير علماء يزد الشيخ محمد حسن السبزواري والذي لقّبه حضرة بهاءالله بـ"ظالم أرض الياء" (يزد). إلا أن الحاج غادر يزد مؤقتا إلى مقاطعة أخرى محافظا على حياته من أجل تبليغ الأمر إطاعة لأمر حضرة بهاءالله. وكتب في مذكراته يقول:

"... اتخذت الترتيبات اللازمة لمغادرة المدينة في منتصف الليل، وما أن هممت بالركوب على ظهر الحمار الذي استأجروه لي حتى وصلت سيدة اسمها "بيبي صاحب"، وتعتبر من أكثر نساء يزد المؤمنات تضحية... وسلمتني لوحا بخط يد حضرة بهاءالله. وعندما سألتها كيف

حصلت عليه أجابت: (قبل 24 عاما، عندما عاد "رضى الروح"(1) من بغداد،(2) وضع هذا اللوح عندي أمانة حسب تعليمات حضرة بهاءالله وقال بأن صاحبه سيأتي في وقت لاحق، وبعد مضي اثني عشر عاما على استشهاد "رضى الروح" قادني حدسي أن أسلّمك إياه). فأخذته بسرور لا حدّ له... وأكّد حضرة عبدالبهاء... فيما بعد أنه هو اللوح الذي أنزله حضرة بهاءالله خصيصا لي.(12)

أصالة الكلمة الإلهية

كانت بعض آثار حضرة بهاءالله، التي كتبت ردا على استفسار الأحباء، تبدو كأنها من إنشاء ميرزا آقا جان نفسه، إذ كانت أحيانا مؤلفة من قسمين واضحين كل منهما بأسلوب خاص يختلف عن الآخر. أحدهما كان يبدو وكأنه كلمات كاتب وحيه والآخر كأنه من كلمات حضرة بهاءالله. أما الحقيقة الثابتة فإن كل كلمة في مثل هذه الآثار بغض النظر عن أسلوبها ومحتواها كان حضرته قد أملاها على كاتب وحيه. ولحكمة نجهلها كان حضرته يملي اللوح وكأن أحد أجزائه من وضع ميرزا آقا جان والآخر من كلماته، وذهب بعض الأحباء خطأ إلى الاعتقاد بذلك.

حتى نستطيع أن نقدر مدى الاضطراب الذي وقع فيه المؤمنون الأوائل نتيجة لذلك، من الضروري أن نزداد معرفة بحياة ميرزا آقا جان. خدم هذا الرجل مولاه قرابة الأربعين عاما، ليس كاتبا لوحيه فحسب، بل مرافقا وخادما خلال فترة ولايته عدا سنتين أمضاهما

___________________________________________________________________

(1) رجل دين معروف من قرية منشاد قرب يزد. آمن بالدين البابي في بدايته وذهب إلى بغداد حيث تشرف بمحضر حضرة بهاءالله.

(2) عندها كان الحاج محمد طاهر لا يزال طفلا. مما يعني أن اللوح المبارك نزل بحقه في بغداد قبل طلبه بعدة سنوات.

حضرة بهاءالله معتكفا في كردستان، وخلالها انخرط ميرزا آقا جان في خدمة ميرزا يحيى الذي أرسله إلى طهران في مهمة سرية لاغتيال ناصر الدين شاه. وبعد وصوله طهران بفترة قصيرة استطاع أن يدخل بلاط الشاه متخفيا بلباس عامل، إلا أنه فشل في تنفيذ مهمته المشئومة هذه ورجع على أعقابه إلى بغداد مدركا مدى حماقته وغفلته.

وعادت نار المحبة إلى الاشتعال في قلب ميرزا آقا جان بعد رجوع مولاه إلى بغداد وانتهاء مناورات ميرزا يحيى، وبدأ في خدمته كاتبا للوحي بكل غيرة وإخلاص.

إلا أنه في السنوات الأخيرة من خدمته لحضرة بهاءالله بدأ الغرور يتغلغل في نفسه. وقبل الصعود بفترة قصيرة، وفي مناسبات عدة، تسبب في تكدير خاطر حضرة بهاءالله وإحزان قلبه بسبب تصرفاته ومواقفه مما أفقده تلك الحظوة والعناية. وفي تلك المناسبات كان حضرة عبدالبهاء هو الذي يوبخه على سلوكه.

قبل الصعود المبارك بفترة قصيرة توجه الحاج ميرزا عبد الله -والد زوجة الشهيد ورقاء(1)- بسؤال حضرة بهاءالله شخصيا عن تلك الألواح التي كانت تبدو من إنشاء ميرزا آقا جان مستفسرا عن المصدر الحقيقي لها، إلا أن حضرة بهاءالله بيّن له أن الإجابة يجب أن تصدر من آقا جان نفسه. وقد أشار حضرة عبدالبهاء إلى هذه الحادثة في إحدى خطبه في حيفا عام 1919م حيث ذكر بأن إجابة ميرزا آقا جان لم تكن فورية مما اضطر بعض الأحباء إلى أن يقوموا ضده.

في أحد الأيام التي سبقت صعود حضرة بهاءالله وخلال

___________________________________________________________________

(1) من حواريي حضرة بهاءالله المميزين، سيشار إليه في مجلدات قادمة.

مرضه، وجد حضرة عبدالبهاء بعض الأحباء يتجادلون وقد انقسموا إلى فئتين على رأس إحداهما النبيل الأعظم وعلى رأس الفئة الأخرى فروغية -ابنة حضرة بهاءالله وزوجة الحاج السيد علي أفنان- التي نقضت العهد والميثاق مع زوجها فيما بعد. فما كان منه إلا أن أوقف جدالهم وعنفهم بشدة على هذا الانقسام الذي لا مبرر له في مثل ذلك الوقت الحرج.

وقد علم حضرة عبدالبهاء حينذاك أن ميرزا آقا جان خاطب حضرة بهاءالله بعجرفة مسببا له الحزن العميق وعلى الفور واجه حضرة عبدالبهاء كاتب الوحي ووبّخه على هذا التصرف المشين، ومع ذلك دخل حضرة عبدالبهاء إلى المحضر المبارك ثلاث مرات منطرحا على أقدام الجمال المبارك متضرعا سائلا العفو والغفران لميرزا آقا جان.

بعد تلك الأحداث بفترة قصيرة حدث الصعود المبارك، وعندها طلب حضرة عبدالبهاء من ميرزا آقا جان أن يرسل جوابه، الذي طال انتظاره، للحاج ميرزا عبد الله، وقد استجاب لذلك برسالة واضحة للغاية خطها بيده مؤرخة بشهر واحد بعد الصعود. وفيها ذكر بشكل لا لبس فيه بأن كل كلمة في الألواح التي بدت وكأنها من وضعه هي في الحقيقة ما أملاه عليه حضرة بهاءالله. وفيما يلي شهادته كما كتبها:

"لم تصدر من هذا العبد أية كلمة، فكلها نزلت من ملكوت الله ربي وربكم وربّ كل من في السموات والأرضين، بعد صدور الإذن لي، وفي المحضر المبارك، كنت دائما أقرأ الرسائل الموجهة لي ثم يأمرني أن أمسك القلم لأكتب ما ينزل من لسانه المبارك من أوله حتى آخره. فأسلوبه في الإملاء لم يكن هكذا معي فقط، إذ كثيرا ما نطق

لسان العظمة(1) بما يعد كأنه كلمات الأصحاب أو الأحباب الذين يأتون للزيارة من أماكن قصية بما يملأ كتابا هائلا لكل العالم... لم أكن إلا خادما يسجل كلماته في محضره الأبهى...(13)

المعرفة الحقيقية

في "سورة الهيكل" المنزلة في عكاء تفضل حضرة بهاءالله بأن الآيات الإلهية في هذا الظهور نزلت على تسعة شؤون. وفي دراسة مستفيضة لآثاره المنيعة فصّل العالم البهائي المعروف، جناب فاضل المازندراني، هذه الشؤون(14) بما يلي:

1- ألواح نزلت بلحن القوة والسلطنة.

2- ألواح نزلت بلحن العبودية والتبتل والمناجاة.

3- ألواح تفسر ما سبق من الكتب السماوية وما مضى من العقائد والمذاهب الدينية.

4- ألواح تسن القوانين الشرعية بما يلائم العصر وتنسخ الأحكام السابقة.

5- ألواح في العرفانيات.

6- ألواح في شؤون الحكومة والنظام العالمي وما وجه للملوك.

7- ألواح في العلم والحكمة والفلسفة في بيان أسرار الخليقة والطب والكيمياء وغيرها.

8- ألواح في التعليم والتهذيب والفضائل السماوية.

9- ألواح في التعاليم الاجتماعية.

____________________________________________________________________

(1) حضرة بهاءالله.

فآثار حضرة بهاءالله الكتابية واسعة شاملة وقد نزلت في أساليب مختلفة وقوالب متنوعة تناولت كل حاجات الإنسان الروحانية والجسمانية. وفتحت للأبصار آفاقا شاسعة من الحكمة والمعرفة، ومع هذا فهي سهلة الفهم لكل قلب طاهر صاف. إن فهمنا لدين حضرة بهاءالله لا يعتمد بالضرورة على العلوم الأكاديمية، إذ أن الأمي البسيط قادر على معرفة المصدر الإلهي لهذا الدين وفهم تعاليمه.

وحقا يقال بأن أبرز أتباع حضرة بهاءالله من الذين أضفت سيرهم النبيلة نورا أضاء تاريخ العصر البطولي لدين الله، فخلدت أسماؤهم ليصبحوا عمالقة روحانيين في هذه الدورة. لقد كان التحصيل العلمي لهؤلاء في الواقع بسيطا أو معدوما.

إن الذين استنارت قلوبهم بأنوار حضرة بهاءالله يمنحون قدرة جديدة تنير عقولهم بمعرفة لا تعتمد على علوم الدنيا المكتسبة، بل تعتمد على علم روحاني وهو ذلك العلم الذي أشير إليه في الإسلام بقول رسوله الكريم بأنه "نور يقذفه الله في قلب من يشاء" ويصفه حضرة بهاءالله بقوله: "وهذا النوع من العلم هو الذي كان ولا يزال ممدوحا، لا العلوم المحدودة الحادثة من الأفكار المحجوبة الكدرة، التي تارة يسرقونها من بعض، ويفتخرون بها على الغير".(15)

إن دراسة أعمق لحقائق دين حضرة بهاءالله ونظرة أنفذ إلى أسرار ظهوره لا تعتمد بالضرورة على القدرة العقلية أو العلوم الأكاديمية، بل أن مثل هذه العلوم غالبا ما تصبح حجابا بين الإنسان وخالقه. وفي أحد ألواحه يستعرض حضرة بهاءالله مشهدا أخاذا للأسرار الإلهية مصورا لنا بلغة رائعة ظهور بعض الصفات الإلهية أمام ناظريه، وكل صفة منها تحكي عن معالمها المميزة

بأسلوب تصويري. وعندما تتكلم صفة العلم عن نفسها تبدأ في البكاء بصوت مرتفع قائلة بأنها كانت أعظم تلك الصفات ومصدر كل العلوم لمن في الإمكان، إلا أن البشرية بسببها غشت أبصارها عن معرفة مظاهر الله.

ليس المقصود مما ذكر أن العلم مذموم، بل على العكس من ذلك، فإن حضرة بهاءالله يعتبر العلم موهبة إلهية عظيمة، وأشار إلى أن الدين والعلم توأمان. وحثّ أتباعه على دراسة العلوم والفنون، وفرض التعليم الإجباري وأثنى على العلماء الذين لا يقودهم علمهم إلى الكبر والغرور بل وأجلّ مقامهم. فإن اقترنت علومهم ومعرفتهم بمعرفة الله حق لهم أن يتلقوا المديح والتقدير، ورفع حضرة بهاءالله من قدر هؤلاء ووصفهم بـ"أمواج البحر الأعظم" وأنجم سماء الحكمة لكل الخلائق أجمعين".(16)

الفصل الرابع
أول فيوضات القلم الأعلى
قصيدة "رشح العماء"

إن أول ألواح حضرة بهاءالله، حسب معرفتنا، قصيدة "رشح العماء" التي نزلت بالفارسية في سجن سياه ﭽال بطهران بعد تجلي الروح الأعظم مباشرة على روحه المتألقة. إنها ترنيمة النصر والفرح، ورغم أنها نزلت بلغة الإشارات والتلميحات فإن تجربته الإلهية معلنة فيها بوضوح. في كل بيت فيها يمجد بهاء الخالق الذي أصبح مظهرا له، وفي كل عبارة يكشف العوالم الروحانية التي ظهرت في روحه.

ومع أن هذه القصيدة تقع في تسعة عشر بيتا فقط، إلا أنها تعتبر مجلدا ضخما يختزن الطاقات والسمة والقوة والمجد الذي ميز السنوات الأربعين اللاحقة من الوحي الإلهي. إنها البشائر تعلن انطلاق قوى روحانية وصفها حضرة بهاءالله بمنتهى الجمال كأنها هبات النسيم تعبق بالمسك الإلهي، وظهور البحر الأعظم لأمر الله. هي نفخة الصور وتدفق ماء الحيوان وشدو ورقة الفردوس ومجيء حورية القدس. وبكلمات رائعة مثيرة للشجون ينسب هذه القوى إلى نفسه. إن بلاغة التعبير وما اختزنته هذه القصيدة، وقصائد أخرى مماثلة، من قوة وعمق وسحر وجمال، جعلت منها بلا شك قصائد تصعب ترجمتها.

في هذه الترنيمة الإلهية كشف حضرة بهاءالله لأول مرة عن إحدى سمات ظهوره الفريدة، مجيء "يوم الله" الذي نسبه إلى نفسه في تلك المرحلة المبكرة من ولايته وأعلن أن ظهوره هو

"اليوم" الموعود في الإسلام عندما يتحقق القول المعروف "أنا هو". حيث "أنا" تعني شخص المظهر الإلهي أي حضرة بهاءالله نفسه و"هو" تعني "الله". وهذا أكبر دليل على عظمة ظهوره. وفي الحقيقة فإن حضرة بهاءالله قد أعلن في العديد من ألواحه المباركة أنه المتكلم باسم الحق بقوله: "أنا الله"، على أن هذه الوحدة مع الله تكون في عالم الصفات لا في جوهر الحق. وهذا ما أوضحه بقوله الأحلى:

"... أن غيب الهوية وذات الأحدية كان مقدسا عن البروز والظهور، والصعود والنزول والدخول والخروج، ومتعاليا عن وصف كل واصف وإدراك كل مدرك، لم يزل كان غنيا في ذاته، ولا يزال يكون مستورا عن الأبصار والأنظار بكينونته."(1)

في أحد أحاديث الشيعة ورد أن "القائم الموعود" سينطق بكلمة يفر منها نقباء الأرض. وفي لوح مبارك شرح حضرة بهاءالله بأنها هي التحول من "هو" إلى "أنا". فبدلا من قوله "هو الله" سينطق في هذا اليوم "أنا الله"، والذين حرموا من نفاذ البصيرة ونعمة الإدراك سينفضون من حوله.

إن نزول هذه القصيدة المبهجة المدهشة في سجن سياه ﭽال، في وقت عانى هيكله المبارك من صنوف الشدائد المروعة، لهي دليل على روحة المحيية النافذة التي لا تقهر، وهي اللوح الوحيد -حسب تقديرنا- الذي نزل في البقعة التي شهدت مولده، تلك الأرض التي أحبها وكانت مهد وحيه.

مدينة طهران

خلال نفيه الذي دام أربعين عاما، غالبا ما كان حضرة بهاءالله يتوجه بأفكاره إلى طهران تراوده ذكرى تلك الأحداث الخطيرة التي رافقت فجر وحيه. وفي كثير من ألواحه مجدها وناداها بـ"أرض الطاء" وأشار بأنها "أم العالم" و"مشرق أمر الله" و"مطلع الوحي" و"المدينة المباركة النوراء" و"مقر الفردوس الأعلى" و"أرض النوراء" و"مطلع فرح العالمين".(2)

كتب حضرة بهاءالله في "الكتاب الأقدس" هذه الكلمات الباعثة على الاطمئنان:

"يا أرض الطاء، لا تحزني من شيء قد جعلك الله مطلع فرح العالمين، لو يشاء يبارك سريرك بالذي يحكم بالعدل ويجمع أغنام الله التي تفرقت من الذئاب. إنه يواجه أهل البهاء بالفرح والانبساط، ألا إنه من جوهر الخلق لدى الحق عليه بهاء الله وبهاء من في ملكوت الأمر في كل حين. افرحي بما جعلك الله أفق النور بما ولد فيك مطلع الظهور وسميت بهذا الاسم الذي به لاح نير الفضل وأشرقت السموات والأرضون. سوف تنقلب فيك الأمور ويحكم عليك جمهور الناس إن ربك لهو العليم المحيط. اطمئني بفضل ربك إنه لا تنقطع عنك لحظات الألطاف. سوف يأخذك الاطمينان بعد الاضطراب، كذلك قضي الأمر في كتاب بديع..."(3)

والمراد من الآية "وسميت بهذا الاسم الذي به لاح نير الفضل وأشرقت السموات والأرضون"، إنه بحساب أحرف الجمل العربية فإن قيمة "ط"، الحرف الأول من طهران، تساوي 9 وتساوي القيمة العددية لـ"بهاء" -اسم الله الأعظم- وهو امتياز عظيم عند الباري. وفي أحد ألواحه المباركة أشار حضرة بهاءالله إلى أن حرف

الطاء هو سلطان الحروف. وحتى ندرك هذه المسألة تماما علينا أن نلم ببعض أساسيات اللغة العربية. فهي غنية بمفرداتها معبرة بمصطلحاتها. وحيث أن لكل حرف فيها قيمة عددية أصبح بالإمكان التعبير عن الكلمات بالأعداد أو بالعكس. وقد أثرى طلاب العلم وأهل القلم الأدب العربي باستخدامهم ذلك الفن الذي امتدت جذوره إلى اللغة الفارسية وأصبح شائع الاستعمال فيها. وغالبا ما كانوا يعتبرون استعمال الكلمات للدلالة على الأعداد في هاتين اللغتين أكثر إيضاحا وأبلغ تعبيرا. ولنأخذ مثلا ما كتبه النبيل الأعظم -المؤرخ والشاعر المعروف- في فاجعة صعود حضرة بهاءالله وهي مرثاة شعرية مؤثرة ختمها ببيت أشار فيه إلى سنة الصعود فقال: "قد غادر الرب هذا العالم"، فإذا جمعنا القيمة العددية لأحرف "قد غادر" يكون الناتج 1309 هجرية وتطابق 1892م. وهو أسلوب أفصح بلاغة عنه في التعبير عدديا. وقد تضمنت آثار حضرة بهاءالله وحضرة الباب هذا الفن الأدبي، ليس من أجل تفسير الكثير من نبوءات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة التي ما زالت معانيها مستورة ومقاصدها مخفية فحسب، بل للتعبير عن بعض المعاني للاسم أو الكلمة أو العدد.

لأحد الأحباء الذين تشرفوا بالمحضر المبارك في عكاء، ثم يمّم شطر طهران في الرجوع، وجه حضرة بهاءالله لوحا بث فيه لواعجه للمدينة التي شهدت مولده، حيث تفضل:

"إذا رأيت سواد مدينتي قف وقل: يا أرض الطاء، قد جئتك من شطر السجن بنبأ الله المهيمن القيوم. قل يا أم العالم ومطلع النور بين الأمم أبشرك بعناية ربك وأكبر عليك من قبل الحق علام الغيوب. أشهد فيك ظهر الاسم المكنون والغيب المخزون، وبك لاح سر ما كان وما يكون..."(4)

وفي لوح مبارك آخر نزلت الكلمات التالية إعزازا لها:

"يا أرض الطاء، اذكري أيام كنت مقرا للعرش، وأنواره ظاهرة باهرة من أبوابك وجدرانك، كم من نفوس مطمئنة فدوا أنفسهم وأرواحهم لحبك. طوبى لك ولمن سكنك. كل ذي شم وجد منك عرف المقصود، قد ظهر فيك ما كان مستورا، ولاح ما كان مخفيا. من أذكر من العشاق الصادقين الذين فدوا أرواحهم فيك وتواروا في ترابك. لم تنقطع عنك نفحات القميص الإلهي ولن تنقطع. إنّا نذكرك ومن ستر فيك من المظلومين والمظلومات. إنّا نذكر أختي إظهارا لعنايتي وإبرازا لوفائي التي رجعت إلى الحق بالمظلومية الكبرى، ما اطلع بذلك إلا علمي المحيط".(5)

أخوات حضرة بهاءالله

يشير هذا اللوح المبارك إلى الأخت الشقيقة لحضرة بهاءالله -سارة خانم- التي أنزل بحقها العديد من الألواح المباركة. كانت تكبره في السن إلا أنها كانت أيضا من أتباعه المخلصين الثابتين. توفيت في طهران عام ‍1296ه‍ (حوالي 1879م)، ودفنت على مسافة قريبة من المدينة. لقد حظيت بتقدير كبير من حضرة بهاءالله حتى أنه ذكر في أحد ألواحه بأن من زار مرقدها فله أجر من زاره هو. كان للجمال المبارك خمس أخوات غيرها، إحداهن غير شقيقة وهي سكينة خانم المعروفة بـ"طلان خانم"(1) وبعكس الأخريات كانت مؤمنة مخلصة وعانت الكثير في سبيل أمر الله، وحظيت من حضرة بهاءالله بالمحبة والعطف الكبير، دفنت في قرية تاكور بمقاطعة نور، وأنزل حضرة عبدالبهاء لوح زيارة

_____________________________________________________________________

(1) ابنة والدة حضرة بهاءالله من زواج سابق.

خاص بها. أما باقي الأخوات الأربعة فاثنتان حرمتا من نعمة الإيمان واثنتان انضمتا لأتباع ميرزا يحيى، إحداهما "شاه سلطان خانم" المعروفة بـ"خانم بزرك" التي وقفت ضد حضرة بهاءالله وسببت له الكثير من الألم والأسى حيث أشار إليها في "لوح ابن الذئب" بما يلي:

"... حمل حسن المازندراني(1) سبعين لوحا معه وبعد وفاته لم تعط لأصحابها بل عهد بها إلى إحدى أخوات هذا المظلوم التي أعرضت عنا بغير سبب. الله يعلم ما ورد على ألواحه،(1) وتلك الأخت لم تسكن معنا أبدا. قسما بشمس الحقيقة إنه بعد حدوث هذه الأمور لم تر هذه الأخت ميرزا يحيى أبدا ولم تطلع على أمرنا لأنها لم تكن متفقة معنا فكانت حضرتها تقيم في مكان وهذا المظلوم يقيم في مكان آخر... وبعد ذلك اتبعت ميرزا يحيى، ونسمع أن الحال قد اختلف ومن غير المعلوم ما تقوله وما تفعله. نسأل الله تبارك وتعالى أن يرجعها إليه ويؤيدها على الإنابة لدى باب فضله..."(6)

مناجاة أنزلت أثناء مغادرة حضرة بهاءالله بلاد فارس

إن فيض القلم الأعلى الذي بدأ في طهران بنزول قصيدة "رشح العماء" قد استمر أثناء رحلة نفي حضرة بهاءالله إلى أرض

____________________________________________________________________

(1) ابن عم حضرة بهاءالله وأحد أتباعه المخلصين. تشرف بالحضور المبارك عدة مرات في عكاء وفي كل منها، وحين عودته إلى بلاد فارس، كان يحمل بعض الألواح المباركة لتسليمها للأحباء.

(2) في آخر زيارة له توفي قبل أن ينجز مهمته في إيصال سبعين لوحا إلى أصحابها، فوقعت في يد شاه سلطان خانم، الأخت غير الشقيقة لحضرة بهاءالله، المذكورة في الفقرة أعلاه. وحسب معلوماتنا فإن تلك الألواح المباركة لم تسترد.

العراق. وفيما يلي مقتطف من مناجاة صدحت بها الجبال الغربية للبلاد الفارسية خلال سيره في أشهر الشتاء القاسية تصور لنا شدة المصاعب والمعاناة التي أحاطت به في فجر ولايته:

"إلهي وسيدي ورجائي... خلقت ذرة التراب هذه بقدرتك الكاملة وربيته بأياديك المبسوطة... قدرت له يا إلهي من الرزايا والبلايا ما لا يقدر على وصفه لسان، ولا تسعه صفحات الألواح. إن العنق الذي عودته ملمس الحرير قد قيدته آخر الأمر بأغلال غليظة والبدن الذي نعمته بلباس الدمقس والديباج أخضعته في النهاية لذل الحبس، قلدتني قضاؤك قلائد لا تحد، وطوقتني أطواقا لا تفك، وانقضت سنون تنهمر علي فيها البلايا كشآبيب الرحمة... فكم من ليلة حرمتني السلاسل والأغلال فيها الراحة، وكم من يوم عزتني فيه السكينة بما اقترفت أيدي الناس وألسنتهم وحرموا على هذا العبد حينا الخبز والماء اللذين قدرتهما برحمتك الواسعة لوحش الفلاة وآذوني بما لم يؤذوا به من أعرض عن أمرك. وأخيرا نزل حكم القضاء وصدر الأمر بإخراج هذا العبد من إيران تصحبه جماعة من العباد الضعفاء والأطفال الأبرياء في ذلك الحين الذين اشتد فيه البرد حتى ما يستطيع الإنسان أن يتكلم، وكثرت فيه الثلوج والجليد حتى لم تعد هناك قدرة على الحركة".(7)

صفحة خالية
الفصل الخامس
بواكر الألواح النازلة في العراق
الظروف المحيطة بساعة الوحي

حتى نتمكن من فهم آثار حضرة بهاءالله التي نزلت في العراق، علينا أن نلم أولا بالظروف والأحداث التي واكبته في تلك الديار. إن مدة إقامته في العراق التي امتدت عشر سنوات يمكن تقسيمها إلى ثلاث فترات: الأولى شهدت إشراق وحيه والأزمات التي عصفت بجامعة البابيين نتيجة تمرد أخيه غير الشقيق ميرزا يحيى(1). والثانية فترة عانت فيها شمس وحيه كسوفا خاطفا في خلوته الطوعية في جبال كردستان النائية، والثالثة فترة إشراق تدريجي للشمس نفسها وإشعاع متعاظم لنورها لتبلغ سمتها في إعلان دعوته في حديقة الرضوان خارج بغداد.

لم تكن شهرة ميرزا يحيى نتيجة ما تمتع به من مواهب خاصة، بل على الأرجح أنها كانت بسبب صلة القرابة التي كانت تربطه بحضرة بهاءالله. ولكي تتحول أنظار أعداء الدين بعيدا عن حضرته الذي كان محط أنظار المؤمنين الأوائل، رحب حضرة الباب فورا بالاقتراح الذي يسمي ميرزا يحيى، الفتي غير المعروف نسبيا، رئيسا للبابيين. وكان صاحب هذا الاقتراح حضرة بهاءالله، ولم يعلم بهذه الخطة سوى اثنين من المؤمنين فقط وهما: ميرزا موسى (آقاي كليم)، الأخ المخلص لحضرة بهاءالله، والملا عبد الكريم القزويني الذي عهد إليه حضرة الباب قبل استشهاده بصندوق أقلامه وأختامه وكتاباته ليسلمها لحضرة

__________________________________________________________________

(1) عرف بلقب "صبح الأزل".

بهاءالله. وقد استشهد الملا عبد الكريم فيما بعد في طهران أثناء حبس حضرة بهاءالله في سجن سياه ﭽال.

تجلت مزايا هذا التنصيب واضحة فيما بعد، فمع مرور الوقت على هذا التدبير، أدرك الذين أنعم الله عليهم بنفاذ البصيرة والحكمة أن ميرزا يحيى لم يكن أكثر من رئيس صوري، وأن حضرة بهاءالله وحده هو المرشد والمدبر الفعلي لشؤون البابيين بعد استشهاد سيدهم.

وعندما وصلت طهران أخبار استشهاد حضرة الباب اهتزت لها أركان ميرزا يحيى، ابن التسعة عشر عاما، وفزع ثم فر متنكرا إلى جبال مازندران بحثا عن ملجأ للأمان. وكان من عمله الجبان هذا أن كثيرا من المؤمنين خرجوا عن الدين حتى أن بعضهم انضم إلى الأعداء. وبعد أن جاب ميرزا يحيى شمالي فارس وغربها هائما ضالا قرابة سنتين، تتبع آخر الأمر آثار حضرة بهاءالله إلى العراق، إلا أن الرعب والقلق ملكا عليه نفسه من أن ينكشف أمره، فظل معظم وقته متخفيا متنكرا. وكان على درجة من الهلع حتى أنه هدد في إحدى المرات بطرد كل بابي يكشف علنا عن منصبه أو يشير إليه بإشارة قد تفصح عن شخصيته وهو يعبر شوارع بغداد وأسواقها.

لم يكن افتقار ميرزا يحيى الشديد للشجاعة والإخلاص قد آذى الدين الجديد بقدر اعتراضه على من هو "المظهر الكلي الإلهي" لهذا العصر، وأصبح يشعر بالغيرة نحو حضرة بهاءالله لارتفاع شأنه عند الصديق والعدو على السواء، وشاهد بأم عينيه نفوذه وعظمته ومدى تأثيره على أهالي بغداد، رفيعهم ووضيعهم. كان ميرزا يحيى شديد القلق على مركزه الذي قوضته خيبة أمل كثير من البابيين البارزين الذين أدركوا ضحالة علمه وضآلة معرفته

وغارت هممهم بسبب خسته وخداعه. وهكذا، وبدعم من السيد محمد الإصفهاني المعروف بسمعته السيئة، أخذ يبذر زؤان الشك في عقول الذين انجذبوا نحو حضرة بهاءالله وسعى بطرق شتى إلى تشويه سمعته وإحباط مساعيه في بعث الروح من جديد في جامعة البابيين التي ابتليت بالتفسخ والانحلال في صميم مصيرها ومقدراتها.

وتنفيذا لمكائد السيد محمد الشرير الفاسد، وخلافا لتعاليم حضرة الباب وتجاوزا عن أية سلطة أو تفويض، ادعى ميرزا يحيى بأنه خليفة حضرة الباب، وهذا ما لم يشر إليه حضرته في آثاره. وبتعاونه الوثيق مع السيد محمد، أوجد ميرزا يحيى خلافا أحدث شرخا في صفوف المؤمنين. وانشغل الاثنان في نشر الأراجيف ضد حضرة بهاءالله بطرق خبيثة، واتهماه بأنه هادم دين حضرة الباب ومقوض أحكامه.

بهذه المكائد الخبيثة، بلغت محن حضرة بهاءالله وآلامه ذروتها، إلى أن جاء يوم غادر فيه بغداد، دون علم أحد حتى عائلته، واعتزل في جبال كردستان النائية قرابة سنتين. وكتب في "كتاب الإيقان" ما يلي: "وكان مقصودي من ذلك- أن لا أكون علة اختلاف الأحباب، ولا مصدر انقلاب الأصحاب. وأن لا أكون سببا في ضر أحد، ولا علة لحزن قلب".(1)

أما الكلمات الإلهية التي نطق بها حضرة بهاءالله في السنة الأولى من إقامته في العراق وقبل عزلته، فقد بقي الجزء الأكبر منها بلا تدوين، وترك ما دوّن منها على شكل ألواح للأجيال القادمة. وتعكس هذه الألواح الحزن والأسى اللذين شعر بهما حضرة بهاءالله من جراء خيانة ميرزا يحيى وبعض أصحابه الخسيسين.

"لوح كل الطعام"

قبل مغادرة حضرة بهاءالله بغداد إلى كردستان بوقت قصير أنزل "لوح كل الطعام" ووجهه إلى الحاج ميرزا كمال الدين من أهل مدينة نراق، حفيد الحاج الملا مهدي الذي كتب شرحا في استشهاد الإمام الحسين بلغة مؤثرة، ممجدا فضائله، متفجعا على موته، حتى أن حضرة الباب اغرورقت عيناه بالدموع عندما استمع إلى تلاوة ذلك الشرح وهو سجين في قلعة ماه كوه.

كان الحاج ميرزا كمال الدين رجل علم وثقافة، آمن بالدين البابي على يدي شخص يدعى الملا جعفر، الذي تشرف بمحضر حضرة الباب في كاشان. وسافر الحاج ميرزا كمال الدين إلى بغداد ليقابل ميرزا يحيى -المعروف آنذاك برئيس البابيين- ليستنير من علمه. ولما لم يستطع الوصول إلى ميرزا يحيى، كتب رسالة لحضرة بهاءالله يرجوه فيها سؤال ميرزا يحيى تفسير آية في القرآن الكريم طالما حيرته وهي "كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه".(2)

نقل حضرة بهاءالله الرسالة إلى ميرزا يحيى الذي جاء تفسيره سطحيا قاصرا خيب آمال الحاج كمال الدين تماما وزعزع إيمانه بالنسبة لميرزا يحيى. عندها توجه إلى حضرة بهاءالله ورجاه تفسير الآية المذكورة فنزل "لوح كل الطعام" باللغة العربية إجابة على طلبه.

بمجرد أن تسلم الحاج ميرزا كمال الدين اللوح المبارك وتلاه بتمعن، انشرحت نفسه وقويت عزيمته وامتلأ قلبه بنفحة جديدة واستضاءت روحه بنور اليوم الجديد، وفيه وجد ينبوع العلوم وتوصل إلى عرفان مقام صاحبه بأنه "من يظهره الله" فأعلن إيمانه وقدم ولاءه لمولاه الذي حذره من الكشف عن حقيقة ما

وجد وأمره بالرجوع إلى بلدته نراق ومشاركة الأحباء بهذا اللوح.

فأطاع الحاج وأمضى بقية حياته خادما لأمر الله بكل عشق وتفان إلى أن توفي عام 1881م في نراق.

ففي هذا اللوح الذي سبق هجرته إلى كردستان أفصح حضرته عن نيّته مغادرة بغداد، وبث أحزانه وآلامه التي أثقلت كاهله من الذين ادعوا ترويج أمر الله حيث تفضل:

"تموجت علي أبحر الحزن التي لن يقدر أحد أن يشرب قطرة منها، وحزنت بشكل تكاد الروح أن تفارق من جسمي... أن يا كمال، اسمع نداء تلك النملة الذليلة المطرودة التي خفي في وكره ويريد أن يخرج من بينكم ويغيب عنكم بما اكتسبت أيدي الناس وكان الله شهيدا بيني وبين عباده... فآه آه... لنسيت كل ما شهدت من أول يوم الذي شربت لبن المصفى من ثدي أمي إلى حينئذ بما اكتسبت أيدي الناس".(3)

ويبدو أن الآية القرآنية حول طعام بني إسرائيل قد نزلت ردا على إصرار اليهود بأن أحكام الإسلام بتحريم بعض أنواع الطعام، خلافا لما يدعيه المسلمون، لا تتفق وأحكام اليهودية. وقد شرح حضرة بهاءالله أن لهذه الآية في العوالم الروحانية الإلهية معان لا تحصى ومعظمها فوق إدراك البشر، وأنه قادر على الكشف عن معانيها لسنوات عدة بعلمه الذي أحاط العالمين، وقد فسر بعضا منها مبينا المعنى الروحاني للطعام. وهكذا كشف النقاب عن المدى الشاسع لما تتمتع به عوالم الله الروحانية المنزهة عن العد والحد، والمقدسة عن الفهم والإدراك، من عظمة وبهاء وأسرار خفية، وآفاق واسعة.

ذكر حضرة بهاءالله في لوحه المبارك هذا أربعة من هذه

العوالم. وحتى ندرك بعض أسرارها، دعونا نوجه أفكارنا إلى المخلوقات على وجه الأرض. فهناك الممالك المختلفة التي تعيش معا، وكل يسعى إلى تحقيق هدفه. ويمكننا القول بأن الإنسان يعمل في ثلاثة محاور في آن معا. فقياسا بالممالك الأدنى مثل النبات والحيوان فإنه هو المتفوق والمهيمن، بينما في مملكته عليه أن يعيش مع أقرانه في وئام واتحاد، أما بالنسبة إلى المظاهر الإلهية فهو في رتبة أدنى. ففي مثالنا هذا يمكننا ملاحظة ثلاث مراتب من المواهب والصفات التي يمكن للإنسان أن يتبوأها مع الحفاظ على إنسانيته: الوحدة، العبودية، التفوق.

وهكذا فإن عوالم الله المذكورة في اللوح المبارك تقع في مراتب متباينة، منها مقام عرش "الهاهوت" وهو "جنة الأحدية" كما وصفه حضرة بهاءالله، وهو أيضا "مقام سر الصمدانية"، و"آنية الأحدانية". وهذا المقام لا تدركه حتى المظاهر الإلهية لسمو قداسته. وقد تفضل حضرة بهاءالله في أحد ألواحه قائلا:

"من الأزل الذي لا يعرف، كان الله محتجبا في حقيقة ذاته العليا، وإنه لا يزال مخفيا يكون إلى الأبد في سر جوهره الذي لا يعرف... فقد انصعق عشرات الآلاف من الأنبياء كل كان موسى في سيناء البحث عن صوت الله الناهي (إنك لن تراني) بينما ربوات المرسلين كل كان كالمسيح في عظمته قاموا على عروشهم المقدسة مرتاعين لصوت المنع (إن كينونتي لن تعرفها)."(4)

ويلي ذلك عرش "اللاهوت" وهو "مقام جنة الصمدية" و"ساحة القدس". وفي آثار حضرة بهاءالله يبدو أن عالم اللاهوت ربما يكون عالم الله بالنسبة إلى مظاهره وأصفيائه المختارين. وهم في محضره ما ارتأوا لأنفسهم مقاما لأنهم عدم صرف تلقاء وجهه ولا كينونة إلا كينونته وهم في "مقام هو هو

وليس أحد إلا هو".

وهناك عالم روحاني آخر وصفه حضرة بهاءالله بـ"طمطام الجبروت"، "جنة الواحدية"، "أرض الصفراء". وهو مقام أنت هو وهو أنت، عباد الذين لا ينطقون إلا بإذن الله ولا يعملون إلا بأمره ولا ينهون إلا بحكمه، كما وصفهم الله بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. ويبدو أن هذا العالم هو الملكوت الذي يكون فيه المختارون من خلق الله، بالنسبة إلى المخلوقات، مخولين بسلطته.

هناك الكثير من البيانات المباركة يبين فيها حضرة بهاءالله طبيعة المقام المزدوج للمظاهر الإلهية وأصفياء الله. ففي نسبتهم إلى الله تبدو هذه النفوس المقدسة وكأنها عدم صرف، أما بنسبتهم إلى عالم الخلق فهم حائزون على سائر الصفات الإلهية ومقربون من الله. وكما تفضل حضرة بهاءالله في إحدى مناجاته:

"كلما أنظر إليك أنادي كل الكائنات وأقول إنني أنا الله، وكلما أنظر إلى نفسي أجدها أحقر من الطين."(5)

وفي الآثار الإسلامية نجد مثل هذه البيانات المباركة. فالحديث الشريف التالي عن لسان النبي محمد ( يدلل بوضوح على المقام المزدوج لرسل الله بقوله: "لنا مع الله حالات نحن فيها هو وهو نحن وهو هو ونحن نحن".(6)

وعالم آخر من عوالم الله الروحانية هو "قمقام الملكوت" أي "مملكة الله" الذي أشار إليه الأنبياء السابقون مرارا، كما أن حضرة بهاءالله وصفه في "لوح كل الطعام" بـ"جنة العدل".

وبمعزل عن هذه العوالم الروحانية الأربعة، أشار حضرته في هذا اللوح إلى عالم "الناسوت" وهو العالم الفاني الذي وصفه

بـ"جنة الفضل". وأكد في العديد من ألواحه أن كلا العالمين: عالم المظاهر الإلهية وعالم الإنسان، ظهر في هذا الوجود بالفضل الإلهي وحده، وإذا ما تبدل لحظة ليجري عدله آل الوجود إلى العدم.

وفي "لوح كل الطعام" يصف حضرة بهاءالله معان أخرى لكلمة "طعام" التي وردت في الآية الفرقانية المذكورة. ففي مقام تعني "كل العلوم" وفي آخر "معرفة صاحب الأمر"، كما بيّن أنها في الدورة الإسلامية يمكن أن تفهم على أنها ولاية أئمة الهدى الذين خلفوا النبي عليه السلام. أما في ظهوره الذي لم يكشف عنه بعد، فقد وصف الطعام بـ"بحر الغيب الذي هو المكنون في صحائف النور والمخزون في ألواح المسطور".

وفي اللوح أيضا فسّر عبارتي "إسرائيل" و"بني إسرائيل" وأشار إلى القدوس، صاحب المقام الأول بين حروف الحي،(1) على أنه "النقطة الأخرى" وهو لقب يقربه كثيرا من مقام حضرة الباب، "النقطة الأولى"، ولمح من طرف خفي إلى عظمة مقام القدوس.

إن "لوح كل الطعام" الذي استحوذ على مجامع الحاج ميرزا كمال الدين وكُشِف فيه النقاب عن العديد من الأسرار والألغاز، يعد مثالا على ما أنزله حضرة بهاءالله في تلك الحقبة. أما أسلوب كتاباته في السنوات الأولى من ولايته، خاصة ما نزل منها باللغة العربية، فيشبه إلى حد ما الآثار الكتابية لحضرة الباب. وبينما كانت شمس ظهور حضرة بهاءالله في السنين التي تلت هذه الفترة ترتفع لتصل سمتها، اتخذ الأسلوب الكتابي لحضرته منحى جديدا بلغ ذروة الكمال بنزول "الكتاب الأقدس" فظهر هذا الكتاب ليدل

___________________________________________________________________

(1) ثمانية عشر شخصا من أوائل المؤمنين بحضرة الباب.

ببلاغة أسلوبه وسلاسة لفظه على ما تمتع به بيان حضرة بهاءالله من الجلال والجمال.

بعض الألواح المنزلة في كردستان

باعتكاف حضرة بهاءالله في جبال كردستان دخل الأمر الإلهي فصلا جديدا في تاريخه. فقد عاش حضرته فترة من الزمن في عزلة تامة على جبل يدعى "سركلو" بعيدا عن العالم تاركا محبيه والمعجبين به بالإضافة إلى أولئك الذين خانوه وكادوا يطفئون نور دين حضرة الباب بخططهم الشريرة. لم يكن معه سوى لباس إضافي واحد من الملابس الخشنة التي يستعملها الفقراء، وغالبا ما اقتصر طعامه على الحليب وقليل من الأرز في بعض الأوقات. اتخذ مسكنه في كهف أحيانا أو في بناء بسيط من الحجارة أحيانا أخرى. ولم يكن يرافقه حينذاك سوى "طيور الصحراء" و"وحوش العراء"(7) كما ذكره في لوح وجهه لابنة عمته مريم. ويشير أيضا إلى تلك الأيام في "كتاب الإيقان" بقوله:

"... جرت العبرات من عيوني كالعيون، وسالت بحور الدم من قلبي. فكم من ليال لم أجد قوتا وكم من أيام لم أجد للجسد راحة... كنت مشغولا بنفسي نابذا ورائي العالم وما فيه..."(8)

وفي وحدته هذه في أواسط البرية كان يرتل بصوت عال أدعية عدة وأشعارا كثيرة يمجد فيها حقيقة ظهوره ومزاياه. كان لهذا الفيض المنهمر أن ينعش أرواح الناس وينور الإنسانية بأسرها، ولكنه بقي للأسف حبيس تلك الأصقاع النائية، ويا حسرة على فقدان هذه الكلمات الإلهية إلى الأبد.

فكّر حضرة بهاءالله مليا في عدة أمور منها دين الله الذي سيعلنه للملأ، والمعارضة الشديدة التي سيواجهه بها أعداؤه،

والبلايا التي لحقته سابقا، وأخيرا فكّر أيضا في ما أقدم عليه زعماء البابيين من الخيانة والانحراف، فشوهوا بذلك سمعة دين حضرة الباب وألحقوا به الخزي والعار.

بعد أن أمضى حضرة بهاءالله في المنطقة فترة من الزمن التقى به زعيم الطريقة الخالدية السنية المدعو الشيخ إسماعيل الذي انجذب بشدة إلى شخصيته، وأقنع حضرته أخيرا بترك مقره هذا إلى بلدة السليمانية، وهناك، وخلال فترة قصيرة، كانت عظمة حضرة بهاءالله قد برزت ليس لأقطاب رجال الدين والعلماء فحسب بل لكافة القاطنين في المنطقة.

إن اعتراف الناس لحضرة بهاءالله بالمناقب الفذة والعلم المتميز جاء في أول الأمر نتيجة ما لاحظه هؤلاء من إبداع يراعه، بالإضافة إلى ما انفردت به رسائله، التي كتبها ردا على بعض القادة من العلماء ورجال الدين، من جمال الأسلوب ومتانة اللفظ. ومن الجدير بالذكر أن هذه الرسائل الموجهة إلى شخصيات مرموقة مثل الشيخ عبد الرحمن، قطب الطريقة القادرية، والملا حميد أحد الفقهاء المشهورين في السليمانية -رسائل ورثتها الأجيال القادمة، وهي تشهد على ما عاناه حضرة بهاءالله من الكروب والأحزان في تلك الأيام. وفي رسالة كتبها للشيخ عبد الرحمن يندب حضرة بهاءالله فيها فقدان خادمه الأمين المسلم، أبي القاسم الهمداني، الذي رافقه حين مغادرته بغداد والذي قتل على يد نفر من الأشقياء وقطاع الطريق.

عمّت شهرة حضرة بهاءالله السليمانية وما جاورها من مدن، وسرعان ما أصبح موضع اهتمام المتعطشين إلى النور والعرفان. ودون أن يكشف عن هويته كان يجول بينهم يوما بعد يوم، فيجيب بالبساطة والبلاغة على أسئلتهم التي كانت تدور حول

العديد من المسائل الدينية التي غمضت عليهم جوانبها وحيّرتهم وسرعان ما انجذب إليه أهالي كردستان بما أفاض عليهم من محبته، كما ذكر حضرة عبدالبهاء، وقد ذهب البعض من المعجبين به إلى الاعتقاد بأنه نبي من الأنبياء.

ومن أبرز أحداث الفترة التي قضاها حضرة بهاءالله في السليمانية تنزيله لـ"لقصيدة الورقائية" باللغة العربية أمام جمهرة من الناس، فأسر قلوبهم واستحوذ على عواطفهم. فقد طلب منه العلماء هناك أن يقدم على إنجاز لم يحققه أحد من قبل، وكان طلبهم أن يكتب قصيدة تضاهي في أسلوبها وقافيتها تائية الشاعر العربي المشهور ابن الفارض.

واستجابة لطلبهم ارتجل حضرة بهاءالله حوالي ألفي بيت من الشعر مما سحر الحاضرين دهشة وإعجابا وأثنوا على القصيدة وأقروا أنها فاقت قصيدة ابن الفارض عمقا وجمالا وروعة. وعلما منه بأن موضوع القصيدة يصعب فهمه على البشر، اختار مائة وسبعة وعشرين بيتا سمح بتدوينها.

وإذا ما تذكرنا بأن حضرة بهاءالله كان فارسيا ولم يدخل مدرسة يتعلم فيها معضلات اللغة العربية، فمن الناحية الأدبية وحدها، تدل القصيدة على عبقريته المستمدة من الروح القدس. ويستعمل حضرة بهاءالله في قصيدته هذه ألفاظا غنية في معانيها تنصهر فيها الكلمات لتنبعث ألحانا روحانية تصدح بها جوقة سماوية. وغالبا ما يستخدم كلمة أو اثنتين ليرمز إلى آية من آيات القرآن الكريم أو إلى حديث من الأحاديث النبوية الشريفة. فيتمكن بهذه الطريقة أن يورد من الإشارات ويجمع بينها في البيت الواحد لتدل على مجموعات من الآيات القرآنية ويكشف عن أسرار الوحي الإلهي. فكل بيت من أبيات القصيدة كالمحيط تغذيه أنهر عديدة تفيض معا وفي أعماقها

تستر لآلئ لا تعد ولا تحصى من الحكمة والعرفان.

وبعد عودته إلى بغداد كتب حضرة بهاءالله لقصيدته هذه بعض الحواشي ضمنها المعنى بالفارسية لبعض الكلمات الصعبة وشرحا لبعض الأبيات الغامضة في القصيدة. وفي موقعين أو ثلاثة أشار إلى خروجه عن قواعد اللغة حسب الظاهر وقد برر ذلك ما اقتضته متطلبات القصيدة.

يدور موضوع القصيدة حول تمجيد الروح الأعظم وتبجيلها، فقد تجلت تلك الروح لحضرته في شكل رمزي على هيئة حورية من حوريات الجنة. وهناك حوار بينه، وهو صاحب الرسالة الإلهية، وبين الروح القدس ممثلة بالحورية، فيمجد فيه صفاتها وبهاءها. ويستذكر من جانبه معاناته في السابق متحدثا عن قسوة أعدائه له في سجنه مكبلا بالسلاسل والأغلال، ويصف حزنه ووحدته، ويؤكد بكل عزم تصميمه على مواجهة الرزايا اللاحقة في سبيل الله بكل فرح وثبات.

تستعرض القصيدة العلاقة بين شخص المظهر الإلهي والروح القدس التي تدعمه وتنفخ فيه الحياة، كما تلقي الضوء على مدى سعة ممالك الروح الإلهية التي بُعثت منها الرسل.

أنزل حضرة بهاءالله في كردستان، بالإضافة إلى "القصيدة الورقائية"، بعض الأدعية والمناجاة التي دونها بخط يده مخلفا إياها هبة منه للأجيال القادمة، ونجد ضمن تلك الأدعية والمناجاة قصيدة ثانية مكتوبة باللغة الفارسية عنوانها: "ساقي أز غيب بقا"، وهي كغيرها من قصائده مثيرة للمشاعر وتتسم بالروعة والجمال وتعبر عن اشتياقه ليوم يكشف فيه النقاب أمام الملأ عن بهاء طلعته النوراء لتستنير البشرية بروعة ظهوره. وتؤكد القصيدة أيضا على أن الذين يرغبون في الفوز بمشاهدة أنوار ظهوره،

ينبغي لهم أن ينقطعوا عن كل الشؤون الدنيوية، ويضيف محذرا إياهم بأنهم لن ينالوا شرف القبول في محضره ما لم يكونوا على استعداد لبذل أنفسهم في سبيله.

يوم الله

يشير حضرة بهاءالله إلى عظمة أمره حين يصرح قائلا بأن سيناء، حيث تجلى مجد الرب المتعالي لحضرة موسى، يدور الآن حول ظهوره هو، وأن روح المسيح تشتاق إلى لقائه. وفي العديد من ألواحه المباركة نجد البيانات المشابهة التي تقر بأن اليوم هو يوم الله نفسه، وهو يوم طالما اشتاق إليه الأنبياء والمرسلون منذ القدم:

"الهدف من الخليقة هو ظهور هذا اليوم الأمنع الأقدس المعروف بيوم الله في الكتب والصحف والزبر الإلهية. يوم كان رجاء وأمل الأنبياء والمرسلين والأصفياء والأولياء المقربين."(9)

وفي مقام آخر أعلن حضرة بهاءالله:

"الحق أقول، لا أحد يعلم أصل هذا الأمر". "في هذا اليوم على الجميع أن ينظروا بالعين الإلهية ويسمعوا بالأذن الرحمانية. من ينظرني بعين غيري لن يعرفني أبدا. لا يعلم أحد من المظاهر السابقين طبيعة هذا الظهور بأكمله إلا على قدر معلوم."(10)

إن البيان المبارك القائل بأن ظهور حضرة بهاءالله هو أعظم الظهورات السابقة، ولم يكن الأنبياء السابقون على علم تام بطبيعته يبدو مناقضا للبيان الآخر الذي يؤكد حقيقة أن جميع

المظاهر الإلهية واحدة، وفي جوهرها متحدة، وهو ما يشهد به حضرته بقوله:

"... كلهم يسكنون خيمة واحدة، ويطيرون في سماء واحد، ويجلسون على عرش واحد، وينطقون بكلام واحد، ويعلنون دينا واحدا..."(11)

ومع هذا فإن دراسة دقيقة للآثار المباركة ستوضح أن كلا البيانين على صواب. فكما تطور الجنس البشري من مرحلة الرضاعة إلى الطفولة إلى المراهقة ثم إلى البلوغ والنضج في النهاية فإن تطور الوحي الإلهي يمر بالمراحل نفسها تدرجا.

دعونا نتأمل الكائن البشري في مراحل نموه من الرضاعة حتى الرجولة. فبينما هو ينمو تزداد قدرته وقواه، إلا أنه في كل مرحلة يبقى الشخص نفسه محتفظا بهويته. ففي الطفولة يظهر صفات الطفل، وبالرغم من تطلعه نحو البلوغ فإنه عاجز عن فهمه في تلك المرحلة، وتتغير تصرفاته واهتماماته بعد بضع سنين وتتطور قدراته بحيث يصعب أن ينظر إلى نفسه على أنه الشخص ذاته، فلم يعد للطفل وجود بالنسبة لما هو عليه، وما تبقى لا يتعدى الذكرى أو الصورة، إلا أنه الشخص نفسه في جوهره. وينطبق المبدأ ذاته على بقية مراحل حياته: وحدة في الهوية ونمو تدريجي في القدرة.

وبالمثل فإن حاملي الرسالات الإلهية جوهرهم واحد ويمثلون حقيقة واحدة، ففي كل عصر يظهر الرسول الجديد قدرا أكبر من الحقيقة بينما يبطن في نفسه وظهوره جوهر حقيقة الديانات السابقة. عندما يبعث الله برسالة جديدة، فإن الرسالة السابقة تفقد روحها ولا يبقى منها سوى الشكل، لأن القوة الإلهية الكامنة فيها قد سحبت، والأحكام التي كانت عماد مؤسساتها الاجتماعية آنذاك قد نسخت. وإذا كان أتباعه مخلصين له أوفياء لرسولهم فسيتوجهون للرسول

الإلهي الجديد الذي يبطن بداخله أيضا روح الرسالات السماوية السابقة. وإن لم يفعلوا، فإنهم ما عبدوا الهيكل دون الروح، وما غرقوا في وهدة الظلام فحسب، بل بإنكارهم هذا أنكروا حقيقة رسولهم. وقد أكد على ذلك حضرة بهاءالله في أحد ألواحه:

"... وإنك أنت أيقن في ذاتك بأن الذي أعرض عن هذا الجمال(1) فقد أعرض عن الرسل من قبل ثم استكبر على الله في أزل الآزال إلى أبد الآبدين."(12)

ظهر حضرة بهاءالله في المرحلة التاريخية التي بلغت فيها البشرية مرحلة النضج والبلوغ. وكل ما أسبغه على الجنس البشري كان مكنونا في الرسالات والظهورات السابقة. ولو ظهر قبل ذلك لكان قبل أوانه. ولتوضيح هذه الحقيقة يمكن تشبيهها بالإنسان، فالطفل يملك سائر الأطراف والأعضاء والقدرات التي يملكها الشخص البالغ، إلا أنه لا يستطيع استعمالها بطاقتها الكاملة إلا في سن النضج.

بظهور حضرة بهاءالله انكشفت للوجود عظمة الظهور الإلهي، تلك العظمة التي تنبأت بها الرسالات السابقة. وما كان هدفها في الحقيقة على مر العصور سوى التبشير بمجئ حضرته وتهيئة الجنس البشري لظهوره. كان محمد ( آخر من تنبأ بذلك مشيرا إلى نفسه أنه "خاتم الأنبياء" ذلك لأن ظهوره كان الآخر في سلسلة الأديان التي تنبأت بحضرة بهاءالله. وبظهور حضرة الباب أغلقت تلك الدورة وأعلن أن حضرة بهاءالله لم يأت ليخبرنا بيوم الله بل ليؤسسه ويفتتحه بمظهر إلهي كلي. والكلمات التالية المقتطفة من ألواح حضرته تلقي الضوء على عظمة ظهوره:

"أنصفوا يا أهل العالم، أيليق بكم أن تعترضوا على الذي

____________________________________________________________________

(1) حضرة بهاءالله.

اشتاق الكليم (موسى) لمحضره، وحنّ الحبيب (محمد) لمشاهدة جماله، وصعد روح الله (المسيح) إلى السماء بحبه، وأنفق النقطة الأولى روحه في سبيله؟"(13)

"اغتنموا الفرصة، فإن لحظة واحدة في هذا اليوم لأفضل من قرون فيما مضى... لا الشمس ولا القمر شهد مثل هذا اليوم... ومن المعلوم أن كل عصر ظهر فيه مظهر الله كان بتقدير إلهي، وأنه يعرف بيوم الله الموعود. ولكن هذا اليوم فريد ممتاز عن الأيام التي سلفت وأن كلمة (خاتم النبيين) تبين وتوضح مقامه الرفيع."(14)

رجوع حضرة بهاءالله إلى بغداد

تجاوزت شهرة "الدرويش محمد"(1) حدود كردستان، وعندما وصلت بغداد تقارير تحكي عن سمو علمه وما فطر عليه من عظمة، عرفت عائلته كما عرف المؤمنون من أتباعه أن الدرويش هذا لا يمكن أن يكون سوى حضرة بهاءالله. وما أكد هذا الحدس اكتشاف السلطات لوصية خادمه القتيل أبي القاسم الهمداني حيث أوصى بكل ما يملك لـ"الدرويش محمد" في جبال كردستان. وعندما سمعت العائلة المباركة بهذه الأنباء أرسلت إلى كردستان رجلا جليلا يدعى الشيخ سلطان(2) ليبحث عن حضرة بهاءالله. ظل الشيخ، ومعه خادم، يتنقل مدة شهرين قبل أن يستدل على بغيته في أطراف السليمانية. وأمام رجاء الشيخ سلطان وإصراره قرر حضرة بهاءالله وضع حد لسنتي الاعتزال هذه وعاد إلى بغداد مخلفا وراءه حشدا من المؤيدين والمعجبين الذين

___________________________________________________________________

(1) الاسم الذي اتخذه حضرة بهاءالله لنفسه أثناء غيابه عن بغداد مدة سنتين.

(2) والد زوجة ميرزا موسى، أخ حضرة بهاءالله المخلص (انظر فهرس "مطالع الأنوار"، تحت اسم الشيخ سلطان الكربلائي ).

بكوا على رحيله بمرارة.

وبوصول حضرة بهاءالله إلى بغداد في آذار عام 1856م، طلع على جماعة المنفيين في العراق يوم جديد. وفي مدة غيابه كان واضحا للعدو والصديق أن جماعة البابيين، التي تركت تحت قيادة نفوس عديمة الوفاء مثل ميرزا يحيى والسيد محمد الإصفهاني، قد فسدت تماما وانتاب اليأس معظم أفرادها، بعكس ما حصل مع الأبطال والشهداء في مطلع الأمر قبل عقد من الزمن حيث خلدوا بدمائهم قوة إيمانهم وسمو أخلاقهم وفرط عشقهم، أما هم الآن فإنهم محرومون من هذه المواهب والخصال وميتون بالروح، منقسمون متشيعون. ففي قزوين مثلا، موطن الطاهرة، البطلة الخالدة في الظهور البابي، أوجدوا أربع فرق دينية اتخذت كل واحدة لنفسها اسما. فبعضهم اتبع ميرزا يحيى وآخرون ربطوا عقيدتهم بالقدوس أو الطاهرة بينما اعتبر البعض أنفسهم أتباعا لـ"البيان"، أمّ الكتاب في الظهور البابي.

وكان في تلك الفترة أيضا، أن أعلن ما لا يقل عن خمسة وعشرين شخصا، وبكل صفاقة، على أن كل واحد منهم هو "من يظهره الله"، وهي عبارة أراد بها حضرة الباب الإشارة إلى حضرة بهاءالله موعود كل الأزمنة والذي كان به مبشرا. وقد ذهب بعضهم إلى حد بعيد في دعم ادعاءاتهم بتوزيع كتاباتهم الخاصة بين أفراد من الجامعة. إلا أن بعضا آخر، ممن حظي بالمثول بمحضر حضرة بهاءالله بهدف تحويله إلى جانبهم، عرفوا مقامه وارتموا على قدميه راجين العفو عن خطيئاتهم. فنال بعض هؤلاء حقا مقامات عليا في العبودية والإيمان وأصبحوا من أبرز حواريي حضرته.

ومرة أخرى أمسك حضرة بهاءالله بزمام الأمر وابتدأت غيوم الشك والمحنة التي خيمت على أفراد الجامعة البابية في غيابه

تنقشع. وبفضل نصائحه وتشجيعه، كتابة وشفاها، استطاع أن ينفث حياة جديدة في جامعة تحتضر، وتمكن في فترة وجيزة من أن يخلق من أفراد تلك الجامعة العمالقة الروحانيين لدورته.

وقد شهد حضرة بهاءالله على ذلك بنفسه فتفضل:

"بعد ورودنا نزلت الآيات كالغيث الهاطل بالعون الإلهي والفضل الرباني، وأرسلناها إلى كل الجهات. ونصحنا العباد، وبخاصة هذا الحزب، بالنصائح المشفقة والمواعظ الحكيمة، ونهيناهم عن الفساد والنزاع والجدال والمحاربة إلى أن تبدلت بفضل الله الغفلة والجهل بالبر والعرفان والسلاح بالإصلاح."(15)

بعد عودة حضرة بهاءالله إلى بغداد فاض عليه الوحي بغزارة، ونزلت الكلمات بحضور بعض المؤمنين إلا أن معظم ما نزل لم يتم تدوينه. وكتب النبيل الأعظم مؤرخ الدورة البهائية خالد الذكر بأنه في يوم وليلة أنزل حضرة بهاءالله من الآيات ما يعادل القرآن الكريم واستمر على هذا المنوال سنتين كاملتين بعد عودته من كردستان.

أضف إلى ذلك ألواحا مباركة كتبت بخط يده وأخرى أملاها على كاتب وحيه ميرزا آقا جان. وكان من نصيب قسم كبير من الأوراق التي احتوت مئات الآلاف من الآيات أن محيت بالماء وألقيت في النهر بأوامر حضرة بهاءالله حيث أكد بأنه "ليس هناك من يستحق أن يستمع إلى هذه النغمات في هذا الزمان".(16)

أما الألواح المباركة التي تم حفظها فقد كان لها تأثير كبير على أفراد جامعة البابيين. ففي فترة قصيرة انتعشت أرواحهم واتسعت رؤاهم وتغيرت أخلاقهم واستنارت عقولهم وأصبح الأصحاب، بنزول هذه الآيات واتصال حضرته بهم مباشرة، خلقا جديدا تملأ أركانهم قوى روحانية جبارة.

الفصل السادس
"الكلمات المكنونة"

تطل علينا "الكلمات المكنونة" من بين أثار حضرة بهاءالله في تلك الفترة، وكأنها دستور عظيم لخلاص النفس البشرية ومنارة الهدى للضالين الهائمين في بيداء الظلام والمادية، فتمنحهم النور ليجدوا طريقهم إلى ربهم، وتحذرهم أيضا من المهالك والمخاطر العديدة التي ستعترضهم وتمدهم بالمساعدة عند كل منعطف في رحلتهم.

نزلت "الكلمات المكنونة" على ضفاف نهر دجلة من يراع حضرة بهاءالله عام 1858م تقريبا. وفي أحد ألواحه المباركة بين أن بعض فقراتها نزلت في مناسبة واحدة ودونت في لوح واحد، أما باقي الفقرات فقد نزلت في أوقات مختلفة ثم أضيفت بعدها إلى المجموعة الأولى التي عرفت في مطلع الظهور باسم "الصحيفة المخزونة الفاطمية".

وفاطمة هي ابنة الرسول ( وهي أشرف وأبرز امرأة في الدورة الإسلامية. تزوجت في سن مبكرة من الإمام علي بن أبي طالب وأنجبت له عدة أولاد من بينهم الحسن والحسين، الإمامان الثاني والثالث للشيعة. كانت مؤمنة صادقة مخلصة لوالدها الرسول الكريم، وبعد صعوده إلى الرفيق الأعلى غرقت في حزن وألم شديدين.

وكما يعتقد أهل الشيعة فإن الروح القدس قد تجلى لفاطمة بواسطة جبريل وخاطب زوجها الإمام علي بكلمات جلبت لها العزاء في مصابها الأليم، ولم يمض وقت طويل حتى لحقت

بالرسول الكريم.

لقد ماثل حضرة بهاءالله "الكلمات المكنونة" بما نزل لفاطمة. ويميزها في مطلعها بقوله الأحلى "هذا ما نزل من جبروت العزة بلسان القدرة والقوة على النبيين من قبل..."(1)

ويمكن اعتبار هذا السفر الرائع من النصائح والتحذيرات الإلهية دليلا شاملا للإنسان في رحلته إلى عوالم الله الروحانية. فروح الإنسان لا تخضع لقوانين الطبيعة العاملة في الوجود المادي، بل أنها تحيى وتتحرك خاضعة لقوة الميثاق الأعظم الخالد المبرم بين الله والإنسان، ولا تقف "الكلمات المكنونة" عند شروط هذا العهد الأبدي الذي يربط الإنسان بخالقه، ولكنها ترسم له نهجا يقوده إلى الاستقامة والإخلاص لذلك العهد.

وحتى نفهم "الكلمات المكنونة" علينا أن ندرك طبيعة الإنسان المزدوجة المكونة من قوتين متضادتين: الروحية والمادية أي الروح والجسد.

تنتمي الروح في جوهرها إلى عوالم الله الروحانية، وهي سامية المقام تعلو فوق عالمي المادة والطبيعة. وولادة فرد من الأفراد تحدث عندما ترتبط هذه الروح النابعة من عوالمها الروحانية تلك بالجنين لتهبه الحياة قبل الولادة. إلا أن هذا الاتحاد منزه عن العلاقات المادية وصفاتها كالصعود والنزول والدخول والخروج، لأن الروح ليست من عالم المادة. ويمكن تشبيه العلاقة بين الروح والجسد كعلاقة الضوء بالمرآة. فالضوء ليس له وجود بداخلها، بل انعكاس الأشعة الآتي من خارجها. وبالمثل فليس للروح وجود داخل الجسم بل لها علاقة خاصة به وكلاهما يشكلان الوجود الإنساني، وتبقى العلاقة قائمة طالما بقي الإنسان حيا. وبعد مفارقة الحياة للجسد يرجع الجسد إلى التراب

وتعود الروح إلى عوالم الله الروحانية. وبهبوط الروح من عوالمها الروحانية تكتسب وجودا إنسانيا مخلوقا على أحسن صورة وقدرة على التحلي بالصفات والكمالات الربانية. وحين تفارق هذه الروح الجسد لا يتوقف ترقيها بفضل ما اكتسبته بل يستمر ذلك إلى أبد الآبدين.

ولكن حالة الروح بعد الوفاة تعتمد على ما اكتسبته من فضائل إلهية خلال وجودها الإنساني، فلو ولد الطفل دون أحد أطراف جسمه، لا يمكنه تعويضه بعد الولادة وسيبقى محروما منه فترة حياته. وبالمثل، فالروح التي لم تتوجه إلى الله في هذه الحياة لتستنير من هداه ستبقى نسبيا محرومة قابعة في الظلام رغم استمرارها في الترقي.

فالروح لا تحمل معها السيئات للعالم الآخر بل الحسنات، لأن الشر هو انعدام الخير كما أن الفقر غياب الغنى، والشرير هو شخص يفتقر إلى الفضائل الملكوتية لا يحمل معه سوى كمية ضئيلة، ولكن الإنسان الذي أمضى حياته الدنيوية متحليا بالفضائل والكمالات فسيحمل معه زادا أوفر. ومع ذلك سيشمل الفضل الإلهي كلا الشخصين لتستمر كل روح منهما بالترقي، حسب مقامها.

ففي العالم الآخر، طبقا لتعاليم حضرة بهاءالله، مقامات ودرجات كما هي الحال في هذا العالم. فالروح في المقامات الدنيا لا تستطيع أن تدرك صفات الأرواح وكمالاتها التي تعلوها مرتبة.

إن أعلى مقام قدر للإنسان أن يصله هو الاستنارة "بروح الإيمان" عن طريق معرفة المظهر الإلهي للعصر الذي يعيش فيه والعمل على إطاعة أوامره وأحكامه. فالوصول إلى هذا المقام هو

الغاية التي من أجلها خلق الله الإنسان.

فرؤية الإنسان في هذا العالم الفاني محدودة جدا مثل السجين الذي لا يستطيع رؤية اتساع الكون الذي يحيط به أو يشاهد جماله ونظامه، وكذا الأمر بالنسبة لرؤيته لعوالم الله الروحانية. فمهما كان الإنسان واسع العلم والمعرفة ومهما كانت مواهبه العقلية فذة، فإنه لن يتمكن من إدراك الحقائق الروحانية إلا بالإذعان لحضرة بهاءالله والتوجه إليه كما تتوجه النبتة لضوء الشمس، وعندها يستضيء فؤاده بأنوار الفضائل الربانية لأنه مكان إشراق هذه المواهب، وعندها يستطيع الإنسان أن يدرك ما بطن في كلمات حضرته من معان سامية وبذلك تتنور الروح وتنجذب إلى الله.

إن التوجه لحضرة بهاءالله هو مفتاح النمو الروحاني، وفي علاقته معه يمثل المؤمن دور الأرض الخصبة، ويفني إرادته في إرادة المظهر الإلهي بالكلية ويفتح قلبه لتأثيراتها، ونتيجة لهذا البذر الروحاني تنتج روح الإنسان نبتا جديدا هو "روح الإيمان". و"روح الإيمان" هذه هي الثمرة النفيسة التي تثمرها روح الإنسان نتيجة تأثيرات حضرة بهاءالله في قلب المؤمن، فهو الذي يسبغ على روح المؤمن قسطا من قوته وجماله ونوره.

وإذا ما ولدت "روح الإيمان" في روح الإنسان فإنها تحتاج إلى غذاء لتنمو وتنضج، ومرة أخرى يزود فيض حضرة بهاءالله وكلمته ذلك الغذاء. فبتلاوة آياته والتأمل فيها والانغماس في بحرها يستطيع الإنسان أن ينمي في نفسه الصفات الرحمانية لتزداد بصيرته الروحانية عمقا ويتنور عقله، وحتى لو كان ضحل الثقافة أو أميا سيتمكن من إدراك جوهر الرسالة الإلهية التي جاء بها حضرة بهاءالله واكتشاف الأسرار المودعة فيها.

وعندما يفوز الإنسان "بروح الإيمان" يغدو متواضعا، فالتواضع ونكران الذات من علامات النمو الروحاني، بينما افتخار الإنسان بنفسه ومنجزاته عدو قاتل له.

فالروح الإنسانية لا تستنير دائما "بروح الإيمان" لأنها مثقلة بالقيود الدنيوية، وفي أحد ألواحه المباركة مخاطبا أحباءه شبّه حضرة بهاءالله روح الإنسان بطائر، فتفضل قائلا:

"مثلكم مثل طير يطير بجناحي القوة بكمال الروح والريحان في لطيف هواء السبحان في غاية الاطمئنان. ولدى تفكيره في الحَب يتجه إلى ماء الأرض وطينها، ويمرغ نفسه في الماء والتراب بغاية الحرص. فإذا ما أراد الصعود يجد نفسه عاجزا مغلوبا على أمره لأن الأجنحة الملوثة بالماء والطين لم ولن تكون قادرة على الطيران. عندها يجد ذلك الطائر في السماء العالية نفسه ساكنا في الأرض الفانية."(2)

ولحضرة بهاءالله في "الكلمات المكنونة" هدف رئيس هو تنزيه الإنسان عن العالم الفاني وحماية روحه من ألد أعدائها، النفس البشرية. وكما ورد في البيان المبارك فإن "الكلمات المكنونة" تضمن للإنسان سبلا تمكن طائر الفؤاد من أن ينفض عن جناحيه ما علق بهما من زفر الدنيا ليعاود طيرانه في العوالم الإلهية.

يمكننا تعريف التعلق بهذا العالم على أنه كل ما يحول دون الروح وتقربها إلى الله. وقد بيّن لنا حضرة بهاءالله في آثاره بأن العالم وما فيه خلق لمنفعة الإنسان، ويحق له امتلاك كل ما يمكنه من الخيرات والاستمتاع بمباهج الحياة المشروعة شريطة عدم التعلق بها في حال من الأحوال. ويحث حضرة بهاءالله الإنسان في تعاليمه أن يبذل الاهتمام الكبير في حياته فيعمل على

إصلاح العالم وبناء نظام جديد للإنسانية.
ويتفضل في أحد ألواحه:

"إن الذي لن يمنعه شيء عن الله لا بأس عليه لو يزين نفسه بحلل الأرض وزينتها وما خلق فيها، لأن الله خلق كل ما في السموات والأرض لعباده الموحدين. كلوا يا قوم ما أحل الله عليكم ولا تحرموا أنفسكم عن بدايع نعمائه ثم اشكروه وكونوا من الشاكرين."(3)

إلا أن حضرته حذر الأغنياء بقوله:
"أيها المغرورون بالأموال الفانية

اعلموا أن الغنى سد محكم بين الطالب والمطلوب والعاشق والمعشوق، هيهات أن يرد مقر القرب من الأغنياء أو يدخل مدينة الرضا والتسليم منهم إلا القليل. نعمت حال غني لا يمنعه غناه عن الملكوت الخالد، ولا يحرمه من الدولة الأبدية. قسما بالاسم الأعظم إن نور ذلك الغني ليفيض على أهل السماء كما يفيض نور الشمس على أهل الأرض."(4)

وكما أن الغنى قد يصبح حائلا عظيما بين الإنسان وخالقه، والأغنياء هم غالبا في خطر عظيم من التعلق بالشؤون الدنيوية فإن من يملكون القليل من متاعها هم في خطر التعلق بها أيضا. وقصة "الملك والدرويش" التالية، وهي قصة فارسية، توضح ذلك: كان في غابر الزمان ملك عرف بصفاته الروحانية إلى جانب العدل والمحبة والشفقة، وكثيرا ما كان يحسد الدرويش الذي نبذ الدنيا وتحرر من قيودها، يجوب البلاد وينام في أي مكان تحت الظلام ويتغنى نهارا بمديح ربه. يعيش حياة الفقر، ولكنه يملك الدنيا وما فيها حسب اعتقاده. له من الدنيا ثياب تستره وسلة يضع فيها

صدقات أهل الإحسان. حقا لقد افتتن الملك بنمط الحياة هذا.

وذات يوم دعا الملك درويشا معروفا إلى قصره ثم جلس عند قدميه راجيا إعطاءه دروسا في الزهد والانقطاع. سرّ الدرويش لهذه الدعوة ومكث في القصر عدة أيام كان يعظ فيها الملك بفضائل حياة الدروشة في ساعات فراغه، وأخيرا اقتنع الملك وأحب أن يدخل هذه الحياة عمليا، فترك القصر ذات يوم بلباس رجل فقير وبصحبة الدرويش، وما أن قطعا مسافة قصيرة حتى انتبه الدرويش إلى أنه نسي سلته في القصر، فانزعج لذلك كثيرا وأخبر الملك أنه لا يستطيع أن يمضي دون السلة وطلب الإذن بالرجوع، ولكن الملك وبخه كيف أنه ترك وراءه قصوره وثروته وسلطانه في حين أن الدرويش الذي أمضى حياته في الوعظ بفضائل الانقطاع وقع تحت الامتحان وأثبت تعلقه بالدنيا بسلته الصغيرة.

كثيرا ما يقودنا سوء الفهم إلى الاعتقاد بأن امتلاكنا لمتاع الدنيا هو المظهر الوحيد لتعلقنا بها، إلا أن الأمر ليس كذلك. فافتخار الإنسان بإنجازاته وعلمه ومكانته ومقامه بين أفراد مجتمعه، وفي المرتبة الأولى أنانيته وحبه لنفسه، هي بعض الحجبات التي تمنع الإنسان عن ربه، والتخلص من التعلق بشؤون الدنيا ليس سهلا بل إنه عمل شاق قد يتحول إلى صراع حقيقي يشغل الروح طوال عمر الإنسان.

ويمكن "للكلمات المكنونة" أن تعمل بفعالية على تحرير الإنسان من أغلال المادية لينتصر على نفسه. وفي لوح مبارك موجه إلى المُبلّغ ميرزا عباس المعروف بـ"قابيل" من أهالي آبادة،(1) يحثه حضرة عبدالبهاء على التمعن في "الكلمات

___________________________________________________________________

(1) برزت بلدة آبادة في التاريخ حيث دفن فيها أكثر من مائتين من رؤوس شهداء الأمر وقد جلبت تلك الرؤوس عبر شيراز مرفوعة على الحراب=

المكنونة" ليل نهار والتضرع إلى الله أن يمكّنه من اتّباع نصائح الجمال المبارك، ويوضح في اللوح نفسه أن حضرة بهاءالله لم ينزلها فقط ليقرءها الناس، بل أنزلها للمؤمنين لكي يساعدهم على تنفيذ أوامره وأحكامه.

إن حياة قابيل في الخدمة والتضحية لهي، إلى حد بعيد، إنعكاس لذلك التأثير الفاعل على روحه من تلاوة "الكلمات المكنونة" كل يوم.

كان غيورا مقداما وشاعرا موهوبا ومبلغا ذائع الصيت، وفوق هذا كله، كان مخلصا لحضرة بهاءالله. تحمل الكثير من الاضطهاد وعاش معظم عمره الطويل مشغولا بالسفر والتبليغ حيث كان يمكث مع عائلته بضعة أشهر من السنة ويقضي بقيتها متنقلا على دابته بين القرى والمدن. فمحبته العميقة لحضرة بهاءالله وروحه الوثابة كانت ترفع من معنويات من كان يقابله من الأحباء ويدخل البهجة والسرور إلى قلوبهم، لذلك كانوا يهرعون للقائه، وكثيرا ما كان يرجوهم تلاوة بعض ألواح حضرة بهاءالله وأشعاره كلما سنحت الفرصة، فيسترسلون بذلك بصوت جماعي، كما كان يعلمهم بعض أشعاره الجميلة التي ألّفها في مدح وتمجيد حضرة بهاءالله أو حضرة عبدالبهاء أو حضرة شوقي أفندي(1) فيغرقون في نشوة روحية عارمة.

وفي ذلك الوقت كان استعمال الآلات الموسيقية يعتبر عملا غير مقبول بالنسبة إلى رجال الدين المسلمين، فكان البهائيون

___________________________________________________________________

=يواكبها جمهرة من النساء المنتمين إلى أصحاب تلك الرؤوس بصلة القرابة وقد أجبرن على المشي جزءا من الطريق من نيريز التي تبعد حوالي 200 ميلا.

(1) أكبر أحفاد حضرة عبدالبهاء، والذي عيّنه خليفة له و"وليا لأمر الله".

حريصين على عدم إثارة حفيظة المتعصبين من مواطنيهم بالعزف عليها. أما قابيل فكان موهوبا بنوع خاص من التصفيق بيديه ليخلق توقيعا يصاحب به ترانيم العشق والتسبيح التي كان ينشدها الأحباء، وإذ كان يجد متسعا من الحرية، يبدأ في النقر على طبل من صنع يدوي ليصاحبه في تغنيه بمحبوبه، ومع أن الأحباء غالبا ما كان يحيط بهم الكبت والاضطهاد، إلا أنهم كانوا يرحبون بالأيام التي يقضونها مع قابيل لأنه كان يخلق لهم جوا من السرور والحماس أينما حلّ.

أشار حضرة بهاءالله إلى نزول "الكلمات المكنونة" بما يلي:

"إن عروس المعاني البديعة التي كانت وراء أستار البيان مخبأة مستورة ظهرت بالعناية الإلهية وتجلت بالألطاف الربانية كشعاع جمال المحبوب المنير. إني أشهد يا أيها الأحباء أن النعمة قد تمت والحجة قد كملت، والبرهان قد ظهر، والدليل قد قام. فلننظر الآن ماذا تبديه همتكم من مراتب الانقطاع، كذلك تمت النعمة عليكم وعلى من في السموات والأرضين، والحمد لله رب العالمين."(5)

في هذا الكتاب بصفحاته القليلة المعدودة، وصف حضرة بهاءالله للإنسانية علاجا تصون به وجودها وسعادتها. وخاطب الإنسان بصوت الحق أن يملك "قلبا جيدا حسنا منيرا" وأكد على أهمية تطهيره من كل دنس لأنه محط إشراق الظهور الإلهي، داعيا إياه أن يطرد "الغريب حتى يدخل الحبيب منزله"، وينصحه بعدم مرافقة الأشرار لأن "مجالسة الأشرار تبدل نور الروح بنار الحسبان"، ويؤكد على خلود الروح وأن الله وضع فيها "جوهر نوره" الذي "لا يطفى"، ويجزم بثقة بأن الله "جعل الموت بشارة" للإنسان، ويؤسس ميثاقا معه لمحبته، ويفرض عليه

التمسك بالإنصاف والصبر والمحبة، ويذكّره بأن "طبيب" كل علله "ذكر الله"، ويصف طيب التوجه إلى الله بالدعاء في الأسحار، وينصح الإنسان بالانقطاع عن هذا العالم وأن لا يترك هذه "الدولة الباقية الأبدية" إلى "الدولة الفانية الزائلة"، ويوبخه على غفلته وانغماسه في أهوائه وشهواته النفسية، ويوجهه لاجتناب الغيرة والحسد والتكبر والغرور، ويعلن أن اللسان قد خلق لذكر الله فلا ينبغي أن يدنس بالغيبة والحطّ من شأن الآخرين، ويذكر أن "خير الناس الذين يحصلون على أرزاقهم بالعمل، وينفقون منه على أنفسهم وعلى ذوي قرباهم حبا لله رب العالمين"، ويشجب "النفوس المعطلة المهملة" الذين "يظهرون في الأرض بلا ثمر" ويصفهم بأنهم "شر الناس"، ويتحدث عن عظمة ظهوره ويبدي حزنه لأن نفوسا قليلة استمعت نداءه "وحتى من هذا القليل" لم يجد "ذا القلب الطاهر والنفس المقدسة إلا أقل القليل"، ويحذر الإنسان بأن "يكف" يده عن "الظلم" ويأخذ على نفسه عهدا ويقسم "ألا يتجاوز عن ظلم أحد" في هذا اليوم. ويرى "بلاء مباغتا وعقابا عظيما" يتعقب البشر بسبب ما ارتكبوه، ويهيب بالأغنياء "إنفاق مالهم على الفقراء"، وينص على أن "الغنى سدّ محكم بين الطالب والمطلوب والعاشق والمعشوق"، ويرفع من شأن الغني الذي "لا يمنعه غناه عن الملكوت الخالد" بحيث "إن نور ذلك الغني ليفيض على أهل السماء كما يفيض نور الشمس على أهل الأرض"، ويحث كل إنسان على القيام "بالأفعال الطاهرة المقدسة".(6) ويصف القوى المخزونة في الإنسان بكلماته التالية:

"يا ابن الروح

خلقتك غنيا كيف تفتقر، وصنعتك عزيزا بم تستذل ومن جوهر العلم أظهرتك لم تستعلم عن دوني، ومن طين الحب عجنتك كيف تشتغل بغيري. فارجع البصر إليك لتجدني فيك

قائما قادرا مقتدرا قيوما."(7)

تشير بعض فقرات "الكلمات المكنونة" ضمنا إلى ميثاق حضرة بهاءالله الذي أضحى صريحا بإعلان وصيته في "كتاب عهدي".

وقد فسر حضرة عبدالبهاء، مركز ذلك الميثاق ومبين كلمات الله، معنى بعض هذه الفقرات، وإحداها "الكلمة المكنونة" التالية على سبيل المثال:

"يا أحبائي

أنسيتم ذلك الصبح الصادق المنير الذي اجتمعتم فيه جميعا بين يدي في ذلك الفضاء المقدس المبارك في ظل شجرة أنيسا التي غرست في الفردوس الأعظم، وقلت لكم ثلاث كلمات طيبات، فاستمعتم جميعا لتلك الكلمات واندهشتم وكانت تلك الكلمات هي: "يا أيها الأحباء لا تختاروا رضاكم على رضاي ولا تريدوا ما لا أريده لكم أبدا، ولا تأتوني بقلوب ميتة تلوثت بالأماني والآمال. فلو قدستم صدوركم لتذكرتم الآن تلك الصحراء وذلك الفضاء ولاتّضح بياني لكم جميعا."(8)

وتفضل حضرة عبدالبهاء بأن "الصبح الصادق المنير" يشير إلى ظهور حضرة الباب "وشجرة أنيسا" أي شجرة الحياة تشير إلى حضرة بهاءالله، و"الصحراء" و"الفضاء" إشارة إلى قلب الإنسان. وبين أن الاجتماع الذي أشير إليه في هذه "الكلمة المكنونة" ليس ماديا بل روحيا. فالنداء الإلهي ارتفع في حرم قلوبهم، إلا أنهم صدوا عنه فذهلوا وامتلأت نفوسهم رهبة.

وفي ألواح أخرى يوضح حضرة عبدالبهاء معنى الاجتماع

تحت ظل شجرة الحياة أي شجرة أنيسا بأنه تأسيس ميثاق حضرة بهاءالله حيث تفضل: "إن الرب المجيد أبرم تحت شجرة أنيسا -شجرة الحياة- عهدا جديدا وأخذ ميثاقا عظيما..."(9) وإن تأسيس هذا العهد في مرحلة مبكرة من ولايته هو أحد أسرار الظهور الإلهي. وفي الحقيقة فإن حضرة عبدالبهاء قد ذكر في أحد ألواحه أنه بإشراق نجم ظهور حضرة بهاءالله فإن أول شعاع ألقى ضوءه على أولئك الذين تجمعوا في ظل شجرة أنيسا كان عهده.

وهناك فقرة أخرى في "الكلمات المكنونة" تشير إلى هذا العهد:

"يا أحبائي

اذكروا العهد الذي عاهدتموني عليه في جبل فاران الواقع في بقعة الزمان المباركة والذي أشهدت عليه الملأ الأعلى(1) وأصحاب مدينة البقاء. فإني الآن لا أرى من أحد أقام عليه وما أشك في أن الغرور والعصيان قد محواه من القلوب محوا لم يبق له على أثر، علمت بذلك وصبرت عليه ولم أظهر أمره."(10)

ويتفضل حضرة عبدالبهاء أن العهد على جبل فاران إشارة إلى عهد حضرة بهاءالله الذي نزل من قلمه الأعلى في الأراضي المقدسة وأعلن بعد صعوده من تلك البقعة المباركة.

وأخيرا فقد فسر حضرة عبدالبهاء "الأجنحة" و"المشط" المذكورين في "الكلمة المكنونة" التالية بأنهما عهد حضرة بهاءالله:

____________________________________________________________________

(1) اجتماع الأرواح المقدسة في العالم الآخر.
"يا ابن الهوى

إلى متى تطير في الهواء النفساني. وهبت لك جناحا لتطير به في هواء قدس المعاني لا في فضاء الوهم الشيطاني، أنعمت عليك بالمشط لترجل به غدائري المسكية لا لتخدش به جيدي."(11)

وذكر حضرة بهاءالله في "الكلمات المكنونة" بعض الألواح مثل "اللوح الخامس من ألواح الفردوس" و"اللوح الياقوتي" مع بعض الأسطر منهما،(12) وبيّن حضرة عبدالبهاء بوضوح بأن أيّا من هذه الألواح لم تنزل في هذا العالم بل حفظت في عوالم الملكوت الإلهية.

وهناك "كلمة مكنونة" أخرى على غاية من الأهمية لما تبينه من طبيعة ظهور حضرة بهاءالله وقوته ورفعة مقامه وهي:

"يا ابن الإنصاف

في الليل عاد جمال هيكل البقاء من عقبة الوفاء الزمردية إلى سدرة المنتهى، وبكى بكاء بكى لأنينه الكروبيون وجميع الملأ العالين، ثم سئل عن سبب نواحه وندبه، فذكر أن قد انتظرت على عقبة الوفاء كما أمرت ولم أتنسم من أهل الأرض رائحة وفاء فعدت أدراجي، ولاحظت أن الحمامات القدسية وقعت بين براثن كلاب الأرض. عندئذ أسرعت الحورية الإلهية من القصر الروحاني بلا ستر وحجاب وسألت عن أسمائها فذكرت جميع الأسماء إلا اسما واحدا، فلما اشتد الإصرار جرى على اللسان الحرف الأول من ذلك الاسم فأهرع أهل الغرفات من مكامن عزهم فما قيل الحرف الثاني حتى خروا على التراب جميعا. عند ذاك صدر النداء من مكمن القرب، لا يجوز أن يذكر أكثر من هذا (إنا كنا شهداء على ما

فعلوا وحينئذ كانوا يفعلون)."(13)

أما سدرة المنتهى، المذكورة في الفقرة السابقة، فإن أصل هذه التسمية جاء من عادة العرب أن يزرعوا أشجارا على جانب بعض الطرق، وآخر شجرة تشير إلى نهاية الطريق حيث لا يستطيع الإنسان أن يواصل سيره بعدها، ومن هنا جاءت تسمية هذه الشجرة بـ"سدرة المنتهى". وهو معناها الحرفي للفقرة الواردة في "الكلمة المكنونة" وأحد معانيها في كثير من آثار حضرة بهاءالله هو رمز لمقام المظهر الإلهي الذي يفوق إدراك البشر، أما الحورية فهي في آثاره صيغة رمزية لمعان مختلفة (1).

والحرفان المذكوران في "الكلمة المكنونة"، كما فسرها حضرة عبدالبهاء هما "باء" و"هاء" من كلمة "بهاء"،(14) وهذا يعني أن الأهمية والقدرة الكاملة لظهور حضرة بهاءالله التي كنزت رمزيا ضمن هذه الأحرف الثلاثة(2) من اسمه لم تكشف للإنسانية، وأن مقدارا محدودا من ضيائه وبهائه قد أشرق على البشرية في هذا العصر.

وأشار حضرة بهاءالله إلى ذلك في أحد ألواحه حيث يتفضل:

"ثم اعلم يا كمال بأنا ما كشفنا الغطاء حق الكشف. أظهرنا أنفسنا على مقدار طاقة الناس، وإلا لو يظهر جمال القدم بجماله لن يقدر أن يشهده أحد عما خلق بين السموات والأرض."(15)

___________________________________________________________________

(1) انظر صفحة 257.

(2) كلمة بهاء مؤلفة من ثلاثة أحرف، ويجب ألا يخلط بين هذا النص والحديث الإسلامي المعروف "العلم 27 حرفا فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، ولم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين. فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفا". انظر صفحة 230.

الفصل السابع
من أوائل المؤمنين

لم يمض وقت طويل على عودة حضرة بهاءالله من السليمانية حتى بدأت آثاره الكتابية تصل تباعا إلى البابيين في بلاد فارس، فبعثت فيهم الأمل ثانية ومنحتهم رؤية جديدة أنعشت أرواح بعضهم وألهبت مشاعر الآخرين وأضرمت فيهم نار الهمة حتى أنهم شرعوا في رحلتهم الطويلة الشاقة إلى بغداد سيرا على الأقدام تعوزهم أبسط أسباب الحياة لعلهم يفوزون بالمحضر المبارك ويكتشفون سر المظهر الإلهي الآتي في شخصه، وأدركت قلة منهم ممن وهبوا بصيرة روحانية نتيجة اطلاعهم على آثار حضرة بهاءالله الكتابية تلك بأنه هو "من يظهره الله" الذي أشار إليه حضرة الباب.

الملا رضا من أهالي "محمد آباد"

إن أصدق مثال للرجل صاحب البصيرة النافذة هو الملا محمد رضا من أهالي "محمد آباد" في إقليم يزد. كان فقيها معروفا بتقواه وفصاحته وشجاعته. اعتنق الدين البابي في مطلع ظهوره وأصبح لامعا بين الأتباع في يزد. وفيما يلي مختصرا للكيفية التي أدرك بها الملا رضا مقام حضرة بهاءالله:

بعد عودة حضرة بهاءالله من كردستان بقليل تشرف بمحضره الأسنى بابي معروف ملقب بـ"رضى الروح" مشهود له بالعلم والمعرفة. ومع أنه التقى بالجمال المبارك وجها لوجه إلا أنه لم يدرك عظمته وسمو مقامه آنذاك. وبعد عودته إلى يزد شارك رضى

الروح رفيقه الملا رضا بقصيدة "عز ورقائية" التي نزلت من القلم الأعلى، وبمجرد قراءتها والتمعن فيها، وبفضل طهارة قلبه ونفاذ بصيرته، آمن وأيقن وصاح بفرح عظيم: "أستطيع أن أرى موعود البيان قد أظهر نفسه متربعا على عرش الكلمات التي نزلت في هذا اللوح".(1) اضطربت حال رضى الروح قليلا لما قاله الملا رضا، وهو الذي التقى حضرة بهاءالله في بغداد، وأشار بأن حضرة بهاءالله نفسه لم يدع مثل هذا الادعاء. ولكنه بعد وقت قصير دخل الإيمان قلبه وعانى الكثير من الاضطهاد في سبيل محبوبه، وفي عام 1868م استشهد في قرية مهريز خارج يزد.

إن قصة حياة الملا رضا هي قصة مدهشة، وتحكي السطور التالية، التي تعتمد على مذكراته، جانبا منها:

انتسب الملا رضا إلى عائلة مشهورة، وتلقى تعليما يؤهله ليكون رجل دين مسلم. ومنذ اعتناقه الأمر الكريم إلى حين استشهاده في سجن طهران كرس جل حياته لأعمال التبليغ، ويجدر اعتباره بطلا عظيما أقامته يد القدرة الربانية في فجر أيام الظهور ليعلن الكلمة، وأنعم الله عليه بلسان كحد السيف فرق به حجبات الجهل والخرافات، فعرض نفسه دوما لشتى صنوف العذاب. ولم يكد يمر عليه يوم إلا وكان فيه يتجرع كأس التجارب والامتحانات المؤلمة بالفرح والرضا حتى الثمالة.

كان الملا رضا مسنا، حسن الهيئة، ممشوق القامة، مما كان يزيده وقارا ورزانة. أما نمط سلوكه فقد كان مزيجا فريدا من الصراحة وخفة الظل والفصاحة والشجاعة النادرة، بالإضافة إلى ما كان يكنّه من محبة عارمة لحضرة بهاءالله. لا يعرف من الناس من كان أقدر منه على التحمل والثبات، ومما يتداوله الأحباء من مصادر موثوق بها عن أيام سجنه في

يزد بسبب نشاطاته البهائية، وقبل طرده منها، أن الحاكم أمر بجلده على قدميه أمام العامة في سبع مواقع عند مفترقات الطرق في المدينة وفي يوم واحد، وذلك لإدخال الرعب والرهبة إلى قلوب الناس فيمنعهم ذلك عن الانضمام إلى صفوف الدين الجديد. وفي كل موقع كان الملا رضا يخلع عباءته وعمامته وجواربه ويضعها على منديل يفرشه بجانبه ثم يستلقي على الأرض ويدخل قدميه داخل الفلقة(1) ويغطي وجهه بطرف ثوبه ويطلب من الجلادين المباشرة بعملهم وفي سائر هذه الجولات التي شهدت ضربا مبرحا لم يتنفس بكلمة أو يبدي إشارة تنم عن شعوره بالألم. وفي أحد المواقع ظن المشاهدون المدهوشون أن الضحية قد انهارت تماما أمام الجلد القاسي لما بدا عليه من هدوء تام، ولما كشفوا عن وجهه وجدوه منشغلا في تنظيف أسنانه بالمسواك بكل هدوء وسكينة.

ولأنه مُبلِّغ للأمر كان على درجة عالية من الكفاءة، جريئا حسن الإطلاع. لم يكن من يباريه خطابة أو يبزه معرفة بالقرآن الكريم أو الشريعة الإسلامية أو الأحاديث الشريفة. وفي سجن طهران، استدعي مرات عديدة للإجابة عن أسئلة حول الدين أمام جمع من أمراء المملكة ووجهائها وفي كل جلسة كان يتفوق على خصومه البارزين في النقاش ويبين مدى جهلهم وسخف أفكارهم.

كان رجلا واسع الرؤية محبا للابتكار والمغامرة، إلا أنه كان يسرح في خياله أحيانا. فمثلا كانت لديه القناعة الأكيدة بأن الوحدة العضوية لكافة المواد سوف تتأسس في الدورة البهائية، ويقال بأنه ذكر مرة: ’إذا ما اهتديت إلى الكيمياء

___________________________________________________________________

(1) الفلقة :- آلة توضع فيها القدمان ويربطان بحبل ويرفعان إلى أعلى، بينما يستلقي من يُضرب على ظهره، ثم تضرب بطن القدمين بعصا أو بسوط.

التحويلية فسأبني بلدا أقيم فيه مشرق أذكار(1) من البلور تتوسطه قاعة قائمة على خمسة وتسعين عمودا، وكل بوابة من بواباته البالغة قياساتها 19x 9 أمتار ستصنع من الذهب الخالص‘. وبعيدا عن الحيطة والحذر والتروي، كان الملا رضا جريئا وصريحا في كل أعماله وسلوكه وإصراره على الحق، وكان يرتجل الكلام المؤثر دون تحفظ دائما. لم يكن ذلك الإنسان الذي يبحث عن فرص التبليغ فينتهزها أكثر مما كان يخلقها لنفسه ليتكلم في الدين أمام كل من يصادفه. لقد أخفقت حياة السجن الكئيبة الموحشة أن تكبح جماح روحه الوثابة أو تحد من اقداماته الجريئة في التبليغ، بل على العكس فقد هيأت له فرصا وقوى روحانية عديدة استمسك بها واستغلها استغلالا كاملا متجاهلا حقيقة ما ستجره عليه وعلى باقي الأحباء من أخطار وآلام وعذاب جديد نتيجة هذا التهور في التبليغ العلني بين السجناء المتعصبين ورجال السلطة. ويقص علينا السيد أسد الله القمي، زميله في السجن، فيقول: ’كانت مناقشاته العلنية تتحول أحيانا إلى جدل وخلاف يثير حفيظة المتعصبين الذين يتطلعون إلى مثل هذه الفرص لينضموا إلى الجمع بكلمات الاستهزاء والتحقير، وكنا ننبهه إلى أن هؤلاء الذين يتقولون على الأمر المبارك بألفاظهم البذيئة ليسوا طلاب حقيقة، بل مثيرون للشغب ليس إلا. ولكنه كان يجزم بأن الأمر عظيم ولذلك سوف يواجه معارضة عظيمة، وهؤلاء الذين يسعون إلى تدنيس اسمه الجميل بالشتم والذم لن ينجحوا بالتأكيد في مسه، وإن ما يفعلوه يظهر للجميع سحق غبائهم. وما مثلهم إلا كمثل باصق على الشمس وليس ببالغها‘.

___________________________________________________________________

(1) مكان العبادة البهائي.

ويضيف السيد أسد الله: ’كم مرة ناقشناه متوسلين أن يعتدل في كلامه ويوجزه، إلا أن محاولاتنا كلها باءت بالفشل.(1) وعندما ساء الوضع ولاحت في الأفق أخطار جديدة، دفعنا إحساسنا بالخوف والقلق إلى خطوة خطوناها تسببت له في امتحان مؤلم وجلبت لنا جميعا الكثير من الحزن والأسى. ولاتقاء شر الأحداث المقبلة قابلنا السجان مشهدي علي وعرضنا عليه أن يستعمل نفوذه مع الملا رضا ويطلب منه الكف عن التكلم علنا عن الأمر لعل ذلك يغير موقفه. ولكن يا للحسرة، لم ندر أنه لا توجد قوة أرضية - مهما بلغ العذاب والآلام- تستطيع أن تخفف من تصلبه وعناده أو تثني هذا الرجل الطاعن في السن المنقطع إلى الله، عن أمر التبليغ الذي كان بالنسبة له أهم من سلامته أو من أية اعتبارات شخصية أخرى. وهكذا عندما لم يذعن لأمر السجان استشاط الأخير غضبا وأمر رجاله أن يعاقبوه بالجلد، فاقتادوه إلى ساحة السجن وأثخنوا ظهره العاري بلسعات السوط بغاية الوحشية. وبالرغم من كبر سنه وقسوة الحياة في السجن ظل ثابتا كالصخرة أثناء التعذيب ولم يتزحزح عن موقفه ولم تسمع منه ولو صرخة خافتة ولا ظهرت على وجهه أبسط أمارات الألم وكأنه في لحظة فقد إحساسه. وإزاء هذه المعاناة صدمنا جميعا صدمة هزت كياننا. وبعد انتهاء التعذيب، أسرعت إليه لأخفف عنه وأواسيه وأضمد جراحه. ولكن على العكس فقد أدهشه تصرفي لدرجة كبيرة وصاح في وجهي وكأنها صرخة النصر: ’’يا سيد أسد الله، هل تعتقد أنني أوذيت فعلا ؟! كنت أثناء الجلد كالفيل الذي يترنح سكرا، ولم أشعر بأي ألم. كنت في حضور حضرة بهاءالله

___________________________________________________________________

(1) رغم نصائح حضرة بهاءالله لأتباعه باتباع الحكمة عند التبليغ، إلا أن حماس الملا رضا وإخلاصه ربما أديا إلى نسيانه تلك النصائح.

أتكلم معه‘‘.

من بين السجناء غير البهائيين الذين شاهدوا هذا المنظر المرعب رجل مشهور اسمه غلام رضا خان وقد هزته من ذلك السجين طاقة التحمل التي تفوق قدرة البشر وتأثر قلبه بما شهده مما دفعه إلى التحري عن حقيقة الموضوع، وسرعان ما كوفئ سعيه بالإيقان وأصبح في النهاية مؤمنا مخلصا. وعندما أخلي سبيله سئل عما حصل له حتى أصبح بهائيا فأجاب: ’لقد اهتديت إلى نور الإيمان من مشاهدتي للجلد والتعذيب‘. ثم أضاف: ’لو تليت على مسمعي مئات الآيات من القرآن الكريم أو طرح أمامي ألف دليل لإقناعي بأحقية هذه الرسالة، ما تأثرت كما أثر فيّ ذلك الهدوء الذي سيطر على ذلك الرجل المسن، جريء القلب، الملا رضا تحت وطأة كل هذا التعذيب‘.

وفيما يلي قصة أخرى على لسان السيد أسد الله: ’كان بيننا سجين يهودي مسكين وذات يوم ناداني الملا رضا وقال: ’’هل ترى ذلك اليهودي، كم هو بائس ووحيد! فلا يتكلم معه أحد من المسلمين أو يصاحبه، ولا يدعوه يدخل الحمام العام لأنه بنظرهم نجس، وانظر إلى ملابسه القذرة الرثة. والآن هلا ساعدتني في غسله عند حافة بركة السجن؟‘‘ وقد أصرّ بشدة إلى أن وافقت أن أساعده في هذا العمل الكريه. فأجلسنا اليهودي على حافة البركة وخلعنا عنه ثوبه الرث الذي غطى جسمه الوسخ بصعوبة. ثم واصلت صب الماء عليه بينما انهمك الملا رضا في فرك جسمه وتنظيفه. وبعد إتمام غسله أحضر له الملا رضا بعض الملابس النظيفة ليلبسها وخلال هذا الوقت كله كان اليهودي يتمتم كمن فقد صوابه ويقول: ’’هل أنتم ملائكة أم بشر؟! لستم من اليهود حقا، لكنكم كرماء ولطفاء جدا‘‘. ثم صاح الملا رضا: ’’أيها الرفيق البائس،

ليس هذا بشيء، ولكنها كلمة الرب أبيك التي دفعتني لغسلك وكسوتك، لكن واحسرتاه، أنت لا تعرف الرب أباك. أليس كذلك؟! حتى أنك لم تسمع منه هذه الكلمة: ’عاشروا مع الأديان بالروح والريحان‘‘.‘

كان الملا رضا رجلا غريب الأطوار وذا نزعة غريبة في التفكير بمقاييسنا، وقد فاز بمقام رأى منه في كل شيء آية أو تجليا لعظمة حضرة بهاءالله. وكان الحب الذي يكنه لمولاه قد ملك عليه نفسه، وفي سبيل ذلك الحب أغفل أي شعور آخر. يروي ميرزا حسين الزنجاني -وهو سجين بهائي آخر- قصة أخرى عن الملا رضا فيقول: ’كنت الرفيق الملازم له مدة ستة عشر شهرا مكرسا نفسي لخدمته. أجهز طعامه وأغسل ملابسه وأسعى لراحته. ومع هذا لم يكن ليشكرني إلا نادرا، وبدل ذلك كان يقول: ’’أشكر الجمال المبارك على ما يوفره لي من راحة وعون‘‘. وفي كل مرة أقدم له الطعام اعتاد أن يقول: ’’أنا مدين لك بالشكر يا حضرة بهاءالله‘‘. وعندما كان يوزع صدقة أو يقدم خدمة للآخرين كان يقول: ’’أنا أعطي هذا لحضرة بهاءالله...‘‘ وفي أحد الأيام أحضروا سجينا بلا قميص، وعندما شاهده الملا رضا استدار نحوي وقال: ’’هذا الشاب المسكين هو خادم حضرة بهاءالله حتى لو لم يعرف مولاه، وبما أنه نصف عار، جدير بنا أن نعطيه القميص الاحتياطي الذي نستعمله بيننا، فلا نحتاج إلى قميص احتياطي في السجن، إنه نوع من الترف يمكننا الاستغناء عنه‘‘. فقلت: ’’حسن جدا، فالبس أنت القميص الاحتياطي الذي غسلته لتوك وأعطه القميص الذي تلبسه‘‘. وبمجرد سماعه اقتراحي فقد الملا رضا أعصابه وصاح بي بسخط قائلا: ’’هل تقصد أن ألبس القميص النظيف وأعطي الجمال المبارك القميص المستعمل؟ كيف تجسر على هذا الاقتراح

القاسي؟ ألست بهائيا؟! فحضرة بهاءالله يتفضل: لن يكون إحسانا ما لم تقدم أعز ما تملك. وأني لأعجب كم من الوقت تحتاج لإدراك ذلك‘‘.‘

واستطرد ميرزا حسين قائلا: ’في أوائل حكم مظفر الدين شاه (1896-1907م) سعى الأحباء في طهران لدى الشاه في مناسبات عدة ونجحوا أخيرا في الحصول على أمر بالإفراج عنا، ويوم إطلاق سراحنا ساقونا مكبلين بالسلاسل إلى دار رئيس الشرطة وسط طريق مزدحم يعج بالنظارة. وهناك احتجزونا بانتظار إجراءات إخلاء السبيل. وخلال تلك اللحظات المشحونة بالقلق والتلهف توسلنا إلى ميرزا رضا أن يتخذ جانب الحيطة فيبقى هادئا وصامتا خشية وصول كلمة طائشة إلى السلطات فتخلق لنا المتاعب والعذاب من جديد. وبالرغم من تحذيراتنا المتواصلة وبعكس نصائحنا فقد ذهب الملا رضا إلى غرفة مجاورة ليتحدث إلى جماعة من طلاب الفقه الإسلامي يتزعمهم "سيّد" متعصب خبيث. فتطور الحديث معهم إلى جدال عنيف كنا نسمعه عن بعد، وكان الملا رضا يقذفهم بالبراهين الدامغة وسيل من الآيات القرآنية. فارتبكت الجماعة المعادية تماما، ولما لم يبق منهم من يستطيع مقارعته بالحجج والبراهين، ثارت ثائرتهم وقاموا عليه بكل جنون وأساءوا معاملته ثم ضربوه وأبعدوه عنهم. ولم تنته المأساة عند هذا الحد، بل جلبت العواقب الوخيمة، ذلك أن ذلك "السيد" الماكر الخبيث، حاك ضد الملا رضا، في اليوم نفسه، المفتريات والأكاذيب مما تسبب في إصدار أمر جديد بإعادته إلى السجن بينما أطلق سراح الباقين.

هذا التطور الجديد جلب علينا القلق والحزن إلا أنه أخفق في أن يسبب للملا رضا أقل إزعاج. فبقي جريئا سعيدا هادئا

رابط الجأش وعلى درجة من المرح والدعابة كما عهدناه. ولما لم يكن في هذه المرة من يعتني به في السجن، تكاتفت عليه براثن الحرمان والمشقات بكل قواها لتنهش في جسمه النحيل وتتمكن من تعجيل رحيله إلى شواطئ الأبدية، حيث رفت روحه وقصدت مقام المحبوب بعد عشرة أيام من إعادته إلى السجن‘.

إن اللوحين الرائعين المنزلين بقلم حضرة عبدالبهاء تخليدا لذكراه يبرزان علو مقامه كمبلغ وشهيد ويبينان المثال الذي ضربه في البطولة خادما مخلصا للأمر الإلهي.(2)

وفي حين استطاع الملا رضا إدراك مقام حضرة بهاءالله خلال تمعنه في أحد ألواحه المباركة، كان الآخرون يجهدون في البحث عن الحقيقة إلا أنهم حرموا من نعمة البصيرة بسبب علومهم ومعرفتهم الدنيوية مما جعلهم يستغرقون بعض الوقت في الوصول إلى حقيقة الرسالة الإلهية.

النبيل الأكبر

من بين الذين وفدوا إلى بغداد مشيا على الأقدام وتشرفوا بالحضور المبارك، وكان أكثرهم علما وأوسعهم معرفة وإطلاعا، الملا محمد القائني الذي لقبه حضرة بهاءالله فيما بعد بـ"النبيل الأكبر". أنعم الله على هذا الرجل الجليل بمواهب وقدرات عقلية غير عادية واعتبره البعض معجزة بين أقرانه من العلماء والمثقفين. ومما يدل على علو مقامه أنه بعد عدة سنوات من الدراسة في منزله أمضى في العراق ما يقارب ست سنوات في دراسة العلوم الدينية ومواضيع أخرى ترتبط بفلسفة الفقه الإسلامي. كان معلمه مجتهد كربلاء المشهور الشيخ مرتضى الأنصاري، كبير جماعة الشيعة وصاحب مواقف ودية تجاه الأمر، وكان عالما له ميزانه الدقيق، وطوال فترة حياته لم يمنح

الشيخ لقب مجتهد(1) إلا لثلاثة من طلابه، كان النبيل الأكبر أحدهم. وقد مجد حضرة بهاءالله الشيخ مرتضى في آثاره المباركة وعدّه من زمرة العلماء الذين تشربوا من الحقيقة، ووصفه حضرة عبدالبهاء بأنه: "العالم النحرير الجليل والفاضل الشهير، خاتمة المحققين".(3)

كان مشهودا للنبيل على أنه أحد أبرز العلماء في بلاد فارس، وعمت شهرته أنحاء البلاد حتى أنه ذات مرة عندما كان يتحدث إلى جمع من رجال الدين في كرمان البعيدة -دون الإفصاح عن شخصيته- ثمل المستمعون من حديثه الرائع وسمع بعضهم يقول: "لا يستطيع أحد في البلاد مضاهاة مثل هذا الرجل في ميدان العلم والمعرفة سوى الملا محمد القائني الشهير (أي النبيل الأكبر)."

اعتنق الدين البابي عام 1853م تقريبا. وبعد ست سنوات، تشرف بالمحضر الأنور في بغداد واستقبله حضرة بهاءالله بحرارة ومنحه شرف الإقامة في الغرف الخارجية لمنزله المبارك والمخصصة عادة للزائرين، وأصدر تعليماته لميرزا آقا جان ليقوم على راحة الضيف. وفيما يلي بعض ما ذكره النبيل الأكبر شفاها في سرده أحداث تلك الأيام القليلة بالحضور المبارك:

بعد ظهر أحد الأيام كنت جالسا في الغرفة أتبادل الحديث مع الملا محمد صادق الخراساني المعروف بـ"المقدس"(4) وهو رجل علم يعلو وجهه الوقار والمهابة. وبينما نحن كذلك وصل حضرة بهاءالله إلى السكن الخارجي عائدا لتوه من بغداد ومعه الأمير "مُلك عَرا" ممسكا بيده. أما الملا صادق، وهو مثال الوقار، فقد انتصب على قدميه وألقى

___________________________________________________________________

(1) ما يعادل درجة مشرع في الفقه الإسلامي.

بنفسه على قدمي حضرة بهاءالله الذي لم يريحه هذا التصرف فوبخه بغضب وأمره أن ينهض فورا، ثم غادر الغرفة وبصحبته الأمير. لقد أدهشني وحيرني الملا صادق بتصرفه الذي لم أتوقعه من شخص مثله. ولكوني شاهدت ما حدث، عبرت للملا صادق عن استهجاني لفعلته ولمته قائلا: "لك مقام رفيع في أوساط العلم والمعرفة، وفوق هذا كله تشرفت بحضور حضرة الباب. إن مقامك يلي حروف الحي مباشرة وأنت أحد الشاهدين(1) على دين حضرة الباب. من المعروف أن حضرة بهاءالله يتمتع بمنزلة رفيعة اكتسبها من أسلافه الذين شغلوا مناصب عالية في الدولة وقد قاسى من الاضطهاد والسجن لاعتناقه الدين حتى أن كافة ممتلكاته صودرت وانتهى به النفي إلى هذه البقعة، ولكن تصرفك أمامه بعد ظهر اليوم هو تصرف خادم وضيع أمام مولاه العظيم".

أمسك الملا صادق عن الإجابة، وكان فيه نشوة روحية، يشع وجهه بشرا وفرحا، واكتفى بالقول: "أتضرع إلى الله أن يرفع عن وجهك النقاب ويمطرك بعنايات فضله العميم".

بعد هذه الحادثة عقدت العزم على تحري الحقيقة، وبدأت أراقب شخص حضرة بهاءالله وأتفحص تصرفاته بكل عناية، وكلما أمعنت في المراقبة وجدت نفسي عاجزا عن اكتشاف ما يشير إلى ادعائه مقاما لنفسه، بل بالعكس فلم ألحظ منه أي شيء، قولا أو عملا، سوى التواضع ونكران الذات والعبودية والعدم الصرف. ونتيجة لذلك

___________________________________________________________________

(1) مؤمنون محددون لقبوا بـ"الشاهدين" في كتاب البيان -أم الكتاب في الدورة البابية- ليشهدوا على أحقيته بأنه كلمة الله إلى حين ظهور "من يظهره الله" -حضرة بهاءالله- وبعدها تنتهي مهمتهم.

وقعت في خطأ فادح حيث فضلت نفسي عليه لأنني اعتقدت أنني أعلى منه مرتبة في كل شيء.

كنت معتادا في اجتماعات الأحباء أن أعتلي مقعد الشرف لأبدأ في الحديث دون إعطاء حضرة بهاءالله وغيره فرصة التكلم. وبعد ظهر أحد الأيام نظم حضرة بهاءالله اجتماعا للأحباء في منزله المبارك، وتجمع كل الأحباء كالعادة في الغرفة الواسعة، التي يطوف حولها أهل البهاء، كما نزل من القلم الأعلى. ومرة أخرى أخذت مقعد الشرف، أما حضرة بهاءالله فكان يجلس وسط المجموعة يقدم لهم الشاي بيديه المباركتين. طُرح سؤال، وضمرت في نفسي أن لا أحد بمقدوره الإجابة عنه غيري. فبدأت في الكلام والأحباء يصغون باهتمام عدا حضرة بهاءالله الذي كان يعلق أحيانا مع أنه كان يوافقني على تفسيري. وجدت نفسي في النهاية صامتا وحضرة بهاءالله يأخذ بزمام الحديث. فكانت تفاسيره غاية في البلاغة، وبحر كلماته يموج على درجة من القوة بحيث استولت الرهبة على كياني بالكلية. كنت مفتونا بسحر كلماته ووجدت نفسي غارقا في الحيرة والانبهار، وبعد دقائق من استماعي لكلماته التي لا مثيل لها في الروعة والجلال أصبحت مدهوشا مصعوقا لدرجة عجزت بعدها عن سماع صوته، ومن حركة شفتيه كنت أعرف أنه ما زال يتكلم، وبعدها شعرت بخجل واضطراب لا يوصفان جراء جلوسي على مقعد الشرف.

انتظرت بفارغ الصبر سكون شفتيه، وعندما أدركت أنه قد أنهى حديثه، نهضت منتصبا كطير ضعيف أفلت من مخالب الصقر وغادرت الغرفة. وفي الخارج بدأت أوبخ نفسي على ما أنا فيه من عمى البصيرة وما كان مني إلا أن ضربت رأسي بالحائط ثلاث مرات.(5)

وأخيرا تفتحت عينا النبيل الأكبر فقد حضر اجتماعا آخر في الكاظمين، في منزل الحاج عبد المجيد الشيرازي، وكان حضرة بهاءالله قد شرف ذلك الاجتماع. وتحدث عن أسرار الخلق ونشوئه. وهناك انكشف أمام النبيل الأكبر عالم جديد زاخر بمعان لم يعرفها من قبل واعتبر أن كل كلمة من حضرة بهاءالله هي جوهرة لا تقدر بثمن. وأيقن بأن كل ما درسه وسمعه في حياته لم يكن سوى ثرثرة أطفال.

عندها قرر أن يعرف من حضرة بهاءالله نفسه حقيقة مقامه فحرر خطابا إليه ورجا حضرة عبدالبهاء أن يسلمه إياه. وفي اليوم التالي تسلم لوحا مباركا يشير فيه حضرته إلى مقامه الإلهي الرفيع، وكان هذا نهاية المطاف في بحثه فكتب خطابا آخر يذعن فيه لحضرته بكل خضوع على أنه "المظهر الكلي الإلهي" متوسلا أن يهديه ويسدد خطاه في خدمته فصدر الأمر له من مولاه أن يعود إلى بلاد فارس لينشغل في تبليغ أمر الله.

كرس النبيل الأكبر جل حياته لخدمة الأمر وعانى الكثير من اضطهاد أعداء الدين وتبوأ في مجالي الخدمة والانقطاع مقاما لم يبزه فيه سوى قلة من حواريي حضرة بهاءالله.

توفي عام 1892م بعد صعود حضرة بهاءالله ودفن في بخارى. وفي ذلك الحين طلب حضرة عبدالبهاء من تسعة مؤمنين زيارة قبره نيابة عنه وتلاوة لوح أنزله بيراعه خصيصا له. وبعد عدة سنوات أصدر حضرة عبدالبهاء أمره لابن أخت النبيل الأكبر بنقل رفاته من بخارى إلى عشق آباد، ذلك القرار الذي رعته العناية الإلهية لأن السلطات في بخارى دمرت المقبرة بعد ذلك النقل مباشرة.

وبالكيفية نفسها التي تشرف فيها النبيل الأكبر بالحضور المبارك وشاهد نور الظهور الإلهي، تشرف العديد من البابيين،

بعضهم علماء وآخرون غير متعلمين، وخضع الكل لسلطان حضرة بهاءالله واستفاضوا من فيضه كل حسب استعداده وقدرته. وإعزازا لهؤلاء نزلت بحقهم معظم الألواح المباركة التي حظيت بها تلك الفترة.

الفصل الثامن
"الوديان السبعة"

من آثار حضرة بهاءالله التي نزلت بعد رجوعه من السليمانية كتاب "الوديان السبعة". ويعد هذا الكتاب تحفة من الآثار العرفانية الرائعة، وقد نزل ردا على أسئلة الشيخ الصوفي محي الدين قاضي مدينة خانقين. ورغم أن الشيخ لم يكن من أتباع حضرة الباب، كان من المعجبين بحضرة بهاءالله وكتب إليه رسالة ضمّنها أفكارا وقضايا رمزية باطنية.

يدور موضوع "الوديان السبعة" حول رحلة الروح من عالم الوجود إلى عوالم القرب لله المعبود، والمراحل السبعة لهذه الرحلة معروفة عند المتصوفين، وصفها في وقت مبكر من تاريخهم أحد أقطابهم البارزين وهو الشيخ فريد الدين العطار. إلا أن حضرة بهاءالله هو الذي أسهب في شرح هذه المراحل السبع فكشف عمق معانيها وأسرار مغازيها.

أول هذه المراحل (أو الوديان) السبع وادي الطلب وفيه وصف لطريق الباحث الجاد في سبيله إلى مبتغاه وهو عرفان المظهر الإلهي في عصره. ففي البدء وقبل كل شئ عليه أن يطهر قلبه، منبع الكنوز السماوية، من كل وشم، ويعرض عن اقتفاء "آثار الآباء والأجداد" ويسد أبواب الصداقة والعداوة مع ملل الأرض،(1) ويترك وراءه ما شاهد وسمع وأدرك،(2) زاده في رحلته: الغيرة والحماس والصبر.

وثانيها وادي العشق، والسالك فيه كالفراش الذي وجد لهبا فتراه يتحرق شوقا للوصول إليه فيدور حوله مقتربا شيئا فشيئا إلى أن

يحترق أخيرا بشعلة الفداء.

هذه مرحلة يمس شغاف القلب فيها بهاء مظهر الله الذي بحث عنه فوجده. وهنا لا يفهم السالك فيها أسبابا أو براهين لأن قلبه انجذب وهوى في عشق محبوبه. وما سيرة كل دين إلا وكتبت حقا بمداد العشق. ولنأخذ مثالا على ذلك أوائل الظهور الإلهي لحضرة بهاءالله، فمن بين الألوف الذين اتصلوا بالمظهر الإلهي وانجذبوا إليه قليل منهم كان يعرف شيئا عن تاريخ الأمر وتعاليمه وبراهينه وأحكامه ومع ذلك هاموا بعشق حضرة الباب وحضرة بهاءالله، وثملوا بخمر الحيوان من فيض جود المنان، وأضحوا على استعداد للتضحية بأرواحهم عند الضرورة، وبلغ بهم العشق أن طلب من فاز بالحضور المبارك قبول استشهادهم في سبيله وبلغوا درجة من الانجذاب لم يقبلوا بعدها فكرة الابتعاد عنه.

فعندما وصلت للأصحاب في بغداد أنباء اقتراب مغادرة حضرة بهاءالله إلى الآستانة تملكهم الأسى والاضطراب. ففي الليلة الأولى عفت نفوسهم النوم والطعام، وبعضهم قرر إنهاء حياته إذا حرم من شرف مرافقته في رحلته، والكل عازم على تنفيذ ما بخاطره لولا كلمات النصح والعزاء من محبوبهم التي جعلتهم يستسلمون لإرادة الله.

لا شيء يفوق قصة الحاج محمد جعفر التبريزي ومحبته العارمة وإخلاصه لحضرة بهاءالله. كان الحاج محمد من الأحباء المخلصين، وتشرف بالحضور المبارك لأول مرة في بغداد فأدرك مقام حضرة بهاءالله، ومنذ ذلك الحين وهب حياته لخدمة مولاه. ولما استقر الجمال المبارك في أدرنة لحق به الحاج جعفر وشقيقه المؤمن وأقاما هناك. كان منجذبا لمولاه لدرجة أنه حاول قطع حنجرته بيده عندما علم أن السلطات لم تشمله ضمن من سيرافق

حضرته إلى عكاء، إلا أن بعض الأحباء وصلوا في الوقت المناسب وأنقذوا حياته.

ونتيجة لذلك عدلت السلطات من موقفها السابق بعدم السماح لأحد من أتباع حضرة بهاءالله بمرافقته إلى عكاء فأذنت لمعظم من كانوا معه في بغداد بالسفر معه. لم يتمكن الحاج جعفر من مرافقة سيده بسبب نقله إلى المستشفى لمعالجة حالته الخطرة، فقد كان الجرح الغائر في حنجرته ينزف بشدة. فوعدته السلطات والحالة هذه أنه حالما يشفى من جراحه سيسمح له بالتوجه إلى عكاء مع شقيقه، وبعد مرور شهرين وصل الشقيقان إلى عكاء لينضما إلى حضرة بهاءالله في السجن الأعظم.

أما وادي المعرفة فهو ثالث المراحل السبعة تلك، والمعرفة هنا لا تعتمد أساسا على العلم الدنيوي، فمعرفة الله تشرق على الإنسان من أفق قلبه، فافتخار الإنسان بعلمه وإنجازاته حجاب له عن نور المعرفة الحقّة في معظم الأحيان. إن روح السالك في هذا الوادي تدرك الحقيقة وتصل إلى اليقين "فتتنور بصيرته وينشغل بمناجاة حبيبه"،(3) ويكتسب رؤية جديدة ويبدأ في فهم أسرار الظهور الإلهي وخلق الوجود. فلا قنوط مع المحن والآلام بل يقابلها بالرضا والتسليم لأنه "يرى الأول مثل الآخر"،(4) ويكتشف أن في البلايا والمحن رحمة الله وبركته، ويرى الحكمة في كل شيء. "وفي هذا المقام يرضى بالقضاء ويرى الحرب كأنها سلام ويشاهد في الموت أسرار البقاء... ويجد من البحر قطرة، وفي القطرة أسرار البحر".(5)

وأما وادي التوحيد، فيرتقي فيه السالك من عالم التحديد إلى عالم التجريد. فلا يرى عالم الخلق بقصور عينه الذاتية، بل يرى بعين الله مجردا عن الغرض ويكتشف أن الله متجل على

المخلوقات ببعض صفاته كل حسب استعداده. ويختلف مقدار التجلي هذا باختلاف عوالم الوجود.

فإذا تحرر السالك من قفص النفس والهوى وتخلص من قيود التحديد يدخل عالم الكون الفسيح كمن يحلق في الفضاء الخارجي وينظر نحو الأرض برؤية شاملة، فتتسع رؤيته ولا ينظر إلى نفسه أو يتعلق بهذا العالم، "بل يرى الله في كل شيء وينظر إلى الأشياء بنظر التوحيد ويشاهد إشراق تجلي الشمس الإلهية من مشرق الهوية على الوجود إشراقا واحدا وأنوار التوحيد موجودة ظاهرة على جميع الموجودات." فلا مكان للذات في هذا الوادي، وهنا "يدخل السالك في خلوة المعشوق ويصبح محرم سرادق المحبوب... ولا يرى في نفسه وصفا ولا اسما ولا رسما بل يرى وصفه في وصف الحق واسم الحق يراه في اسمه".(6)

وبوصوله إلى ذاك المقام الرفيع من الانقطاع عن الدنيا، يجد السالك نفسه مستغنيا عن كل الموجودات ويدخل وادي الاستغناء. ومع أنه قد يكون فقيرا في الظاهر ففي الباطن وهب الغنى والقدرة من عالم الروح.

يحتوي تاريخ الأمر الكريم على سجل مثير لسير المؤمنين الأوائل من الذين احتلوا المناصب العالية وتمتعوا بالثروة والرخاء، ويقص علينا كيف أن هؤلاء حال دخولهم حظيرة الإيمان جردهم الأعداء من مناصبهم وممتلكاتهم الدنيوية، وكيف أن العديد منهم ولجوا وادي الاستغناء لأنهم لم يتعلقوا بمتاع الدنيا، فلم يتأثروا بما أصابهم من فقر وتشريد واضطهاد ومعاناة.

فالسعادة إحدى سمات المؤمن الصادق، ولا يمكن الوصول إليها بمباهج الحياة وملذاتها، لأنها مؤقتة قد تبطن لنا الحزن

والأسى. والذين دخلوا وادي الاستغناء هم وحدهم عاشوا السعادة الحقّة حتى لو عجنتهم البلايا والمحن. ويتفضل حضرة بهاءالله أن السالك في وادي الاستغناء "يحرق حجبات الفقر وينتقل من الحزن إلى السرور ومن الغم إلى الفرح ويتبدل انقباضه بالانبساط".(7)

تبرز حياة حضرة عبدالبهاء، المثل الأعلى لتعاليم حضرة بهاءالله، مثلا وضاء لمعنى السعادة الحقيقية، فمنذ التاسعة من عمره كان شريك والده في البلايا والمصائب حيث أمضى أربعين سنة من حياته في عكاء سجين أعتى حاكمين مستبدين من الأتراك العثمانيين، ومع ذلك، بقي في حلكة تلك السنوات المظلمة أكثر مرافقي والده بشرا وبشاشة يغدق محبته على كل من يلتقي به.

وبعد بضع سنوات من إطلاق سراحه تفضل بالبيان التالي:

"الحرية ليست بالمكان بل حالة نفسية. كنت سعيدا في السجن لأني قضيت أيامي بالخدمة. فالسجن لي كان حرية، والمصائب راحة، والموت حياة، والذلة عزة، ولذلك غمرتني السعادة وقت السجن.

فالنفس البشرية أعظم سجن، فإذا تحرر الإنسان من ربقتها عاش في حرية تامة، ولن يكون بعدها إنسان مسجونا. وما لم يواجه الإنسان تلك التقلبات المؤلمة بالرضا والاطمئنان بدل الكآبة والإذعان، لن يستطيع الفوز بالحرية."(8)

بعد أن يقطع السالك مراتب الاستغناء يصل إلى وادي الحيرة "فيصعق من جمال ذي الجلال"،(9) ويكون كمن غاص في المحيط ووجد نفسه فجأة أمام وسعه الهائل وعمقه السحيق. فالسالك في هذا الوادي يدرك سعة الوجود اللامتناهية، ويكتشف هنا جوهر الأسرار المودعة في الظهور الإلهي برؤية صافية وبصيرة

نافذة تقوده من سر إلى ألف سر منها. "وفي كل لحظة يرى عالما بديعا وخلقا جديدا فيزداد حيرة بعد حيرة، ويضيع في رهبة صنع سلطان الأحدية".(10)

والوادي الأخير الذي يجهد السالك في الوصول إليه "وادي الفقر الحقيقي والفناء المحض" وهو "منتهى رتبة العارفين ومنتهى وطن العاشقين"،(11) ويؤكد حضرة بهاءالله على هذا المقام فيتفضل:

"إنه مقام الفناء عن النفس والبقاء في الله، الفقر في النفس والغنى بالمقصود، والفقر هو الافتقار إلى موجودات عالم الخلق والغنى هو الاغتناء بما في عالم الحق. ذلك لأن العاشق الصادق والحبيب الوفي عندما يرد فناء المعشوق تتحد شرارة الجمال المحبوب بحرارة قلبه لتطلق لهيبا يحرق كل سرادق وحجاب وما لديه، من قلبه إلى جلده، ولا يبقى سوى العاشق."(12)

السيد إسماعيل الزواري -الملقب بالذبيح-

لقد فاز بعض الأحباء، الذين تشرفوا بالمحضر المبارك، بهذا المقام الرفيع، "مقام الفناء من النفس والبقاء في الله". فرأوا وميضا من ذلك النور الخفي الذي احتجب في هيكله المبارك وصعقوا وما طاقوا البقاء في ظلمة هذا العالم.

كان أحد هؤلاء السيد إسماعيل من أهل مدينة زوارة الذي لقّبه حضرة بهاءالله بـ"الذبيح"(1). كان ورعا، جليل القدر لتقواه

___________________________________________________________________

(1) هناك شخص آخر لقب بالذبيح أيضا وهو الحاج محمد إسماعيل من كاشان، وسيشار إليه في المجلد الثاني.

واستقامته وعلمه ومعرفته. آمن في مطلع الدورة البابية وتشرف بمحضر حضرة الباب في منزل إمام الجمعة بإصفهان. وقد شاهد تنزيل حضرة الباب تفسيره لسورة "والعصر" وأسرت لبّه سرعة جريان قلمه وقوة بياناته وهو يتغنى ببعضها بحضور جمع من العلماء البارزين، فأصبح من أتباعه المخلصين. وبعد ما ينوف على عقد من الزمن قدم الذبيح إلى بغداد وتشرف بمحضر حضرة بهاءالله، وأقام في منزل أحد المؤمنين المدعو آقا محمد رضا في منطقة مجاورة للبيت المبارك. وذات يوم دعا محمد رضا حضرة بهاءالله إلى بيته لينال شرف استضافته، فلبّى الدعوة بعد بضعة أيام وشرف منزله بعد الظهر.

وفي "الكتاب البديع" الذي نزل في أدرنة بعد بضع سنوات، وصف حضرة بهاءالله، ذلك الاجتماع مع الذبيح. وكما جرت العادة فقد هيأ مضيفه صحاف الفاكهة وصحون الحلوى المتنوعة، وأمر حضرته الذبيح أن يتناول شيئا منها، وبكل خضوع وبغاية الشوق، أبدى شغفه بشيء من الطعام الروحاني من مخزن علم حضرته المستور بدل ذلك الطعام المادي. فاستجاب له مطلع الإلهام واستدعاه ليجلس أمامه ويصغي لكلماته التي كانت تفيض هيمنة وروعة لا تضاهى، زاخرة بالمعاني الروحية، التي لا توصف، بشهادة حضرة بهاءالله نفسه.

تبدل حال الذبيح لدى سماعه الآيات البينات وانفتحت أمام عينيه عوالم الروح، وبقي بعدها ثملا بالنشوة الغامرة وكرس نفسه كلية لمولاه، وأخذت نار العشق في قلبه تزداد اشتعالا يوما بعد يوم.

وإظهارا لولائه لمولاه وتعبيرا عن مشاعر الخضوع والمحوية له أخذ الذبيح على نفسه عهدا أن يكنس مداخل بيت محبوبه كل يوم ساعة الفجر -من واجب الخادم آنذاك أن يكنس جزءا صغيرا

من الطريق المؤدي إلى مدخل المنزل- أما الذبيح فكان يخلع عمامته الخضراء، علامة نسبه الشريف، ويكنس بها مداخل البيت تعبيرا عن خضوعه وخشوعه ثم يضع غبار أقدام محبوبه في حجر عباءته ويذروه في النهر خوف أن تطأه أقدام الآخرين.

إن قصة الذبيح قصة عاشق متيم معبوده فيها حضرة بهاءالله الذي أضرم في صدره نار محبة الله التي اندلعت في كيانه فالتهمت وجوده بالكلية، ووصل في النهاية إلى حال عاف فيها الطعام والشراب، فامتنع عن الطعام أربعين يوما، وأخيرا أفلت زمام العشق من يده ونال من الروح نفسها. وذات فجر ورد البيت المبارك وأدى واجبه للمرة الأخيرة كانسا مداخل البيت بعمامته ثم زار منزل آقا محمد رضا وقابل بعض الأحباء، ثم توجه إلى نهر دجلة، وعلى ضفته توجه شطر بيت محبوبه وبموسى كان يحملها قطع حنجره بيده منهيا حياته.

مجد حضرة بهاءالله الذبيح بوصفه "سلطان الشهداء ومحبوبهم". وذكر أن حضرته تفضل: "ما سال على الأرض حتى اليوم من دم أطهر ولا أزكى من دمه"(1).(13)

"الوديان الأربعة"

لوح "الوديان الأربعة" من آثار حضرة بهاءالله العرفانية

___________________________________________________________________

(1) يجب عدم خلط الموضوع مع الأخوين ميرزا محمد حسن وميرزا محمد حسين اللذين لقبهما حضرة بهاءالله بـ"سلطان الشهداء" و"محبوب الشهداء". وقد أنهى الذبيح حياته لأنه ثمل من لقائه بمحبوبه الذي أراه العوالم الروحانية الإلهية، ولا يمكن مقارنة ذلك بالانتحار أو أنه دليل على إجازة الدين البهائي للانتحار، بل بالعكس فإنه مذموم وممنوع ومناف للتعاليم البهائية.

الرمزية التي نزلت في بغداد، يصف فيه أيضا رحلة السالك سبيل العرفان إلى نهاية المطاف ويقسم مجموعات السالكين ذلك السبيل إلى أربع مجموعات.

أعلى مقام يفوز به السالك هو الوصول إلى الوادي الرابع وهو "لأولئك الذين وصلوا إلى طلعة المحبوب..." وهو مقام الوعي التام والمحوية البحتة... وهنا تصبح المحبة في مقام القمص والحجاب، وما سواه يصبح غطاء... رجال هذا المقام يمارسون سلطة الألوهية... وهم على نمارق العدل متكئون يصدرون أحكامهم... يسكنون في قباب العزة فوق عرش القدم، يجلسون على كرسي العظمة في خيام الرفعة..."(14)

مع أن أسلوب حضرة بهاءالله في هذا اللوح يختلف بعض الشيء عن أسلوبه في "الوديان السبعة" إلا أنه يحمل في جوهره نفس الحقيقة. وقد نزل اللوح للشيخ عبد الرحمن الكركوكي، وهو عالم وقطب فرقة القادرية(1) تشرف بالحضور المبارك في كردستان وكان من المعجبين المخلصين له واعتاد الجلوس عند أقدام حضرته حين الاستماع إلى بياناته في السليمانية، وظل على اتصال به بالمراسلة أثناء إقامته في كردستان ثم بعد ذلك في بغداد.

_____________________________________________________________________

(1) إحدى فرق السنة في الإسلام.
صفحة خالية
الفصل التاسع
بعض الألواح البارزة
"الصحيفة الشطية"

من الآثار التي أنزلها حضرة بهاءالله في بغداد أيضا اللوح المعروف باسم "الصحيفة الشطية" النازل معظمه باللغة الفارسية، يبين حضرة بهاءالله في هذا اللوح القوة القاهرة لأمر الله وهيمنته، ويشبه تقدمه بجريان نهر دجلة عبر بغداد. فلا البناء الحصين أو السد المنيع يستطيع أن يقف أمام تدفقه أو منعه من الجريان وكذا الحال مع أعداء هذا الدين، فمهما كان هجومهم ضاريا ومعارضتهم شديدة فلا يستطيعون منع تقدم أمر الله الغالب. فلسوف يتقدم هذا الأمر رغم كل مقاومة، محطما كل عائق، ممزقا كل حائل، فارضا هيمنته على أعدائه في النهاية. وبالمثل فلسوف تنهار أمامه تلك المؤسسات العتيقة التي انحنى لها البشر أمدا طويلا، ولن يسمح لأي مخلوق بأن يقف في سبيله مهما كانت رتبته أو مركزه.

فإذا ما القينا بنظرة سريعة نستذكر بها تاريخ الأمر، تتبين القوة القاهرة لدين حضرة بهاءالله. فمنذ تأسيسه انبرت السلطات الدينية والمدنية لقمعه في موطن ظهوره، فنرى حضرة الباب -الشاب الذي بشّر ببزوغ فجر اليوم الجديد وأعلن بشائر قدوم "من يظهره الله" (حضرة بهاءالله)- قد أعدم أمام الملأ، ومؤسسه حضرة بهاءالله قد سجن ونفي إلى بلاد بعيدة، وعانى هو وعائلته، طيلة نصف قرن تقريبا، المصاعب والآلام والقساوة غير الإنسانية وبالإضافة إلى ذلك فقد استشهد في ظروف مفجعة ما لا يقل عن

عشرين ألف من أبطال هذا الأمر الكريم، كما قضى باقي من انضم إلى صفوفه حياتهم في اضطهاد مستمر.

ورغم كل ذلك فقد انتصر أمر حضرة بهاءالله على مناوئيه مؤيدا بجنود من الملأ الأعلى، وتغلغل إلى كل جزء من أجزاء العالم، وانتشر اليوم ضياؤه في كل ناحية ووصلت رسالته الشافية إلى أغلب قطاعات المجتمع ويزداد من يستجيبون لندائه يوما بعد يوم، وينهمك المنتسبون إليه من كل الأجناس والألوان والطبقات بكل فعالية في إقامة هيكل نظامه العالمي الجديد. إن إنجازات مثل هذه لأعظم دليل على تحقق كلمات حضرة بهاءالله المنزلة في هذا اللوح قبل قرن ونيف. أورد حضرة بهاءالله في هذا اللوح أيضا مثل النهر ليبين أن فيض العناية الإلهية ينزل على الكائنات بالتساوي إلا أن لكل منها نصيبا على قدر استعداده.

ويستعرض في اللوح بالإضافة إلى ذلك المعجزات المنسوبة إلى الرسل والأنبياء، ويبين أن على المرء ألا ينكر إتيانها من قبل هذه النفوس المقدسة، ويؤكد على عدم اعتبارها دليلا قاطعا على أحقية رسالاتهم. فالكلمة الإلهية كانت ولا تزال الدليل الأعظم والحجة الأتم على صدق الدعوة. فكل مخلوق في الوجود يعد معجزة بحد ذاته إذا نظرنا إليه بعين البصيرة. فلنأخذ مثلا تلك الطاقة المنبعثة من الشمس. إنها معجزة حقا، فعقل الإنسان لا يستطيع أن يصدقها ما لم ير أشعتها بأمّ عينه.

وهناك الإشارات العديدة في آثار حضرة بهاءالله إلى المعجزات، وفي جميعها يعتبر الكلمة الإلهية المنزلة على لسان الرسول أعظم قوة مؤثرة في العالم. فالقوة الخلاقة للكلمة هي معجزة دائمة لا تنمحي على مر الزمن، والمعجزات الأخرى إن حصلت فإنها تقنع مشاهديها ولا تقيم برهانا قاطعا لمن لم يشاهدها.

نسب أتباع كافة الديانات إلى رسلهم وأنبيائهم معجزات جمة تناقلتها التقاليد من جيل إلى جيل دون إدراك معانيها الحقيقية بالكامل، وبنيت عليها عبر القرون عقائد ومذاهب أضحت حجابا بين الإنسان والله.

وفي بلاد الشرق، أثناء سني حياة حضرة بهاءالله، حين كان وهج الإيمان يغمر قلوب الناس، تمسك أتباع هذه الديانات بمعتقداتهم بكل شدة بل وبتعصب في أغلب الأحيان، وكان على المبلغين البهائيين أن يقودوهم من الاعتقاد الأعمى بالمعجزات إلى الإدراك العقلاني للصفات الإلهية والقوى الروحانية المتجلية في المظاهر الإلهية. كان جل اهتمامهم بأن يبينوا لأتباع الديانات حقيقة رسلهم وصدق دعواهم قبل أن يشرحوا مقام حضرة بهاءالله وأحقية دعوته. وعندما يفلح المتفرس في فهم الصفات الروحانية بسهولة فلن يجد صعوبة في عرفان مقام حضرة بهاءالله. وقد أكد حضرة المسيح هذه الحقيقة بقوله لليهود: "لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني..." (إنجيل يوحنا، إصحاح 5، آية 46).

ينصح حضرة بهاءالله الشخص الذي وجه إليه هذا اللوح بأن "يملك قلبا جيدا حسنا منيرا ليملك ملكا دائما باقيا أزلا قديما".(1) ويؤكد بأنه لن يجد أفضل منها نصيحة لنموه الروحي ووصوله إلى الحياة الأبدية.

ويبدو أن هذا اللوح المبارك قد نزل في وقت كان قلب حضرة بهاءالله يمتلئ همّا وأسى. فقد قام نفر من مرافقيه عديمي الوفاء كميرزا يحيى وشريكه سيئ السمعة السيد محمد الإصفهاني، بإظهار الحقد والحسد تجاه حضرته حتى أنه -كما ورد في اللوح- بات مترددا عن الاسترسال في الكتابة. فقرر رفع القلم

_____________________________________________________________________

(1) يستعمل حضرة بهاءالله الكلمات نفسها في "الكلمات المكنونة" العربية رقم 1.

عن إنزال الكلمات الأكثر عمقا وحكمة، تحسبا لردود الفعل من طرف هؤلاء بالنسبة لكلماته حيث أنه كان متأكدا من أنهم سوف يثيرون الحقد والبغض إذا استرسل حضرته في الكشف عن هذه الحقائق الروحانية أو إظهار لآلئ المعرفة المكنونة في قلبه المبارك.

"مدينة الرضا"

"مدينة الرضا" لوح آخر نزل في بغداد باللغة العربية، ويصف فيه حضرة بهاءالله ميزات "الرضا ونور الإذعان" ويكشف عن خفياته ووجوهه المتعددة، ويبين أن المطلب الأول لأولئك السالكين في درب الرضا هو الإذعان لمشيئة الله وقبول ما يقدره لهم بالرضا والتسليم والإقرار بما نزل من قلم الرب الأعلى بكل سرور(1).

أما الوجه الآخر للرضا فهو رضاء المؤمن عن نفسه، وكما يتفضل حضرة بهاءالله فإن الإنسان لن يصل إلى هذا المقام إذا ارتكب في حياته خطيئة واحدة مهما بدت ضئيلة، إذ من المحال أن يرضى عن نفسه طالما بقي مشدودا إلى هذا العالم، ولن يشعر بالطمأنينة من ظل متبرما مما قدره الله له من معاناة ومصاعب في هذه الحياة. فكيف يدعي محبة الله من استاء من قدره؟ إن مقام التسليم الحق هو القبول بالامتحانات والبلايا الممنوحة من الله بالرضا والإذعان.

وبالإضافة إلى ذلك هناك وجه الرضا المتمثل في الابتهاج بلقاء الأحباء والتواضع أمامهم، فالاستعلاء على أحدهم إنما هو استعلاء وتكبر على الله لأن الإنسان لا يستطيع أن يفوز برضاء الله ما لم يفز برضاء أحبائه.

_____________________________________________________________________

(1) كان حضرة بهاءالله يأمر البابيين باتّباع أحكام دين حضرة الباب إلى أن أعلن دعوته رسميا.

ومع أن حضرة بهاءالله أنزل اللوح قبل إعلان دعوته فإنه يرمز إلى نفسه بصورة غير مباشرة. فهو عندليب يشدو ألحانه، وهو أيضا النور الساطع في مصباح التقديس، ويشبّه الأمر الإلهي بسفينة الله داعيا أهل البيان لهذا الفلك موبخا إياهم على سباتهم بينما شمس الحقيقة(1) في أوج طلوعها، ويبشرهم بأنه سينفخ في الصور(2) قريبا وتفتح أبواب الرضوان(3) وسيظهر الله نفسه بظهور جديد.

ويذكّر الأحباء أيضا بأن هذا العالم وما فيه وهم زائل ويدعوهم إلى الصبر في المحن والمشقات ويبشر الصابرين بأجر الله وثوابه.

ويوجه اللوم إلى أهل العالم الذين أعرضوا عن الخالق وأقبلوا إلى أنفسهم وإلى هذه الدنيا ويدعوهم للرجوع إلى الله وأن يتفكروا بأحوال العالم المتقلبة فما حياة الإنسان إلا رحلة قصيرة.

"مدينة التوحيد"

نزل "لوح مدينة التوحيد" في حق الشيخ سلمان، أحد أتباع حضرة بهاءالله الأوفياء من قرية هنديان في جنوب غرب بلاد فارس، وكان في الأصل يدعى الشيخ خنجر، إلا أن حضرة بهاءالله أسماه سلمان تشبيها بأحد صحابة الرسول الكريم وهو "روزبه الفارسي" الذي أكنّ له الرسول محبة عظيمة وأعطاه اسم "سلمان".

أمضى حضرة بهاءالله أربعين عاما من ولايته في المنفى بعيدا

_____________________________________________________________________

(1) حضرة بهاءالله.

(2) ذكر في القرآن الكريم إشارة إلى إعلان دعوة بهاءالله.

(3) الجنة أو الفردوس. وجدير بالذكر أن حضرة بهاءالله أعلن دعوته عام 1863م في حديقة خارج بغداد عرفت بحديقة الرضوان.

عن وطنه حيث يقيم أغلب أتباعه، فاستدعت الضرورة فتح قناة من الاتصال لنقل رسائله وألواحه إلى أحبائه. وغالبا ما كان يأتمن أحباءه الزائرين في محضره لإيصال بعض ألواحه لأصحابها حين العودة، إلا أن مثل هذا العمل لم يكن سهل التنفيذ دائما لأن أعداء الأمر كانوا يقظين داخل الوطن الفارسي والدول المجاورة فينشرون عيونهم على الحدود الفارسية وداخل البلاد ويصادرون كل ما يتعلق بالأمر الكريم.

قام الشيخ سلمان بدور رئيسي في نقل ألواح حضرة بهاءالله إلى الأحباء في بلاد فارس وأصبح مشهورا بينهم بـ"رسول الرحمن" وهو لقب أسبغه عليه حضرة بهاءالله مخلدا إياه في صفحات التاريخ. وكان أول مبعوث يصل العراق بعد ورود حضرة بهاءالله إليه بوقت قصير، ومنذ ذلك الوقت وخلال أربعين عاما حتى نهاية ولاية حضرة بهاءالله دأب على حمل الألواح إلى المؤمنين في الديار الفارسية، وحاملا رسائلهم إليه حين العودة. وفي كل عام كان يزور مولاه قاطعا آلاف الأميال مشيا على الأقدام في أغلب الأحيان. لم يكن له مستقر خلال تلك السنين بل كان دائم التنقل من مدينة إلى أخرى لمقابلة الأحباء وتسليمهم الرسائل وتزويدهم بأخبار محبوبهم. وبعد صعود حضرة بهاءالله استمر في هذه الرحلات لعدة أعوام في خدمة حضرة عبدالبهاء وفي كل سفراته سلك طريق الحكمة والحذر بحيث لم يقع في أيدي الأعداء أي من الألواح المباركة التي حملها.

كانت لدى الشيخ سلمان قدرة جسدية على التحمل هائلة، فقد تعرض للتعذيب القاسي خلال رحلاته عدة مرات، تحمّلها جميعها بقوة إيمانه بغاية الثبات والتسليم. عاش فقيرا، وكان طعامه اليومي بسيطا يقتصر في الغالب على رغيف من الخبز والبصل النيئ. كان أميا، إلا أن المعرفة الإلهية كانت هبة له من

حضرة بهاءالله. وبفضل هذه الموهبة تمكن من الوصول إلى إدراك أعمق لحقائق الأمر الإلهي ورؤية صافية لعوالم الروح.

كان الأحباء الذين يرغبون في التشرف بالمحضر الأنور يحصلون على إذن من حضرة بهاءالله نفسه، وفي هذا كان يعتمد كثيرا على سداد رأي الشيخ سلمان حتى أنه أوكل إليه في بعض الأوقات صلاحية منح الإذن بالنيابة عنه لمن طلب شرف الزيارة.

تطالعنا في سيرة حياة الشيخ سلمان نوادر كثيرة ترسم لنا صورة حية عن طبيعته البسيطة وبصيرته النافذة وحكمته ولباقته في مجابهة المخاطر والصعاب، وفوق هذا كله نلمس إيمانه العميق بحضرة بهاءالله. وفي مذكرات الحاج محمد طاهر المالميري نجد حادثة شيقة تخبرنا عن سداد رأي الشيخ سلمان وعمق إدراكه.

تشرف الحاج محمد طاهر المالميري -الذي ورد ذكره في فصل سابق- بحضور حضرة بهاءالله في عكاء حوالي عام 1878م، ثم عاد إلى فارس برفقة الشيخ سلمان. وفي مذكراته وصف لرحلتهما إلى شيراز حيث نقرأ:

قبل وصولنا شيراز، وفي قرية زرقان، أرسل الشيخ سلمان رسالة إلى الحاج السيد إسماعيل الأزغندي -وهو بهائي- يرجوه القدوم لملاقاتنا خارج المدينة، ذلك لأنه كان يحمل معه عددا من الألواح المباركة وبعض الآثار البهائية الأخرى حتى يحملها الحاج معه إلى شيراز، لأن كل مسافر ضمن القافلة كان يتم تفتيشه حين دخول المدينة.

وتلبية لهذا الرجاء قدم الحاج السيد إسماعيل إلى زرقان راكبا حماره، وتسلم الألواح المباركة والآثار الأخرى وأخذها إلى شيراز. وبعد إجراء التفتيش في نقطة العبور توجهنا مباشرة إلى منزله في شيراز. اعتاد مضيفنا أن يقضي معظم وقته مع

مشير المُلك(1) الذي استقال مؤخرا من منصبه الحكومي وخلفه فيه ابن أخيه، ومن عادة مشير الملك هذا أن يقضي معظم أيامه في منزله الريفي حيث انجذب للأمر الإلهي بواسطة بستاني بهائي يعمل عنده.

وبعد إيمانه بالأمر المبارك انتدب مشير الملك صديقه الحاج السيد إسماعيل للتشرف بمحضر حضرة بهاءالله لينوب عنه في تقديم ألف تومان ومحفظة أقلام ثمينة(2) هدية منه، فنالت المحفظة عناية حضرة بهاءالله بالموافقة إلا أنه أهدى المال لحامله، وأنزل لوحا لمشير الملك حمله له الشيخ سلمان إلى شيراز وسلمه إياه صديقه الحاج السيد إسماعيل.

وعندما سمع مشير الملك بوجود الشيخ سلمان في شيراز، أبدى رغبته في مقابلته وطلب من صديقه إحضار الشيخ إلى منزله في اليوم التالي، إلا أن الشيخ سلمان لم يرغب في المقابلة فرفض الدعوة متعللا بضيق الوقت لأنه على عجلة من أمره لمغادرة شيراز، وعندما علم مشير الملك بجواب الشيخ هذا، ولشوقه الشديد لهذه المقابلة، قال:

"بما أن الشيخ سلمان يود الرحيل بهذه السرعة فسأذهب إلى مكان إقامته في الصباح". وبمجرد أن نقلت هذه الرسالة للشيخ سلمان استدار نحوي وقال: "لنجمع أمتعتنا ونترك هذا المكان". وبالفعل تركنا منزل الحاج السيد إسماعيل وأقمنا في خان بالمدينة.

لم يستطع الحاج السيد إسماعيل إدراك سر رفض الشيخ

_____________________________________________________________________

(1) شخصية مدنية مرموقة في شيراز شغل مناصب رفيعة في الأوساط الحكومية، كان لمثل هذه الشخصيات في ذلك الوقت مكانة خاصة لدى عامة الناس تحظى بعظيم الاحترام.

(2) يبدو أن مشير الملك لم يكن ثابتا في إيمانه وبحكم منصبه كان يخفي إيمانه.

سلمان مقابلة مشير الملك وعندما رجاه الرجوع عن قراره أجابه: "إذا قابلني مشير الملك فلسوف يفقد إيمانه ويترك هذا الدين"، ولما ضغطت عليه لمعرفة الأسباب قال: "لقد سمع مشير الملك كثيرا من الروايات والأحاديث عن سلمان الفارسي، منها القصة الخيالية التي تقول بأن النار ليس لها تأثير على قدمي سلمان الفارسي، وأنه كان يضع قدميه في المدفأة بدل الحطب لتسخين الطعام، ولا شك أن مشير الملك يتوقع رؤية مشاهد كهذه تصدر عني، أو ربما يعتقد أن لي وجها مشرقا جميلا كالملائكة، وعندما يرى وجهي القبيح ومظهري الخشن سيترك الدين حتما". وفيما بعد ذكرت هذه القصة بمحضر حضرة بهاءالله الذي أكد بأن الشيخ سلمان كان محقا في شعوره وأن مشير الملك كان سيترك الدين لو تمت المقابلة.(1)

اكتسب الشيخ سلمان بصيرة ثاقبة ساعدته على فهم آثار حضرة بهاءالله جاءت نتيجة معاشرته الطويلة للأحباء ومعرفته الدقيقة بروح الأمر، ومثال ذلك ما رواه الحاج محمد طاهر أنه أثناء رحلتهما معا إلى شيراز كان الشيخ سلمان يحمل عددا من الألواح المباركة لتوزيعها على الأحباء في بلاد فارس، إلا أن أيا منها لم يحمل اسم صاحبه، ربما لحمايته، وكان الشيخ بمجرد وصوله إلى مكان آمن خلال الرحلة يخرجها ويطلب من الحاج محمد طاهر تلاوتها لأنه كان أميا، فمن مضمونها ولحن القول كان يعرف المقصود بها فيطلب من الحاج كتابة الأسماء عليها.

تلك الوقائع وكثير غيرها في حياة الشيخ سلمان تبرهن على طهارة قلبه وصفاء رؤيته، ومع أنه كان أميا، فقد وهب إدراكا عميقا للحقائق الروحية والأسرار الإلهية وصار عملاقا من عمالقة الدورة البهائية الروحانيين.

أنزل حضرة بهاءالله عدة ألواح في حق الشيخ سلمان تعالج معظمها مواضيع هامة وعميقة. وما "لوح مدينة التوحيد" إلا مثال عليها، إذ نزل باللغة العربية، وموضوعه الأساسي وحدانية الله، الذي التمس الشيخ شرحه، وقد أكد حضرة بهاءالله على أن وحدانية الله لها مظاهر لا عد لها ولا حصر، ومعظمها فوق إدراك البشر.

إلا أن وصف حضرة بهاءالله لـ"ذات الله" على أنه اللامثال ولا يمكن الوصول إليه أو إدراكه، وأنه القدير على كل شيء، والمستغني عن كل شيء، مشابه لما ورد في ألواح أخرى، والكلمات التالية لحضرته، التي يناجي فيها ربه ويمجد خالقه، هي مثال على ذلك:

"سبحانك سبحانك يا محبوبي من أن تعرف بأعلى عرفان الموجودات، سبحانك سبحانك من أن توصف بأبهى وصف الممكنات، لأن منتهى عرفان العباد في منتهى ذروة القصوى لن يقدر أن يصعد عن حد الإنشاء، ولن يمكن أن يتعارج عن شأن الإمكان وبما قدر له من شؤون القضاء، فكيف يقدر ما خلق بمشية الإمكانية في رتبة الإمكان أن يصعد إلى هواء قدس عرفانك أو يصل إلى مقر عز اقتدارك، سبحانك سبحانك من أن يطير الفاني إلى عرش بقائك أو يصل الفقير إلى ذروة استغنائك، لم تزل واصف نفسك لنفسك بنفسك وناعت ذاتك لذاتك بذاتك، فوعزتك يا محبوبي لم يكن غيرك مذكورا حتى يعرفك ولا دونك موجودا ليذكرك، أنت الذي لم تزل كنت في ملكك بظهور عز وحدانيتك وطلوع قدس كبريائيتك، ولو يذكر في ممالك الإنشاء من أعلى نقطة البقاء إلى منتهى رتبة الثرى أحد دونك كيف يثبت استوائك على عرش فردانيتك ويعلو بدائع ذكرك في كلمة توحيدك

ووحدانيتك، وأشهد حينئذ بما شهدت به لنفسك قبل خلق السموات والأرض، بأنك أنت الله لا إله إلا أنت لم تزل كنت قادرا بمظاهر قدرتك لآيات قدرتك وعالما بمطالع علمك بكلمات علمك، ولم يكن دونك من شيء ليذكر تلقاء مدين توحيدك ولا غيرك من أحد حتى يوصف في ساحة قدس تفريدك".(2)

وكذلك يتفضل:

"سبحانك يا إلهي أشهد بأن كل ذكر بديع منع عن الارتقاء إلى سماء عرفانك وكل ثناء جميل منع عن الصعود إلى هواء علمك، لم تزل كنت مقدسا عما عند عبادك ومنزها عن وصف أرقائك، ما شأن العدم ليذكر تلقاء القدم، أشهد بأن توحيد الموحدين ومنتهى ذكر العارفين يرجع إلى مقر الذي خلق من قلم أمرك وذوت بإرادتك، فوعزتك يا محبوب البهاء وخالق البهاء لا يرى البهاء لنفسه إلا العجز عن ذكرك وثنائك على ما ينبغي لعظمتك وإجلالك، لما كان الأمر كذلك أسئلك برحمتك التي سبقت الكائنات وفضلك الذي أحاط الممكنات بأن تقبل من عبادك ما يظهر منهم في سبيلك، ثم أيدهم على إعلاء كلمتك، وانتشار ذكرك إنك أنت المقتدر على ما تشاء لا إله إلا أنت العزيز الحكيم."(3)

وفي العديد من ألواحه ومناجاته أعلن حضرة بهاءالله وجود الله، واصفا كمالاته، معظّما جوهره، ومن مآثر حضرته في المعارف الدينية أن أظهر للإنسان في هذا العصر، وعلى قدر استعداده، حقيقة الطبيعة الإلهية كاشفا عن بعض أسرار الخليقة مزيلا كثيرا من الأفكار الخاطئة والنظريات التي ابتدعها الإنسان عن خالقه تعالى.

يتحدث حضرة بهاءالله في "لوح مدينة التوحيد" عن المظهر الإلهي ويوضح أنه بسبب استحالة إدراك الإنسان لجوهر الله فقد أرسل رسله ومختاريه بفضله وعنايته وأظهر بواسطتهم كافة صفاته، لذا فإن معرفتهم هي معرفة الله، وطاعتهم هي طاعة له، وأن أقصى ما يمكن للإنسان معرفته عن الله هو عرفان مظهر نفسه.

وفي أحد ألواحه يشبه حضرة بهاءالله المظهر الإلهي بالمرآة التي تعكس الشمس. فالمرآة طبيعتها مادية إلا أنها عاكسة لنور الشمس. وكذا الأمر في المظهر الإلهي الذي يعكس جميع الصفات الإلهية مع أنه من عنصر الإنسان. وهناك الإشارات العديدة في آثار حضرة بهاءالله وحضرة الباب والكتب المقدسة الأخرى إلى أسماء الله وصفاته التي تتجلى في هذه الخليقة.

هناك دعاء لطيف عادة ما يردده أهل المذهب الشيعي خلال شهر رمضان، وهو ابتهال إلى الله بأسمائه الحسنى ويتألف من تسعة عشر ابتهالا يدور كل واحد حول أحدها ويبتدئ بالبهاء، وقد أخذ حضرة الباب هذه الأسماء بترتيبها وأطلقها على الشهور التسعة عشر في التقويم البياني وكل شهر من تسعة عشر يوما وهو أساس التقويم البديع(1) للدورة البهائية.

وفي أحد الأحاديث الإسلامية المعروفة ورد أن اسم الله الأعظم هو أحد الأسماء التسعة عشر، وقد فشل كثير من الفقهاء في حل هذا اللغز، إلا أنه في أواخر القرن السادس عشر للميلاد أعلن عالم معروف أن اسم الله الأعظم هو "بهاء"، وبعدها أطلق

_____________________________________________________________________

(1) حدد حضرة بهاءالله البدء بهذا التقويم 1844م -سنة إعلان دعوة حضرة الباب- ورقم موضع أيام الهاء وطلب من النبيل الأعظم حوالي عام 1871م كتابة التقويم وتعميمه على الأحباء بتفاصيله.

العالم على نفسه اسم "الشيخ بهائي". وقد ولد في لبنان عام 953ه‍ وارتحل في صباه إلى بلاد فارس حيث تلقى علومه ثم ارتقى إلى أن وصل بلاط الشاه عباس ونال مقاما رفيعا لإنجازاته في الفنون والعلوم والفقه.

أكد حضرة بهاءالله أن المراد بالاسم الأعظم هو "بهاء" وأن كل اشتقاق من الكلمة باللغة العربية يعد اسما أعظما أيضا، وقد مجد حضرة الباب اسم البهاء مشيرا إلى الاسم بكل جلال في آثاره، لأنه كان عليما بمقام حضرة بهاءالله مظهرا كليا إلهيا. فقد قام حضرة الباب مثلا، بكتابة ثلاثمائة وستين اشتقاقا من كلمة "بهاء" على لفافة من الورق على شكل نجم خماسي وأرسلها قبل استشهاده إلى حضرة بهاءالله مصحوبة بأختامه وبعض الوثائق والألواح الأخرى.

ويذكر حضرة بهاءالله في "لوح مدينة التوحيد" أنه وإن كانت صفات الله كثيرة جدا فإن سبحانه وتعالى في عالمه مقدس عن كافة الصفات ومنزه عن سائر الأسماء، وإن نعته بصفة مرده إلى التحديد، فلا سبيل للتعدد في ملكوت الله، فذاته وصفاته واحد لا يتجزأ أو يختلف. إن تعدد الصفات من لوازم عوالم المظاهر الإلهية حيث تظهر من هذه النفوس المقدسة صفات عدة كالمحبة والعلم والقدرة والسلطنة.

ويؤكد في هذا اللوح أن الله سبحانه وتعالى يرسل مظاهره إلى عالم خلقه بمحض فضله ليكشف لهم تعاليمه ويحثهم على اتباع الصراط المستقيم. ولكن الإنسان في حياته الدنيا منح حرية الاختيار، فإما أن يتبع طريق الحقيقة أو أن يهيم في بيداء النفس والهوى، وأيّا كان الاختيار فإن الله يعين عبده من خلال عدله، ومن غير الإنصاف للحق أن يقسر عباده فيجبرهم على تغيير

مسلكهم، وتلك آية تبين العلاقة بيت صفتي الله: الفضل والعدل.

ثم يأتي إلى شرح وحدانية الله وأنه لا إله إلا هو، وقد تعبده أجناس مختلفة بطرق متباينة، إلا أن كلماتهم طالما كانت طاهرة فإنها تصعد إلى عتبة قدسه وتلقى القبول لديه.

وفي حديثه عن مظاهر الله يؤكد حضرة بهاءالله على توحدهم دون أي اختلاف لأنهم يظهرون الكمالات نفسها حيث يتفضل بهذه الكلمات التامات في "لوح مدينة التوحيد":

"إياكم يا ملأ التوحيد لا تفرقوا في مظاهر أمر الله ولا فيما نزل عليهم من الآيات وهذا حق التوحيد إن أنتم لمن الموقنين وكذلك في أفعالهم وأعمالهم وكلما ظهر من عندهم ويظهر من لدنهم كل من عند الله وكل بأمره عاملين ومن فرق بينهم وبين كلماتهم وما نزل عليهم أو في أحوالهم وأفعالهم في أقل مما يحصى لقد أشرك بالله وآياته وبرسله وكان من المشركين."(4)

ويبين حضرته في هذا اللوح أيضا أنه وإن كان لا يوجد اختلاف جوهري بين مظاهر أمره، إلا أنهم يتفاوتون في شدة التجلي الإلهي، وإلى هذا يعزى تفضيل بعضهم على بعض درجات. ثم يتحدث عن سمو مقام حضرة الباب وينعته بـ"النقطة التي تدور حولها أرواح النبيين والمرسلين" ومع أن حضرة بهاءالله لم يكن قد أعلن دعوته بعد، إلا أنه يشير إلى ظهوره بأنه "يوم الله" عندما تفتح أبواب الرضوان أمام جميع البشر، فذلك اليوم نهار لن يعقبه ليل، ويوم يشاهد الإنسان فيه وجه الله نفسه(1).

_____________________________________________________________________

(1) هناك عدة دلالات في القرآن الكريم والحديث الشريف إلى اليوم الذي يستطيع فيه الإنسان لقاء الله. وقد أعلن حضرة بهاءالله بكل وضوح أن السبيل إلى ذات الغيب مسدود لذلك فإن محط هذه النبوءات ليست سوى نفسه.

"سورة القدير"

من آثار حضرة بهاءالله الكتابية التي نزلت في بغداد أيضا "سورة القدير"، وفيها يظهر حضرته تلك القوى الكامنة في هذه الصفة الإلهية ألا وهي صفة القدرة، ويعلن بأن يوم الله القدير الذي أحاط بهاؤه الخلائق أجمعين قد أشرق بنزول هذه السورة. ويدعو الناس بأن يوجهوا قلوبهم شطر نور ذلك اليوم ليستضيئوا منه ويشاهدوا في أنفسهم ظهور هذا الاسم العزيز القدير.

ويعلن بوضوح أن من استنار قلبه بأنوار يوم الله سيمتلئ قوة تمكنه من تحقيق كل ما يرغب، ولو اجتمع عليه أهل الأرض كلهم، فإن قدرة الله الغالبة سوف تنصره بحيث يصد هجومهم لوحده ويؤكد هيمنته عليهم ولكن من منع نفسه عن مصدر القوة هذا يعجز عن إدراك قدرة الله وجبروته.

تملأ صفحات تاريخ هذا الدين قصص بطولة أصحاب حضرة بهاءالله وأتباعه، ومع أنهم في الظاهر كانوا ضعفاء عاجزين، إلا أن قوى التأييد المتتابعة من عليائه نفخت في روحهم قوى أظهرتهم عمالقة قادرين على قهر كل حاجز منيع، حقا لقد صنعوا ما تكلم عنه السيد المسيح من معجزات: "... فالحق أقول لكم، لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم".

(إنجيل متى، إصحاح 17، آية 20).

ويحذر حضرة بهاءالله الذين يمتلكون هذه القدرة ويصلون إلى قمة هذه السطوة والقوة، أن عليهم أن يقوا أنفسهم شر الغرور والغطرسة، ويلمح إلى ميرزا يحيى، الذي ركب مطية الزهو والخيلاء بمركزه الرفيع فتكبر على مولاه وجحد أمر الله.

ويصرح حضرة بهاءالله أن هذه السورة أطلقت في العالم قوى يستطيع الإنسان أن يظهرها بنفسه حسب استعداده. وكما تفضل حضرة عبدالبهاء في كلمته الموجهة إلى أول جمع من المستمعين له في العالم الغربي في كنيسة سيتي تمبل في لندن عام 1911م:

"قد تنورت آفاق الأرض وعمّا قريب يصبح العالم جنة عليا. ودنت ساعة اتحاد أبناء الإنسان وتعانق كافة الأجناس والأعراق."(5)

يدل تاريخ البشرية أنه منذ آلاف السنين، كان تقدم الإنسان في كل مجال بطيئا باهتا، إلا أنه بظهور حضرة الباب وحضرة بهاءالله، تسارعت عجلة التقدم بشكل مدهش، وأصبح الإنسان اليوم يمتلك قوة ارتاد بها الفضاء وربما يصل بها إلى الكواكب الأخرى، وما لم تقترن هذه الإنجازات بالتطور الروحاني فإنها ستجلب في أعقابها هلاك الإنسان على هذه الأرض.

يهدف ظهور حضرة بهاءالله إلى خلق التوازن بين الروحانية والمادية لتتمكن هذه القوى من العمل في قنوات سليمة مناسبة تقدم للإنسانية أروع عصر في تاريخها. وقد زخرت تعاليم حضرة بهاءالله بوسائل وتدابير كافية لتأسيس مدنية إلهية، ووضع الملامح الأساسية لنظام عالمي جديد لبني البشر. ويعمل البهائيون في أنحاء العالم بكل همة ونشاط في بناء مؤسسات ذلك النظام التي لا زالت في طور الجنين، يملؤهم اليقين بأن ملكوت الله على الأرض، موعود كل الرسل، لن يتحقق إلا بنظام إلهي عالمي يحتضن العالم كله.

إن القوى التي أطلقها حضرة بهاءالله وانسابت في العالم الإنساني لهي مستمرة الازدهار، ولا يستطيع أحد أن يدرك يناعة ثمارها أو يتصور عظمة العصر الذهبي لدينه وروعته الذي قدر له أن

يبرز إلى الوجود بعد تأسيس نظامه العالمي. وفي إشارته لظهور هذا اليوم يتفضل بهذه الكلمات:

"إن المقامات العالية التي يمكن للإنسان أن يحصل عليها بفضل من الله، في هذا اليوم، لم تنكشف لعينه بعد، لأن عالم الخلق لم يكن له بها طاقة وأنه لا يزال غير قادر على احتمال هذا الأمر ولسوف يأتي يوم تنكشف للناس بأمر من لدنه مكنونات هذه الموهبة الكبرى."(6)

وكذلك يتفضل:

"إن الأرض اليوم في حالة المخاض ولسوف يأتي يوم فيه تحمل أعظم الفواكه ومنها ترتفع الأشجار العالية وتخرج الأزهار المفرحة والبركات السماوية تبارك النسيم الذي يتموج به قميص ربك المجيد، قد فاحت نفحاته وجددت كل الأشياء طوبى للعارفين."(7)

وفي "سورة الهيكل" -إحدى ألواحه العظيمة التي نزلت في عكاء- يعلن حضرة بهاءالله قائلا:

"قل اليوم قد هبت لواقح الفضل على كل شيء بحيث حمل كل شيء على ما هو عليه إن أنتم أنفسكم لا تحرمون. مثلا حملت الأشجار من أثمار البديعة والبحور من لئالئ المنيرة والإنسان من المعاني والعرفان والأكوان من تجليات الرحمن والأرض من بدايع الظهور فسوف يضعن كل حمله فتبارك الله من هذا الفضل الذي أحاط كل الأشياء عمّا ظهر وعمّا هو المكنون."(8)

إن "سورة القدير" التي نفث بها حضرة بهاءالله روح القوة والقدرة في الآفاق لهي مثال على القوة الخلاقة لما ينطق به.

فبكلماته المباركة أظهر للبشرية صفات أخرى إلهية، ويشهد بذلك في أحد ألواحه حيث يتفضل:

"وكذلك فانظر في كل الأسماء وكن على يقين منيع. قل إن كل حرف تخرج من فم الله إنها لأم الحروفات وكذلك كل كلمة تظهر من معدن الأمر إنها لأم الكلمات وإن لوحه لأم الألواح فطوبى للعارفين..."(9)

"لوح الحروفات العاليات"(1)

"الحروفات العاليات" لوح من ثمانية أجزاء أنزله حضرة بهاءالله في ذكرى وفاة ميرزا محمد الوزير، أحد أبناء عمومته الذي توفي في "نور" وأرسل اللوح إلى كل من مريم، شقيقة ميرزا محمد وزوجته حواء ليعزيهما ويواسيهما في مصابهما وشعورهما بالوحدة.

لقد أشير إلى مريم في فصل سابق، وهي التي كانت مخلصة لحضرة بهاءالله ولأمره الكريم، كما كانت عزيزة عليه، وكان ميرزا محمد الوزير أول من آمن بحضرة الباب، في مقاطعة "نور" من عائلة حضرة بهاءالله، وبفضل حضرته، وذلك في عام 1844م.

نزل "لوح الحروفات العاليات" أصلا باللغة العربية ولكن حضرة بهاءالله نقله إلى لغة فارسية بديعة الأسلوب وذلك بناء على توسل بعض الأحباء. ويتضمن اللوح موضوع الموت والحياة بعد الموت، وغالبا ما يتلى في إحياء ذكرى الأحباء المتصاعدين.

بعبارات دافقة بالحيوية، يصور حضرة بهاءالله الخلق ويخص

_____________________________________________________________________

(1) ويسمى أيضا "مصيبات الحروفات العاليات".

بالدرجة الأولى حياة المؤمن نفسه، فيصف مجيء الإنسان للوجود ومراحل خلقه المختلفة: في البدء كان نطفة في أصلاب الآباء ومن صلب إلى صلب انتقلت حتى أضحت جنينا في رحم الأم.

يعدد اللوح آلاء الله ونعمه التي غمر بها روح المؤمن منذ خلقه، ثم كيف حباه بأيادي سره ولطائف رأفته، فوهبه روحا أبدية سرمدية، وصوره على شاكلته، وهيأ له حياة الدنيا، وعجنه في خلق نبيل، ومكنه من النمو في ظل عنايته، ووهبه نعمه وألطافه، وأنار بصره ليشاهد عظمة الخليقة وجمالها ووسعها، وجعله قادرا على عرفان مظهر نفسه ونيل الحياة الأبدية.

ويبين حضرة بهاءالله أيضا بأن المؤمن الذي تحلى بروح الإيمان، سيفوز بمرتبة الإيقان ويصبر على المحن والآلام في سبيل الله، وسيزهد في الدنيا ويهب نفسه كلية لمعبوده، وتفوح منه روائح القوة والمجد وسائر الفضائل التي تزينت بها روحه.

وبعد تمجيد الروح ووصف خلودها بإسهاب وبلاغة فائقة يعرج حضرة بهاءالله إلى الموت المادي ويسترسل في وصف البلايا التي حاقت بهيكله العنصري. وعند حصول الموت المادي يصبح وعاء الجسد عديم النفع للروح، فتتخلى عنه ويوارى في التراب. فالكائن الذي كان يوما نبّاضا بالحياة، وأثرت كلماته وأفكاره وأفعاله في الآخرين، وأدخل الفرحة والحبور إلى نفوس أقرانه بما أغدق عليهم من كرمه وعطفه ومحبته قد توارى الآن خلف العالم، بحيث مُنعت رجلاه عن المشي ويداه عن الأخذ وبصره عن مشاهدة "جمال الله" وسمعه عن استماع "نغمات الله" واتحاد الجسد والروح طيلة الحياة ولّى، فصعد أحدهما إلى أوج العلا وتوارى الثاني تحت أطباق التراب في عالم الفناء.

ثم يشير في اللوح نفسه إلى الموت على أنه مرض يصيب

الجسد، ويؤكد أن العوالم الروحانية طالما هي مخفية عن أعين البرية "لذا صعب على العباد حكم الفراق... وعزيز على الأحباء ظهور الفناء في هياكل البقاء... بحيث لن تطيقه أفئدة ولن تحمله عقول..." ولذلك ينصحهم أن يتوجهوا بكليتهم إلى عوالم الله الروحانية وإلى الروح وخلودها.

وفي ألواح أخرى يشير حضرة بهاءالله إلى عادات الأمم المختلفة وتقاليدها المتباينة في حدادها على موتاها. فبعضهم يعزفون الموسيقى المرحة وآخرون يبكون وينوحون بشكل متواصل ويولولون ويضربون رؤوسهم. فاستنكر حضرة بهاءالله هذا التطرف على نوعيه، وأمر أتباعه أن يسلكوا سبيل الاعتدال، وطلب منهم أن يتفكروا بمصيرهم أثناء حزنهم على فقيدهم، ويجدوا العظة في أنهم سوف يغادرون هذا العالم يوما بالأسلوب نفسه، فيعدوا أنفسهم للحياة الأخرى. ويخاطب أتباعه في "الكتاب الأقدس" بالكلمات التالية:

"لا تجزعوا في المصائب ولا تفرحوا ابتغوا أمرا بين الأمرين هو التذكر في تلك الحالة والتنبه على ما يرد عليكم في العاقبة كذلك ينبئكم العليم الخبير."(10)

وينهي حضرة بهاءالله اللوح فيوجه الكلمات الإلهية إلى مريم وحواء، فيغمرهما بعطفه ومحبته، ويغدق عليهما العزاء والمواساة بكل لطف وحنان.

"لوح الحوريّة"

نزل "لوح الحورية" في بغداد باللغة العربية وهو لوح يحرك في القلب شغافه ويثير في الروح مشاعر الدهشة والعجب. فيصور فيه حضرة بهاءالله الظهور الإلهي تصويرا رائعا. لقد ألبس تجربة

روحية نبيلة رداء الكلمات الذي يفوق الوصف وهو في الوقت نفسه ملئ بالأسرار ومثير للروح. وبقلمه الأعلى صور للملأ رؤية للصفات الإلهية على شكل دراما غاية في السمو والرفعة، إحدى شخصياتها حضرة بهاءالله نفسه، المظهر الكلي الإلهي، والأخرى حورية من السماء ترمز إلى بعض صفات الله المجيدة التي كانت محجوبة عن الخلق حتى اليوم.

إن الحوار بين الطرفين آسر للقلوب ساحر لها، يكشف في أحد جانبيه عن مقام حضرة بهاءالله وفي الآخر عن البلايا التي ألمت به من أفعال جيل ضال منحرف.

ليس وصف هذا اللوح المبارك عملا سهلا، إذا ما تذكرنا أن حضرة بهاءالله أنزله بلغة الكناية والإشارات.

"لوح آية النور"

يعرف "لوح آية النور" أيضا بـ"تفسير الحروفات المقطعة" وهو من الألواح التي يصعب جدا تقويم أهميتها. نزل هذا اللوح باللغة العربية في حق ميرزا آقا ركاب ساز من أهالي شيراز وأحد الشهداء الذين قدموا حياتهم فداء لحضرة بهاءالله.

وكان ميرزا آقا قد التمس من حضرة بهاءالله تفسير آية معينة من القرآن الكريم وشرح المعنى الحقيقي للحروف المقطعة في بدايات بعض السور والتي حيرت العديد من علماء الإسلام ودارسي القرآن الكريم.

ويجدر بالذكر أن الإمام الخامس للشيعة (الإمام محمد باقر) سبق أن وضع تفسيرا لهذه الحروف، فمثلا حدد موعد ظهور القائم، وهو ما يساوي مجموع بعض الحروف المقطعة في

القرآن أي 1260 هـ (1844م) وهي سنة إعلان حضرة الباب بأنه موعود المسلمين.

في هذا اللوح الطويل يتناول حضرة بهاءالله سؤالي ميرزا آقا، وفي معرض شرحه للمراد من الحروف المقطعة، سلط ضوءا أكبر عليها وكشف عن بعض مكنوناتها بأسلوب بليغ مدهش.

ومع أن حضرة بهاءالله كشف بعض أسرار الحروف المقطعة كما نزلت في القرآن الكريم غوامضها فإنه من غير الممكن بسطها أمام غير المتضلعين في الدين الإسلامي أو الملمين باللغة العربية.

كان للإسلام إسهام عظيم في المعارف الدينية فقد بنى أساسا قويا لإدراك الحقائق الروحانية. فالقرآن الكريم هو مخزن الكلمة الإلهية المنزلة على النبي محمد (، ولكن الإيمان بالقرآن الكريم ومعرفته لا يساعدان الفرد بالضرورة ليصل إلى فهم كامل لروح الإسلام، ذلك أنه بالرغم من توقف الوحي الإلهي بعد وفاة رسول الله، فقد استمرت الهداية الإلهية للأمة الإسلامية لمدة تزيد عن مائتي عام بواسطة الأئمة الأطهار، فمن توجه إليهم اكتسب روح الإيمان الحقيقي واستفاضت روحه من عرفان الله، أما من رفض مرجعيتهم معتمدا على فهمه الشخصي للقرآن الكريم فقد تاه وحرم من فهم معاني الكتاب الحقيقية.

كان أول إمام عيّنه الرسول الكريم من بعده هو الإمام علي بن أبي طالب، ابن عمه وزوج ابنته كما كان أول حوارييه، وأراده الرسول الكريم أن يكون وصيا على دين الإسلام وقائده الروحي. لم يكن هذا التعيين مكتوبا ولا مذكورا في القرآن بل كان شفاها وجهه الرسول الكريم لجمع غفير من أتباعه المجتمعين عند غدير خم، الأمر الذي أحدث الانقسامات التي ابتليت بها أمته بعد وفاته

مباشرة والهيجان الذي أعقب الحوادث الرهيبة التي ألمّت بالأمة الإسلامية.

لم يكن تعيين الإمام علي مقنعا ولا حاسما ملزما لغالبية أتباع الرسول الكريم، لذا صرفوا النظر عنه وتجاهلوا إرادة نبيهم وتصرفوا بخلافها وتزعم المعارضة عمر بن الخطاب الذي أصبح فيما بعد ثاني الخلفاء الراشدين، وقاد حملة ضد الإمام علي مغتصبا حقه في الخلافة ودفع الناس إلى الالتفاف حول "أبي بكر" الطاعن في السن، ذي المكانة المرموقة فبايعوه أول خليفة للمسلمين.

بقوله "حسبنا كتاب الله" أنكر "عمر" حق "علي" في الخلافة وفي تبيين آيات القرآن الكريم. ويبين حضرة عبدالبهاء بأن هذه الكلمات القليلة التي جسدت قوى الصد حملت فيما بعد بذور الشقاق والنزاع والتنافر وسفك الدماء الذي اجتاح الدورة الإسلامية. فتسببت في استشهاد الإمام علي وابنه اللامع الإمام الحسين، وجلبت الشقاء والعذاب الذي لا يوصف، وسلبت حياة عدد لا يحصى من المخلصين الذين اعتنقوا الدين الحنيف. لقد وصل تأثير هذه الكلمات -كما شهد حضرة عبدالبهاء- بحيث تسببت في استشهاد حضرة الباب بعد ألف سنة، وفي كافة المصاعب التي تحملها حضرة بهاءالله (1).

عندما يتصدى الإنسان للخطة الإلهية يتغير مجرى التاريخ. وما أدراك ما هي البركات التي قدرت للبشرية عامة وللإسلام خاصة لو أخلص أتباع الرسول للإمام علي، المؤيد بالهداية الربانية، ولكان لهم نفوذ أعظم على شعوب العالم لو انصاعوا لقيادته.

_____________________________________________________________________

(1) جاء هذا البيان في لوح مبارك يعرف بـ"لوح الألف بيت" وهو من أهم ألواح حضرة عبدالبهاء حول العهد والميثاق.

ونتيجة لعصيان الإنسان هذا، تفرق المسلمون إلى فرقتين رئيستين: فرقة السنة، وهم السواد الأعظم الذين كانوا موالين للخلفاء الراشدين فأسسوا السلطنة الزمنية للإسلام. وفرقة الشيعة، وهم الموالون للإمام علي والأئمة الأحد عشر الباقين(1) من ذريته، فقد حصروا اهتماماتهم بالشؤون الروحانية ويُعتبرون فرقة الإسلام الحقّ طبقا لشهادة حضرة الباب وحضرة بهاءالله.

إن الأئمة الذين يمجدهم حضرة بهاءالله على أنهم "أنوار الهداية الإلهية التي لا تطفأ" هم الخلفاء الشرعيون للنبي عليه السلام، والذين بفضل تفاسيرهم للقرآن الكريم وشروحاتهم لآياته أعزوا الإسلام ومجدوه، وأثروا تراثه الأدبي، وكشفوا عن العديد من الأسرار والقضايا الغامضة الواردة في الكتب الإسلامية المقدسة.

"لوح الفتنة"

نزل "لوح الفتنة" في بغداد(2) باللغة العربية في حق الأميرة شمس جهان، حفيدة فتح علي شاه وكانت تعرف بلقب "فتنة"، والتي بدأ اهتمامها بالدين الجديد لدى اتصالها بالطاهرة التي أصبحت صديقتها الحميمة.

ذهبت شمس جهان إلى بغداد وتشرفت بمحضر حضرة بهاءالله وأدركت مقامه وأصبحت مؤمنة مخلصة، ونزلت من القلم الأعلى فيما بعد ألواح عديدة في حقها ولقبّها حضرته بـ"ورقة الرضوان".

_____________________________________________________________________

(1) يعتقد معظم الشيعة بعودة الإمام الثاني عشر وأنه القائم الموعود في الإسلام.

(2) ذهب بعض الباحثين البهائيين إلى أن اللوح نزل في أدرنة، ولعل هذا هو الرأي الصائب بالنسبة لمكان نزول اللوح.

يدور "لوح الفتنة"، بمدلول اسمه، حول الامتحانات والتجارب المصاحبة ليوم الله، ويشير حضرة بهاءالله فيه إلى ظهوره الذي تمتحن فيه كل الكائنات بلا استثناء، ويمتحن كل من كان نبراس الحكمة والتقى، أو موئل العلم والفضيلة وحتى حقائق الأنبياء والمرسلين تخضع لمثل هذه التجارب والامتحانات.

ويحذر أحباءه، في العديد من ألواحه، من الامتحانات والبلايا التي ستحيق بهم بعد إيمانهم، وإن قلب الإنسان يمتحن في كل عصر عندما يشرق مظهر أمر الله بنوره في العالم. فهذه سنة الله من قبل ومن بعد فاليوم هو يوم الله وفيه نفخ في الإمكان قوى روحانية هائلة، فلا غرو، إذا كانت الامتحانات عظيمة في هذا الظهور الأعظم.

إن أمر الله في سموه وعليائه فوق عالم الإنسان، فإذا أراد المرء أن يدخل فيه وجب عليه أن يكتسب صفات إلهية، وهنا تغدو النفس وأطماع الدنيا حواجز كؤود. فالإنسان أمام امتحان ليقهر نفسه ويتغلب عليها، وبدونه لن يدرك رسول الحق، لأن للمظهر الإلهي طبيعتان: إلهية وبشرية، فالأولى دوما مخفية بالثانية، وأولئك الذين وهبوا بصيرة روحانية هم وحدهم سيخترقون حجبات الشؤون الإنسانية ويشاهدون حقيقة الظهور الإلهي. أما من عميت بصائرهم فسيمتحنون بالخصال البشرية للرسول، فلا يدركون منها سوى خصائصها الإنسانية وغالبا ما يبحثون عن خطأ ربما يجدوه في هذه النفوس المقدسة.

بعد عرفان مظهر أمره يمتحن الله المؤمن بطرق عدة، وبعد اجتياز كل امتحان تقوى بصيرته ويشتد أيمانا، وكلما اقترب من شخص محبوبه كلما اشتدت عليه الامتحانات، وعندها تغدو الحياة الروحية للمؤمن في خطر إذا كان في نفسه أي أثر من

الأنانية أو الأطماع الدنيوية.

هناك حديث شريف يشرح المصاعب والأخطار التي تصاحب السالك في رحلته إلى الله ويقول بأن: الناس هلكى إلا المؤمنون، والمؤمنون هلكى إلا الممتحنون، والممتحنون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون في خطر عظيم(1).

وفي تاريخ الأمر شواهد كثيرة على ذلك، فكم من عشاق حملهم إيمانهم إلى درجات من العلى والقرب من شخص حضرة بهاءالله ونالوا شهرة بين المؤمنين من أتباعه، وعندما هبت أرياح الافتتان خمدت نار الإيمان في قلوبهم بطمعهم وغرورهم، فحرموا من فضل الله وباتوا من الميتين. ومنهم بعض أفراد عائلته. فهذا أخوه غير الشقيق ميرزا يحيى الذي أعلن عصيانه، وبعد صعود حضرة بهاءالله نقض أمره ثلاثة من أبنائه واثنتان من بناته وعدد من الأقارب ومبلغي الأمر البارزين من الذين خدموه بتفان وإخلاص فاعترضوا على مركز ميثاقه الذي عيّنه ممثلا في شخص حضرة عبدالبهاء وقاموا يدا واحدة على إطفاء نور دينه.

يحتار بعض الناس بالنسبة لما حدث من خيانة وعداء داخل الجامعة البهائية خاصة من أقرب الأقرباء لحضرة بهاءالله، وما كان ذلك إلا لافتقارهم للإيقان والمواهب الروحانية التي تعد أساسا لعرفان مظهر أمر الله والإذعان لأوامره وأحكامه.

ولعله من باب المقارنة أن نقول أن مثل هؤلاء الأشخاص مثل الذين يجهلون العلوم الرياضية جهلا تاما، ويذهبون للاستماع إلى عالم رياضي فذ يشرح نظرياته العلمية مستخدما الاصطلاحات الرياضية المعقدة، فمن الواضح إذا بأنهم سوف يعجزون عن

_____________________________________________________________________

(1) ورد هذا الحديث في لوح لحضرة عبدالبهاء موجه إلى آقا ميرزا نصر الله.

فهمه وتقدير عبقريته وعمله الخارق، وسوف لا يرون فيه سوى إنسان عادي يتكلم بما لا يمكن استيعابه، وهكذا يبدأون في تقييم هذا العالم الفذ حسب معاييرهم الشخصية دون أن يتأثروا بما يتمتع به من قوى عقلية جبارة، وكلما ازدادوا منه قربا ازدادوا معرفة بطبيعته الآدمية التي تحجب عنهم عظمته. أما أولئك الذين لهم علم بالمسائل الرياضية، فإنهم وحدهم هم الذين يدركون العبقرية الحقة لهذا العالم الرياضي، وفي نظرهم فإن معرفته العلمية تتخطى كل صفاته الإنسانية ولن يتركز اهتمامهم بعد ذلك على المظاهر الخارجية.

إن معظم الذين قاوموا حضرة بهاءالله أو نقضوا عهده بعد إيمانهم كانوا أفرادا طموحين يفتقرون للسجايا الروحانية، وكان مرادهم الحقيقي ازدياد هيبتهم واكتساب مقام رفيع بين المؤمنين.

مثال ذلك ميرزا محمد علي، ابن حضرة بهاءالله، الذي ابتلي بالغرور وحب الرياسة والسلطة، وكثير من الأتباع ذوي البصيرة الروحانية اكتشفوا لديه حالة التعالي هذه وتعظيم الذات وأحسوا بنفاقه قبل نقضه.

وفي وصفه لأول لقاء مع ميرزا محمد علي، كتب الحاج محمد طاهر المالميري في مذكراته حول زيارته لعكاء عام 1878م، حيث يقول:

"عندما وصلنا(1) حيفا... اصطحبونا إلى منزل آقا محمد إبراهيم الكاشاني، الذي أمره حضرة بهاءالله أن يجعل إقامته في حيفا لاستضافة الزائرين ومساعدتهم في توزيع الرسائل. وعندما علم حضرة بهاءالله بقدومنا أمرني بواسطة آقا جان...

_____________________________________________________________________

(1) الحاج محمد طاهر واثنان من رفاقه.

أن أقيم مع أخي الحاج علي(1) فركبنا عربة حضرة عبدالبهاء من حيفا إلى عكاء ووصلنا إلى منزل الحاج علي في خان السوق الأبيض القريب من مسكن ميرزا موسى، أخي حضرة بهاءالله، وبهائيين آخرين أحدهما النبيل الأعظم... كنت في ذلك اليوم في قمة السعادة وروحي في غمرة الفرح والنشوة. إلا أنه في اليوم التالي حضر إلى منزل النبيل الأعظم ميرزا محمد علي ومعه أخواه ميرزا ضياء الله وميرزا بديع الله بقصد مقابلتي. فذهبت مع أخي لمقابلتهم بكل لهفة، ولم يمض علينا غير وقت قصير حتى شعرت باكتئاب وكأن ما في قلبي من مشاعر الفرحة قد انقلبت إلى تعاسة وحزن وشعرت بالكآبة في داخلي... وبكل ما في خيبة الأمل من مرارة رأيتني أعجب لما حدث فجأة بالرغم من شدة اشتياقي ولهفتي حين دخولي عكاء، فقد غلبني الآن شعور بالغم والإحباط، وأيقنت بعدها وكأنني مرفوض عند الله...

وجدت نفسي وسط هذه الدوامة من الضغوط النفسية حتى وددت لو أخرج من ذلك الاجتماع على الفور، إلا أنني لم أتجاسر على ذلك. كنت على اتصال مع الله بالقلب... كنت قلقا جدا وأنا أنتظر بفارغ الصبر مغادرة الزائرين حتى أستطيع الخروج وأخلص نفسي مما أنا فيه، ولاحظت أنه بينما يقضي أخي والنبيل الأعظم أمتع اللحظات في حديثهما مع ابنيّ حضرة بهاءالله، كنت في حالة اضطراب وصراع شديد مع نفسي... وبعد مرور ساعة تقريبا رأيت أخي يودع الزائرين بالشكر بسعادة غامرة.

وفي المساء أبلغني أخي أننا سوف نذهب لنحظى بمحضر

_____________________________________________________________________

(1) الحاج علي اليزدي. راجع مجلد "العالم البهائي" رقم 9، الصفحات 624-625.

حضرة عبدالبهاء في غرفة الاستقبال الخاصة به. ورغما عما أنا فيه من حزن وإحباط، ذهبت معه. وبمجرد مثولي في محضر الغصن الأعظم رأيتني وقد أنسلت بداخلي روح جديدة غمرت كياني بسعادة لا توصف حتى أن كل ما كان بي قد زال في لحظة.

ومرت بضعة أيام حين دعاني أخي لمرافقته لمقابلة ميرزا محمد علي ثانية، فرفضت رغم إلحاحه الشديد... وخلال إقامتي في عكاء زار ميرزا محمد علي منزل النبيل الأعظم عدة مرات، أما أنا فكنت دائما انتحل الأعذار لكي لا أذهب إلى هناك."(11)

بعد صعود حضرة بهاءالله وقف ابنه ميرزا محمد علي في وجه أخيه حضرة عبدالبهاء، مركز العهد والميثاق المعين، وأحدث داخل الجامعة البهائية أزمة لم تكن أقل خطرا وشراسة مما تصدعت به أركان الدين بعصيان ميرزا يحيى. حتى في أيام والده تصرف بما سبب لوالده ألما شديدا وحزنا عميقا في مناسبات عدة. فمرة أرسله حضرة بهاءالله إلى الهند لينشر مجموعة معينة من الألواح، وكما أورده حضرة شوقي أفندي في "كتاب القرن البديع" فقد "تلاعب بالنصوص المقدسة التي عهد بها إليه..." وهو الذي نجح أيضا في "تزييف ماهر بسيط لكلمة تكررت في بعض الفقرات الناقمة التي وجهها القلم الأعلى إلى ميرزا يحيى، واتبع وسائل أخرى كالحذف والحشو والتشويه وبذلك نجح في أن يجعلها تنطبق على" حضرة عبدالبهاء. حتى أنه ذهب إلى أبعد من ذلك فكتب، "في صراحة ووقاحة"، كتابا كتبه بيده... "وذيله بتوقيعه وختمه بخاتمه..." وهو الادعاء ذاته الذي نسبه لعبدالبهاء بعد صعود والده، يعني "حق افتتاح دورة جديدة، وحق مشاركة حضرة بهاءالله في العصمة الكبرى، ألا وهي الامتياز المطلق الذي يتمتع به المظاهر المقدسة الإلهية".(12) وقد أثار تصرفه الشائن هذا سخط حضرة بهاءالله، وفي أحد الألواح يحذر من أن ميرزا محمد علي إذا ما انحرف آناً عن الأمر أصبح

كالغصن الميت، وفي اللوح نفسه يؤكد أنه لا يمكن لأحد أن يشارك المظهر الإلهي مقامه ويدّعي عصمته.

إحدى ميزات دين الله العزيز أنه لا يحمي النفوس المبتلية بالغرور والأنانية، فشعار هذا الدين العبودية المحضة التي تنعكس صورتها الجلية في التواضع ونكران الذات.

فقد بيّن حضرة بهاءالله في تعاليمه إن في الوجود مراتب ثلاث: الأولى مرتبة الألوهية، التي تفوق إدراكنا. ثم مرتبة مظهر الله التي تسمو فوق عالم الخلق. وأخيرا مرتبة الإنسان، وهي مرتبة العبودية الخالصة. فالخشوع والتواضع خير حافظ للسالك سبيل خدمة أمر الله. إنه الهدية الأكثر قبولا لدى الحق من عبده الأوّاب. إذ أن التواضع ليس من صفات الله ذي الملك والجبروت.

لقد أسس حضرة عبدالبهاء -المثل الأعلى لتعاليم حضرة بهاءالله- نهج العبودية ليسلكه كافة الخلق، واختار لنفسه أدنى مراتب العبودية وهي أعلى مقام يصله الإنسان.

ففي مقام حضرة بهاءالله تتجلى السلطنة والربوبية وفي مقام ابنه حضرة عبدالبهاء نشاهد العبودية. فالماء الذي ينحدر من قمة الجبل إلى قعر الوادي يولد الطاقة، وبالمثل ولّد تدفق القوى الروحية من حضرة بهاءالله إلى حضرة عبدالبهاء قوى هائلة انسابت في أركان البشرية. وعندما تشرف الوجود بالظهور الإلهي لم يكن هناك من يستحق فيضه أو يتحمله. فكان حضرة عبدالبهاء أكمل مستقبليه بالنيابة عن البشرية. ورغم أن حضرة عبدالبهاء ليس مظهرا إلهيا إلا أن حضرة بهاءالله أسبغ عليه قوة ومنحه نفوذا إلهيا.

وفي "كتاب عهدي" الذي خطه بيده، عين حضرة عبدالبهاء مرجعا لأهل البهاء بعد صعوده، وفي هذه الوثيقة الهامة يقرر ما يلي:

"إن وصية الله هي: أن يتوجه الأغصان(1) والأفنان(2) والمنتسبون إلى الغصن الأعظم. انظروا إلى ما أنزلناه في كتابي الأقدس: إذا غيض بحر الوصال، وقضي كتاب المبدأ في المآل، توجهوا إلى من أراده الله الذي انشعب من هذا الأصل القديم. وقد كان المقصود من هذه الآية المباركة الغصن الأعظم. كذلك أظهرنا الأمر فضلا من عندنا وأنا الفضّال الكريم."(13)

وفي ألواح أخرى مجد حضرة بهاءالله مقام الغصن الأعظم (حضرة عبدالبهاء) وأثنى عليه ثناء عطرا. ففي "سورة الغصن" ينطق بالكلمات التالية:

"وقد انشعب من سدرة المنتهى(3) هذا الهيكل المقدس الأبهى غصن القدس فهنيئا لمن استظل في ظله وكان من الراقدين. قل قد نبت غصن الأمر من هذا الأصل(4) الذي استحكمه الله في أرض المشية وارتفع فرعه إلى مقام أحاط كل الوجود فتعالى هذا الصنع المتعالي المبارك العزيز المنيع... قل قد فصل من لوح الأعظم كلمة على الفضل وزينها الله بطراز نفسه وجعلها سلطانا على من على الأرض وآية عظمته واقتداره بين العالمين... قل يا قوم فاشكروا الله لظهوره وإنه لهو الفضل الأعظم عليكم ونعمته الأتم لكم وبه يحيى كل عظم رميم. من توجه إليه فقد توجه إلى الله فمن أعرض عنه فقد أعرض عن جمالي وكفر ببرهاني وكان من

_____________________________________________________________________

(1) أبناء حضرة بهاءالله.

(2) إشارة من حضرة بهاءالله إلى أقرباء حضرة الباب المنحدرين من أخواله الثلاثة وأخوي زوجته.

(3) أحد ألقاب حضرة بهاءالله.
(4) حضرة بهاءالله.

المسرفين. إنه لوديعة الله بينكم وأمانته فيكم وظهوره عليكم وطلوعه بين عباده المقربين... وإنا قد بعثناه على هيكل الإنسان فتبارك الله مبدع ما يشاء بأمره المبرم الحكيم. إن الذينهم منعوا أنفسهم عن ظل الغصن أولئك تاهوا في العراء وأحرقتهم حرارة الهوى وكانوا من الهالكين."(14)

وفي "لوح الفتنة" يبين حضرة بهاءالله بالإضافة إلى ما سبق أن الامتحانات والفتن المرافقة لظهوره لهي في غاية الشدة، حتى أن كثيرا من المؤمنين الذين أدركوا أسرار أمره سيحرمون ويتركون في الظلمات. وفي إشارة إلى أقطاب الدين، يتنبأ بسقوط أنجم سماء العرفان ويؤكد أنه من خلال هذه الامتحانات سيكشف ما في الصدور، ويفصل ما بين الناس، فمنهم من يتبوأ قمة الإخلاص والوفاء ومنهم من يجد نفسه مطروحا على التراب. ويذكر أن أرياح هذه الفتنة العظمى قد بدأت تعصف وستصل إلى أوجها في سنة "شداد"(1) في إشارة إلى عصيان ميرزا يحيى في أدرنة الذي هز أركان الدين من جذوره وأحدث شرخا مؤقتا بين أتباعه، وإشارة أيضا إلى صعود المبارك الذي تبعه عصيان ميرزا محمد علي ونقضه عهد حضرة بهاءالله.

إن أية دراسة دقيقة تتناول سيرة مؤسسي الأديان الرئيسة وتعاليمهم السامية، تبين أن إحدى مهامهم كانت دوما شرح مغزى الرسالة الإلهية وهدفها، وتبيين المعضلات الدينية التي تربك عقول المؤمنين من أتباعهم وتحيرهم. لذا كان حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء على استعداد للإجابة عن أسئلة الأحباء التي تراوحت بين مواضيع هامة الشأن إلى تفاصيل صغيرة تناولت كل جانب من جوانب الدين. وبالفعل نجد أن كثيرا من آثار حضرة

_____________________________________________________________________

(1) شداد تعادل 309 أي سنة 1309هـ وتعادل 1892م، سنة صعود حضرة بهاءالله.

بهاءالله وحضرة عبدالبهاء كتبت إجابة عن هذه الأسئلة، وتناولت معضلات في الكتب السماوية السابقة وشرحا لغوامضها وتبيانا لآسرارها ورموزها، كما كشفت عن تعاليم الحق لهذا العصر ورسمت معالم النظام العالمي الجديد وأعطت تفصيلا لتطبيق أحكام حضرة بهاءالله وأوامره.

التزم مؤسسو الأديان السابقة جانب الصمت في مسألة الخلافة من بعدهم إلا عند لحظة الممات حين يكشفون عن هوية من سيخلفهم، ولهم في ذلك حكم جمّة. ومثل هذا العمل يمكن تشبيهه بمعلم كان على الدوام مستعدا للإجابة عن الأسئلة ومساعدة تلاميذه في حل ما يشكل عليهم، ولكنه يلتزم الصمت ويحجم عن مساعدتهم وقت الامتحان، فإن عليهم وحدهم واجب البحث عن الإجابات. إنه يوم الامتحان ويوم الفصل. فمن نجح يتقدم إلى المرحلة التالية، ومن فشل يحرم من ذلك.

يبرهن لنا تاريخ الأمر أن الميثاق الإلهي كان محك الامتحان بالنسبة للمؤمنين من الأحباء. فقد أعلن حضرة الباب بشارة مجيء "من يظهره الله" إلا أنه لم يكشف عن هويته صراحة. وأسس حضرة بهاءالله ميثاقا عظيما بتعيين حضرة عبدالبهاء مركزا لهذا الميثاق، ولكنه حفظه سرا إلى ما قبل صعوده بقليل حيث سلّم كتاب عهده بيده المباركة لحضرة عبدالبهاء. إن هذه الوثيقة، بلغة المثال السابق تعتبر ورقة الامتحان لأتباع حضرة بهاءالله بأسرهم. فبعضهم اجتاز ونجح والآخر فشل ورسب. وبالمثل فإن وصية حضرة عبدالبهاء بتعيين حضرة شوقي أفندي وليا لأمر الله من بعده قد حفظت سرا إلى ما بعد صعوده، ثم تليت وأثارت مرة أخرى زوابع الامتحان والافتتان أمام الأحباء، فمن كان يحمل في نفسه أطماعا كبيرة ويحلم بالقيادة وقف في وجه حضرة شوقي أفندي أيام ولايته، فحاول كثيرون خلق الفرقة والصدع في لُحمة

الدين، إلا أن ما يميز الأمر الإلهي أنه رغم قيام عدد من أتباعه البارزين بنقض الميثاق، وسعيهم بكل ما أوتوا من قوة وما ابتدعوه من وسيلة لتقويض دعائم الأمر الكريم إلا أن مآلهم كان الفشل، وثبت ميثاق حضرة بهاءالله منتصرا، واندثر معارضوه وانمحت آثارهم.

"سورة النصح"

نزلت "سورة النصح" في بغداد باللغة العربية في حق السيد جعفر اليزدي،(1) رجل الدين البارز وصاحب المنزلة الرفيعة بين أهالي يزد. اعتنق الدين بعد زيارة وحيد(2) إلى يزد بقصد تبليغ أمر حضرة الباب. بعد وقت قصير اضطر هو ووحيد وبعض المؤمنين لمغادرة يزد إلى نيريز في مقاطعة فارْس على أثر موجة الاضطهادات التي تفاقمت.

تمتع السيد جعفر بمكانة مرموقة كرجل دين لديه مقدرة مدهشة على التبيين والتفسير. وبتوجيهات وحيد بدأ في نشر الدعوة علنا في نيريز، ولم يمض وقت طويل حتى انضم إلى المؤمنين من أتباع حضرة الباب جمع غفير مما أثار غضب السلطات ورجال الدين وأثار من حولهم هياجا شديدا تسبب في استشهاد الكثيرين من بينهم وحيد.

رفع راية التحريض في هذه الأحداث الرهيبة حاكم نيريز زين العابدين خان الذي أسر بعضا ممن بقوا على قيد الحياة من

_____________________________________________________________________

(1) السيد جعفر اليزدي هو جد جد المؤلف.

(2) عالم مشهور آمن بالبابية في أول مقابلة له مع حضرة الباب عندما أرسله السلطان محمد شاه لتحري أمره وأصبح مؤمنا مخلصا غيورا. انظر الملحق رقم 3.

البابيين، وعزم على تعذيبهم حتى الموت متعللا بشتى الأسباب، ومن بين هؤلاء كان السيد جعفر الذي حمله الحاكم مسؤولية كبرى في تحويل الناس للدين الجديد بعلمه وقوة حجته. وقد سجل المؤرخ البهائي الشهير النبيل الأعظم النبذة التالية حول اعتقال السيد جعفر:

"وكان من بين هؤلاء (الناجين من ملحمة نيريز) السيد جعفر اليزدي الذي كان في الأيام السابقة ذا نفوذ كبير محترما من الجميع. وكان احترامه بالغا الحد الذي جعل زين العابدين خان يفضله على نفسه ويعامله بالاحترام الزائد. ولكنه أمر بأن تداس عمامته وتلقى في النار. وإذ تجرد من سيماء الشرف سيروه في الطريق أمام أعين الجمهور الذي مشى أمامه وانهالت عليه الشتائم والإهانة والسخرية."(15)

تبعت ملحمة نيريز، التي دامت عدة أشهر، ويلات من الفاقة والمجاعة في كل مكان. ففرقة الجند التي اشتركت في القتال اعتمدت كليا على مصادر الطعام الضئيلة المتوفرة لأهالي البلدة والتي نفدت في النهاية، وبعد مغادرة الفرقة أصبح الطعام بعيد المنال وعانى الكثير من الفقراء من الجوع. في ذلك الوقت اختزن الحاكم كميات من الذرة لبيعها للناس فيما بعد بثمن باهظ، ولكنه وافق بعد تفاقم الأزمة على توزيع الذرة بسعر رمزي.

وعند توزيع المؤن كانوا يحضرون السيد جعفر من زنزانته ويربطونه إلى عمود عند مدخل المخزن وتقضي أوامر الحاكم أن كل من يرغب في الحصول على حصته من الذرة عليه أولا أن يبصق في وجه السيد جعفر، ومن لم يفعل حرم نفسه من المؤن.

تكشف لنا الفقرة التالية من تاريخ حياة السيد جعفر بعضا من صنوف التعذيب والإهانات التي انصبت عليه مع رفيقه السجين

الحاج محمد تقي، تلك الشخصية البارزة في نيريز من أتباع الباب المتحمسين: (1)

يقف السيد جعفر، رجل العلم المبجل هذا وبطل دين الله الصنديد، لساعات وساعات عند باب المخزن يتلقى بوجهه الجليل البصقات من مئات الرجال والنساء وهم يمرون عبر الباب ويمطرونه بنظراتهم المليئة بشديد الحقد والتعصب.

وأمام هذا الإذلال المهين لم ترتسم على وجهه للحظة من اللحظات أية علامة من علامات الاشمئزاز، أو الاستنكار، أو الاستياء تجاه الآخرين، بل على العكس ظل هادئا راضيا طوال معاناته ولم يظهر منه سوى المحبة والسرور، شاكرا أولئك الذين أصابوه بالأذى.

ويروي مصدر موثوق آخر بعض مواقفه أثناء تلك المحنة. فذات مرة لاحظ السيد جعفر نفرا من الناس يترددون في القدوم لأخذ نصيبهم من الحبوب، وكان من الظاهر أنهم لم يستسيغوا الاشتراك في عمل مشين كهذا فأحجموا عن الدخول، فما كان من السيد جعفر إلا أن يدعوهم ووجهه يشع بشرا سماويا إلى التقدم قائلا: يحسن بكم أن تتقدموا لتأخذوا نصيبكم قبل ضياع الفرصة، فلا بأس إن بصقتم على وجهي، لأني سأمسحه بمنديلي...

إن مثل هذا السلوك لم يكن عاديا، بل إنه نادر جدا ويشبه إلى حد ما أفعال السيد المسيح ويقف شاهدا مضيئا على ما للكلمة الإلهية الخلاقة من قوة ونفاذ، ولعل من المحتمل أن السيد جعفر وهو يقف بالباب في ذلك اليوم عادت به الذكرى

_____________________________________________________________________

(1) انظر صفحة 280.

إلى تلك الأيام الرائعة وهو في يزد، حيث كان يقف عند درجات المنبر بعد إلقاء خطبته كل يوم جمعة فيمر به جمهور غفير من الذين حضروا الصلاة واستمعوا إليه يعبرون له عن إكبارهم له ويغدقون عليه بكل حماس إطراءً وثناءً عارمين. أما الآن فما أشد وجه الاختلاف! ورغم أنه كان ضحية أشرس أنواع التحقير والإذلال، إلا أنه كان سعيدا لأن مولاه المحبوب كشف له الرحاب الواسعة ذات الجمال والجلال لحياة جديدة، وألبسه تاج العزة الأبدية فلا عجب إذا أن هذه المصائب لم تحجب إشراقة فرحته السماوية...

لقد كانت هذه المعاملة الشنيعة التي تعرض لها السيد جعفر مقدمة لفصل جديد من التعذيب الذي عاناه هو بنفسه وشاركه فيه صاحبه المرموق. ومن جملة ما عاناه بأمر من الحاكم المعروف بشدة بأسه هو أن يُضرب على أخمص قدميه علنا. فكان يؤتى به كل يوم من زنزانته إلى بوابة أحد الموسرين في البلدة ليرى الناس هذا المشهد المؤلم، وهكذا كان آقا سيد جعفر يُضرب إلى أن يتدخل أهل المنزل أو أحد المارة -حسب ما كان متبعا في مثل هذه الأحوال- ليحرر المضروب مؤقتا بدفع فدية للمسؤولين عن تنفيذ العقوبة عليه. ويعود الأمر إلى حاله في اليوم التالي لينتقل هذا المشهد إلى موقع جديد على طول الطريق. وبعد مرور فترة من الزمن ونتيجة لهذا التعذيب اليومي تورمت قدما آقا سيد جعفر وأثخنهما الضرب وأصبحت رجلاه لا تقويان على حمله.

أما صاحبه الحاج محمد تقي، فكان قدره أكثر سوءا وأشد قسوة ففي كل يوم كانوا يقتادون الحاج إلى قصر الحاكم ويعرونه من ملابسه ويرمونه في بركة الماء، وعلى جوانبها كان يقف رجال يقبضون بالعصي الطويلة يهوون بها على جسده العاري بكل وحشية، وكانت الأوامر تقضي بأن

يستمر الضرب حتى يصطبغ الماء بدمه.

ومهما يكن من أمر، فإن يد القدرة الإلهية التي عجنت هذه النفوس المدهشة وأنشأتها وبعثتها، بدأت الآن تضع حدا لهذا الطوفان العارم من المحن والآلام الذي أوشك أن يبتلعهم، فكانت المشيئة أن يبقوا أحياء ليتلقوا أعاظم النعماء ولتتنور أبصارهم بمشاهدة الطلعة النورانية لحضرة بهاءالله.

رأت زوجة الحاكم حلما يدعوها إلى السعي للإفراج عنهما، ففاتحت زوجها وناشدته بحرارة أن يطلق سراح هاتين الضحيتين البائستين، إلا أنها فشلت. بل أن زوجها وبّخها وعنّفها على لينها وعاطفتها. فقررت أن تعمل سرا للوصول إلى غايتها غير آبهة بموقف زوجها القاسي.

وبمساعدة بعض أصحاب النفوس الخيرة، الذين تثق بهم وضعوا خطة وحددوا الترتيبات اللازمة بغاية الحرص واليقظة. وفي إحدى الأمسيات فتح باب السجن وأخرج الحاج محمد تقي والسيد جعفر في إعياء تام ثم وضعا على حمارين وأوكل أمرهما إلى سائس ليأخذهما بمنتهى السرعة إلى هرات وهي بلدة صغيرة خارج سلطة حاكم نيريز.

وصل المظلومان أخيرا إلى هرات في حالة شديدة من الإنهاك، وكان مجرد النظر إليهما يجلب الحزن والأسى للنفس مما أثار شفقة كبير القرية الذي استقبلهما وعاملهما بمنتهى اللطف.

بقي المظلومان في هرات عدة شهور يتعافيان من جراحهما الرهيبة ثم سافرا إلى يزد. ولما شاع بين الأحباء خبر نفي حضرة بهاءالله إلى العراق، عزم الحاج محمد تقي على التشرف بالمحضر الأنور ونيل بركاته المنهمرة، فقطع ما يقارب الألف وخمسمائة كيلومترا مشيا على الأقدام إلى بغداد

حيث نال مراده. وقد نزلت "سورة الصبر"(1) من القلم الأعلى تخليدا لذكراه.

وفيما بعد لحق آقا سيد جعفر بصديقه القديم. فتلك الأقدام التي تعرضت للتعذيب الوحشي لعدة أشهر لم تعجز عن حمله طول الطريق إلى مقر مولاه وهناك أغدقت عليه أيادي البهاء لطائف النعم السماوية...(16)

ومع أن "سورة النصح" نزلت قبل إعلان الدعوة، إلا أنها لم تترك في النفس أي شك في مقام حضرة بهاءالله. إذ أنه يكشف في كل سطر منها عن هويته وينسبها إلى الله ويتكلم بلسان عظمته وقدرته، ويأتي على وصف ظهور الرسل والأنبياء من آدم إلى حضرة الباب معلنا أصلهم الإلهي مبينا حياة كل منهم وميزته ورسالته، ويشهد أنهم في كل عصر لاقوا من رجال الدين وزعمائه العذاب والاضطهاد، ويصور مشاهد آلامهم على أيدي عامة الناس ويذكر غلبتهم القاهرة على الأعداء والخصوم.

يستبق حضرة بهاءالله في هذا اللوح أيضا إعلان دعوته فينصح علماء البابيين ألا يركنوا إلى معارفهم وعلومهم بل يحثهم على تطهير قلوبهم حتى يدركوا القائم الموعود عندما تحين الساعة فيؤمنوا به ويعتنقوا أمره.

وفيه يشير حضرة بهاءالله إلى ألد أعدائه، وهو الشيخ عبد الحسين الطهراني، المجتهد الماكر الخدّاع الذي أرسل إلى العراق بأمر من الشاه حتى يقوم على ترميم الأماكن المقدسة الإسلامية في كربلاء، وكان معروفا لدى الدوائر الملكية بأنه رجل مثير للمشاكل سيئ السمعة لما يسببه من إزعاج وأذى. ولم يكن إسناد هذه الوظيفة إليه إلا بقصد إبعاده عن طهران.

_____________________________________________________________________

(1) تعرف أيضا بـ"لوح أيوب".

وبمجرد وصوله إلى العراق، شعر الشيخ بالانزعاج لما شاهده من تنامي هيبة حضرة بهاءالله وهيمنته. فالفيض الدافق من قلمه الأعلى الذي ألهب حماس كثير من الناس ودفعهم إلى التضحية بأرواحهم في سبيله، والعشق الطاغي الذي ملك قلوب أصحابه، ثم الكيفية التي عبروا بها عن مشاعر ولائهم وإجلالهم لشخصه الكريم، وأخيرا ما كان يكنه له سكان بغداد من الإعزاز والتقدير - كل هذه الأمور مجتمعة، أيقظت في الشيخ عبد الحسين مشاعر الحقد والعداء وأشعلت في صدره نار الغيرة والبغضاء فنهض ليقف أمام حضرة بهاءالله وأتباعه بكل القوى الشريرة التي استطاع تجنيدها.

وما أن وصل القنصل العام للحكومة الفارسية المعين في بغداد، ميرزا بزرك خان، ذلك المكروه المغرور، حتى سارع، في عام 1276هـ (1860م) إلى مؤازرة الشيخ في مساعيه لقلع جذور الدين والقضاء على صاحبه.

و انصبّت أولى محاولاتهم على الإساءة لسمعة حضرة بهاءالله بنشر الأراجيف والأقاويل عنه لدفع السلطات المسؤولة في بغداد إلى إبعاده عن العراق. ولما تبين للشيخ عقم تلك المساعي ركز الاهتمام على إثارة العامة ضد حضرة بهاءالله. وتصف الكلمات التالية لحضرة شوقي أفندي بعض أفعال ميرزا بزرك خان:

"أما ميرزا بزرك خان فقد استغل نفوذه ليثير عداوة سفلة الناس ضد العدو المشترك ويحرضهم على سبه علانية عسى أن تقع حادثة انتقام تصلح لأن يبني عليها تهما كاذبة تمكنه من الحصول على الأمر المأمول بتسليم حضرة بهاءالله. ولكن هذه المحاولة فشلت هي الأخرى، فقد استمر حضرة بهاءالله يمشي في شوارع المدينة ليلا ونهارا دون حارس

يحرسه رغم إشارات أحبائه وتوسلاتهم. وكان ذلك كافيا لأن يملأ صدور مضايقيه بالخوف والخزي. بل إنه كان يقترب منهم وهو يعلم بما يريدون في نفوسهم، ويمازحهم بشأن ذلك ويداعبهم ويتركهم مضطربين عازمين على الانصراف عن تنفيذ ما كانوا يدبرون له من مكائد وخطط ولقد ذهب القنصل العام إلى حد أنه دفع مائة تومان لعربيد تركي يسمى رضا، وأعطاه جوادا ومسدسين، وأمره أن يبحث عن حضرة بهاءالله ويغتاله، ووعده ببسط حمايته وضمن له سلامته. وذات يوم علم رضا هذا بأن ضحيته المنتظرة يغتسل في الحمام العام، فغافل البابيين القائمين على الخدمة وواجه حضرة بهاءالله في غرفة الحمام الداخلية، وسرعان ما اكتشف أن شجاعته خانته فلم ينفذ مهمته. وبعد سنوات روى رضا أنه تربص لحضرة بهاءالله ذات مرة ومسدسه في يده. إلا أنه حين رآه يقترب منه غلبه الخوف وسقط المسدس من يده. عند ذلك أمر حضرة بهاءالله آقاي كليم الذي كان يرافقه أن يناوله المسدس وأن يصحبه إلى داره."(17)

إلا أن كافة المساعي هذه قد آلت إلى الفشل الذريع مما دفع الشيخ عبد الحسين إلى إرسال سلسلة من الرسائل المليئة بالإنذارات إلى بلاط الشاه في طهران محذرا من تعاظم قوة حضرة بهاءالله، واستطاع في النهاية أن يحصل على تفويض كامل من الشاه يخوله اتخاذ كل الإجراءات الضرورية ضد البابيين بمساعدة العلماء الفارسيين في العراق.

وبمجرد استلامه ذلك التفويض دعا رجال الدين على اختلاف رتبهم ومراتبهم إلى مؤتمر يعقد في منزله وفيه أدان حضرة بهاءالله وأفعاله بشدة، واتهمه بتقويض دعائم دين الإسلام، وطالب بإعلان الجهاد المقدس ضد البابيين في العراق. فبارك العلماء هذا المطلب

إلا واحدا هو الشيخ مرتضى الأنصاري، كبير مجتهدي جماعة الشيعة، ذلك الرجل التقي المنصف الذي ورد ذكره في فصل سابق،(1) حيث رفض المصادقة على خطتهم الشريرة وغادر الاجتماع فجأة.

وكان حضرة بهاءالله قد دعا الشيخ عبد الحسين، في وقت سابق، لملاقاته وجها لوجه ليثبت له أحقية أمره. وقبل الشيخ الدعوة في البداية إلا أنه وجل من مواجهة التحدي ولم يحضر إلى المكان المحدد. وعلى أية حال، فإن العلماء قرروا في مؤتمرهم إرسال الحاج الملا حسن عمو، ذلك الشخص التقي الورع المعروف بمشاعره النبيلة، لمقابلة حضرة بهاءالله وكُلِف بطرح أسئلة تهدف إلى التثبت من أحقية رسالته. فطلب الحاج الملا حسن ترتيب مقابلة مع حضرة بهاءالله من صديق لحضرته وأحد المعجبين به الأمير زين العابدين خان الذي كان مواظبا على زيارة منزل حضرته، وفي اليوم المحدد اصطحبه الأمير بنفسه إلى منزل حضرة بهاءالله(2).

وما أن وجد الحاج الملا حسن نفسه في محضر حضرة بهاءالله حتى شاهد تموجات بحر بيانه وشعر بأنه نقطة من محيط عرفانه، وما أن تمت الإجابة عن أسئلته بمنتهى الذكاء والوضوح حتى جازف وصرح لحضرة بهاءالله أن العلماء يعتبرون أن القيام بمعجزة هي فصل الخطاب ودليل حاسم على صدق دعوته، إلا أن حضرة بهاءالله نطق بالكلمات التالية ردا على طلبه:

_____________________________________________________________________

(1) انظر الصفحة 95.

(2) عندما دخل الحاج ملا حسن غرفة الاستقبال في منزل حضرة بهاءالله أدهشه وجود المجتهد الشهير الملا محمد القائني، الملقب بالنبيل الأكبر (أحد حواريي حضرة بهاءالله) يجلس بوقار وخشوع فسأله هامسا: "ماذا تفعل هنا يا سيدي؟" فأجابه: "للسبب الذي جئت أنت من أجله." (انظر الفصل السابع)

"مع أنه ليس لك أن تسأل هذا، لأن الحق هو الذي يمتحن الخلق، وليس الخلق هم الذين يمتحنون الحق، إلا أنني أقبل هذا الطلب... وعلى العلماء أن يجتمعوا ويتفقوا جميعا على معجزة معينة، وعليهم أن يكتبوا بأنهم لن يخامرهم الشك في أمرنا بعد الإتيان بها، وأنهم يقرون ويعترفون بصحة دعواي. وعليهم أن يختموا هذه الوثيقة ولتأتني بها. والشرط الذي أشترطه عليهم هو إن تمت المعجزة لم يبق لهم مجال للشك، وإلا حقّ لهم أن يتهمونا بالخداع."(18)

وجد الحاج الملا حسن في هذه الإجابة رضاء للنفس، فنهض وقبّل ركبة حضرة بهاءالله بكل احترام ووعد بنقل كلماته للعلماء. ولكن مجمع العلماء قرر عدم الاستجابة لهذا التحدي ولم يلاحقوا هذا الأمر. وبواسطة الأمير زين العابدين خان، نقل الحاج الملا حسن هذا القرار لحضرة بهاءالله، الذي صرح بمجرد سماعه هذه الأخبار بقوله المبارك:

"بهذه الرسالة الشافية الوافية التي أرسلناها أظهرنا معجزات جميع الأنبياء ودافعنا عنها. ذلك لأننا تركنا حرية الاختيار للعلماء أنفسهم، وتعهدنا أن نأتي لهم بما يجمع عليه رأيهم."(19)

بعد فشله فشلا ذريعا في الوصول إلى مآربه، قرر الشيخ عبد الحسين ممارسة ضغط أشد على الحكومة الفارسية. فأرسل للسلطات المسؤولة في طهران، بمساعدة شريكه الماكر، ميرزا بزرك خان، مجموعة من التقارير الملفقة والمبالغ فيها، وحثّ تلك السلطات على اتخاذ خطوات لإبعاد حضرة بهاءالله عن العراق.

ولا عجب أن يصف حضرة بهاءالله في "سورة النصح" ذلك الشيخ، الذي سعى بكل عزم إلى إطفاء نور الله وإهلاك صاحب

رسالته، بـ"الخسيس" و"الدساس" و"الخبيث" والذي "جرد سيف نفسه على وجه الله" و"وسوس الشيطان في نفسه" و"الذي يفر الشيطان عن كفره" و"الفاجر" و"ما من ظلم وما من فسق إلا وقد بدأ من هذا الشقي وسيعود كل ذلك إليه".(20)

وفي فقرة من "سورة الملوك" يخاطب حضرة بهاءالله سفير الدولة الفارسية في الآستانة ويلمح إلى ميرزا بزرك خان، القنصل الفارسي العام في بغداد، حيث يتفضل:

"وكنا فيه إحدى عشر سنين إلى أن جاء سفيركم الذي لن يحب القلم أن يجري على اسمه وكان أن يشرب الخمر ويرتكب البغي والفحشاء وفسد في نفسه وأفسد العراق ويشهد بذلك أكثر أهل الزوراء لو تسئل عنهم وتكون من السائلين. وكان أن يأخذ أموال الناس بالباطل وترك كل ما أمره الله به وارتكب كل ما نهيه عنه إلى أن قام علينا بما اتبع نفسه وهواه وسلك منهج الظالمين. وكتب إليك ما كتب في حقنا وأنت قبلت منه واتبعت هواه من دون بينة ولا برهان مبين. وما تبينت وما تفحصت وما تجسست ليظهر لك الصدق عن الكذب والحق عن الباطل وتكون على بصيرة منير. فاسئل عنه عن السفراء الذين كانوا في العراق وعن ورائهم عن والي البلدة(1) ومشيرها ليحصحص لك الحق وتكون من المطلعين."(21)

وأخيرا كان لمكائد الشيخ ودسائسه، والجهود التي بذلها القنصل العام، تأثيرها النافذ لدى الشاه الذي أمر وزير خارجيته ميرزا سعيد خان أن يبعث إلى الحكومة العثمانية التماسا يطلب فيه نقل حضرة بهاءالله من بغداد، وفي غضون تلك الفترة اشتد العداء ضد حضرة بهاءالله الأمر الذي دعا السيد ميرزا حسين

_____________________________________________________________________

(1) بغداد.

المتولي، وهو بابي سيئ السمعة، أن ينصحه في رسالة خطية بلزوم بيته من أجل سلامته، فأنزل حضرة بهاءالله لوحا مباركا باللغة الفارسية يعرف بـ"لوح "شكر شكن شوند".

"لوح شكر شكن شوند"

"لوح شكر شكن شوند" مثير لشجون النفس، مشهور بجمال عباراته وبلاغتها، يبعث في المؤمن روح الإيمان ويغرس فيه الإيقان. يؤكد حضرة بهاءالله في هذا اللوح بأن أخطارا عظيمة سوف تقع في المستقبل، وإن عدوا قوي الشكيمة يتأهب للانقضاض عليه بضراوة، وأن الناس يعتقدون أن المخرج الوحيد له هو الفرار إلى مكان آمن يُعتكف فيه. ولكنه رغم ذلك أعلن بوضوح لا لبس فيه، أن أصفياء الله المختارين لا يهابون الرزايا أو الملمات فقد نبذوا الدنيا إلى الله قانعين مطمئنين، وقاموا يجابهون كل الأخطار بشجاعة، مرحبين بالصعاب والآلام في سبيله.

وبالمثل، ما كانت البلايا لتثبط عزيمة حضرة بهاءالله المتأججة في سبيل الله، ولم يكن ليفر من أعدائه أو يقاومهم، ذلك لأنهم كانوا أعجز من أن يهدموا أساس أمر الله. فإن دفنوه تحت أطباق التراب، فلا ريب أن يد القدرة والقوة سوف تخرجه ثانية بهيا مظفرا. فبالرغم من كل اعتراضاتهم في بغداد تربع على عرش المجد بمهابة وجلال وتألق ظاهرا كالشمس. ولم يكن ظهوره في الأماكن العامة، لأولئك الذين أنعم الله عليهم ببصيرة روحانية، وفي وقت كان الأعداء يتآمرون على اغتياله، إلا شاهدا على نفوذه الإلهي.

ويطلب حضرة بهاءالله في هذا اللوح من السيد حسين أن يتفكر في الشدائد والبلايا التي أحاطت بمحمد ( الذي اضطهد

بمنتهى الظلم، والذي نزل عليه الروح القدس وخاطبه بهذه الكلمات:

"وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء..."(22)

وتشير هذه الآية إلى أنه لا خيار للنبي سوى تحمل البلايا في سبيل الله. فيحثّ حضرة بهاءالله السيد حسين أن يتمعن في هذه الآية المباركة وفي مثيلاتها في القرآن الكريم عله يكشف أسرارها ويوقن بأن المظهر الإلهي تحمل الظلم والطغيان على أيدي الكافرين في كل زمان.

ويشير حضرة بهاءالله في هذا اللوح إلى الشيخ عبد الحسين ويدين أفعاله ويؤكد بشكل قاطع أن الشيخ سوف يفشل تماما في مخططاته الشريرة لإيذائه.

ويبين في كثير من ألواحه أن الشدائد والبلايا في سبيل الله ستقود أمره إلى النصر المبين في النهاية، وكان يرحب بالمحن والآلام لنفسه لعتق العالم وتوحيده، فأعلن في أحد ألواحه:

"قد قيد جمال القدم لإطلاق العالم وحبس في الحصن الأعظم لعتق العالمين واختار لنفسه الأحزان لسرور من في الأكوان. هذا من رحمة ربك الرحمن الرحيم. قد قبلنا الذلة لعزكم والشدائد لرخائكم يا ملأ الموحدين. إن الذي جاء لتعمير العالم قد أسكنه المشركون في أخرب البلاد..."(23)

ويبين في "الكلمات المكنونة":

"بلائي عنايتي ظاهره نار ونقمة وباطنه نور ورحمة."(24)

وحول عجز الإنسان عن إطفاء نور الله يتفضل:

"كلما ازداد البلاء زاد البهاء في حب الله وأمره بحيث ما منعني ما ورد علي من جنود الغافلين. لو يسترونني في أطباق التراب يجدونني راكبا على السحاب وداعيا إلى الله المقتدر القدير. إني فديت بنفسي في سبيل الله وأشتاق البلايا في حبه ورضائه يشهد بذلك ما أنا فيه من البلايا التي ما حملها أحد من العالمين."(25)

وكذلك يتفضل:

"تالله ما أعجزني البلاء وما أضعفني إعراض العلماء. نطقت وأنطق أمام الوجوه قد فتح باب الفضل وأتى مطلع العدل بآيات واضحات وحجج باهرات من لدى الله المقتدر القدير."(26)

بعد نزول "لوح شكر شكن" أمر حضرة بهاءالله أن ترسل نسخ منه لعلية القوم من مدنيين ودينيين. وكل الذين تسلموه أذهلهم ثباته وشجاعته. أما السيد حسين الذي وجه له هذا اللوح المليء بالتحدي، فكان بابيا من مدينة قم، آمن بالدين الجديد في أوائل أيامه، ثم انضم إلى المدافعين عن قلعة الشيخ طبرسي التي ضمت أكثر من ثلاثمائة بابي بقيادة القدوس حيث حاصرهم جيش الشاه وقاسوا الجوع لشهور عدة تحت وطأة هجوم شرس لا يرحم، وليس في بطون تاريخ الأديان مثيل لبطولات هؤلاء الرجال الأتقياء الخارقة ولا شبيها لتضحياتهم.

إلا أن السيد حسين لم يكن بطلا، فعندما بلغت الامتحانات ذروتها خان أصحابه، ذلك بأن القدوس حذر أصحابه بأن أيام الآلام والبلايا المدمرة أمست قريبة. ففي الليلة نفسها أرسل السيد حسين رسالة إلى قائد الجيش المتقهقر يبلغه بوفاة الملا

حسين الذي كان العدو يهابه بشدة، ويكشف له عن قلة عدد المدافعين عن القلعة، ويحثه على شن هجوم أخير مؤكدا له بأن النصر سيكون حليفه.

شجعت هذه المعلومات الجيش على شن هجمات عدة إلا أنه هزم في كل منها شر هزيمة. وعندما تفاقم الوضع وأحس السيد حسين بالخطر المحدق بحياته، هجر القلعة والتحق بمعسكر العدو وهناك أنكر دينه واستعاد حريته.

وفي لوح، يبدو أنه نزل في أدرنة، نجد أن كاتب وحي(1) حضرة بهاءالله قد استنكر خيانة السيد حسين وغدره، بسبب معاملته المخزية للقدوس التي كانت مشينة للغاية حتى أنه يخجل من ذكرها. وذلك إشارة إلى اليوم الذي سيق فيه القدوس إلى مكان استشهاده مكبلا بالسلاسل، يتعالى من حوله صراخ جمهرة الغوغائيين من كل جانب، وفي غمرات هذه الظروف المأساوية انبرى السيد حسين للقدوس وأمام الملأ صفعه على وجهه حتى يثبت انسحابه من دين حضرة الباب.

وعاد السيد حسين إلى الانضمام ثانية إلى صفوف البابيين على الرغم من خيانته وغدره وإثر ما أقدم عليه من عمل شنيع بوقت قصير. وفي الحقيقة أنه أمر يدعو إلى العجب، ففي عام 1852م كان ضمن البابيين(2) الذين رافقوا حضرة بهاءالله في سجن سياه ﭽال، وأخيرا ذهب إلى بغداد وانضم للبابيين هناك. وما كان قط وفيا لأمر الله، وعندما كان حضرة بهاءالله في أدرنة أعلن السيد

_____________________________________________________________________

(1) ميرزا آقا جان. انظر الصفحة 41.

(2) ذهب بعضهم إلى الاستنتاج بأن السيد حسين لم يكن بابيا في الحقيقة، بل استغل ذلك ليصل إلى هدفه كجاسوس في كل من قلعة الشيخ طبرسي وسجن سياه ﭽال.

حسين عصيانه وأصبح من أتباع ميرزا يحيى.
"لوح جواهر الأسرار"

نزل "لوح جواهر الأسرار" في بغداد باللغة العربية بإعزاز السيد يوسف السديهي من سكان كربلاء الذي جمع أسئلة حول مجيء موعود الإسلام، معتقدا أن من يجيب عليها يكون صاحب الحقيقة. وحالما وصلت أسئلته إلى حضرة بهاءالله، أنزل له هذا اللوح وأرسل للسيد يوسف في اليوم نفسه.

ولا بد أن اللوح قد نزل في وقت كان الأعداء يخططون للقضاء على حياة حضرة بهاءالله، ولذلك أورد فيه باختصار ما أحاطه من مصاعب وآلام، ويذكر مكائد من كانوا ينوون نفيه أو اغتياله وثمة إشارة أخرى إلى الفترة التي نزل فيها "لوح جواهر الأسرار" نجدها في "كتاب الإيقان" حيث يتفضل حضرة بهاءالله:

"وهذه العبارات مذكورة أيضا في الأسفار الثلاثة الأخرى المنسوبة إلى لوقا ومرقس ويوحنا. ولما كانت هذه العبارات مذكورة في الألواح العربية بالتفصيل، فإننا لا نتعرض لذكرها على صفحات هذه الأوراق، ونكتفي بالإشارة إلى واحدة منها."(27)

يتناول هذا اللوح البارز مواضيع ومسائل عدة، ويكشف أسرارا كثيرة، ويفسر العديد من الآيات الواردة في الكتب المقدسة السابقة، ويقدم باقة من أنبل النصائح وأسماها لترقي الروح الإنسانية وتقدمها، ويشبه اللوح في بعض فقراته بعض ما جاء في "الوديان السبعة"، ولكنه ليس بالأسلوب العرفاني الرمزي نفسه.

ولعل أحد أوجه التشابه تفسير حضرة بهاءالله للمراحل السبعة لرحلة الإنسان نحو هدفه الروحاني المنشود، ويسمي هذه المراحل

بـ"حديقة الطلب"، "مدينة العشق والجذب"، "مدينة التوحيد"، "الحيرة"، "الفناء الصرف" و"البقاء"، وما وراء ذلك كله مدينة لا يعرفها إلا الله ومظاهره، وهي في غاية الرفعة والسمو وفوق إدراك البشر، ولا وجود فيها لاسم أو وصف، ويذكر حضرة بهاءالله أن الإنسان في مقام "مدينة التوحيد" يرى آيات الله في كل الأشياء. فيغدو متواضعا لا يعرف الاستعلاء، ويعتبر نفسه دوما في محضر مولاه، وفي "مدينة البقاء" يجد نفسه مستغنيا عن كل الأشياء إلا الله، حائزا على كنوز الله التي لا تفنى رغم فقره. في هذا المقام تظهر كافة صفات الله في ذات الإنسان وتصبح حياته ملكوتية.

ويؤكد حضرة بهاءالله أن الزاد الأساسي للسالك في هذه الرحلات هو التواضع ونكران الذات أمام الأحباء. فأي أثر للغرور أو الأنانية سوف يحرم صاحبه من الولوج في أي من هذه "المدائن" ويتسبب في تقهقره إلى المرحلة الأولى. وتتضح لنا أهمية هذا اللوح عندما نجد أن مواضيعه مشابهة لما في "كتاب الإيقان"، وبالرغم من ضيق المجال فيه، فإن مواضيعه هي نفسها التي أوردها مفصلة في ذلك الكتاب، وفي اللوح، على سبيل المثال، يعدد حضرة بهاءالله بعض الأسباب التي منعت أتباع الديانات كلها من عرفان المظهر الإلهي التالي، ويشترط وجود بعض الصفات للباحث عن الحقيقة، مقررا بأن الله لن يُعرف بذاته ويؤكد على وحدة رسله، ويبين بعض العبارات مثل: يوم الحساب والبعث والحياة والموت وعبارات أخرى ورد ذكرها في الكتب المقدسة السابقة، فيفسر بعض النبوءات الواردة في كتابي العهد القديم والجديد، ويشرح آيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة التي تشير إلى ظهور القائم(1) وحلول يوم الله الذي يحدده حضرة بهاءالله بأنه اليوم الذي يتحقق فيه مجيء "من يظهره الله".

_____________________________________________________________________

(1) موعود الإسلام الذي تحقق مجيئه بظهور حضرة الباب. انظر صفحة 132.

الفصل العاشر
"كتاب الإيقان"
الظروف المحيطة بنزول "كتاب الإيقان"

"كتاب الإيقان" هو الأهم بين آثار حضرة بهاءالله بعد "الكتاب الأقدس". أنزل في بغداد قبل إعلان الدعوة بسنتين تقريبا بإعزاز الحاج ميرزا سيد محمد، خال حضرة الباب. كان لحضرته من الأخوال ثلاثة، وكان أسبقهم للإيمان بالدين البابي الحاج ميرزا سيد علي، المعروف بالخال الأعظم، والذي كفل حضرة الباب بعد وفاة والده وقام على رعايته منذ نشأته.

استطاع الحاج ميرزا سيد علي أن يدرك المواهب الروحانية والقوى الخارقة التي ظهرت من ابن أخته في سن مبكرة، ولم يتوانَ في الاعتراف بمقامه. آمن بالدين البابي بمجرد إعلان الدعوة وأظهر غيرة وحماسا شديدين، وكان بحق أول من أقر بأحقية المصدر السماوي لرسالة حضرة الباب في شيراز بعد حروف الحي. ومنذ ذلك الحين نذر نفسه وحياته لترويج الدين الجديد، وحماية مؤسسه الشاب. قبض عليه قبل استشهاد حضرة الباب ببضعة شهور، ثم أعدم علانية بسبب إصراره على التمسك بدينه، وكان من بين شهداء طهران السبعة.

أما أكبر أخوال حضرة الباب سنا -الحاج ميرزا سيد محمد- فبالرغم من إقراره بالمواهب الفائقة لابن أخته، إلا أنه لم يؤمن بالدين الجديد إلى أن قابل حضرة بهاءالله في بغداد، وتسلم "كتاب الإيقان" إجابة على استفساراته. أما الخال الثالث فهو الحاج ميرزا حسن علي.

انتقل الحاج ميرزا سيد محمد بتجارته إلى بوشهر، وعمل فيها بضع سنين بمشاركة أخيه الحاج ميرزا سيد علي وابن أخته -حضرة الباب- وبقي في العمل وحده بعد مغادرة الاثنين الأخيرين إلى شيراز وإعلان دعوة حضرة الباب إلى أوائل حوارييه. وعندما عزم حضرة الباب على الحج إلى مكة، مر ببوشهر وأقام في منزل خاله الحاج ميرزا سيد محمد، وفي طريق عودته من الحج بعد عدة شهور نزل في منزل خاله أيضا. وخلال تلك الزيارات شهد الحاج ميرزا سيد محمد بالتحول الذي طرأ على روح حضرة الباب وكتب إلى والدته وشقيقته -جدة حضرة الباب ووالدته- ما يلي:

...هلّ علينا الحاج(1) بالسلامة والعافية، وسعدت بالقيام على خدمته. ويستحسن بقاؤه في بوشهر لبعض الوقت. اطمئنوا تماما رجاءً فإنه سيغادر إليكم قريبا... حقا، إن روحه السمحة لهي مصدر سعادة أهل هذا العالم والعالم الآخر. إنه يشرفنا جميعا...(1)

ومع كل هذه المشاعر وعبارات الإعجاب والاحترام الصادقين لشخص حضرة الباب، فقد أخفق الحاج ميرزا سيد محمد في إدراك مقامه عدة سنوات، وبقي دون أن يعلن إيمانه بدعوته.

وفي تلك الأثناء استشهد حضرة الباب وخاله الأعظم عام 1850م مما أصاب أفراد العائلة بصدمة عنيفة جلبت لهم الحزن العميق. أما والدة حضرة الباب -فاطمة بيكم- فما طاقت العيش في منزلها بشيراز بعد ذلك، وارتحلت إلى كربلاء في العراق لتكون قرب مقام الإمام الحسين. وإلى حين وصول حضرة بهاءالله إلى بغداد بعد إطلاق سراحه من سجن سياه ﭽال، لم تكن الوالدة لتؤمن برسالة حضرة الباب، وتمكن حضرة بهاءالله من الاتصال

_____________________________________________________________________

(1) كان يشار إلى حضرة الباب بالحاج بعد حجه إلى مكة.

بها حيث رتب للحاج السيد جواد الكربلائي(1) -أحد حواريي حضرة الباب الأوائل البارزين- أن يصطحب معه إحدى المؤمنات المخلصات -وهي زوجة الشيخ عبد المجيد الشيرازي- لمقابلة والدة حضرة الباب وتبيان حقيقة رسالة ابنها اللامع. حقق هذا الاتصال استجابة رائعة فانتعشت روحها بحياة جديدة، وانكشف أمام بصيرتها جلال الدين الجديد الذي أسسه حضرة الباب، ثم فازت بعرفان مقام حضرة بهاءالله وآمنت به وبقيت راسخة الإيمان حتى نهاية حياتها.

ومع أن بعض أقارب حضرة الباب اعتنقوا أمره في السنوات الأولى لولايته، ومنهم زوجته، وقدم آلاف المؤمنين من أتباعه أرواحهم في سبيله، إلا أن الحاج ميرزا سيد محمد لم يقتنع تماما بأن حضرة الباب -ابن أخته- يمكن أن يكون هو الموعود المنتظر لدى المسلمين، بالرغم من محاولات عدة مؤمنين لتبديد شكوكه. وقد سجل الحاج ميرزا حبيب الله، أحد الأفنان وخادم منزل حضرة الباب في شيراز، القصة التالية التي رواها والده آقا ميرزا نور الدين أحد أتباع حضرة الباب، عن سلسلة المناقشات التي أجراها مع الحاج ميرزا سيد محمد والتي شكلت، على ما يبدو، نقطة تحول في حياة الخال الروحانية:

... في بداية مراحل حديثنا، كان موقف الحاج ميرزا سيد محمد موقفا سلبيا، وطفق ينكر كل دليل وبرهان أقدمه له. بقينا على هذا المنوال لعدة لقاءات. وبينما أخذت أتكلم في مرة من المرات بحماس ويقين قاطع عن الدين الجديد،

_____________________________________________________________________

(1) عالم بارز ذو اطلاع عظيم، أصبح من أتباع حضرة الباب المخلصين في السنة الأولى لإعلان دعوته ثم توصل إلى عرفان مقام حضرة بهاءالله وآمن به. (راجع الصفحات 237-241، وكذلك كتاب "مطالع الأنوار").

التفت إلي بدهشة وصاح قائلا: "هل تقول أن ابن أختي هو قائم آل محمد حقا؟!" فأكدت عليه من جديد أن حضرة الباب هو القائم الموعود. وهنا بدا عليه الارتباك وعلق على ذلك بقوله: "هذا أمر غريب جدا." ثم غرق في التأمل والتفكير. وهو على حاله هذه لم أستطع منع نفسي من الضحك. التفت إلي وسألني عن سبب ضحكي، ولكنني التزمت الصمت حتى لا يكون لجوابي رد فعل سيئ إلا أنه أصر. فأجبته: إن اعتقادك بأن ابن أختك لا يمكن أن يكون قائم آل محمد يشبه اعتقاد أبي لهب(1) بمحمد ( إذ قال: "كيف لابن أخي أن يصبح نبيا" ومع هذا كان محمد ( نبي الله. وإليك يرجع الأمر في التحقق من هذا الدين، وكن فخورا جدا بطلوع فجر شمس الحقيقة من ذويكم وتألق نوره من بيتكم، فلا تمنع نفسك عنه، ولا تقف مشدوها حائرا تجاهه، لأن الله عز وجل قادر أن يجعل من ابن أختك قائم آل محمد، وأيقن بأن يد الله ما كانت قط مغلولة.

تحركت مشاعر الحاج بهذه الكلمات وأردف قائلا: "إنه جواب لا يدحض، ماذا علي أن أفعل الآن؟" فأشرت عليه أن يتوجه للحج إلى المقامات المقدسة(2) بالعراق لزيارة أخته (والدة حضرة الباب) التي كانت تقيم هناك منذ استشهاد ولدها، ثم يذهب إلى بغداد ويقابل حضرة بهاءالله ويسأله الإجابة عن أسئلته. وأكدت عليه ضرورة المثابرة بكل عزم وقوة في البحث متوكلا على الله عسى بمنّه يرفع الله عنه الحجبات التي حالت بينه وبين الحقيقة، ويحظى بمعرفة دين الله الحق... فوافقني الرأي وقال إنه يشعر في قرارة

_____________________________________________________________________

(1) عم الرسول محمد ( الذي لم يؤمن برسالته وبقي من ألد أعدائه.

(2) دفن بعض أئمة الإسلام من الشيعة في كربلاء والنجف والكاظمين وسامراء، ومن ضمنهم الإمام الحسين.

نفسه بأنه طريق الصواب وعليه أن يسلكه.

حرر الحاج ميرزا سيد محمد على التو رسالة إلى أخيه الأصغر الحاج ميرزا حسن علي -وهو تاجر في يزد- يعلمه فيها بعزمه على زيارة المقامات المقدسة ثم شقيقته ويدعوه لمرافقته. فقبل الدعوة وطلب منه الانتظار لملاقاته في شيراز... توجه كلاهما إلى العراق مرورا ببوشهر. ولم يصرح الحاج ميرزا سيد محمد لأخيه عن غرضه الحقيقي من تلك الرحلة إلى أن وصلا بغداد، وهناك أعلمه أن غرضه هو التحري عن حقيقة الدين الجديد، وبعد ذلك يزور المقامات ثم شقيقته -والدة حضرة الباب- وطلب من أخيه المكوث في بغداد لفترة قصيرة حتى يتمكنا من التشرف بمحضر حضرة بهاءالله وبعدها يتوجهان معا لزيارة المقامات المقدسة.

وبمجرد سماعه ذلك، غضب الحاج ميرزا حسن علي وكلّم أخاه بلهجة قاسية، مع أنه يصغره سنا، وحذره أنه لا يمكن تحت أي ظرف أن يشاركه بهذه الأمور، وإنه لا يريد أن يسمع شيئا عن الدين، وغادر بغداد في اليوم نفسه.(2)

وعلى أثر ذلك قرر الحاج ميرزا سيد محمد اصطحاب أخيه لزيارة المقامات المقدسة، ولدى عودته إلى بغداد تشرف لوحده بالمحضر الأنور في بيت حضرة بهاءالله. وكان ذلك عام 1278هـ، الموافق 1862م.

وفي وصفه للظروف التي أدت إلى نزول "كتاب الإيقان"، كتب ميرزا آقا جان، كاتب وحي حضرة بهاءالله، في لوح(1) وجهه للشيخ عبد المجيد الشيرازي (بأمر من حضرة بهاءالله)، أن الحاج السيد جواد الكربلائي ذهب في أحد الأيام إلى حضرة

_____________________________________________________________________

(1) انظر الصفحتين 41-42 بخصوص الألواح التي كتبها ميرزا آقا جان.

بهاءالله ليبلغه بأن اثنين من أخوال حضرة الباب كانا في زيارة للمقامات المقدسة في النجف وكربلاء، وهما متوجهين إلى بغداد في طريق عودتهما إلى موطنهما قريبا. ولما تحقق حضرة بهاءالله من الحاج أنه لم يحادثهما بالأمر الجديد عاتبه بكل لطف على عدم قيامه على تبليغ أمر الله ثم أمره أن يدعو الضيفين الأخوين إلى محضره.

وفي اليوم التالي حضر الحاج السيد جواد مصطحبا خال حضرة الباب الحاج ميرزا سيد محمد دون أخيه الأصغر. انغمست روح الخال الأكبر ببحر بيان الجمال المبارك ورفرفت إلى أوج العلا. وفي نهاية اللقاء توسل إلى حضرة بهاءالله أن يوضح له حقيقة رسالة حضرة الباب بالنسبة للأحاديث النبوية الشريفة الخاصة بالقائم الموعود والتي لم تتحقق في الظاهر بابن أخته. فوافق حضرة بهاءالله على إجابة طلبه، وسأل زائره بأن يذهب إلى بيته ويكتب، بعد تمحص وتدقيق، قائمة بكل تلك المسائل التي حيرته والأحاديث الشريفة التي أدخلت الشكوك إلى نفسه، وأن يحضر بعد ذلك تلك القائمة إليه ليرد عليها.

وفي اليوم التالي حضر الحاج ميرزا سيد محمد ومعه أسئلته. وفي يومين وليلتين نزل "كتاب الإيقان" وهو رسالة مطولة في أكثر من مائتي صفحة عالجت كافة أسئلته. وكان الكتاب يعرف في الأيام الأولى بـ"رسالة الخال" إلا أن حضرة بهاءالله أسماه "كتاب الإيقان".

وبين الأوراق المحفوظة لدى عائلة الأفنان وجدت ورقة من صفحتين بخط يد الحاج ميرزا سيد محمد بالأسئلة التي وجهها لحضرة بهاءالله تحت أربعة عناوين تتعلق كلها بمجيء القائم الموعود وتبين مدى جدية السائل في البحث عن الحقيقة، مكررا

توسله إلى حضرة بهاءالله أن يبدد شكوكه ويفوز قلبه بالإيمان المطلق والإيقان برسالة حضرة الباب.

تحركت أحاسيس الحاج ميرزا سيد محمد في هذا اللقاء وكتب فورا إلى ابنه الحاج ميرزا محمد تقي واصفا تأثره الكبير بقوله:

... نلت شرف المثول بمحضر جناب البهاء -عليه السلام- وكم تمنيّتك معي! لقد أغدق علي من عظيم عطفه اللامثال، ودعاني أن أقضي الليلة في ضيافته. حقا أقول لك إن الحرمان من بركات محضره يعد خسارة فادحة بلا أدنى شك، عسى الله أن يمتعني بهذه النعمة على الدوام...(3)

وهكذا بدّد "كتاب الإيقان" كل شك ساور الحاج ميرزا سيد محمد وفاز باليقين بعد تلاوته فأدرك مقام حضرة الباب. وفي وصيته التي كتبها في وقت لاحق اعترف بأحقية رسالتي حضرة الباب وحضرة بهاءالله وأنه من أتباع هذين المظهرين الإلهيين التوأمين.

أما الخال الأصغر الحاج ميرزا سيد حسن علي، الذي عاد إلى يزد دون مقابلة حضرة بهاءالله، فقد حظي بالإيمان بعد سنوات عدة بفضل الجهود المخلصة لشقيق زوجته وبقي ثابتا راسخا طيلة حياته.

وفي واقع الأمر فإن عائلة حضرة الباب بكامل أفرادها اعتنقت الأمر الإلهي، ودخل حظيرة الدين الجديد كل من والدة حضرة الباب وزوجته وأخواله وأولادهم (الملقبين بالأفنان)، طبقا لما تنبأ به حضرة الباب نفسه حيث تفضل بأن الله بفضله سيمن على عائلته بعرفان أحقية دينه.

تسلم الحاج ميرزا سيد محمد النسخة الأصلية "لكتاب الإيقان" بخط يد حضرة عبدالبهاء الذي كان يبلغ الثامنة عشر آنذاك. وعلى هوامش الكتاب زين حضرة بهاءالله بعض صفحاته

بملاحظات خطها بيده المباركة. وفي نهاية الكتاب وشحه بهذه العبارة:

"وهذا العبد قائم أمام الوجوه وواضع روحه على كفه بكمال التسليم والرضاء، عسى بالعناية الإلهية والفضل السبحاني ينفق هذا الحرف(1) المذكور المشهور روحه، ويفدي بها في سبيل النقطة الأولى،(2) والكلمة العليا. ولو لم يكن عندي هذه النية، فوالذي نطق الروح بأمره، إني ما كنت أتوقف في هذا البلد لحظة واحدة، وكفى بالله شهيدا."(4)

وبقيت النسخة الأصلية هذه في حيازة عائلة الحاج ميرزا سيد محمد لعدة سنوات إلى أن قدمتها حفيدة حفيدته -فاطمة خانم أفنان- لحضرة ولي أمر الله شوقي أفندي عام 1948م ووصلته بعد عدة سنوات لتوضع في محفظة الآثار البهائية العالمية على جبل الكرمل بحيفا(3).

أهمية "كتاب الإيقان"

من بين كتابات حضرة بهاءالله، يمكن القول بأن "كتاب الإيقان" كان أوسعها انتشارا بين المؤمنين الذين اعتادوا أن ينسخوها باليد لتداولها بينهم، وعندما كانت تصلهم الألواح الجديدة يقومون على استنساخها لأنفسهم بكل شغف ولهفة وغالبا ما كانوا يجمعون عدة منها على شكل كتاب. وهناك العديد من مثل هذه المجلدات المخطوطة لمجموعة ألواح لحضرة الباب

_____________________________________________________________________

(1) حضرة بهاءالله.
(2) حضرة الباب.

(3) انظر كتاب: Shoghi Effendi - Recollections, p.149. تأليف أيادي أمر الله جياكيري، في وصف هذه المناسبة السعيدة.

وحضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء لدى عائلات البهائيين التي توارثوها عن أسلافهم ويعتبرونها آثارا نفيسة.

كما كان في بلاد فارس أفراد أمضوا كل وقتهم في كتابة الآثار المباركة، واعتاد المؤمنون أن يتسلموا نسخهم منهم. وكان "كتاب الإيقان" واحدا من الآثار التي شغلت هؤلاء الكتبة سنوات عدة لتلبية حاجة المؤمنين.

ومن الناحية الأدبية يمكن اعتبار "الإيقان" كتابا مميزا في الأدب الفارسي ووصفه حضرة ولي أمر الله شوقي أفندي، الذي ترجمه إلى الإنجليزية بأسلوب أخاذ، بكلماته التالية:

"ومن أبرز الكنوز النفيسة التي ألقى بها خضم إلهام حضرة بهاءالله الموّاج كتاب "الإيقان"... نموذج للنثر الفارسي بأسلوبه الناصع الأصيل المتدفق، ووضوحه الملحوظ، وتسانده في البحث، وبراعته الملزمة في البلاغة. ولذلك فهو يحتل منزلة لا تدانيها منزلة أي كتاب آخر من مجموع الآداب البهائية على الإطلاق باستثناء "الكتاب الأقدس" الذي هو أقدس كتب حضرة بهاءالله..."(5)

إن مغزى الرسالات التي جاء بها كل الرسل والأنبياء والهدف من ظهورهم والمعنى الحقيقي لكلماتهم بقي مستورا حتى الآن ولكن بنزول "كتاب الإيقان" اتضح كل شيء بعد أن كانت الكلمات مخفية فكما قال دانيال النبي "لأن الكلمات مخفية ومختومة إلى وقت النهاية"،(6) وأما الختم الذي قضت به العناية الإلهية آلاف السنين على الكتب المقدسة لجميع الديانات السماوية فقد فك الآن.

يعتبر "كتاب الإيقان" أفضل أنموذج لكيفية تبليغ أمر الله.

فبدلا من أن يستهله حضرة بهاءالله بالبراهين على أحقية رسالة حضرة الباب، بدأ في الحديث عن الرسل الآخرين مصورا حياتهم وآلامهم ومقيما الدليل على أحقية رسالاتهم شارحا خصائصها المشتركة. وبهذا الأسلوب يقرِّب إلى ذهن القارئ حقيقة دينه الذي يعتنقه ويمكنه من عرفان حقيقة رسوله. وبعد بناء هذا الأساس المتين يشرع في نهاية الكتاب بالتكلم عن حضرة الباب وعن رسالته هو، ويعود فيخضع شرحه للظهور الجديد للمنطق ذاته الذي أثبت به أحقية الرسل السابقين.

وبما أن مظاهر أمر الله جميعهم يستمدون سلطانهم ونفوذهم من مصدر واحد، فإنه في الإمكان عرفان أحدث الرسل ظهورا، إذا ما تمّ لنا عرفان ما يتحلى به الرسل والأنبياء السابقون من خصال وصفات.

إن السواد الأعظم من أتباع الديانات في العالم وقد لقنوا -على أية حال- أن يؤمنوا برسول واحد فقط، وهو رسول من عند الله. ومع اعتقادهم الخالص بأحقية دينهم، دينا سماويا من حيث مصدره وأصله، فإنهم لم يدركوا حقيقة رسولهم في أغلب الأحيان. فالفرق شاسع بين معرفة الدين وبين إدراك حقيقة مؤسسه. فعلى سبيل المثال: قد يملك الإنسان قطعة من الذهب ويعرف أنها ثمينة ومع ذلك فإنه غير قادر على تمييز الذهب من النحاس. فشخص كهذا سيفشل في إدراك حقيقة قطعة أخرى من الذهب عندما يراها.

تلك هي حال العالم اليوم. فإذا استطاع أحد من الناس إدراك حقيقة الرسول الذي يؤمن به فإنه لن يجد أية صعوبة في قبول حضرة بهاءالله رسولا لهذا العصر.

وهكذا فقد مكن "كتاب الإيقان" العديد من الناس من مختلف العقائد والثقافات أن يقفوا على حقيقة معتقداتهم

الدينية، وهي الخطوة الأولى نحو الإيمان بحضرة بهاءالله. وقد أضفى "كتاب الإيقان" سناء بهيا على كتب الديانات السابقة وكشف غوامضها وبين معنى استمرار الوحي الإلهي. وأقام دعائم ثابتة لوحدة هذه الأديان واتحادها، واستعمله المؤمنون مفتاحا لأبواب المعرفة التي كانت مجهولة حتى ذلك الحين، وأصبح الكتاب، للباحثين والمبلغين، مصدرا رئيسا للإلهام، فعكفوا على كتابة المجلدات في إثبات أحقية رسالة حضرة بهاءالله ببراهين العقل والمنطق أو بتفسير ما جاء في الكتب السماوية السابقة. وفي الحقيقة فقد منح هذا الكتاب المؤمنين رؤية جديدة مكنتهم من حل الرموز الإلهية وتبليغ أمر الله بمعرفة وبصيرة أعمق.

المواضيع الرئيسة في "كتاب الإيقان" (القسم الأول)

في دراستنا "لكتاب الإيقان" علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن حضرة بهاءالله كتبه لشخص ذي خلفية إسلامية، لذا جاءت معظم مقتطفاته من القرآن الكريم أو الأحاديث الشريفة.

وفي فقراته الافتتاحية جعل حضرة بهاءالله عرفان الحقيقة مشروطا بانقطاع الباحث وتجرده عن هذا العالم، وهو ما حرص على تأكيده خلال الكتاب. وهذه كلماته:

"... أن العباد لن يصلوا إلى شاطىء بحر العرفان إلا بالانقطاع الصرف عن كل من في السموات والأرض...

جوهر هذا الباب هو أنه يجب على السالكين سبيل الإيمان والطالبين كؤوس الإيقان أن يطهروا أنفسهم ويقدسوها عن جميع الشؤونات العرضية- يعني ينزهون السمع عن استماع الأقوال، والقلب عن الظنونات المتعلقة بسبحات الجلال، والروح عن التعلق بالأسباب الدنيوية،

والعين عن ملاحظة الكلمات الفانية، ويسلكون في هذا السبيل متوكلين على الله، ومتوسلين إليه حتى يصبحن قابلين لتجليات إشراقات شموس العلم والعرفان الإلهي، ومحلا لظهورات فيوضات غيب لا يتناهى..."(7)

أسباب اعتراض الإنسان على رسل الله

أسهب حضرة بهاءالله في القسم الأول من "كتاب الإيقان" في سرد تاريخ الرسل السابقين والأسباب الرئيسة لاعتراض البشر عليهم. وبفهم هذه الأسباب يستطيع الإنسان أن يهتدي إلى حقيقة أمر الله في هذا اليوم. ولإبراز أهمية هذا الموضوع فقد أفرد له جزءا كبيرا من الكتاب.

وبعد ذكر بعض المصائب والمحن التي ابتُلِيَ بها بعض الرسل السابقين يتفضل حضرة بهاءالله بما يلي:

"فانظروا الآن وتأملوا قليلا في هذه الأمور. وماذا كان سبب أمثال هذه الاختلافات، إذ كلما ظهر ظهور حق في الإمكان من أفق اللامكان كان يظهر ويبدو في أطراف العالم أمثال هذا النوع من الفساد والفتنة والظلم والانقلاب، مع أن جميع الأنبياء كانوا يبشرون الناس في حين ظهورهم بالنبي التالي، ويذكرون لهم علامات الظهور الآتي، كما هو مسطور في كل الكتب. ومع طلب الناس وانتظارهم لظهور المظاهر القدسية، وذكر العلامات في الكتب، لماذا تحدث هذه الأمور في العالم، ويرد على جميع الأنبياء والأصفياء في كل عهد وعصر أمثال هذا الظلم والعسف والتعدي."(8)

وهنا يعرض حضرة بهاءالله أسبابا عدة لاعتراض البشر على رسل الله، وأولها أن جمهور الناس في كل عصر كانوا يتبعون

رجال الدين ويطيعونهم طاعة عمياء، فهؤلاء هم الذين ناهضوا إلى حدّ بعيد الرسول الجديد. أما بالنسبة إلى رجال الدين فقد كتب حضرة بهاءالله الكلمات التالية:

"إن علماء العصر في كل الأزمان كانوا سببا لصد العباد، ومنعهم عن شاطىء بحر الأحدية، لأن زمام هؤلاء العباد كان في قبضة قدرتهم. فكان بعضهم يمنع الناس حبا للرياسة، والبعض الآخر يمنعهم لعدم العلم والمعرفة. كما أنه بإذن علماء العصر وفتاويهم قد شرب جميع الأنبياء سلسبيل الشهادة، وطاروا إلى أعلى أفق العزة. فكم ورد على سلاطين الوجود، وجواهر المقصود، من ظلم رؤساء العهد، وعلماء العصر، الذين قنعوا بهذه الأيام المحدودة الفانية، ومنعوا أنفسهم عن الملك الذي لا يفنى."(9)

وفي فقرة لاحقة في الكتاب يدين حضرة بهاءالله علماء الدين على جهلهم وضعف بصيرتهم بقوله:

"ومن جملة السبحات المجللة هم علماء العصر وفقهاء زمان الظهور الذين هم جميعا نظرا لعدم إدراكهم، واشتغالهم بالدنيا، وحبهم للرياسة الظاهرية، لم يذعنوا لأمر الله. بل إنهم كانوا لا يمدون آذانهم لاستماع النغمة الإلهية، بل (يجعلون أصابعهم في آذانهم)(1). ولما كان العباد قد اتخذوهم أيضا أولياء من دون الله لذا هم منتظرون لرفض تلك الخشب المسندة وقبولهم. لأنه ليس لهم بصر ولا سمع ولا قلب ليميزوا به ويفرقوا من تلقاء أنفسهم بين الحق والباطل."(10)

وسبب آخر في رفض الناس قبول الرسول الجديد يرجع إلى

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 19.

إتيانه تعاليم جديدة تبطل شرائع الماضي وتؤسس نظاما جديدا. فهذا التغيير الجذري يثير حفيظة رجال الدين لأنهم يرون في الرسالة الجديدة تحديا لسلطتهم فيقومون على الاعتراض بكل ما لديهم من نفوذ وقدرة.

وثمة سبب إضافي آخر للاعتراض هو أن كل رسالة إلهية قد أوردت علامات وإشارات تدل على مجيء الظهور التالي، وبما أن الناس كانوا ينتظرون أن تتحقق هذه العلامات والإشارات حرفيا عجزوا عن إدراك الرسالة الإلهية الجديدة.

علامات رجوع السيد المسيح

ولبيان هذه النقطة فقد أفرد لها حضرة بهاءالله ما لا يقل عن سبعين صفحة من الكتاب في شرح فقرة من الإنجيل في ذكر علامات رجعة السيد المسيح،(1) آتيا على عدة مواضيع أخرى.

وأورد ما يلي عن علامات المجيء الثاني:

"ومن بعد ذلك طلب أصحاب عيسى وتلاميذه من حضرته بيان علامات الرجعة والظهور، ومتى يكون وقتها واستفهموا من طلعته النادرة المثال عن هذا السؤال في عدة مواقع. وفي كل موقع منها ذكر حضرته علامة، كما هو مسطور في الأناجيل الأربعة.

وهذا المظلوم يذكر فقرة منها، ويمنح عباد الله النعم المكنونة في السدرة المخزونة، حبا لوجه الله حتى لا تحرم الهياكل الفانية من الأثمار الباقية، عساهم يفوزون برشح من أنهار حضرة ذي الجلال، المقدسة عن الزوال، والتي جرت في دار السلام (بغداد)...

_____________________________________________________________________

(1) إنجيل متى، إصحاح 24، الآيات 29-31.

وهذه نغمات عيسى بن مريم التي تغنى بها في رضوان الإنجيل بلحن جليل، في وصف علائم الظهور الآتي بعده، المذكور في السفر الأول المنسوب إلى متّى، عندما سألوه عن علامات الظهور الآتي بعده فأجاب بقوله "وللوقت من بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والكواكب تتساقط من السماء، وقوات الأرض ترتج، حينئذ يظهر علامات ابن الإنسان في السماء، وينوح كل قبائل الأرض ويرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء مع قوات ومجد كبير، ويرسل ملائكته مع صوت السافور العظيم(1)...

إن علماء الإنجيل لما لم يعرفوا معاني هذه البيانات، ولا المقصود منها، المودع في تلك الكلمات وتمسكوا بظاهرها، لهذا صاروا ممنوعين من شريعة الفيض المحمدي، وسحابة الفضل الأحمدي، وجهال تلك الطائفة، الذين تمسكوا بعلمائهم أيضا، ظلوا محرومين من زيارة جمال سلطان الجلال، لأن في ظهور الشمس الأحمدية، لم تظهر هذه العلامات المذكورة."(11)

تفسير العبارات الرمزية

وبشيء من التفصيل يشرح حضرة بهاءالله معاني هذه الكلمات بقوله:

"... أن المقصود من الضيق هو ضيق عن استيعاب المعارف الإلهية، وعجز عن إدراك الكلمات الربانية حيث أن العباد بعد غروب الشمس، واختفاء مراياها عن الأبصار، يقعون في ضيق وشدة، ولا يعرفون إلى من يتوجهون... كما

_____________________________________________________________________

(1) إنجيل متى، إصحاح 24، الآيات 29-31، كما ورد في "كتاب الإيقان".

نشاهد اليوم، أن زمام كل طائفة في يد جاهل، يحركهم كيفما أراد، ولم يبق بينهم من المعبود إلا اسمه، ولا من المقصود إلا لفظه... ومع أنهم يعتقدون أن حكم الله واحد، فإنه يصدر منهم من كل ناحية حكم، ويظهر من كل محل أمر. فلا يشاهد بينهم نفسان متفقان على حكم واحد. إذ لا يعرفون إلها غير الهوى. ولا يسلكون سبيلا إلا الخطأ... يحافظون على هذه المراتب بتمام القوة والقدرة، حتى لا يجد النقص سبيلا إلى شوكتهم، ولا يتطرق الخلل إلى عزتهم، وإذا ما تنورت عين بكحل المعارف الإلهية، فإنها تشاهد عدة وحوش مرتمية على جيف أنفس العباد.

فالآن أي ضيق وشدة أشد من هذه المراتب المذكورة، فإنه إذا أراد شخص أن يطلب حقا، أو يلتمس معرفة، فلا يدري إلى من يذهب، وممن يطلب، لأن الآراء مختلفة للغاية، والسبل متعددة. وهذا الضيق وتلك الشدة من شرائط كل ظهور. وما لم يقع هذا ويحصل، فلا تظهر شمس الحقيقة، لأن صبح ظهور الهداية يطلع بعد ليل الضلالة..."(12)

وعن المقصود من كلمتي "شمس" و "قمر" يصرح حضرة بهاءالله:

"فالمقصود من الشمس والقمر المذكورين في كلمات الأنبياء، ليس منحصرا في هذين الكوكبين المشهورين، بل إنهم قد أرادوا من الشمس والقمر معاني عديدة. وفي كل مقام منها يريدون معنى خاصا بمناسبة ذلك المقام. فمثلا: أحد معاني الشمس يطلق على شموس الحقيقة، الذين يطلعون من مشرق القِدم، ويكونون واسطة إبلاغ الفيض إلى جميع الممكنات. وهؤلاء الشموس هم المظاهر الإلهية

الكلية، في عوالم صفاته وأسمائه. فكما أن الشمس الظاهرة بتقدير من المعبود الحقيقي تربي الأشياء الظاهرة، من الأثمار والأشجار والألوان والمعادن وما دون ذلك، مما هو مشهود في عالم الملك، بتأثير حرارتها، كذلك تظهر أشجار التوحيد وأثمار التفريد، وأوراق التجريد وأوراد العلم والإيقان، ورياحين الحكمة والبيان، من أثر تربية الشموس المعنوية وعنايتها... وتنبعث حرارة المحبة الإلهية في أركان العالم من هذه الشموس الإلهية ونيرانها المعنوية...

وفي الرتبة الثانية يكون المقصود من الشمس والقمر والنجوم هم علماء الظهور السابق، الذين يكونون موجودين في زمان الظهور اللاحق، وبيدهم زمام دين الناس. فإذا ما استناروا بضياء شمس أخرى أثناء ظهورها، يكونون من المقبولين والمضيئين والمتلألئين، وإلا يجري في حقهم حكم الظلمة، ولو يكونون بحسب الظاهر من الهادين. لأن جميع هذه المراتب من الكفر والإيمان، والهداية والضلالة، والسعادة والشقاوة، والنور والظلمة، منوطة بتصديق تلك الشموس المعنوية الإلهية. فكل نفس من العلماء جرى عليها في يوم التغابن والإحسان حكم الإيمان من مبدأ العرفان يصدق في حقها العلم والرضا، والنور والإيمان. وإلا يجري في حقها حكم الجهل والنفي والكفر والظلم.

ومن المشهود لدى كل ذي بصر، أنه كما ينمحي نور النجم عند إشراق الشمس الظاهرة، كذلك تنمحي وتظلم شمس العلم والحكمة والعرفان الظاهري عند طلوع شمس الحقيقة وإشراق نير المعاني...

وفي مقام آخر يكون المقصود من إطلاقات الشمس والقمر والنجوم، هو العلوم والأحكام المرتفعة في كل شريعة، مثل أحكام الصوم والصلاة...

إذا قد ثبت وتحقق بالآيات النازلة والأخبار الواردة، إطلاق لفظ الشمس والقمر في هذه المراتب، على هذه المقامات المذكورة في الآيات النازلة والأخبار الواردة. وهذا هو المقصود من ذكر ظلمة الشمس والقمر، وسقوط النجوم، أي ضلالة العلماء، ونسخ الأحكام المرتفعة في الشريعة، التي كان مظهر ذلك الظهور يخبر عنها بهذه التلويحات...

ومن المسلم أنه في كل ظهور تال تظلم شمس العلوم والأحكام والأوامر والنواهي، التي كانت مرتفعة في الظهور السابق، والتي أظلت أهل ذلك العصر، واستناروا من شمس معارفها، واهتدوا بقمر أوامرها. أي أنه ينتهي حكمها وينعدم أثرها."(13)

وحول "ظهور علامة ابن الإنسان في السماء" يؤكد حضرة بهاءالله أنها علامة تظهر في السماء الظاهرة والسماء الباطنة. فقبل مجيء كل رسول يظهر نجم في السماء مدلا على مولد رسالة جديدة. وليس هذا فحسب بل يظهر في الوجود مبشر يعلن للملأ هذه البشارة. ولنأخذ مثلا أيام حضرة موسى عندما حذر المنجمون فرعون:

"... بأن كوكبا قد طلع في السماء، وهو دليل على انعقاد نطفة على يدها يكون هلاكك أنت وقومك. وكذلك قد ظهر عالم كان يبشر بني إسرائيل في الليالي يسليهم ويطمّنهم."(14)

وقبل ظهور السيد المسيح ذهب نفر من المجوس إلى هيرودس وقالوا: "أين هو المولود ملك اليهود؟ لأننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له"(1) فكانت تلك علامة ظهوره في السماء الظاهرة. أما يوحنا المعمدان فقد كان الكوكب الروحاني الذي بشر الناس بقرب ظهور عيسى عليه السلام. وكذا الأمر قبل مجيء الطلعة المحمدية فظهرت أيضا مثل هذه العلامات. ومما تفضل به

_____________________________________________________________________

(1) إنجيل متّى، إصحاح 2، آية 2.
حضرة بهاءالله بخصوص من بشروا بالرسول الكريم:

"وأما الآثار الباطنة فقد كانوا أربعة رجال واحدا بعد الآخر يبشرون الناس على الأرض بظهور شمس الهوية. وقد تشرف بشرف خدمتهم "روزبه" الذي سمي بسلمان، وكان كلما حضرت الوفاة أحدا منهم يرسل (روزبه) إلى الشخص الآخر إلى أن أتت نوبة الرابع الذي قال له في حين وفاته يا روزبه اذهب من بعد تكفيني ودفني إلى الحجاز حيث تشرق هناك الشمس المحمدية ويا بشراك بلقاء حضرته."(15)

وفي هذا الظهور، وقبل أن يعلن حضرة الباب دعوته، ظهرت هذه العلامة في الظاهر والباطن وصرح حضرة بهاءالله بقوله:

"...أخبر أكثر المنجمين عن ظهور نجم في السماء الظاهرة. كما أنه قد كان على الأرض النوران النيران أحمد وكاظم قدس الله تربتهما(1)..."(16)

أما عن قوله: "ينوح كل قبائل الأرض، ويرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوات ومجد كبير"،(2) فيتفضل حضرة بهاءالله:

"...أنه في ذلك الوقت ينوح العباد من فقدان شمس الجمال الإلهي، وقمر العلم، وأنجم الحكمة اللدنية، ويشاهد في تلك الأثناء طلعة الموعود، وجمال المعبود نازلا من السماء، وراكبا على السحاب. يعني أن ذاك الجمال الإلهي

_____________________________________________________________________

(1) الشيخ أحمد الأحسائي مؤسس المدرسة الشيخية في الإسلام وتبعه في ذلك تلميذه السيد كاظم الرشتي. وقد علما أتباعهما بأن قدوم الموعود بات قريبا جدا فهيأهم لظهوره. فكان معظم البابيين الأوائل من أتباع مذهب الشيخية.

(1) إنجيل متى، إصحاح 24، آية 30.

يظهر من سماوات المشيئة الربانية في هيكل بشري ولم يقصد من السماء هنا إلا جهة العلو والسمو التي هي محل ظهور تلك المشارق القدسية والمطالع القدمية. ولو أن هذه الكينونات القديمة قد ظهرت من بطون الأمهات بحسب الظاهر إلا أنهم في الحقيقة نازلون من سماوات الأمر، وإن يكونوا ساكنين على الأرض إلا أنهم متكئون على رفرف المعاني. وحيثما يمشون بين العباد فإنهم يكونون طائرين في هواء القرب. يمشون على أرض الروح بغير حركة الرجل، ويطيرون إلى معارج الأحدية بغير جناح. وفي كل نفس يطوون عالم الإبداع من مشرقه إلى مغربه، وفي كل آن يمرون على ملكوت الغيب والشهادة."(17)

وعن معنى الغمام يتفضل:

"...فالمراد من الغمام هنا... تغيير الأحكام وتبديل الشرائع وارتفاع القواعد والرسوم العادية وتقدم المؤمنين من العوام على المعرضين من العلماء. وكذلك يقصد به ظهور ذلك الجمال الأزلي خاضعا للحدودات البشرية، مثل الأكل والشرب، والفقر والغنا، والعزة والذلة، والنوم واليقظة، وأمثال ذلك، مما يثير الشبهة عند الناس ويحجبهم. فكل هذه الحجبات قد عبر عنها بالغمام..."(18)

ويفسر معنى "يرسل ملائكته"، بأنها تلك النفوس المقدسة التي:

"... صارت هذه الوجودات القدسية منزهة ومقدسة عن العوارض البشرية، ومتخلقة بأخلاق الروحانيين ومتصفة بأوصاف المقدسين لهذا أطلق اسم الملائكة على هذه النفوس المقدسة."(19)

وفي معرض تفسيره للمقتطف المذكور أعلاه والمأخوذ من الإنجيل، يشرح حضرة بهاءالله عدة نقاط تلقي الضوء على كلمات خفية نطق بها الرسل، مستشهدا بالكثير من آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، ويفصح بشمول عن حقائق روحانية ظلت غامضة مستورة في كافة الديانات السماوية السابقة، ويشرح معنى العبارات الواردة مثل: "تبديل الأرض" و"انفطار السماء" كما يتوقع المسلمون حدوثها في الساعة الآخرة، يوم القيامة، "يوم تأتي السماء بدخان مبين. يغشى الناس..." (1)

ثم يضيف حضرة بهاءالله مؤكدا:

"... لو كانت أشراط الظهور في أي عصر، تظهر في عالم الظاهر مطابقة لما ورد في الأخبار، فمن الذي كان يستطيع الإنكار والإعراض، وكيف كان يفصل بين السعيد والشقي، والمجرم والتقي. أحكم بالإنصاف. مثلا لو تظهر بحسب الظاهر هذه العبارات المسطورة في الإنجيل. وتنزل الملائكة مع عيسى بن مريم من السماء الظاهرة على السحاب. فمن ذا الذي يقدر على التكذيب أو يستطيع الإنكار ويستكبر عن الإيمان بل إن الاضطراب يأخذ أهل الأرض قاطبة على الفور بدرجة لا يقدرون على التكلم والتفوه بحرف واحد فكيف يصل الحال إلى الرد أو القبول..."(20)

أسباب أخرى لاعتراض الناس على الرسل

تعزى أسباب عدم إدراك الناس لمعنى العلامات والإشارات التي جاءت في الكتب المقدسة إلى اتّباعهم رؤساء دينهم وإطاعتهم

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم، سورة الدخان، الآيتان 10-11.

طاعة عمياء. ويؤكد حضرة بهاءالله على ذلك في "كتاب الإيقان" بقوله:

"... إن أمثال هذه الاعتراضات كانت موجودة بين الناس في كل الأزمان والأعصار. وكانوا في كل الأيام مشتغلين بزخارف القول، بحجة إن العلامة الفلانية لم تظهر، والبرهان الفلاني لم يتحقق وما انتابتهم هذه الأمراض إلا من تمسكهم بعلماء عصرهم في تصديق وتكذيب هذه الجواهر المجردة، والهياكل الإلهية. ونظرا لاستغراقهم في الشؤونات النفسية، واشتغالهم بالأمورات الدنية الفانية لهذا كانوا يرون في هذه الشموس الباقية، أنها مخالفة لعلمهم وإدراكهم، ومعارضة لجهدهم واجتهادهم. وكانوا يفسرون معاني الكلمات الإلهية، ويبينون أحاديث الحروفات الأحدية وأخبارها، تفسيرا لفظيا بحسب مداركهم القاصرة- لهذا حرموا أنفسهم وجميع الناس من أمطار ربيع الفضل."(21)

وحتى ندرك الأسرار المكنونة في دين الله، يقرر حضرة بهاءالله مرارا أن على الإنسان أن يطهر قلبه عن جميع الشؤون الدنيوية، كما يتضح من الفقرة التالية:

"فإن أنت نظفت ولو قليلا مرآة قلبك وطهرتها من غبار الغرض فإنك تدرك جميع التلميحات في كلمات الكلمة الجامعة الإلهية، وتقف على أسرار العلم في كل ظهور. وما لم تحرق الحجبات العلمية المصطلح عليها بين العباد بنار الانقطاع فإنك لا تفوز بصبح العلم الحقيقي النوراني.

والعلم علمان: علم إلهي، وعلم شيطاني، أولهما يظهر من إلهامات السلطان الحقيقي، وثانيهما يبدو من تخيلات

الأنفس الظلمانية. فمعلم ذاك حضرة الباري، ومعلم هذا الوساوس النفسانية. بيان الأول: اتقوا الله ويعلمكم الله. وبيان الثاني: العلم هو الحجاب الأكبر. أثمار ذاك الشجر الصبر والشوق والعرفان والمحبة، وأثمار هذا الشجر الكبر والغرور والنخوة. ومن بيانات أصحاب البيان التي ذكروها في معنى العلم أنه لا يستشم منه أية رائحة من روائح هذه العلوم الظلمانية التي أحاطت ظلمتها كل البلاد. لا يثمر هذا الشجر إلا البغي والفحشاء، ولا يأتي إلا بالغل والبغضاء، ثمره سم قاتل، وظله نار مهلكة."(22)

وثمة حقيقة أخرى هامة عملت على احتجاب الناس عن المظاهر الإلهية تلك هي الامتحانات التي تواجه البشر عند ظهورهم. ففي كل دورة برزت في حياة المظهر الإلهي أحداث معينة غدت سدا أمام الناس في إدراكهم الحقيقة. وفي هذا المقام أنزل حضرة بهاءالله الكلمات التالية:

"واعلم بأن المقصود من جميع هذه الكلمات المرموزة، والإشارات العويصة الظاهرة من المصادر الأمرية، إن هو إلا امتحان للعباد، كما قد ذكر، حتى تعرف أراضي القلوب الجيدة المنيرة من الأراضي الجرزة الفانية. هذه سنة الله بين عباده في القرون الخالية، يشهد بذلك ما هو مسطور في الكتب."(23)

ويثبت حضرة بهاءالله هذه الحقيقة (الامتحانات الإلهية) ببعض الأمثلة، ويتحدث عن محمد ( الذي كان يولي وجهه شطر بيت المقدس وهو يؤم المسلمين في الصلاة وكيف أنه في مرة من المرات استدار فجأة أثناء الصلاة وولى وجهه شطر المسجد الحرام (مكة):

"... بعد هجرة شمس النبوة المحمدية من مشرق البطحاء إلى يثرب استمر في التوجه إلى بيت المقدس في وقت الصلاة... نزل عليه جبريل(1) وقال (فول وجهك شطر المسجد الحرام)،(2) فانحرف حضرته أثناء الصلاة عن بيت المقدس، وولى وجهه شطر الكعبة وفي الحين حصل تزلزل واضطراب بين أصحابه بدرجة أن جمعا منهم تركوا الصلاة وأعرضوا. فهذه الفتنة لم تكن إلا امتحانا للعباد... أجل إن مثل هذه الأمور التي هي سبب وحشة جميع النفوس لم تقع إلا لكي يرد الكل على محك امتحان الله، كي يحصل التمييز والفصل بين الصادق والكاذب."(24)

وهناك قصة أخرى توضح هذا القصد أوردها حضرة بهاءالله عن موسى عليه السلام:

"فمثلا: موسى بن عمران... بينما كان مارا في السوق ذات مرة في أوائل أيامه قبل بعثته رأى اثنين يتخاصمان، فطلب أحدهما من موسى أن يعاونه على خصمه، فأعانه حضرته بما أدى إلى قتله...

فتفكر الآن في الفتن الإلهية وبدائع امتحاناته كيف أن شخصا عرف بقتل النفس واعترف أيضا بالظلم كما هو مذكور في الآية، وتربى أيضا في بيت فرعون بحسب الظاهر نحوا من ثلاثين سنة أو أقل، ونشأ ونما في نعمائه، ثم يجتبيه ربه بغتة من بين العباد، ويأمره بأمر الهداية الكبرى، والحال أن ذاك السلطان المقتدر، كان قادرا على أن يمنع موسى من القتل، حتى لا يكون مشهورا بين العباد بهذا

_____________________________________________________________________

(1) الملاك الذي تمثل للرسول (.
(2) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 149.

الاسم، الذي هو سبب وحشة القلوب، وعلة احتراز النفوس."(25)

وبالطريقة نفسها امتحن الله العباد عند ظهور السيد المسيح، إلا أنها كانت فتنة تعلقت بظروف ولادته كما يشرحها حضرة بهاءالله:

"ولننتقل الآن إلى حالة مريم لنشاهد كيف أن هذه الطلعة الكبرى تمنت الموت من عظمة الأمر، وشدة التحير، كما يستفاد من الآية المباركة التي ناحت بها مريم بعد ولادة عيسى، ونطقت بهذه الكلمة (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا)(1)... ثم تفكر أي جواب كان يمكن أن تقوله مريم للناس بشأن طفل ليس له أب معين! وكيف يمكن أن يقال لهم إنه من روح القدس! لهذا حملت مخدرة البقاء ذاك الطفل، ورجعت به إلى المنزل...

فانظر الآن إلى هذه الفتنة الكبرى، والامتحان الأعظم، واصرف نظرا عما مضى، وتفكر كيف أن نفس جوهر الروح المعروف بين القوم بأن لا أب له، قد منحه الله النبوة وجعله حجته على كل أهل السموات والأرض."(26)

مواضيع رئيسة (القسم الثاني)
كينونة الله ومظاهر نفسه

بعد أن عرض حضرة بهاءالله بكل وضوح الأسباب التي حجبت الناس عن عرفان رسل الله، يستهل الفصل الثاني من

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم، سورة مريم، آية 23.

"كتاب الإيقان" بفقرة توضح توضيحا كاملا طبيعة المظهر الإلهي وعلاقته بالله وبالبشر، ويقرر في الكلمات التالية، بمنتهى البلاغة، أن الإنسان بنفسه عاجز أبدا عن إدراك خالقه، إلا أن الله بفضله يظهر نفسه في كل عصر بواسطة رسوله:

"ومن الواضح لدى أولي العلم والأفئدة المنيرة، أن غيب الهوية وذات الأحدية كان مقدسا عن البروز والظهور، والصعود والنزول والدخول والخروج، ومتعاليا عن وصف كل واصف وإدراك كل مدرك، لم يزل كان غنيا في ذاته، ولا يزال يكون مستورا عن الأبصار والأنظار بكينونته (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).(1) لأنه لا يمكن أن يكون بينه وبين الممكنات بأي وجه من الوجوه نسبة وربط وفصل ووصل أو قرب وبعد وجهة وإشارة. لأن جميع من في السموات والأرض قد وجدوا بكلمة أمره، وبعثوا من العدم البحت والفناء الصرف إلى عرصة الشهود والحياة بإرادته التي هي نفس المشيئة...

إذ أن جميع الأنبياء والأوصياء والعلماء والعرفاء والحكماء قد أقرّوا بعدم بلوغ معرفة ذلك الجوهر الذي هو جوهر الجواهر. وأذعنوا بالعجز عن العرفان والوصول إلى تلك الحقيقة التي هي حقيقة الحقائق."(27)

إن مقام المظهر الإلهي وطبيعته فوق إدراك العالم الإنساني، وهو حقا تجسيد للصفات الإلهية في هيكل إنسان، ومصدر كافة الطاقات الروحية التي تنطلق من عصر إلى آخر، فإذا كانت الشمس مصدرا للحياة والطاقة على هذه الأرض، فالمظهر الإلهي هو شمس العالم الإنساني، وتتعلق بهذه النفوس المقدسة حياة

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم، سورة الأنعام، آية 103.

الإنسانية وإليهم يعزى نموها وتقدمها ويمجد حضرة بهاءالله مقام رسل الله ويكشف عن بعض ما يتمتعون به من الجلال والعظمة في الكلمات التالية:

"ولما أن كانت أبواب عرفان ذات الأزل مسدودة على وجه الممكنات لهذا باقتضاء رحمته الواسعة في قوله (سبقت رحمته كل شيء ووسعت رحمتي كل شيء) قد أظهر بين الخلق جواهر قدس نورانية، من عوالم الروح الروحاني على هياكل العز الإنساني، كي تحكي عن ذات الأزلية وساذج القدمية- وهذه المرايا القدسية ومطالع الهوية تحكي بتمامها عن شمس الوجود وجوهر المقصود. فمثلا علمهم من علمه وقدرتهم من قدرته، وسلطنتهم من سلطنته، وجمالهم من جماله، وظهورهم من ظهوره، وهم مخازن العلوم الربانية، ومواقع الحكمة الصمدانية، ومظاهر الفيض اللامتناهي، ومطالع الشمس السرمدية كما قال (لا فرق بينك وبينهم إلا بأنهم عبادك وخلقك) وهذا مقام (أنا هو وهو أنا)."(28)

ثم يضيف قائلا:

"... وأكمل إنسان وأفضله وألطفه هم مظاهر شمس الحقيقة. بل إن ما سواهم موجودون بإرادتهم ومتحركون بإفاضتهم. لولاك لما خلقت الأفلاك. بل الكل في ساحة قدسهم عدم صرف وفناء بحت. بل أن ذكرهم منزه عن ذكر غيرهم، ووصفهم مقدس عن وصف ما سواهم. وهؤلاء الهياكل القدسية هم المرايا الأولية الأزلية التي تحكي عن غيب الغيوب وعن كل أسمائه وصفاته من علم وقدرة وسلطنة وعظمة ورحمة وحكمة وعزة وجود وكرم. فكل تلك الصفات ظاهرة ساطعة من ظهور هذه الجواهر الأحدية."(29)

نجد في القرآن الكريم آيتين تبدوان متناقضتين. واحدة تقر بوحدة الرسل والأخرى تفضل بعضهم على بعض. فيتناول حضرة بهاءالله هاتين الآيتين ويفسر وحدة الرسل من جهة ثم تباينهم من حيث التفضيل من جهة أخرى. فعن وحدتهم يتفضل:

"وليكن في علم جنابك علاوة على ما ذكر أن الحاملين لأمانة حضرة الأحدية الذين يظهرون في العوالم الملكية بحكم جديد وأمر بديع، لما كانت هذه الأطيار -أطيار العرش الباقي- ينزلون من سماء المشيئة الإلهية، ويقومون جميعا على الأمر المبرم الرباني، لهذا هم في حكم نفس واحدة، وذات واحدة... ولمظاهر الحق هؤلاء مقامان مقرران، أولهما مقام صرف التجريد وجوهر التفريد، وفي هذا المقام لو تدعو الكل باسم واحد وتصفهم بوصف واحد فلا بأس في ذلك، كما يقول (لا نفرق بين أحد من رسله)(1) لأنهم جميعا يدعون الناس إلى توحيد الله، ويبشرونهم بكوثر الفيض والفضل الذي لا يتناهى، وكلهم فائزون بخلعة النبوة، ومفتخرون برداء المكرمة...

وخلاصة القول إن من المعلوم والمحقق لجنابك، أن جميع الأنبياء هم هياكل أمر الله، الذين ظهروا في أقمصة مختلفة. وإذا ما نظرت إليهم بنظر لطيف لتراهم جميعا ساكنين في رضوان واحد، وطائرين في هواء واحد، وجالسين على بساط واحد، وناطقين بكلام واحد، وآمرين بأمر واحد. وهذا هو اتحاد جواهر الوجود والشموس غير المحدودة والمعدودة. فإذا لو يقول أحد من هذه المظاهر القدسية، إني رجعة كل الأنبياء فهو صادق. وكذلك يثبت في كل ظهور لاحق صدق رجوع الظهور السابق. وإذا كان

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 285.

قد ثبت رجوع الأنبياء وفقا للآيات وطبقا للأخبار، كذلك يثبت ويتحقق رجوع الأولياء أيضا."(30)

وفي بيانه عما يميزهم عن بعضهم يشرح بقوله:

"...ففي هذا المقام لكل واحد منهم هيكل معين، وأمر مقرر، وظهور مقدر، وحدود مخصوصة. بمثل ما أن كل واحد منهم موسوم باسم، وموصوف بوصف، ومأمور بأمر بديع، وشرع جديد، كما يقول (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس)(1). وبالنظر لاختلاف هذه المراتب والمقامات تظهر بيانات وكلمات مختلفة من تلك الينابيع للعلوم السبحانية. وإلا في الحقيقة تعتبر جميعها لدى العارفين بمعضلات المسائل الإلهية في حكم كلمة واحدة."(31)

ولما كانت حقيقة كل مظهر إلهي كسابقيه من الرسل، كان أتباعه في جوهرهم رجعة للأتباع السابقين. وحول هذا الارتباط يورد حضرة بهاءالله المثل التالي:

"... خذوا مثلا الورد، لو أنه يطلع من شجرة في شرق الأرض، ويطلع أيضا من شجرة أخرى في مغربها فإنه يكون وردا في الحالين، لأن الاعتبار في هذه الحالة لا يكون موجها إلى حدودات غصن الشجرة وهيئته، بل يكون موجها إلى الرائحة والعطر الظاهرين من كليهما."(32)

وكما أشرنا سابقا فإن للمظهر الإلهي طبيعة مزدوجة: إلهية

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 253.

وإنسانية. ويشرح حضرة بهاءالله هذه المسألة موضحا إياها كما يلي:

"ولهذا أطلقت ولا تزال تطلق على جواهر الوجود هؤلاء في مقام التوحيد وعلو التجريد، صفات الربوبية، والألوهية، والأحدية الصرفة، والهوية البحتة، لأن جميعهم ساكنون على عرش ظهور الله، وواقفون على كرسي بطون الله، أعني أن ظهور الله ظاهر بظهورهم، وجمال الله مشرق من وجوههم. لهذا قد ظهرت نغمات الربوبية من هذه الهياكل الأحدية.

ولكن في المقام الثاني الذي هو مقام التمييز والتفصيل والتحديد ومقام الإشارات والدلالات الملكية، تظهر منهم العبودية الصرفة، والفقر البحت، والفناء البات كما يقول: إني عبد الله، وما أنا إلا بشر مثلكم...

وإذا ما سمع من المظاهر الجامعة: أني أنا الله. فهو حق ولا ريب فيه. إذ قد ثبت مرارا أن بظهورهم، وبصفاتهم، وبأسمائهم يظهر في الأرض، ظهور الله، واسم الله وصفة الله، ولهذا يقول (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)(1) وكذلك يقول (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله)(2) وإذا ما تغنوا بنغمة: إني رسول الله، فإنه أيضا صحيح ولا شك فيه كما يقول (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله)(3). في هذا المقام هم جميعا مرسلون من لدن ذاك السلطان الحقيقي والكينونة الأزلية... ولو يقولون: نحن عباد الله، فإن هذا أيضا ثابت وظاهر، حيث قد ظهروا في الظاهر بمنتهى رتبة العبودية. تلك العبودية التي لا يستطيع أحد في الإمكان أن يظهر بنحو منها."(33)

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم، سورة الأنفال، آية 17.
(2) المصدر السابق، سورة الفتح، آية 10.
(3) المصدر السابق، سورة الأحزاب، آية 40.
سلطنة الرسل

كان أحد الأسئلة التي وجهها الحاج ميرزا سيد محمد سؤالاً حول علامات ظهور القائم. فطبقا للأحاديث الشريفة سيأتي القائم بسلطنة عظيمة يحكم بها بين الناس. ولم تتحقق هذه الشروط حرفيا بمجيء حضرة الباب. ويخصص حضرة بهاءالله جزءا كبيرا من الكتاب للإجابة عن السؤال المذكور موضحا أن رسل الله جميعم قد جاءوا بالقدرة والإجلال، وكانت الشروط التي حكمت مجيئهم روحانية أكثر منها جسمانية، فسلطنتهم سلطنة إلهية وبها ظهرت هيمنتهم وسلطنتهم بين الناس. أما عن سلطنة القائم فيبين حضرة بهاءالله ما يلي:

"ولكنها ليست بتلك السلطنة والحكومة التي تدركها كل نفس، فضلا عن أن جميع الأنبياء السابقين الذين بشروا الناس بالظهور الذي يأتي بعدهم، قد ذكر كل أولئك المظاهر السابقين سلطنة الظهور التالي كما هو مسطور في كتب القبل، وإنها لم تتخصص بالقائم وحده بل أن حكم السلطنة وجميع الصفات والأسماء متحقق وثابت في حق كل أولئك المظاهر من السابقين واللاحقين، لأنهم مظاهر الصفات الغيبية، ومطالع الأسرار الإلهية كما سبقت الإشارة إليه.

وفضلا عن ذلك فإن المقصود من السلطنة هو إحاطة حضرته وقدرته على كل الممكنات -سواء أيظهر في عالم الظاهر بالاستيلاء الظاهري أو لا يظهر به- وهذا أمر منوط بإرادة حضرته ومشيئته، وليكن في علم جنابك أن المقصود من السلطنة والغنى، والحياة والموت، والحشر والنشر، المذكور في الصحف الأولى ليس هو ما يدركه الآن هؤلاء القوم ويفهمونه. بل إن المراد من السلطنة هي السلطنة التي تظهر في أيام ظهور كل واحد من شموس الحقيقة من نفس

المظهر لنفسه، وهي الإحاطة الباطنية التي بها يحيطون بكل من في السموات والأرض. ثم تظهر بعدئذ في عالم الظاهر بحسب استعداد الكون والزمان والخلق."(34)

ويورد حضرة بهاءالله مقارنة بين هيمنة المظاهر الإلهية وقوّتهم الخلاقة وبين السلطنة الزائلة لملوك الأرض:

"فانصفوا الآن أي السلطنتين أكبر وأعظم، أتلك السلطنة التي بحرف واحد وبيان واحد، صار لها كل هذا التصرف والغلبة والهيمنة، أم سلطنة أولئك السلاطين الذين بحسب الظاهر يخضع الناس لهم أياما معدودات بفضل إعانة الرعايا ومعاونة الفقراء لهم؟ بينما هم في الحقيقة معرضون ومدبرون عنهم بالقلوب. وهذه السلطنة قد سخرت العالم بحرف واحد ومنحته الحياة وأفاضت عليه الوجود- ما للتراب ورب الأرباب! بل كيف يمكن أن تذكر هناك نسبة مع أن كل النسب مقطوعة لدى ساحة قدس سلطنته؟ وإذا ما أمعنت النظر لشاهدت أن خدام عتبته لهم سلطنة على كل المخلوقات والموجودات كما ظهر ويظهر."(35)

ومن بين القصص التي أوردها حضرة بهاءالله تبيانا لمعنى السلطنة والغلبة المنسوبة إلى رسل الله قصة عيسى عليه السلام عندما كان أسيرا بأيدي اليهود:

"وكذلك انظر وتأمل، كيف أن اليهود قد أحاطوا بعيسى ابن مريم ذات يوم، وطلبوا منه الإقرار بما ادعى به من أنه هو المسيح والنبي، ليحكموا عليه بالكفر وينفذوا فيه حد القتل، حتى أحضروا شمس سماء المعاني في مجلس بيلاطس بحضور قيافا الذي كان أعظم علماء ذاك العصر. وأحضروا في ذلك المجلس أيضا جميع العلماء، واجتمع كذلك جمع

كبير بقصد التفرج عليه والاستهزاء به وإيذاء حضرته. وحدث أنه كلما استفسروا من حضرته لعلهم يسمعون منه إقرارا، كان حضرته يختار السكوت، وما تعرض للجواب عليهم أبدا إلى أن قام ملعون وجاء في مقابل وجهه وحلفه قائلا: أو لم تقل إني مسيح الله؟ وإني ملك اليهود؟ وإني صاحب كتاب وإني مخرب يوم السبت؟ فرفع حضرته رأسه المبارك وأجاب: أما ترى بأن ابن الإنسان قد جلس عن يمين القدرة والقوة، يعني أما ترى ابن الإنسان جالسا عن يمين القدرة والقوة الإلهية. والحال أنه بحسب الظاهر لم يكن موجودا لدى حضرته شيء أبدا من أسباب القدرة إلا القدرة الباطنية التي قد أحاطت بكل من في السموات والأرض."(36)

وفي معرض شرحه للسلطنة استرسل حضرة بهاءالله في وصف المصائب والبلايا التي نزلت برسل الله وأصفيائه، فيصف استشهاد الإمام الحسين الذي سما بالإسلام مجدا وبهاء. كما يصور الآلام والمحن التي ابتلي بها محمد رسول الله في أولى سنوات دعوته. وفي هذا السياق يوضح كيف أن الكلمة التي ينطق بها رسول الله تنقل الإنسان بروحه من الجهل والبؤس إلى عالم الفضائل والكمالات الإلهية المجيدة. وبقوة نفوذ كلمته يؤلف بين قلوب من تخالف من الشعوب والقبائل فيجعل منهم أمة واحدة. ويضرب مثلا على ذلك تلك النبؤة المعروفة في التوراة:

"... وعلاوة على ذلك، كم من أناس مختلفين في العقائد، ومتباينين في المذاهب، ومتفاوتين في المزاج، قد لبسوا قميص التوحيد الجديد من هذا النسيم(1) - نسيم الرضوان الإلهي وربيع القدس المعنوي. وشربوا من كأس التفريد.

_____________________________________________________________________

(1) دلالة على مجيء المظهر الإلهي.

هذا هو معنى الحديث المشهور القائل بأن (الذئب والغنم يأكلان ويشربان من محل واحد)(1). والآن انظر إلى عدم عرفان هؤلاء الجهلاء، كيف أنهم لا زالوا ينتظرون مثل الأمم السابقة متى تجتمع هذه الحيوانات على خوان واحد- هذه درجة عرفان أولئك الناس، كأنهم ما شربوا من كأس الإنصاف أبدا وما مشوا في سبيل العدل خطوة. وبصرف النظر عن ذلك، فأي حسن يحدثه وقوع هذا الأمر في العالم. فنعم ما نزل في شأنهم (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها"(2).(37)

معنى "الحياة" و"الموت" و"البعث"

ويعود(3) حضرة بهاءالله لينزل بقلمه الأعلى تفسيرا لمصطلحات وردت في الكتب المقدسة للرسالات السابقة مثل "الحياة" و"الموت" و"القيامة" و"النفخ في الصور" و"الجنة" و"النار" فيصرح قائلا:

"...والمقصود من الموت والحياة المذكورين في الكتب هو الموت الإيماني والحياة الإيمانية. وبسبب عدم إدراك هذا المعنى اعترضت عامة الناس في كل ظهور، ولم يهتدوا إلى شمس الهداية، ولم يقتدوا بالجمال الأزلي."(38)

ويؤكد على أن "يوم القيامة" لا يتحقق إلا بظهور المظهر الإلهي، فبواسطة كلمته ورسالته يخرج الناس من قبور الكفر إلى

_____________________________________________________________________

(1) سفر أشعيا، إصحاح 65، آية 25.
(2) القرآن الكريم، سورة الأعراف، آية 179.
(3) انظر الصفحات 175-181.

نور الحياة الروحانية. وهذه بعض كلمات حضرة بهاءالله بهذا الخصوص:

إن هذا المطلب وتلك الأحوال كانت في كل الأعصار في أيام ظهور مظاهر الحق. كما قال عيسى عليه السلام (لا بد لكم بأن تولدوا مرة أخرى)(1). وكما قال في مقام آخر (من لم يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح)(2) أي أن النفس التي لم تحي من ماء المعرفة الإلهية وروح القدس العيسوي، فإنها غير لائقة للدخول والورود في الملكوت الرباني. لأن الذي ظهر من الجسد وتولد منه فهو جسد، والمولود من الروح التي هي نفس عيسى فهو روح. وخلاصة المعنى هو أن العباد الذين ولدوا من روح المظاهر القدسية، وحيوا من نفختهم في أي ظهور يصدق عليهم حكم الحياة والبعث والورود في جنة المحبة الإلهية. وما عداهم من العباد يصدق عليهم حكم آخر، هو الموت والغفلة، والورود في نار الكفر والغضب الإلهي. ولقد أطلق في الكتب والألواح والصحائف حكم الموت والنار، وعدم البصر والقلب والسمع على الذين لم يشربوا من كؤوس المعارف اللطيفة ولم تفز قلوبهم بفيض روح القدس إبّان ظهوره في كل عصر كما أشير إليه من قبل (لهم قلوب لا يفقهون بها)(3).

وفي مقام آخر في الإنجيل مسطور بأنه في ذات يوم توفي والد أحد أصحاب عيسى. فعرض الأمر على حضرته وطلب منه إجازة ليذهب ليكفنه ويدفنه ثم يرجع. فأجابه جوهر

_____________________________________________________________________

(1) سفر يوحنا، إصحاح 3، آية 7.
(2) المصدر السابق، الآيتان 5-6.
(3) القرآن الكريم، سورة الأعراف، آية 179.
الانقطاع (دع الموتى يدفنون موتاهم)(1)".(39)

وفي القرآن الكريم عدة إشارات إلى "يوم" يلقى فيه الناس رب العالمين، ولا تفسير لذلك سوى المثول بين يدي المظهر الإلهي. كما يؤكده حضرة بهاءالله بقوله:

"وهذا اللقاء لا يتيسر لأحد إلا في القيامة، التي هي قيام نفس الله بمظهره الكلي.

وهذا هو معنى القيامة المذكورة والمسطورة في كل الكتب والتي بها وعد جميع الناس وبشروا بذلك اليوم. فانظر الآن هل يتصور يوم أعز من هذا اليوم وأكبر منه وأعظم، حتى يسمح الإنسان لنفسه بأن يفلت من يده مثل هذا اليوم، ويحرم نفسه من فيوضات هذا اليوم الجارية من قبل الرحمن كأمطار الربيع؟ وبعد أن قام الدليل بتمامه على أنه لا يوجد يوم أعظم من هذا اليوم، ولا أعز من هذا الأمر، كيف يجوز لإنسان أن يحرم نفسه من فضل كهذا الفضل الأكبر بكلمات المتوهمين والظانين. وفضلا عن كل هذه الدلائل المحكمة المتقنة التي لا مفر لأي عاقل منها، ولا مهرب لأي عارف عنها، أما سمعوا الرواية المشهورة التي تقول (إذا قام القائم قامت القيامة). وكذلك فسر أئمة الهدى والأنوار التي لا تطفى الآية الكريمة (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام)(2) بأنها تشير إلى حضرة القائم وظهوره."(40)

حجاب العلم

يزخر الفصل الثاني من "كتاب الإيقان" بالعديد من الإشارات

_____________________________________________________________________

(1) إنجيل لوقا، إصحاح 9، آية 60؛ كما ورد في "كتاب الإيقان"

(2) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 210.

إلى العلماء ورجال الدين الذين منعوا الناس بعلمهم عن التوجه إلى منظر الأحدية. وقد وردت مثل هذه الإشارات في الفصل الأول من الكتاب، إلا أنها هنا موجهة بصورة خاصة إلى علماء الإسلام،(1) لأن العلوم التحصيلية قد تصبح حجابا بين الإنسان وربه. وإلى هذا الحجاب يشير حضرة بهاءالله بقوله:

"ولقد حرقنا الحجاب الأكبر بنار محبة المحجوب، ذاك الحجاب الذي قيل فيه -العلم هو الحجاب الأكبر- وأقمنا مكانه سرادقا آخر... ولم نترك في القلب والفؤاد محلا لغير المقصود، وما كنا متمسكين بعلم غير علمه، ولا متشبثين بمعلوم غير تجلي أنواره."(41)

إن إدراك المظهر الإلهي وعرفانه لا يعتمدان على تحصيل العلوم والمعرفة الدنيوية وعليه يتفضل:

"والحال أن فهم الكلمات الإلهية، وإدراك بيانات الحمامات المعنوية،(2) ليس له أي دخل بالعلم الظاهري. بل هو منوط بصفاء القلب، وتزكية النفوس، وتجرد الروح. كما هو مشهود الآن في فئة من العباد الذين ما عرفوا حرفا من رسوم العلم، لكنهم جالسون على رفرف العلم، ورياض قلوبهم مزينة بأوراد الحكمة وأزهار المعرفة، من سحاب الفيض الإلهي. فطوبى للمخلصين من أنوار يوم عظيم."(42)

الباحث الحقيقي

إن أكثر أقوال حضرة بهاءالله وضوحا في الكتاب تلك التي

_____________________________________________________________________

(1) انظر الملحق رقم 4 الخاص بسيرة حياة الحاج ميرزا كريم خان الكرماني، أحد أولئك العلماء الذين يشير إليهم حضرة بهاءالله في "كتاب الإيقان".

(2) المظاهر الإلهية.

تتعلق بخصائص السالك سبيل العرفان وصفاته. وقد وجه إلى الحاج ميرزا سيد محمد -خال حضرة الباب- الكلمات التالية:

"ولكن يا أخي إن الشخص المجاهد الذي أراد أن يخطو بقدم الطلب والسلوك، في سبيل معرفة سلطان القدم، يجب عليه في بداية الأمر، أن يجعل القلب الذي هو محل ظهور تجلي الأسرار الغيبية الإلهية، مطهرا ومنزها عن كل غبرة مظلمة من غبار العلوم الاكتسابية، وإشارات المظاهر الشيطانية. ويجعل الصدر الذي هو سرير ورود وجلوس محبة المحبوب الأزلي لطيفا ونظيفا. وكذلك يقدس القلب عن كل ما يتعلق بالماء والطين. يعني أن يجعله مقدسا عن جميع النقوش الشبحية والصور الظلية، بدرجة لا يبقى في القلب آثار للحب والبغض، كيلا يميل به الحب عن جهة أو يمنعه البغض عن جهة بلا دليل. وذلك كما منع اليوم أكثر الناس لهذين الوجهين عن الوجه الباقي، وعن حضرة صاحب المعاني، وأصبحوا يرتعون بلا راع في صحارى الضلالة والنسيان. ويجب على السالك في كل حين أن يتوكل على الحق، وأن يعرض عن الخلق وينقطع عن عالم التراب، ويتمسك برب الأرباب. ولا يرجح نفسه على أحد، ويمحو عن لوح قلبه الافتخار والاستكبار، ويأخذ نفسه بالصبر والاصطبار، ويتخذ الصمت له شعارا. ويحترز عن التكلم بما لا فائدة فيه، لأن اللسان نار خامدة وكثرة البيان سم قاتل. فالنار الظاهرة تحرق الأجساد، ونار اللسان تكوي الأفئدة والأرواح. أثر تلك النار يفنى بعد ساعة، وأثر هذه النار يبقى قرنا من الزمان.

وعلى السالك أن يعد الغيبة ضلالة. وأن لا يخطو بقدمه أبدا في تلك الساحة، لأن الغيبة تطفئ سراج القلب المنير. وتميت الحياة من الفؤاد. يقنع بالقليل، ويزهد عن طلب الكثير. يعد مصاحبة المنقطعين غنيمة. والعزلة عن

المتمسكين بالدنيا والمتكبرين نعمة. يشتغل في الأسحار بالأذكار، ويسعى في طلب محبوبه بتمام الهمة والاقتدار. يحرق حجاب الغفلة بنار الحب والذكر. يفر كالبرق عما سوى الله. يجود بنصيب على البائسين، ولا يتوقف عن العطاء والإحسان للمحرومين. ينظر بعين الرعاية للحيوان، فكيف بالإنسان، وأهل البيان. لا يبخل بالروح عن المحبوب. ولا يحترز عن الحق خشية شماتة الخلق. وما لا يرضاه لنفسه لا يرتضيه لغيره. ولا يقول بما لا يفي به ويعفو عن الخاطئين عند كمال القدرة عليهم، ويطلب لهم المغفرة ويصفح عن العاصين ولا ينظر إليهم بعين الحقارة، لأن حسن الخاتمة مجهول. إذ كم من عاص يتوفق حين الموت إلى جوهر الإيمان ويذوق خمرة البقاء ويسرع إلى الملأ الأعلى. وكم من مطيع ومؤمن ينقلب حين ارتقاء الروح، ويستقر في أسفل دركات النيران. والخلاصة أن المقصود من جميع هذه البيانات المتقنة والإشارات المحكمة هو أنه يجب على السالك والطالب أن يعلم ويعتقد بأن ما سوى الله فان، وما دون المعبود معدوم.

وهذه الشرائط هي من صفات العالين، وسجايا الروحانيين، ذكرت في شرائط المجاهدين، وسير السالكين في مناهج علم اليقين. وبعد أن تتحقق هذه المقامات في السالك المنقطع، والطالب الصادق يصدق في حقه لفظ المجاهد. وإذا ما صار مؤيدا بعمل: (والذين جاهدوا فينا)(1) فلا بد أن يستبشر ببشارة (لنهدينهم سبلنا)(2).

وإذا ما أوقد في القلب سراج الطلب والمجاهدة، والذوق والشوق والعشق والوله، والجذب والحب، وهب

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم، سورة العنكبوت، آية 69.
(2) المصدر السابق.

نسيم المحبة من شطر الأحدية، تزول ظلمة ضلالة الشك والريب، وتحيط أنوار العلم واليقين بكل أركان الوجود. ففي ذلك الحين يطلع البشير المعنوي كالصبح الصادق، من المدينة الإلهية بالبشارة الروحانية، ويستيقظ القلب والنفس والروح من نوم الغفلة بصور المعرفة، ويمنح حياة جديدة بديعة بتأييدات وعنايات من روح القدس الصمداني، بحيث يرى نفسه صاحب بصر جديد، وسمع بديع، وقلب وفؤاد جديد. ويرى الآيات الواضحة في الآفاق، والحقائق المستورة في الأنفس. ويشاهد بعين الله البديعة في كل ذرة بابا مفتوحا للوصول إلى مراتب عين اليقين، وحق اليقين ونور اليقين. ويلاحظ في جميع الأشياء أسرار تجلي الوحدانية، وآثار الظهور الصمدانية".(43)

براهين على صدق رسالة حضرة الباب

بعد أن وضح حضرة بهاءالله للحاج ميرزا سيد محمد تلك النقاط الأساسية شرع في عرض البراهين على صدق رسالة حضرة الباب ممهدا الطريق مرة أخرى للتكلم عن المظاهر الإلهية بشكل عام. فيخصص عدة صفحات من الكتاب ليشرح أن البرهان الأعظم للرسول هو نفسه، تماما كالشمس التي تدل على نفسها بنفسها.

ويلي ذلك في الأهمية نزول الوحي الإلهي. ويبين حضرة بهاءالله كيف أن محمدا ( أشار في عدة مناسبات إلى أن القرآن الكريم نفسه هو البرهان على صدق رسالته:

"وفي أول الكتاب يقول (ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)" (1)... "وشهد ذات الأحدية، وغيب الهوية

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآيتان 1-2.

بنفسه على أنه لا شك ولا شبهة فيه، وأنه هاد للعباد إلى يوم الميعاد... وكذلك يقول في مقام آخر (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله. وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)(1)... فانظر الآن كم هو عظيم شأن الآيات، وكبير قدرها، حيث قد ختم بها الحجة البالغة، والبرهان الكامل، والقدرة القاهرة، والمشيئة النافذة."(44)

إذا درسنا سِيَر مؤسسي الأديان السماوية كلها نجد أن "الكلمة الإلهية" هي أكثر الوسائل أثرا عند الرسول الإلهي لتأسيس مدنية جديدة. إذ أن الكلمة الإلهية تخترق قلوب البشر لتصبح روح العصر. وعندما يدرك طالب الإيمان والسالك طريق العرفان مصدر هذه الكلمة المنزلة يدخل مدينة الإيقان. ويؤكد حضرة بهاءالله على ذلك واصفا تلك المدينة بقوله:

"... وأما تلك المدينة فهي الكتب الإلهية في كل عهد. فمثلا في عهد موسى كانت التوراة وفي زمن عيسى كان الإنجيل. وفي عهد محمد رسول الله كان الفرقان. وفي هذا العصر البيان(2). وفي عهد من يبعثه الله كتابه الذي هو مرجع كل الكتب والمهيمن على جميعها..."(45)

وحول رسالة حضرة الباب يتفضل حضرة بهاءالله فيقول:

"... إذ أن الآيات كانت جارية ونازلة من غمام الرحمة الرحمانية بمثابة غيث الربيع. لأن الأنبياء من أولي العزم الذين عظمة قدرهم ورفعة مقامهم واضحة ولائحة

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 23.
(2) انظر الحاشية في صفحة 24.

كالشمس، يفتخر كل واحد منهم بكتاب مشهود متداول بين الأيدي آياته محصية. بينما قد نزلت الآيات من هذا الغمام الرحمانية على قدر لم يحصها أحد للآن. حيث أن المتداول منها في اليد إلى الآن نحو عشرين مجلدا، وكم منها لم تصل إليه الأيدي، وكم منها أيضا قد نهب وسلب ووقع بأيدي المشركين، ولا يعلم ما فعلوا به."(46)

كانت الطبقات المتعلمة في الدورات الدينية السابقة تستخف بدين الله في بدايته وتحتقر المؤمنين من أتباعه، ذلك أن هؤلاء الأتباع ما كانوا من المرموقين المعروفين. إلا أن الوضع اختلف تماما بالنسبة لظهور حضرة الباب وقد بيّن ذلك حضرة بهاءالله في ما يلي:

"... وأما في هذا الظهور الأظهر، والسلطنة العظمى، فإن جمعا من العلماء الراشدين، والفضلاء الكاملين، والفقهاء البالغين، قد رزقوا من كأس القرب والوصال، وفازوا بالعناية العظمى، وانقطعوا عن الكون والإمكان في سبيل المحبوب. ولنذكر بعضا من أسمائهم، عسى أن يكون ذلك سببا لاستقامة الأنفس المضطربة والنفوس الغير المطمئنة.

فمن جملتهم جناب ملا حسين(1) الذي أصبح محلا لإشراق شمس الظهور. لولاه ما استوى الله على عرش رحمانيته. وما استقر على كرسي صمدانيته. وجناب آقا سيد يحيى(2) الذي كان وحيد عصره وفريد زمانه... وأمثالهم

_____________________________________________________________________

(1) عالم مميز من ألمع تلاميذ السيد كاظم. أول من آمن بحضرة الباب، وهو بطل الدورة البابية العظيم.

(2) المعروف بـ"وحيد". انظر الملحق رقم 3.

ممن يبلغ عددهم قريبا من أربعماية نفس، أسماؤهم جميعا مثبوتة في اللوح المحفوظ الإلهي.

وهؤلاء كلهم قد اهتدوا بشمس الظهور وأقروا وأذعنوا لها على شأن انقطع أكثرهم عن أموالهم وأهليهم، وأقبلوا إلى رضى ذي الجلال، وقاموا بتضحية الأرواح في سبيل المحبوب."(47)

وبعدها تنهمر من القلم الأعلى آيات التمجيد والثناء بالنسبة لحضرة الباب فيصف ثباته واستقامته في إعلان دعوته في وجه معارضة عنيفة، ذلك الثبات الذي كان سمة مميزة لرسل الله جميعهم وبرهانا آخر على صحة دعوتهم. وفيما يلي ما تفضل به حضرة بهاءالله عن حضرة الباب:

"وهناك برهان آخر ودليل لائح كالشمس بين الدلائل ألا وهو- استقامة ذلك الجمال الأزلي على الأمر الإلهي. فإنه مع كونه كان في سن الشباب فإنه قد قام مع هذا بأمر مخالف لكل أهل الأرض من الوضيع والشريف، والغني والفقير والعزيز والذليل، والسلطان والرعية، كما سمع بذلك الكل، ولم يخف من أحد، ولم يعتن بأي نفس. فهل يكون هذا بغير أمر إلهي، ومشيئة مثبتة ربانية؟ قسما بالله لو يتطرق في فكر أحد أمر كهذا، ويتخيله في نفسه لينعدم في الحين، ولو يجتمع في قلبه كل القلوب، فإنه لا يتجاسر أيضا على مثل هذا الأمر المهم، إلا بإذن من الله، وأن يكون قلبه متصلا بالفيوضات الرحمانية، ونفسه مطمئنة بالعنايات الربانية."(48)

"هذا وإن الاستقامة على الأمر حجة كبيرة وبرهان عظيم...

فانظر الآن كيف قد بلّغت هذه السدرة الرضوانية السبحانية أمر الله في أول شبابها، وكم ظهر من الاستقامة من ذاك الجمال جمال الأحدية، بحيث أنه قام كل من على الأرض على منعه، ولم يأت ذلك بثمر أو فائدة بل كلما كان يرد منهم من الإيذاء على تلك السدرة، سدرة طوبى، كلما كان يزداد شوقه، ويزداد اشتعال نار حبه. وكل هذا واضح لا ينكره أحد إلى أن فدى أخيرا بروحه وصعد إلى الرفيق الأعلى."(49)

وعن تأثير رسالة حضرة الباب على المؤمنين من أتباعه كتب حضرة بهاءالله يقول:

"ومن جملة الدلائل على أحقية ظهوره ظهور الغلبة والقدرة والإحاطة التي أظهرها من نفسه بنفسه مظهر الوجود، ومظهر المعبود في أكناف العالم وأقطاره فحينما ظهر في شيراز ذاك الجمال الأزلي في سنة الستين(1) وكشف الغطاء، فإنه في قليل من الزمان قد ظهرت في جميع البلاد آثار الغلبة والقدرة، والسلطنة والاقتدار من ذاك الجوهر، جوهر الجواهر، وبحر البحور، بحيث أنه قد ظهرت من كل بلد آثار، وإشارات، ودلالات، وعلامات من تلك الشمس اللاهوتية. وكم من رشحات علمية من ذلك البحر، بحر العلم اللدني، قد أحاطت جميع الممكنات مع أن جميع العلماء وأعزة القوم في كل بلد ومدينة قد قاموا على ردهم ومنعهم، وشدوا أزر الغل والحسد والظلم على دفعهم. وكم من نفوس قدسية قتلوها بتهمة الظلم، مع أنها كانت جواهر العدل. وكم من هياكل الروح قد أهلكوها بأشد العذاب، وما بدا منها إلا خالص العلم والعمل. ومع كل هذا كان كل واحد

_____________________________________________________________________

(1) 1260هـ، سنة إعلان دعوة حضرة الباب.

من أولئك الوجودات ذاكرا ومشغولا بذكر الله إلى النفس الأخير، وطائرا في هواء التسليم والرضا. وقد أثر في هذه الوجودات وتصرف فيها على نحو لم يكن لهم مراد غير إرادته، ولم يبغوا أمرا غير أمره. رضوا برضائه، وهامت قلوبهم بذكره."(50)

ومن المهم أن ندرك أن حضرة الباب جاء تحقيقا لنبوءات الكتب السماوية المقدسة وخاصة ما جاء في الإسلام حيث لرسالة حضرة الباب صلة خاصة به، لا لأنه من سلالة محمد ( فحسب، بل لأن المسلمين -شيعة كانوا أم سنة- كانوا أكثر الناس لهفة واشتياقا لظهوره، ويعتبرونه ثمرة دين الإسلام وغايته. وقد ترك لنا النبي الكريم محمد ( والأئمة الأطهار فيضا لا يحصى من النبوءات عن الموعود المنتظر، وتطرقت الأحاديث الشريفة -بالتلميح مرة وبالتصريح أخرى- إلى الظروف التي لا تعد ولا تحصى المرافقة لظهوره من حيث الوقت والمكان وأمور أخرى خاصة بدعوته.

من أبرز علماء خراسان كان ميرزا أحمد الأزغندي الذي أصبح مؤمنا مخلصا، وقبيل إعلان دعوة حضرة الباب شعر بالحاجة إلى جمع كافة الأحاديث النبوية وتصنيفها، تلك المتصلة بظهور القائم الموعود. وكانت من الاتساع بحيث شملت اثني عشر ألف حديث.

إن لتحقق النبوءات الخاصة بالقائم لدى أهل الشيعة أهمية كبرى، ولأكثر من ألف سنة ناقش أتباع المذهب الشيعي هذا الأمر في مساجدهم ومدارسهم ومنازلهم. ولهذا السبب ربما يكون حضرة بهاءالله قد أفرد بضع صفحات من "كتاب الإيقان" ليشرح بعضا من هذه الأحاديث، وكيف أن حضرة الباب قد حقق هذه الوعود والنبوءات بكل وضوح.

حضرة بهاءالله يستبق إعلان ظهوره

قبل إعلان دعوته، وبينما كان حضرة بهاءالله يلمح عن نفسه بأنه "جوهر الجواهر"، و"حقيقة الحقائق"، و"نور الأنوار" و"سلطان الهوية"، وجه كلماته إلى كبار البابيين قائلا:

"إنني في هذا الوقت أذكّر أهل البيان وأطلب من عرفائهم وحكمائهم وعلمائهم وشهدائهم بأن لا ينسوا الوصايا الإلهية التي أنزلها في الكتاب ويكونوا دائما ناظرين إلى أصل الأمر كيلا يتمسكوا ببعض عبارات الكتاب حيث ظهور ذلك الجوهر الذي هو جوهر الجواهر وحقيقة الحقائق ونور الأنوار. وأن لا يرد عليه منهم ما ورد في كور الفرقان لأن ذاك السلطان(1) سلطان الهوية قادر على أن يقبض الروح من كل البيان، وخلقه بحرف واحد من بدائع كلماته. أو يهب عليهم الحياة البديعة القدمية بحرف واحد منه ويحشرهم ويبعثهم من قبور النفس والهوى. وأنت فالتفت وارتقب وأيقن في ذاتك بأن الكل سوف ينتهي أمرهم إلى الإيمان به وإدراك أيامه ولقائه."(51)

وفي مقطع آخر يشير إلى نفسه بأنه "الحمامة الترابية" فيؤكد أنه:

"قسما بالله إن لهذه الحمامة الترابية نغمات غير هاته النغمات، ولها رموز غير هذه البيانات كل نكتة منها مقدسة عما سبق بيانه وجرى به القلم. فلتحدد المشيئة الإلهية الوقت الذي فيه تبرز عرائس المعاني من القصر الروحاني بغير حجاب، وتخطو بقدم الظهور في ساحة القدم."(52)

_____________________________________________________________________

(1) إشارة إلى "من يظهره الله".

بالإضافة إلى ذلك فقد استبق حضرة بهاءالله -كما ورد في بعض فقرات "كتاب الإيقان"- ذكر ما سوف يجابهه من معارضة وما سيلقاه من محن وآلام على أيدي مناوئيه من بين جموع البابيين أنفسهم، ملمحا إلى ميرزا يحيى وبطانته، فكتب يقول:

"ولو أنه في هذه الأيام قد هبت رائحة حسد فإني أقسم بمربي الوجود من الغيب والشهود، بأنه من أول بداية وجود العالم مع كونه لا بداية له، إلى هذا الحين، ما ظهر مثل هذا الغل والحسد والبغضاء، ولن يظهر شبهه أبدا. حيث إن جمعا من الذين لم يستنشقوا رائحة الإنصاف قد رفعوا رايات النفاق، واتفقوا على مخالفة هذا العبد. فبرز من كل جهة رمح وطار من كل سمت سهم مع أني ما افتخرت على أحد في أمر، وما استعليت على نفس. وكنت مع كل إنسان صديقا بمنتهى المحبة، ورفيقا بغاية الرأفة والشفقة، كنت مع الفقراء مثل الفقراء، ومع العلماء والعظماء بكمال التسليم والرضاء."(53)

وفي كثير من آثاره المباركة يشير حضرة بهاءالله إلى آلامه ومحنه ويوضح بأن أعظم محنة يبتلى بها المظهر الإلهي تأتي من الذين ينتسبون إليه من عديمي الوفاء والإخلاص. إن ما عاناه حضرة بهاءالله من خيانة ميرزا يحيى ونفاقه وسلوكه الشائن لم يكن ألما جسديا، فقد امتد الحزن والأسى إلى أعماق روحه حيث يصرح:

"... فوالله الذي لا إله إلا هو مع كل هذا الابتلاء والبأساء والضراء التي وردت علينا من الأعداء وأولي الكتاب،(1) إنها كانت كالعدم الصرف، والفقد البحت، بالنسبة لما ورد علينا من الأحباء."(54)

_____________________________________________________________________

(1) المقصود هنا أتباع الدين الإسلامي.

إن نفوذ وسلطان الكلمة الإلهية التي أنزلها حضرة بهاءالله في "كتاب الإيقان"، بالإضافة إلى لهجة العديد من ملاحظاته ثم الإشارات والتلميحات التي يوردها بالنسبة إلى شخصه الكريم -كل ذلك يدل على سمو مقامه وعلى دعوته الإلهية التي بات الإعلان عنها وشيكا. وفي إحدى الفقرات يصرح قائلا:

"إن عالم الوجود حامل بجميع هذه العنايات. ينتظر الساعة التي فيها تظهر آثار هذه العناية الغيبية في العوالم الترابية، وبها يبلغ العطاش الذين سقطوا من شدة الظمأ إلى كوثر(1) زلال المحبوب ويفوز الضالون في فيافي البعد والعدم بسرادق القرب والحياة في جوار المعشوق."(55)

"كتاب الإيقان" محيط عميق لا يسبر غوره، يزخر بجوهر الحقائق الدينية، وقد يقرأه المرء عدة مرات، وفي كل منها يكتشف القارىء فيه جديد الحقائق والرؤى.

_____________________________________________________________________

(1) الكوثر نهر في الجنة ويرمز إلى مياه الرسالة الإلهية التي تهب الحياة الأبدية للبشرية.

الفصل الحادي عشر
شخصيات أخرى من أوائل المؤمنين
الحاج ميرزا محمد تقي أفنان

لا عجب أن أصبح "كتاب الإيقان" بعد نزوله مصدر عرفان لسائر المؤمنين وسببا لإقبال نفوس لا تحصى للدخول في حظيرة الإيمان. كما اعترف العديد من أقارب حضرة الباب بأحقية رسالته بعد دراسة ذلك الكتاب.

فمن هؤلاء الحاج ميرزا محمد تقي،(1) ولقبه وكيل الدولة، حيث كان من أبرز المؤمنين من الأفنان. وحالما قرأ "كتاب الإيقان"، الذي نزل بحق والده، أدرك حقيقة الدين وسارع إلى بغداد للتشرف بمحضر حضرة بهاءالله برفقة أخيه الأكبر الحاج ميرزا محمد علي الذي اعتنق الدين هو أيضا وأصبح من المؤمنين البارزين.

تركت زيارة الحاج ميرزا محمد تقي لحضرة بهاءالله أثرا عميقا في نفسه، فإذا به ينجذب بكل كيانه نحو حضرة بهاءالله حبا ومودة، وتمتلئ نفسه بروح جديدة تحفزه على القيام بخدمته وتكشف له عن مقامه السامي حتى قبل الإعلان عن دعوته. وكان إذا ما تجول الحاج في سبل بغداد تشع منه أمائر البهجة السماوية، مما حدا بالمؤمنين إلى إطلاق لقب "الأفنان البهيج" عليه. وتراءى للجميع أن شعلة المحبة الإلهية التي أوقدها حضرة بهاءالله في قلب الحاج التهمت بنارها كل ما كان يربطه بهذا العالم من وشائج.

_____________________________________________________________________

(1) ابن خال حضرة الباب، الحاج ميرزا سيد محمد الذي أنزل بحقه "كتاب الإيقان".

عاد الحاج محمد تقي إلى مدينة يزد وهو على هذا الحال من الوله والانجذاب فزاول عمله كتاجر ونال احترام سكان المدينة وتقديرهم.

ورغم ما أبداه أهل يزد من تعصب وعداء تجاه الأمر الإلهي منذ بداية عهده، حيث آذوا أتباعه في تلك المدينة بلا هوادة، فإن عائلة أفنان بقيت في منأى عن ذلك، إذ عاملهم المسؤولون والوجهاء بالاحترام والتقدير خاصة الحاج ميرزا محمد تقي لشخصيته المحببة ومآثره الطيبة.

ومع اقتراب نهاية ولاية حضرة بهاءالله بدأت نواة جامعة أهل البهاء في النمو سريعا في عشق آباد -مقاطعة تركستان- بعد هجرة العديد من العائلات إليها مستمتعين بقسط وافر من الحرية في مزاولة نشاطاتهم الروحانية.

وفي إحدى المراحل عمل الحاج ميرزا محمد تقي ترتيبا لشراء بعض العقارات في عشق آباد. ولما بعث بهذا الخبر إلى حضرة بهاءالله، أمره بأن يخصص جزءا منها لبناء مشرق الأذكار. وبعد الصعود المبارك، سافر الحاج إلى عشق آباد بتوجيه من حضرة عبدالبهاء وأخذ على عاتقه مهمة الإشراف على بناء مشرق الأذكار، فبذل الجهد وخصص كل موارده المالية لهذا العمل الكبير. وبمساعدة الأحباء ارتفع البناء وعلا ذلك الصرح الجليل، أول مشرق أذكار في العالم البهائي(1).

وبعد انتهاء البناء، وبينما الأعمال جارية في الزخارف الداخلية وقد قاربت على الانتهاء، استدعاه حضرة عبدالبهاء إلى أرض الأقدس. وفي عام 1325هـ (1907م)، غادر الحاج ميرزا محمد تقي عشق آباد تاركا مسؤولية ذلك الصرح القائم لابنه الأرشد

_____________________________________________________________________

(1) أصبح البناء يشكل خطرا نتيجة زلزال ضرب المنطقة فتقرر هدمه عام 1963م.

الحاج ميرزا محمود، وأمضى بقية حياته برعاية المولى المبارك. صعدت روحه المخلصة في الأراضي المقدسة، ودفن على سفح جبل الكرمل في ظلال المقام الأعلى بجوار كهف إيليا.

لا يمكن اعتبار روايتنا عن الحاج ميرزا محمد تقي كاملة دون الرجوع إلى أوائل أيام حياته عندما كان شابا في الخامسة عشر يستمع في محضر حضرة الباب إلى صوته العذب عند تنزيله الأدعية والآيات المباركة. وفي مذكراته المختصرة التي كتبها الحاج في عشق آباد عن تلك الأيام يذكر ما يلي:

"أذكر أنني كنت أذهب إلى منزل عمتي الموقرة -والدة حضرة الباب- يوم الأحد من كل أسبوع. حيث كنت أفوز بمحضره... وأذكر خاصة أنه في إحدى المرات سمح لي بالجلوس، ثم قدم لي شريحة من الشمام قطعها بيده المباركة. كان في ذلك الوقت منهمكا في كتابة بعض الأدعية والآيات. ثم التفت إلي وأعطاني واحدة من المناجاة التي أنزلت خلال الأسبوع وطلب مني تلاوتها في محضره... وفي الأسبوع نفسه، أو الذي تلاه مباشرة، غادر حضرته شيراز إلى مكة مارا ببوشهر... وبعد شهرين أو ثلاثة توجهت إلى بوشهر لأنضم لوالدي... ولدى عودة حضرة الباب من مكة مر ببوشهر وأقام في بيتنا، حيث سعدت بحضوره بضعة أيام أخرى، قضى كل لحظة منها في تنزيل الآيات وكتابة الأدعية والمناجاة... وفي إحدى الأمسيات رجوته، بعيون دامعة وتوجه خالص، أن يدعو لي كي أتوفق في قضاء عمري بخدمة الله، وأفوز برضائه تعالى في النهاية. فأكد لي بأن الأمر سيكون كذلك".(1)

كان الحاج ميرزا محمد تقي في حياته مثلا حيا للتجرد والتواضع والعبودية، هدفه الوحيد خدمة الأمر الإلهي الذي عشقه. وغالبا ما كان يناجي حضرة بهاءالله بالروح والدعاء.

ويروى عنه أنه كان في كل مساء في منزله يلبس أحسن الثياب ويجلس وحيدا في غرفته عدة ساعات منقطعا تماما متوجها بقلبه وروحه لحضرة بهاءالله معتبرا نفسه في محضر الجمال المبارك.

ويتفضل حضرة عبدالبهاء بأنه كلما اشتدت عليه المحن، فإن لقاءه بالحاج يذهب عنه الأحزان ويملأ قلبه بالفرح والسرور.

وفي أحلك ساعات سجنه في عكاء، عندما تكاتف الناقضون مع السلطات العثمانية في تهديد حياته، كتب حضرة عبدالبهاء لوحا إلى الحاج ميرزا محمد تقي يطلب منه إجراء الترتيبات اللازمة لانتخاب هيئة بيت العدل الأعظم(1) إذا ما نفذت التهديدات الموجهة إليه.

وفي اللوح نفسه تحدث حضرته عن عظمة أمر الله وتنبأ بالحملات التي ستشن ضده في المستقبل. وكلماته التالية تحمل تنبؤاته وإنذاراته بالخطر المحدق، وقد كتبت في وقت لم يسمع برسالة حضرة بهاءالله من أهل الغرب إلا القليل:

"إن الأمر عظيم عظيم، وهجوم ومقاومة جميع الملل والأمم ستكون شديدة. عن قريب سيرتفع صراخ قبائل أفريقيا وأمريكا وصياح الفرنجة والترك، وأنين الهند وأمة الصين وسيسمع من قريب وبعيد. وسيقوم الكل بجميع القوى على المقاومة، عندها سيظهر فرسان الميدان الإلهي بتأييد من الملكوت الأبهى بقوى الإيقان وجند العرفان وعساكر الميثاق مصداقا للآية (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب)".(2)

بخدماته الجليلة أضاف الحاج ميرزا محمد تقي لأمر الله مجدا ونصرا. ووصفه حضرة عبدالبهاء بأنه أحد "... الأربعة

_____________________________________________________________________

(1) أعلى هيئة بهائية حسب بيان حضرة بهاءالله. انتخبت أول مرة عام 1963م ومقرها في حيفا.

والعشرين شيخا الجالسين أمام الله على عروشهم... المذكورين في رؤيا يوحنا اللاهوتي."(1)

النبيل الأعظم

إذا أردنا أن نكمل حديثنا عن ظهور حضرة بهاءالله فلا بد أن نتناول حياة الملا محمد الزرندي الملقب بـ"النبيل الأعظم" فهو من أبرز حوارييه وصاحب دور عظيم في إعلان رسالته ونشر كلماته، كما خلدت ذكراه كتاباته التاريخية المفصلة، التي تضمنت الجزء المعروف بـ"مطالع الأنوار" وهو الجزء الذي يتناول حياة حضرة الباب وقام بترجمته إلى الإنجليزية حضرة شوقي أفندي -ولي أمر الله. أما الجزء الخاص بولاية حضرة بهاءالله فلا يزال ينتظر الطبع.

كان النبيل في مقتبل عمره راعيا للغنم، شغوفا بالطبيعة، يمضي معظم لياليه في النظر إلى السماء مستلقيا على الأرض يتأمل النجوم مستغرقا في وحدته يناجي ربه. واعتاد وهو يرعى أغنامه أن يرتل بعض آيات القرآن الكريم مبتهلا أن يمكنه العلي القدير من معرفة الحقيقة في هذه الحياة.

وذات يوم من عام 1847م سمع رجلين يرويان قصة حضرة الباب، فانجذب قلبه إلى الرسالة الجديدة فورا وأسرع بالاتصال بأحد الأحباء الذي أبلغه بظهور الدين الجديد. ومنذ ذلك الحين أصبح من الأتباع المخلصين لحضرة الباب، وبقي نشطا في نشر الرسالة الإلهية رغم المصاعب العديدة التي اعترضت سبيله.

_____________________________________________________________________

(1) تمت تسمية 19 من الشيوخ الثلاثة والعشرين الآخرين وهم حضرة الباب وحروف الحي.

كان لقاؤه الأول مع حضرة بهاءالله عام 1850م في طهران، ولم يكن آنذاك مدركا لمقامه الرفيع. وفي وقت لاحق عندما وجدت الجامعة البابية نفسها بلا قائد يقودها، وسيطر على الأصحاب الاضطراب والاكتئاب، انجرف النبيل بتيار الضلال وادعى أنه "من يظهره الله" وأخذ ينشر بعضا من كتاباته بين البابيين. إلا أنه بعد أن تشرف بمحضر حضرة بهاءالله في بغداد تفتحت أبواب الحقيقة أمام بصيرته وكان لروحه أن تعلقت بتلك الروح القاهرة، فركع عند قدمي محبوبه ورجاه أن يغفر له خطيئته العظمى. وحتى يظهر له مدى ندمه الشديد ودرجة عبوديته الحقة، حلق لحيته -رمز الوقار في تلك الأيام- وجعل منها مكنسة يكنس بها مشارف منزل حضرة بهاءالله.

ملأت أركان النبيل رغبة ملحة لخدمة مولاه وبفضل البركات والتأييدات اللامتناهية التي أسبغها عليه حضرة بهاءالله تمكن من تأدية خدمات جلى لدين الله بوفائه وإخلاصه المثاليين. وقد تميز النبيل من بين صحابة حضرة بهاءالله بما كان يكنه لحضرته من محبة خالصة بلغت في مداها مبلغا كان يستحيل على المتصلين به تجاهل حرارة ما اشتعلت به روحه.

كان النبيل شاعرا ملهما وعبقريا موهوبا وصاحب قريحة فياضة، فألّف بعض ما كتب شعرا، فحكت قصائده تلك عن شدة إيمانه ومدى تعشقه لمحبوبه.

أرسله حضرة بهاءالله إلى بلاد فارس في مهام عدة، وأينما ذهب كان يفرح قلوب الأحباء بأخبار مولاه ويشجعهم على النهوض لخدمته. ولما غادر حضرة بهاءالله بغداد إلى الآستانة لم يقو النبيل على البقاء، فتخفى بملابس الدراويش وتبع القافلة مشيا على الأقدام ثم انضم إليها فيما بعد أثناء الرحلة. وفي الآستانة أمره حضرة بهاءالله بالتوجه إلى بلاد فارس للتبليغ ونشر أخبار الأمر

هناك. ثم توجه فيما بعد إلى أدرنة مسرح الإعلان العام للدعوة. ومرة أخرى أرسله مولاه إلى بلاد فارس حتى يعمل على نشر الآثار الكتابية المباركة ومساعدة الأحباء على إدراك عظمة هذا الظهور الأعظم. سافر إلى أماكن نائية عدة بحماس بالغ وساهم في إرساء قاعدة لجامعة بهائية متنامية متميزة عن تلك الطغمة التي سارت وراء ميرزا يحيى في ضلال مبين، تلك المجموعة التي سميت بـ"الأزليين" ونسيت في بضع سنين وفقدت كل وزن وقيمة. وإبان هذه الفترة من الزمان تغير الاسم الذي كان يعرف به المؤمنون بحضرة بهاءالله من "البابيين" إلى "البهائيين".

كلف حضرة بهاءالله النبيل بعد سفرته الأخيرة بمهمة أخرى وأمره بالتوجه إلى مصر ليتوسط لدى الخديوي في الإفراج عن سبعة أحباء سجنوا بتحريض القنصل العام للدولة الفارسية في مصر، أحد أعداء أمر الله، وما أن وصل النبيل أرض مصر حتى زجّ به في سجن الإسكندرية. وفيه تعرف على طبيب سجين وهو قسيس مسيحي يدعى فارس أفندي وتمكن من تبليغه الأمر فاعتنقه ليصبح مؤمنا عميق الإيمان مخلصا كل الإخلاص ولعله أول مسيحي يدخل حظيرة الدين الجديد.

وعندما نفي حضرة بهاءالله إلى عكاء، رست سفينته في ميناء الإسكندرية على مقربة من السجن. وصل الخبر بطريق الصدفة إلى النبيل الذي أرسل رسالة على الفور إلى مولاه، شاركه فيها فارس أفندي، يخبرانه بمصيرهما. فصدر بحقهما لوح مبارك يعبر عن سعادته برسالتهما وأكد لهما محبته وجميل عطفه، واختص فيه فارس أفندي بعبارات التشجيع وكان فارس أفندي قد خاطب حضرته بـ"الرب المجيد" في رسالته ورجاه فيها أن يقبله خادما مخلصا له.

وبعد مرور بعض الوقت تمكن النبيل أخيرا من مغادرة مصر إلى الأراضي المقدسة حيث وصل عكاء متنكرا، إلا أن أعداء الأمر

اكتشفوا أمره ووشوا به لدى السلطات التي عملت على طرده من المدينة. عاش بعدها في أماكن متعددة في تلك البقعة المباركة، ومكث في إحداها في كهف على جبل الكرمل. أمضى أيامه في الدعاء والابتهال في انتظار فرصة المثول بمحضر مولاه مرة أخرى. وأخيرا استجيبت دعواته وفتحت أبواب السجن أمام الأحباء وفاز النبيل بالمحضر الأنور بسرور بالغ حقا. فكانت تلك اللحظة لحظة انتصاره. صرف النبيل باقي حياته في عكاء وغالبا ما كان يحظى بشرف الحضور واللقاء. وما أن هل عام 1887م حتى بدأ النبيل في تنفيذ مهمة بالغة الأهمية، ألا وهي مهمة تدوين الأخبار وسردها فقدم لها بما يلي من الكلمات:

"كان من عزمي بفضل الله ومساعدته أن أخصص الصحائف الأولى من هذا التاريخ لذكر الروايات التي حصلت عليها فيما يخص النورين الأعظمين الشيخ أحمد الأحسائي والسيد كاظم الرشتي وكان أملي بعد ذلك أن أحكي بالترتيب الزمني أهم الحوادث التي حصلت منذ سنة 60(1) تلك السنة التي أعلنت فيها دعوة الباب لغاية الوقت الحالي وهو سنة 1305هـ(2) وذكرت بعض الحوادث بالتفصيل واقتنعت في البعض الآخر بذكر مختصر الوقائع ودونت وصف الحوادث التي شاهدتها بنفسي وكذلك التي سمعتها من ثقاة الرجال ذاكرا اسمهم ومقامهم في كل حالة والذين أنا مدين لهم على الأخص هم الميرزا أحمد قزويني كاتب وحي الباب وسيد إسماعيل الذبيح والشيخ حسن الزنوزي والشيخ أبو تراب قزويني والأخير الذي لم يكن له آخرا هو مرزا موسى آقاي كليم أخ بهاءالله.

_____________________________________________________________________

(1) 1260ه‍ (1844م).
(2) 7-1888م.

وإني أشكر الله الذي مكنني من كتابة هذه الصحائف الأولى ومن تبريكها وتشريفها بموافقة بهاءالله الذي تنازل وتفضل بمراجعتها وحازت رضاه وقبوله بعد أن قرأها له كاتب وحيه آقا مرزا جان وإني أطلب من القدير العون والهداية لئلا أغلط أو أخطئ في المهمة التي عزمت على إتمامها".(3)

عندما صعد حضرة بهاءالله صعق النبيل وبات في حالة من الحزن والانفطار لا ينفعه فيها عزاء ولا يجديه دواء. فالمحبة العارمة التي ظلت مشتعلة في قلبه تتأجج مدة طويلة من الزمن التهمته بنارها وأوشكت أن تحرقه على مذبح التضحية والفداء. وحاول جاهدا لبعض الوقت أن يتعايش مع هذا الحدث الجلل، ولكنه وجد الأمر يزداد صعوبة فلم يتمكن في النهاية من السيطرة على ما كان يجيش في صدره من عاطفة غمرت كيانه، فألقى بنفسه في البحر منهيا حياته. لقد كان حقا عاشقا مخلصا للجمال المبارك. ولم يترك النبيل بعد أن احتواه البحر سوى وريقة مقتضبة عبر فيها عن ولائه لحضرة عبدالبهاء، وحدد تاريخ وفاته بكلمة عربية واحدة هي "غريق". ولهذه الكلمة قيمة عددية هي 1310 (أي العام الهجري 1310 والموافق العام الميلادي 2-1893م).

ومن إسهامات النبيل الأدبية الأخيرة وصفه لأحداث صعود حضرة بهاءالله وصفا بليغا يهز المشاعر ويمس شغاف القلب. وعلاوة على ذلك فقد اختاره حضرة عبدالبهاء وكلفه بانتقاء بعض المقتطفات من آثار حضرة بهاءالله لتشكل في مجموعها نص "لوح الزيارة"(1). وصار "لوح الزيارة" هذا يتلى عند زيارة المرقد

_____________________________________________________________________

(1) لقد أخذت الفقرات الأربع الأولى من هذا اللوح من لوح لحضرة بهاءالله إلى أحد أتباعه وهو آقا بابا والفقرتان الخامسة والسادسة من لوح آخر إلى أحد الأحباء الذي لم أتمكن من معرفة هويته، والفقرة الأخيرة من لوح لحضرته إلى خديجة بيكم، زوجة حضرة الباب.

الأقدس(1) والمقام الأعلى، بالإضافة إلى تلاوته في إحياء ذكرى صعود حضرة بهاءالله وذكرى استشهاد حضرة الباب. واللوح المذكور فريد من نوعه يتلوه البهائيون في كل الأقطار في هاتين المناسبتين وغيرهما من المناسبات.

لقد كان إسهام النبيل في سرد التاريخ البابي والبهائي إسهاما هائلا واسع الآفاق. ويجد المؤمنون أن ما نشر من تأريخه حتى الآن لا يضم المعلومات المفيدة فحسب، بل يحتوي أيضا على ما يلهمهم ويزيد فهمهم للأمر الإلهي عمقا. لقد خلف كنزا لا يفنى بمرور الأيام، وتركه للأجيال القادمة لتستدر منه محصولا غنيا من المعرفة والإلهام.

أصحاب حضرة بهاءالله

بعد نزول "كتاب الإيقان" أم بغداد عدد كبير من البابيين كان قصدهم الوحيد الفوز بمحضر حضرة بهاءالله. وأدرك كثير منهم مقامه وغدوا من أتباعه المخلصين قبل إعلان دعوته بسنوات، وسمح لقلة منهم بالبقاء في بغداد بينما أمر الآخرون بالرجوع إلى أوطانهم لنشر أمر الله هناك.

وهكذا نهضت في بغداد جامعة صغيرة شكلتها نفوس مخلصة جذبتها قوة حضرة بهاءالله ونفوذه. لقد كان هؤلاء الأصحاب المترنحون بصهباء الملكوت الإلهي والعمالقة الروحانيون لظهوره المبارك، عشاق جماله المحبوب، ورمزا للانقطاع وخلقا جديدا ذابت إرادتهم في إرادة مولاهم، تواقين للتضحية بكل شيء حتى بحياتهم في سبيله. فلا قوة في الوجود تثنيهم عنه أو تحجب عقولهم

_____________________________________________________________________

(1) مرقد حضرة بهاءالله في البهجة.

عن بريق عظمته، ولا قدرة إنسانية مهما عظمت تستطيع أن تفرقهم عن شخص معشوقهم. لقد حاموا حول عرشه العظيم كما تحوم الفراشة حول المصباح، فتركوا أنفسهم وتجردوا منها بفرط عشقهم. قمة نشوتهم أن يفوزوا بمحضره الأنور، وغاية آمالهم عند مغادرته كيف سيفوزون به ثانية، كانت أرواحهم دوما تترقب شمولهم بعناياته وألطافه: أما باستدعائهم إلى منزله أو تشريفه اجتماعاتهم واحتفالاتهم.

لم يشهد التاريخ أناسا بلغ عندهم الحب والانقطاع ونكران الذات مثلما بلغه لدى أولئك الأصحاب، كما أن تاريخ الأديان لم يعرف مثل هذا العدد الغفير من الأتباع المخلصين الذين التفوا حول شخص عرف بأنه صاحب ذلك الزمان قبل سنوات من إعلان دعوته. بل إن هذا ما تنبأ به حضرة الباب في كتاباته حين وضح أن مقام "من يظهره الله" سيكون على قدر من الرفعة والسمو بحيث ستدركه بعض النفوس المقدسة قبل الكشف عن عظمته ومجده، وتتلهف شوقا لبذل الروح في سبيله.

لم يحدث هذا قبل إعلان دعوة حضرة بهاءالله فحسب، بل كان هناك أيضا من تيقن من مقامه الرفيع خلال ولاية حضرة الباب نفسه. ومع أن حضرة بهاءالله قد تلقى الوحي في سجن سياه ﭽال، إلا أن بعض البابيين الأوائل أدركوا قبل ذلك أنه الموعود الذي تنبأ به حضرة الباب.

من هؤلاء كانت الطاهرة، البطلة الخالدة في الدورة البابية، التي أدركت تماما علو مقامه قبل سجنه في سياه ﭽال بوقت طويل عندما كتبت أجمل شعرها في تمجيده مؤكدة فيه بأنه مولاها وسيدها. وثمة شخص آخر هو الشيخ حسن الزنوزي، ذلك البابي الغيور الذي أدرك أيضا مقام حضرة بهاءالله في وقت متقدم، فقد كان حضرة الباب قد وعده بأنه سيقابل "من يظهره الله" في

كربلاء. وفي تلك البلدة، وقبل دخول حضرة بهاءالله السجن في سياه ﭽال بسنة واحدة، قابل حضرة بهاءالله الشيخ الزنوزي صدفة في الشارع وأفضى له عن مقامه الذي سيعلنه في بغداد لاحقا، وهنالك آخرون اهتدوا إلى معرفة ذلك بما أوتوا من بصيرة وقادة فشاهدوا جمال الله المشعشع من خلف آلاف الحجب والأستار.

يصاب كثير من الناس بالدهشة لذلك، ويتساءلون كيف يمكن للمظهر الإلهي أن يدركه الناس قبل أن يبدأ الوحي بالنزول عليه. تطرق حضرة عبدالبهاء إلى هذا الموضوع بقوله: إن المظهر الإلهي رسول في كل حالة، ففيه كامل الصفات الإلهية قبل تلقيه الدعوة. إنه يشبه الرجل النائم أو المصباح الذي يعلوه الغطاء فيحجب نوره عن أعين الناس. فلا يكشف الرسول عن سلطانه وصفاته إلا عندما تحين الساعة المنبئة بميلاد رسالته بالرغم من أن الإعلان عن هذه الرسالة علنا قد يأتي لاحقا. فميلاد ظهور حضرة بهاءالله كان في طهران إلا أنه لم يعلن عنه إلا بعد عشر سنوات خارج بغداد.

ولا عجب إذا أن يمتلئ أتباع حضرة بهاءالله في بغداد بالنشوة والابتهاج إذ تمكنوا من مشاهدة جمال مولاهم قبل إعلانه عن دعوته وذلك بفضل ما حباهم به الله من البصيرة والإدراك وعاش هؤلاء في انقطاع تام مترفعين عن شؤون الدنيا ومغرياتها. وعن غيرتهم وعشقهم لحضرة بهاءالله كتب حضرة شوقي أفندي ما يلي:

"ومن الأمور التي سوف تظل، عبر القرون والأجيال، مقترنة بتلك الفترة الخالدة الفاصلة بين ميلاد ظهور حضرة بهاءالله وإعلان ذلك الظهور عشية رحيله عن العراق، تلك الاحتفالات البهيجة التي كان الأصحاب يقيمونها تكريما لمحبوبهم رغم ضيق ذات يدهم، والاجتماعات الممتدة حتى ساعات متأخرة من الليل يتغنون أثناءها في مناجاتهم

وأشعارهم وأغانيهم بمحامد حضرة الباب والقدوس وحضرة بهاءالله، والصوم الذي كانوا يلتزمون به، وصلوات الأسحار التي كانوا يواظبون عليها، والرؤى والأحلام التي كانت تلهب أرواحهم فيرويها بعضهم لبعض بكل المشاعر الفياضة المنطلقة، وتلك الهمة التي كان يؤدي بها القائمون بخدمة حضرة بهاءالله أعمالهم، ويستجيبون بها لمطالبه، ويحملون بها قرب الماء الثقيلة لوضوئه وللاستعمال المنزلي، والفلتات الرائعة التي كانت تتم على أيديهم من حين لآخر في ساعات النشوة، وتعبيرات العجب والإعجاب التي كانت أعمالهم وأقوالهم تنتزعها من أفواه الناس الذين قلما شاهدوا مثل هذه الشواهد على التدين والإخلاص. وغير هذا كثير.

نعم، عديدة ورائعة تلك القصص التي رواها كل من دفعهم الواجب أو الرغبة أو الصدفة أو الفضول إلى الاتصال اتصالا مباشرا بحضرة بهاءالله في هذه السنوات الشداد".(4)

وفي حديثه عن هؤلاء الأصحاب سجل النبيل ما يلي:

"بلغ من سكر المرتشفين من كأس محضر حضرة بهاءالله أن قصور الملوك بدت لعيونهم أوهن من خيوط العنكبوت... وكانت ضيافاتهم ومباهجهم من الروعة بحيث لا يحلم بمثلها ملوك الأرض"... "كم من ليلة لم يزد فيها طعام العشرة منهم عن حفنة من التمر تشترى بفلس. ولم يكن أحدهم يدري على وجه التحقيق شيئا عما يجده في بيته من الأحذية والعباءات والملابس أهي ملكه هو أم ملك غيره. ولكن كل من ذهب إلى السوق ادعى أن الحذاء الذي ينتعله حذاؤه، وكل من يحظى بمحضر حضرة بهاءالله يؤكد أن الثوب الذي يلبسه هو ثوبه! أما أسماؤهم فقد نسوها، أما قلوبهم فقد فرغت من كل شيء إلا ذكر محبوبهم وتقديسه! فآه آه لهاتيك الأيام الغوالي ولحلاوة تلك السويعات العجيبة".(5)

صفحة خالية
الفصل الثاني عشر
اقتراب الإعلان عن رسالة حضرة بهاءالله

مع اقتراب عام 1863م باتت علائم إعلان رسالة حضرة بهاءالله تزداد وضوحا من نغمات الألواح المباركة التي فاضت من يراعه والإشارات التي كان يطلقها تلميحا في المجالس العامة والخاصة. ففي كل يوم كان ينطق القلم الأعلى بلوح جديد، وكانت الألواح جميعها تشير بكل وضوح إلى اقتراب ساعة الكشف عن مقامه الأسنى.

كانت هذه الفترة فترة غمرت فيها نشوة الفرح والسرور نفوس أولئك المحيطين بشخصه الكريم، وقد أخذتهم حلاوة تلك الألواح يتلونها فتنعش الأرواح وينشدون معها قصائد البهجة والاحتفال. فكانوا يتجمعون ليلا في حجرة صغيرة يشعلون فيها العديد من شموع الكافور ويتناغمون بالأشعار بصوت عال، وهم على هذا الحال في عوالم الروح محلقين وعن عالم الإمكان منقطعين يفاجئون بخيوط الفجر قاطعة سواد الليل. وبالإضافة إلى ترتيل الألواح المباركة، كان هؤلاء الأبطال من أتباع حضرة بهاءالله يقضون تلك الليالي التاريخية في التحدث عن محبوبهم المبارك. فالقصص التي كانوا يرددونها عن حضرته، ومشاعر الفرح الجياشة التي كانت تأخذ بألبابهم في لقائهم معه في منزله، أو في شوارع بغداد وأسواقها، ومناقشاتهم المستفيضة في الكشف عن الأسرار المكنونة في ألواحه المباركة، وتوقعاتهم حول موعد الإعلان عن رسالته الإلهية وحول طبيعة تلك الرسالة وماهيتها، كل هذا خلق جوا من النشوة والحبور لا يمكن لأحد من الناس أن يتصوره اليوم.

وبفضل تفردها في الأسلوب والكلمة وقوتها التي تأخذ

بالألباب، فإن القصائد والألواح المباركة المنزلة على حضرة بهاءالله في تلك الفترة يصعب وصفها ويبدو من المستحيل ترجمة ما نزل منها في غير اللغة العربية. ومن ضمنها: "سبحان ربي الأعلى"، و"غلام الخلد"، و"الحور العجاب"، و"أز باغ الهي"، و"هلة هلة يا بشارت".

"لوح سبحان ربي الأعلى"

نزل بالعربية بحق الحاج ميرزا موسى الجواهري الذي لقبه حضرة بهاءالله بـ"حرف البقاء". كان والده الحاج ميرزا هادي وزيرا سابقا في الحكومة الفارسية وذا مكانة مرموقة بين نبلاء بلاد فارس والعراق. هاجر إلى بغداد حيث استقر، ولما كان من أصحاب المال والنفوذ، فقد حظي باحترام سكان المدينة. وفي مستهل أيامه الأخيرة انجذب الحاج ميرزا هادي إلى حضرة بهاءالله وتفانى في خدمته، وكثيرا ما كان يدخل إلى المحضر المبارك فيجلس عند قدميه بكل تواضع ومحوية.

وبعد موته برزت صعوبات جمة في شأن أملاكه، وعندما سويت الأمور، ورث ابنه الحاج ميرزا موسى -الذي كان من أتباع حضرة بهاءالله ومخلصا له ومستقيما على أمره- جزءا من الأملاك من بينها بيت حضرة بهاءالله في بغداد، وقد أبدى رغبته الشديدة في إهداء البيت بالإضافة إلى ممتلكات أخرى لحضرته، إلا أن حضرة بهاءالله رفض قبول الهدية، ولكن الحاج ألح واستمر في توسلاته إلى أن صدر الأمر بشراء المنزل بسعر مناسب. وهكذا أصبح البيت ضمن الممتلكات البهائية.

ولقد أسماه حضرة بهاءالله فيما بعد "بيت الله" و"البيت الأعظم" وجعله مكانا للحج. وبين جدرانه أنزل حضرة بهاءالله

ألواحا عدة وآيات بينات بفيض دافق عظيم لعدة سنين، ومن هذه البقعة المباركة سطع نور اسمه على أهل العالم ومنه نفث روح الحياة في جسد البشرية. وأصبح البيتان، بيت حضرة بهاءالله في بغداد وبيت حضرة الباب في شيراز، أكثر الأماكن قداسة في العالم بالنسبة للبهائيين بعد المقامات المباركة في عكاء وحيفا، حيث دفنت الرفات الطاهرة لكل من حضرة بهاءالله وحضرة الباب. فالحج إلى هذين البيتين هو أحد الفروض المقدسة في الأمر الإلهي النازلة في "الكتاب الأقدس". وعندما كان حضرة بهاءالله في أدرنة، أنزل سورتي الحج، ثم أمر النبيل الأعظم بالتوجه إلى بغداد وشيراز لأداء الفريضة. وبذلك يعتبر النبيل الأعظم الشخص الأول والوحيد حتى الآن الذي أدى مناسك الحج طبقا لما جاء في تلك السورتين المباركتين.

وبناء على توجيهات حضرة عبدالبهاء في أواخر أيام حياته أجريت بعض الأعمال الإنشائية في البيت المبارك في بغداد فدعمت أساساته بالإسمنت المسلح وأعيد إلى شكله الأصيل بعد إجراء الترميمات اللازمة. إلا أنه بعد ذلك مباشرة استولى أعداء الأمر على هذا البيت بدون وجه حق، مما أدى في النهاية إلى رفع عريضة لدى عصبة الأمم التي أصدرت في عام 1929م قرارا تثبت فيه أن البيت ملك للبهائيين، ولكن القرار لم يتم تنفيذه لأسباب متعددة وبقي البيت في أيدي أولئك الذين استولوا عليه بدون وجه حق.

وفي بعض ألواحه المباركة مجد حضرة بهاءالله قدسية هذه البقعة الطاهرة وعظمتها وتنبأ أيضا بما سيؤول إليه مصير تلك المنطقة وما سيصيبها من ذل وهوان، وما ستحققه بعد ذلك من الرفعة والإجلال في مستقبل الأيام. وفي أحد ألواحه المباركة تفضل حضرة بهاءالله قائلا:

"يا بيت الله! إن هتك المشركون ستر حرمتك لا تحزن. قد زينك الله بطراز ذكره بين الأرض والسماء وأنه لا يهتك أبدا. إنك تكون منظر ربك في كل الأحيان... ثم تمضي أيام يرفعه الله بالحق ويجعله علما في الملك بحيث يطوف حوله ملأ العارفين".(1)

ويفتتح حضرة بهاءالله "لوح سبحان ربي الأعلى" بكلمات موجهة لميرزا موسى -حرف البقاء- فيشجعه داعيا إياه إلى الانقطاع عن هذا العالم وكل ما فيه حتى يتمكن من العروج إلى ممالك الروح والمشاركة في ترانيم ملكوت الله.

وبصورة مثيرة لشواجن الروح يصور حضرة بهاءالله تجلي الروح الأعظم(1) أمامه في هيئة حورية سماوية، فيشير إلى تنزيل الوحي الإلهي عليه بشكل يعجز القلم عن وصفه، ويعلن اللوح بلغة رمزية بشائر مجيء يوم الله، ويحذر المخلصين في الوقت نفسه، من الافتتانات التي ستصيبهم فيصبح العديد منهم محروما من الفوز مما يفيضه من المجد والفضل.

نزل اللوح بلغة التلميح والإشارة، وفي سبيل فهمه على المؤمن أن يتوجه إلى حضرة بهاءالله ويتمعن في كلماته، وبهذه الطريقة فقط يمكن لقلبه أن ينعم بعنايته الأكيدة ويدرك مغزى بياناته المباركة.

"لوح غلام الخلد"

أما "لوح غلام الخلد" فلوح آخر له الخاصية نفسها ولكنه نزل بلغتين فجزء منه بالعربية وآخر بالفارسية. إنه لوح بالغ الجمال نزل

_____________________________________________________________________

(1) انظر الحاشية في صفحة 10.

احتفاء بذكرى إعلان دعوة حضرة الباب ويصور لنا بوضوح بشائر مجيء حضرة بهاءالله بلغة غنية بالصور المجازية، فيشير حضرة بهاءالله إلى نفسه بتعابير رمزية ويكشف عن جماله ويمجد رسالته ويعرف نفسه على أنه الكلمة التي دارت حولها أرواح النبيين والمختارين، ويعلن لكافة أصحابه أن الذي كان مستورا عن أعين الناس قد ظهر، مؤكدا أن بمجيئه قد نفخ في الخلائق أجمعين روحا جديدة، داعيا صفوة عاشقيه للقدوم إليه والاتحاد مع محبوبهم حاثا إياهم على تطهير قلوبهم حتى يفوزوا بالقبول لدى محضره الأنور فيطهروا أنفسهم من علائق الدنيا ويتخلصوا مما يساورهم من الظنون والأوهام.

ويبين حضرة بهاءالله في هذا اللوح أيضا عظمة حضرة الباب ومقامه، ويؤكد على أنه النقطة التي فصلت منها كل العلوم، وهذه حقيقة في صلب أمر حضرة بهاءالله، ذلك بأن كل رسول إلهي كان مصدر المعرفة لأمته وهذا ما أثبته التاريخ.

ولنضرب لذلك مثلا. فإن شعب إسرائيل كان أسير فرعون، فحرم أبناءه من حقوقهم وحريتهم وأصبحوا مسلوبي العدالة، ولكن نفوذ النبي موسى عليه السلام حررهم من ربقة العبودية وبفضل هدايته الإلهية احتلوا مكانا مرموقا بين شعوب العالم وذاعت شهرتهم وذلك نتيجة الحضارة العظيمة التي أسسوها. وكما تفضل حضرة عبدالبهاء فإن بعض فلاسفة اليونان جاء إلى الأراضي المقدسة خصيصا للبحث عن العلم والمعرفة لدى الشعب اليهودي، فأخذوا مبادئ وحدانية الله وخلود الروح وعادوا بهذه التعاليم إلى بلادهم(1).

وبالمثل فقد جاء الدين المسيحي بحضارة شملت العالم

_____________________________________________________________________

(1) "مفاوضات عبدالبهاء"، الفصل الخامس.

الغربي كله، وجرفت في سبيلها كل معايير الحضارة الرومانية، فأقامت بدلها نهجا جديدا للحياة، ونورت عقول الملايين من البشر، وأرست القواعد الجديدة للعلم والمعرفة.

ويقدم لنا الإسلام أفضل الأمثلة في هذا المجال. فرغم ظهور الدين الإسلامي في بيئة من القبائل المتناحرة في الجزيرة العربية، فإن الحضارة التي ترعرعت في رحابه بعثت الحياة الروحية في الملايين من البشر، من جهة، وأسست -من جهة أخرى- منابر العلوم والمعارف في كل أنحاء العالم الإسلامي. فقام علماء الإسلام ومفكروه بإرساء قواعد العديد من الفنون والعلوم، فوصلت إنجازاتهم العلمية شعوب العالم المسيحي لتحدث في حياة تلك الشعوب انقلابا كان له أبعد الآثار.

ويصف جورج تاونزند -الباحث الأيرلندي الكبير- العرب تحت تأثير الإسلام في كتابه "المسيح وبهاءالله" بهذه الكلمات:

بفضل ما للقرآن من مكانة متميزة كونه معجزة أدبية، ونظرا لافتخار العرب بلغتهم باعتبارها أفضل ما تكلم به بنو البشر، والتي يعدها الدارسون في عصرنا هذا إحدى المحصلات الفكرية العظيمة للجنس البشري، كان للأدب بكل أغراضه وقوالبه مكانة مرموقة. فقد أسست المدارس والجامعات التي غصت بالطلبة من أمم متعددة، وبرزت للوجود أعمال عظيمة في مختلف المواضيع، وبنيت المكتبات الكبيرة التي تضم مئات الألوف من المجلدات، وقلّب الخلفاء الأرض بحثا لجلب العلوم والمعرفة إلى ديارهم، فأرسلوا البعثات العلمية التي استطاعت أن تستقي من الأصقاع الأجنبية والعصور الغابرة تراثها الفكري. واستخدم جيش من المترجمين لنقل الأعمال الأدبية الإغريقية والمصرية القديمة

والهندية والعبرية إلى العربية. ودرست قواعد اللغة وأصولها على نطاق واسع، وجرى التوسع في إعداد القواميس والمعاجم والموسوعات، وجلب الورق من الصين واستعمل نظام جديد عددي وهو المعروف بالأرقام العربية مصدره الهند، وأصبحت اللغة العربية لغة عالمية. وأخذ الخلفاء يدعون الأدباء المشهورين في العالم إلى بلاطهم، ووجد الدارسون والفلاسفة والشعراء وعلماء النحو من مختلف الأقطار مكانا للالتقاء في المكتبات الضخمة في العاصمة.

كان البحث في العلوم -التطبيقية منها والنظرية- يسير جنبا إلى جنب مع الأبحاث الأدبية. وقاد العرب العالم، في ذلك اليوم، في العلوم التطبيقية والطب والجراحة والكيمياء والفيزياء والجغرافيا كما هو الأمر في الرياضيات وعلم الفلك. واخترع العرب نمطا جديدا رائعا في الهندسة المعمارية يتميز بالرحابة والأناقة وصلابة الهيكل واستغلال الضوء. ويمكن تتبع تأثير هذا كله في أنحاء الهند وحتى جاوا وإلى الصين والسودان والأراضي الروسية كلها. لقد طوروا فروعا كثيرة من الصناعة وحسّنوا أساليب الزراعة والبستنة. واستخدموا البوصلة فجابت سفنهم البحار، وأقامت قوافلهم التجارة بين أقاليم إمبراطوريتهم حاملة منتجات من الهند والصين وتركستان وروسيا وأفريقيا وجزر الملايو.

أما مجد بغداد بمساجدها وقصورها وصوامعها العلمية وحدائقها العطرة، فقد وجد له انعكاسا وتم إحياؤه في مراكز أصغر في العالم الإسلامي، مثل البصرة وبخارى وغرناطة وقرطبة، وقد ذكر عن هذه المدينة الأخيرة أنها، وهي في قمة ازدهارها، كانت تضم أكثر من مائتي ألف منزل ويقطنها أكثر من مليون نسمة، وإنه كان بإمكان المرء فيها السير بعد

الغروب عشرة أميال في خط مستقيم في شوارع معبدة ومضاءة، وأما في أوروبا وحتى بعد ذلك بقرون لم يكن هناك شارع مرصوف في باريس ولا مصباح عام في لندن.

وكانت جامعة قرطبة أولى الجامعات التي أسست في أوروبا فأمّ أروقتها الدراسية عدد غفير من العلماء المسيحيين، وكان من بين هؤلاء جيربرت الذي أصبح فيما بعد سلفستر الثاني، وصار في روما الحبر البابوي الأعظم الذي عرف بذكائه الفذ وشخصيته المتميزة.

وبالرغم من مشاعر العداء القائم بين البلدان المسيحية والإسلامية، كان من المحتم لهذه الحضارة المتقدمة أن تؤثر في مجرى الحياة والفكر في أوروبا. فمن خلال المواقع الإسلامية في صقلية وامتداد شعاع الإسلام في إسبانيا، وبفضل ذكاء الدارسين ومصادر المعرفة في الجامعات الإسلامية، وبواسطة التجار والمسافرين ورجال السياسة والجنود والبحارة وتنقل المزارعين، انتقلت الأفكار الجديدة والتقنيات والاتجاهات الحديثة من العالم الإسلامي إلى أوروبا الغربية.(2)

وفي هذا الظهور، وهو عهد البلوغ حد الكمال للعصور والقرون الماضية، فان البشرية قد أنعم عليها بطاقات جبارة حتى تنمو وتتطور في كل ميدان من ميادين المعرفة الإنسانية. ويمكننا القول أن تطور البشرية حتى إعلان دعوة حضرة الباب كان بطيئا ومحدودا في مداه، إلا أنه بمجيئه فُتح عصر جديد من المعرفة أمام الإنسانية بشكل لم يسبق له مثيل في السعة والانتشار.

ينص أحد الأحاديث الإسلامية بكل وضوح: "العلم سبعة وعشرون حرفا، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، ولم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين. فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة

والعشرين حرفا".(3)

ومنذ ظهور حضرة الباب شهدت الإنسانية تقدما مذهلا في حضارتها المادية والروحية. فغزارة الاكتشافات العلمية، التي لم يشهد التاريخ لها مثيلا، قد شيدت في وقت قصير جهازا رائعا للاتصالات عبر العالم وهو الحدث البارز الأهم إذا أردنا أن نقيّم بصدق معالم الخطة الإلهية للبشرية جمعاء.

ويمكن إدراك سطوع أنوار أمر بهاءالله على بقاع المعمورة، والإعلان عن رسالته إعلانا عالميا فقط عندما يحين الوقت الذي يصبح الناس فيه قادرين على الاتصال فيما بينهم بكل سهولة. فدون قيام جهاز عالمي واسع للاتصالات يربط العالم الإنساني بأكمله فان رسالة حضرة بهاءالله لن تكون قابلة للتنفيذ أو ذات تأثير فاعل. فدين حضرة بهاءالله يدور أساسا حول مبدأ وحدة الجنس البشري، فرسالته عالمية وهدفه تأسيس نظام عالمي روحاني يضم تحت لوائه كل الذين يعيشون على هذه الأرض.

لم يكن بمقدور كثير من المؤمنين في بداية الظهور في بلاد فارس تصور كيفية وصول الأمر المبارك إلى البقاع النائية من الكرة الأرضية. فلم يعرفوا آنذاك وسيلة للسفر غير المشي أو ركوب الدواب. والسؤال الذي كان يحيرهم في الغالب هو كيفية طي تلك المسافات الشاسعة لتبليغ أمر الله، ولم يدر بخلد الواحد منهم سوى أن الله سوف يخلق الوسائل. إلا أن حضرة الباب صرح بأن على البشرية أن تبتدع نظاما سريعا من الاتصالات بحيث تصل أنباء ظهور "من يظهره الله" إلى كافة أنحاء المعمورة.

وهذا ما حدث الآن، ففي فترة قصيرة حدثت ثورة علمية هائلة تثير الدهشة والإعجاز وقد أصبح العالم اليوم عالما واحدا، وبإمكان الإنسان أن يقيم الاتصال بسرعة الضوء أو أن يسافر

بأسرع من الصوت. حقا لقد أدخل حضرة الباب الإنسانية في عهد جديد من المعرفة ممهدا الطريق لظهور حضرة بهاءالله الذي وصل أمره اليوم إلى عموم البشر وارتفعت بكل ثبات مؤسسات نظامه العالمي في كل بقعة من بقاع الأرض.

شمل تدفق العلوم والمعارف من فيض هذا الظهور الشؤون الإنسانية في مضماريها المادي والروحي، ولتحقيق المدنية الإلهية لا بد لهذين المضمارين التقدم والازدهار معا، فاتّباع أحدهما دون الآخر يحدث الخلل في حياة الإنسان ويعيق تقدمه تماما، فالمعرفة العلمية بمفردها تقود إلى المادية البحتة والمعرفة الروحية وحدها تؤدي إلى الخرافات.

إن هدف ظهور حضرة بهاءالله هو خلق هذا التوازن في المجتمع الإنساني، وعندما يتحقق هذا التوازن على المستوى العالمي فإن المدنية البهائية سوف تبرز للوجود، وعندها تسيطر معرفة الله على الروح الإنسانية، بحيث يصبح نبل الخصال والفضائل الإلهية سمة مميزة للجنس البشري، ويعمل التقدم العلمي مع التطور الروحي على الدخول في عهد جديد من الإنجازات البشرية. وفي مجتمع مثل هذا، فإن الفنون البهائية من أدب وموسيقى مجبولة بفيض القوى الروحية الإنسانية ستولد وتنمو، وستزدهر شجرة الحياة الإنسانية لتبلغ ذرى النضج والبلوغ.

"لوح حور عجاب"

لوح آخر أنزله حضرة بهاءالله خلال الفترة نفسها هو "لوح حور عجاب". نزل بالعربية ويشبه اللوحين السابقين، وفيه يعلن البشرى نفسها بلغة مجازية ويتحدث عن رمز "حورية السماء".

وفيه يلمح حضرة بهاءالله إلى الكشف عن مقامه الرفيع ويؤكد

أن نور محياه قد أحاط العالمين، وأن فيض رسالته كان من العظمة بحيث عقد ألسنة ذوي القلوب الطاهرة. وندد بالعمى والضلال الذي سقط فيه غير المخلصين من أتباعه، وهذه إشارة إلى ميرزا يحيى ورفاقه الذين خانوا دين الله وسببوا الألم والحزن الشديد لحضرة بهاءالله.

"لوح أز باغ إلهي" (من البستان الإلهي)

"لوح أز باغ إلهي" قصيدة جاءت بها قريحة حضرة بهاءالله قبل إعلان دعوته بوقت قصير. وهي مكتوبة بأسلوب شعري رفيع وتعد من أكثر قصائده استبشارا. والقصيدة مكونة من أبيات فارسية وعربية، يتبع كل بيت من الشعر بالفارسية بيت آخر بالعربية، وفي هذا المزيج يجد القارئ نغما يزخر بالألحان فيه من الجمال والسحر ما لا يضاهى. أما موضوع القصيدة فيدور حول يوم الله الموعود.

في كل بيت من هذه القصيدة يشير حضرة بهاءالله إلى نفسه ويمجد خصائصه ويكشف عن جلال مقامه، وينعت نفسه -بالإضافة إلى ألقابه الأخرى- بسيد الوجود، ونجم صبح الحقيقة، وموعود كل الأزمنة، وفتى الفردوس، ومحيي العالم، وجوهر روح الحقيقة. وتعطينا القصيدة وصفا بليغا لمقامه الجليل ولطبيعة رسالته ولما يفيض من الوحي النازل عليه.

إن ترتيل هذه القصيدة الجميلة يخلق جوا من النشوة والابتهاج، ويحرك شغاف القلب ويثير في النفس مشاعر الرهبة والانفعال. ولا عجب أن رفاق حضرة بهاءالله في بغداد الذين كانوا ينشدونها في مجالسهم كانوا يحلقون بعيدا في عوالم الروح وقد نسوا كلية هذا العالم وأهله.

قصيدة "هلة هلة يا بشارت"

وهناك قصيدة أخرى أنزلها حضرة بهاءالله باللغة الفارسية تعرف بـ"هلة هلة يا بشارت" مشابهة تماما بمضمونها لقصيدة "أز باغ إلهي".

وفي رواياته التي لم تنشر بعد، ذكر النبيل قصة ذلك الاجتماع الذي عقد في إحدى الليالي في بيت حضرة بهاءالله في بغداد قبل إعلان دعوته بوقت قصير، واعتبره النبيل من أكثر الاجتماعات ميزة في حياته.

ففي تلك الليلة تم الإعداد لوليمة رائعة، وكان حضرة عبدالبهاء، ذو الثمانية عشر ربيعا، هو المضيف. وبالطبع فإن شبابه الغض وشخصيته المتألقة أضفيا على الاجتماع ميزة خاصة. وكان من بين الحضور مؤمنون من بغداد وكربلاء منهم شخصيات رفيعة الشأن مثل الحاج السيد جواد الكربلائي والشيخ سلطان والسياح.

وبعد تناول الطعام أخذ الجمع يرتل ألواح حضرة بهاءالله وسرعان ما شحن الجو بالروحانية وطفحت القلوب بمحبة الله وتنورت الأرواح بنور اليوم الجديد، ولذلك عندما أنشدت قصيدة "أز باغ إلهي" اتضحت أسرارها كاشفة عن اقتراب ساعة إزاحة الستار عن مقام حضرة بهاءالله الإلهي. وغرقت كل روح مخلصة في ذلك الاجتماع في بحور النشوة والحبور وامتلأ الجو بالحياة واهتزت الروح طربا وجذلا.

وأثناء ترتيل القصيدة وقعت حادثة طريفة. ففي أحد الأبيات يستنكر حضرة بهاءالله أعمال من يخونونه من أتباعه، وعندما تلي البيت الخاص بذلك استدار المؤمنون نحو السيد محمد

الإصفهاني. ومع أنه بدا مرتبكا إلا أنه نهض، وسط دهشة بعض الحاضرين واستمتاع الآخرين، وأخذ يرقص وكأنه تملكه الطرب محاولا إزالة شكوكهم.

ودون سابق إنذار فتح الباب ودخل حضرة بهاءالله بعظمته وجلاله وبيده زجاجة صغيرة من ماء الورد. وحيا الحضور بتحية "الله أكبر"(1) وأشار إليهم بعدم الوقوف احتراما حتى لا يقطع اجتماعهم، وصرح بأنه شعر بروحانية المجلس ولذلك أتى ليكرم ضيوفه ويعطرهم بماء الورد،(2) وهكذا مر على كل واحد منهم بغاية اللطف والكرم ثم غادر الغرفة.

كانت تلك ذروة عظمة تلك الأمسية وأسمى ما فيها. وفارق النوم كافة الحاضرين في تلك الليلة لأنهم سكروا بخمر حضوره. وكتب النبيل قائلا: "لم تر عين الإمكان شبها لتلك الليلة".

_____________________________________________________________________

(1) بهذه العبارة كان البابيون يحيون بعضهم البعض.

(2) كان تقديم ماء الورد في تلك الأيام يعد تكريما للضيف.

صفحة خالية
الفصل الثالث عشر
الأحباء والخصوم
الحاج السيد جواد الكربلائي

الحاج السيد جواد الكربلائي شخصية بارزة من أتباع حضرة بهاءالله في العراق. قدم خدمات جلى للأمر المبارك وخصه النبيل بالذكر في القصة السالفة، وقد سبق ذكره في فصول سابقة من هذا الكتاب.

كان من أبرز تلاميذ السيد كاظم الرشتي. وفي ريعان شبابه قابل الشيخ أحمد الأحسائي، مؤسس الشيخية، وتميز بين رفاقه بالعلم والمعرفة والاستقامة والتقوى. كان محافظا في كلامه ولبقا لطيفا في سلوكه وصاحب شخصية جليلة محببة للناس.

كان الحاج السيد جواد من أوائل المؤمنين بالدين البابي، عرف حضرة الباب قبل إعلان دعوته بسنوات، وكان حضرته آنذاك ما يزال في مرحلة الطفولة، فأُخِذ بما استلفت الأنظار من حميد الخصال ونبيلها المتمثلة في شخصه الكريم. ذهب السيد جواد بعد بضع سنوات إلى بوشهر، وأقام نحوا من ستة أشهر في البيت التجاري الذي كان يشغله حضرة الباب وخاله. وهناك ازداد تعلقا بشخص حضرة الباب وفاز بالورود في محضره عدة مرات، ولكن لم يخطر بباله أبدا أن يكون الموعود المنتظر عند المسلمين من غير رجال الدين أو علمائهم.

وفي رواية شفهية لميرزا أبي الفضل، أحد علماء الأمر البارزين، يتذكر الحاج السيد جواد، بكل شوق، تلك الظروف

التي قادته إلى اعتناق أمر حضرة الباب في كربلاء.

... كان ذلك في عام 1844م عندما عاد الملا علي البسطامي إلى كربلاء قادما من شيراز يحمل معه أنباء ظهور حضرة الباب، وإنه مع تلاميذ آخرين تشرفوا بمحضره. هذا الخبر الذي انتشر سريعا أدهش إلى حد كبير أولئك العلماء الذين يثقون بالملا علي لاستقامته ووقاره.

ولم يذكر الملا علي سوى لقب حضرة الباب ورفض الكشف عن شخصيته وكان يقول: "لقد ظهر حضرة الباب وبعضنا حظي بلقائه. ومنعنا عن ذكر اسمه أو الكشف عنه أو عن عائلته في الوقت الحاضر، وعما قريب ستدوي رسالته في الأرجاء وينكشف اسمه للخلق كافة".

أحدث هذا النبأ هياجا في العراق، وأصبح ظهور حضرة الباب موضوع النقاش في كافة الاجتماعات وأخذ بعض الناس يحزرون هويته بالحدس، ولم يتجه الشك أبدا نحو ميرزا علي محمد على أنه الباب كونه شابا وتاجرا، حيث كان الناس قاطبة يعتقدون أن حضرة الباب، وهو باب معرفة الله، سيكون من بين العلماء لا من التجار والمهنيين خاصة وأن أتباع الشيخية كانوا يعتقدون أن حضرة الباب سيكون أحد أبرز تلاميذ السيد كاظم الرشتي.

وفي أحد الأيام دعوت الملا علي إلى منزلي... فتحدثنا عن هذا الحدث العظيم، وبالرغم من روابط المحبة والأخوة بيننا، لم أستطع أن انتزع منه ما يعينني على التعرف على شخص حضرة الباب. وأخيرا تملكني اليأس وأمسكت بيده مازحا ودفعته نحو الحائط... واقتربت منه وأمسكته وطلبت منه الإفصاح عن اسم ذلك الشخص العظيم. إلا أنه بكل هدوء أعلمني أنه ممنوع من ذلك... وأثناء حديثه ذكر الملا

علي، بطريقة عفوية، أن حضرة الباب طلب منه أن يعمل على جمع أية رسائل سبق أن كتبها حضرته لأشخاص في كربلاء ثم إعادتها إلى شيراز.

ولدى سماعي ذلك، ذهبت بتفكيري فجأة إلى ميرزا علي محمد، وتعجبت في نفسي هل يكون هو نفسه المعني مع أن هذه الفكرة كانت بعيدة عني. هرعت إلى غرفتي وأحضرت بعض الرسائل التي تسلمتها منه. وما أن شاهد الملا علي خاتم حضرة الباب عليها حتى انفجر بالبكاء، ولم أتمالك نفسي عن البكاء أيضا لأنني كنت مفعما بالعواطف. وبينما هو كذلك، أخذ يناشدني قائلا: "لم أذكر لك اسمه، أرجوك عدم ذكر اسمه لأحد..."

ولم يمض وقت طويل حتى كشف حضرة الباب عن مقامه في مكة المكرمة وانتشرت أخبار ذلك في العالم الإسلامي وأعلن للملأ اسمه.(1)

وبعد هذه المقابلة بفترة قصيرة سافر الحاج السيد جواد إلى شيراز وتشرف بمحضر حضرة الباب، وفي هذه المرة كان مؤمنا مشتعلا حبا وحماسا، فكرس حياته لخدمة الأمر المبارك في كربلاء، وفي هذه المدينة أيضا كانت مقابلته الأولى بحضرة بهاءالله عام 1851م حيث أدرك عظمته لأول وهلة ولكنه لم يصل إلى إدراك مقامه السامي إلا في وقت لاحق.

وفيما يلي ترجمة لروايته الشفهية في وصفه لقاءه الأول بحضرة بهاءالله:

"... كنت في كربلاء عندما علمت بوصول حضرة بهاءالله إلى هذه المدينة حيث كان الحاج السيد محمد

الإصفهاني(1) أول من أبلغني بذلك.

فقبل أن أتشرف بمحضره الأنور توقعت أن أقابل شابا ابن وزير رفيع النسب وليس شخصا واسع الحكمة والمعرفة. وبرفقة بعض الأصدقاء ذهبت لمقابلة حضرة بهاءالله، وكانت من عادة أصدقائي ألا يدخل أحد منهم الغرفة قبلي، وهكذا كنت أول من دخل الغرفة وأخذت مقعد الشرف في ذلك الاجتماع.

وبعد تبادل التحيات التفت حضرة بهاءالله إلى الحضور وسألهم عن المواضيع التي اعتادوا بحثها حين يجتمعون بصفتهم تلاميذ السيد،(2) فهل كانوا يناقشون المسائل الدينية المتداولة بين الناس؟ ثم سألهم أيضا ماذا هم فاعلون لو أظهر الله نفسه للبشر وألغى الأفكار والتعاليم القديمة وأنزل تعاليم جديدة، فاتحا صفحة جديدة من المعرفة الإلهية؟ وأضاف إلى كل ذلك سؤاله الأخير عن الموقف الذي سيتخذونه إذا ما حدث ذلك.

وتحدث حضرة بهاءالله في هذا السياق بعض الوقت، وسرعان ما أدركت أننا كرجال علم ومعرفة قابعون في أدنى دركات الجهالة بينما الذي اعتبرناه مجرد شاب نجل وزير يتبوأ شوامخ الإدراك والحكمة.

بعد هذه الحادثة، وكلما تشرفت بمجلسه كنت أجلس عند قدميه بخضوع تام وأمتنع عن الحديث، وكنت دائم الاستماع إليه بانتباه شديد للإفادة من علمه ومعرفته، إلا أن موقفي هذا غالبا ما كان يزعج صديقي الحاج السيد محمد حتى أنه وبّخني مرة قائلا: لنفترض أن الجميع متفقون على أن جناب البهاء هو في منزلتنا، فلماذا تجلس بصمت وتبدي له مثل هذا القدر من الخضوع؟"

_____________________________________________________________________

(1) دجال الدورة البهائية.
(2) السيد كاظم الرشتي.

رجوت صديقي ألا يغضب مني، وأخبرته بأنني لا أستطيع تحديد مقام له، ولا أعتبره واحدا منا، معاذ الله. إنه في نظري شخص فريد لا نظير له.(2)

في بداية عام 1852م غادر حضرة بهاءالله كربلاء إلى موطنه، وهناك سجن بعد بضعة أشهر في سياه ﭽال في طهران. وبعد إطلاق سراحه من تلك الزنزانة ونفيه إلى العراق، كان الحاج السيد جواد في كربلاء آنذاك. وطيلة فترة إقامة حضرة بهاءالله في العراق مدة عشر سنوات كان رفيقا مخلصا له وأدرك مقامه بحق قبل إعلان دعوته.

وعندما نفي حضرة بهاءالله إلى أدرنة، غادر الحاج السيد جواد إلى بلاد فارس وقضى حياته خادما متميزا للأمر المبارك في أجزاء مختلفة من البلاد، وبقي ثابتا مخلصا إلى أن توفي في كرمان حوالي عام 1882م.

بعض الأعداء الأقوياء

في الوقت الذي كان أصحاب حضرة بهاءالله ينعمون بإشراق شمس محضره الأنور وكانت حظوظ الدين آخذة في الصعود، بدأت حملة من الاعتراض والعداوة تتصعد ضد صاحب الدين، ولاحت في الأفق نتائج الدسائس التي حاكها عدد من العلماء بقيادة ماكرة خبيثة تزعمها الشيخ عبد الحسين بمساعدة ميرزا بزرك خان، القنصل الفارسي في بغداد، والذي أشير إليه في فصل سابق.

فرسائلهما المحشوة بالافتراءات والتهم ضد حضرة بهاءالله

سعت إلى تشويه حقيقة دينه وبدأت تترك آثارا سلبية في نفس ناصر الدين شاه المستبد. وكان وزير خارجية الدولة الفارسية، ميرزا سعيد خان، قد أبدى دهشته من ثبات حضرة بهاءالله وشجاعته في وجه المعارضة المتنامية من قبل أعدائه الأقوياء. ومع هذا، فبدل أن يسعى لدى الشاه إلى التخفيف من شكوكه ومخاوفه، قام على تنفيذ أوامره بكل دقة دون أن يتدخل في الأمر، وكانت أوامر الشاه تقضي بالطلب من السفير الفارسي في الآستانة، الحاج ميرزا حسين خان، مشير الدولة، إقناع الحكومة العثمانية بضرورة إبعاد حضرة بهاءالله عن بغداد، لأن وجوده في مدينة قريبة من الحدود الفارسية سيلحق الضرر بسكانها. وأرسل لهذه الغاية مبعوثا خاصا من طهران إلى الآستانة، لحثّ السفير على مقابلة عالي باشا، رئيس وزراء السلطان، وفؤاد باشا، وزير خارجيته، وبحث الوضع برمته والحصول على أمر السلطان بترحيل حضرة بهاءالله من بغداد.

في هذه الرسالة يهاجم ميرزا سعيد خان جماعة البابيين على أنهم فئة ضالة بغيضة ويؤكد أنه قد استؤصلت جذورها بجهود الحكومة والشاه نفسه. وينوّه إلى ضرورة إبادة كل فرد فيها، ويدين إطلاق سراح حضرة بهاءالله من سياه ﭽال، ويرجعه إلى عدم حكمة الحكومة آنذاك. ويتهم حضرة بهاءالله بأنه مصدر الأذى وأنه يقوم سرا بتضليل الجهّال والضعفاء، ويعبر وزير الخارجية الفارسي أيضا عن قلقه من ارتفاع مكانة حضرة بهاءالله في بغداد وازدياد أتباعه الذين يفدون بأنفسهم في سبيله. وتأكيدا لما يساوره من مخاوف يذكر الوزير بيتا مشهورا من الشعر العربي هو:

أرى خلف الرماد وميض نار ويوشك أن يكون له ضرام

ويسترسل في رسالته تلك في الحديث عن العلاقة الحميمة

والنوايا الطيبة التي تربط الشعبين الإسلاميين المتحدين في المصالح الحيوية المشتركة، ثم يذكر أن الشاه أمره بإرسال هذه الرسالة مع مندوب خاص إلى الآستانة ليقوم السفير، بلا تأخير، بعرض القضية على رئيس وزراء السلطان ووزير خارجيته باسطا أمامهما حلّين يمكن تحقيقهما. الأول، وهو الذي تفضله الحكومة الفارسية، يقضي بإصدار الأمر إلى نامق باشا، حاكم بغداد، بتسليم حضرة بهاءالله وبعض أتباعه للسلطات الفارسية في كرمنشاه. وبهذه الطريقة تضمن الحكومة الفارسية حجزهم في مكان مناسب ومنعهم من نشر عقيدتهم. وإذا لم يلق هذا الاقتراح قبولا لدى حكومة السلطان يقترح ميرزا سعيد خان حلا بديلا يقضي بترحيل حضرة بهاءالله إلى جزء ناء من الأقاليم العثمانية بعيدا عن الحدود الفارسية.

وحتى يدعم موقفه من هذه القضية، أرفق ميرزا سعيد خان برسالته تلك الرسالة التي بعث بها ميرزا بزرك خان، القنصل العام في بغداد، إلى الشاه بواسطة حاكم كرمنشاه، والتي دس فيها الأكاذيب والروايات الخطيرة والافتراءات المنسوبة إلى حضرة بهاءالله. إلا أنه من وقت لآخر كانت تصل السلطان تقارير عن خصال حضرة بهاءالله النبيلة وصفاته المميزة والتي أعجب بها السلطان كل الإعجاب فحفزه ذلك على رفض مطالب الحكومة الفارسية بتسليم حضرة بهاءالله إليها رفضا تاما. وبدل ذلك أصدر أمره بواسطة عالي باشا أن يسافر حضرة بهاءالله إلى الآستانة لينزل ضيفا على الحكومة العثمانية كما أمر أن يرافقه في سفره مجموعة من الفرسان لحراسته وحمايته.

وفي تلك الأثناء كان المؤمنون في بغداد سعداء مبتهجين لأنهم كانوا في معية حضرة بهاءالله وبقربه، ولم يكن أحد يعلم بما يدبّر لهم في الخفاء.

صفحة خالية
الفصل الرابع عشر
"لوح ملاح القدس"

بمناسبة حلول عيد النوروز(1) عام 1863م نصب حضرة بهاءالله خيمته وسط مزرعة في ضواحي بغداد تعرف باسم مزرعة الوشاش. وهو مكان استأجره له أخوه المخلص ميرزا موسى. واحتفل حضرته بالعيد مع أصحابه الذين نصبوا خيامهم أيضا في الفسحة المجاورة. وفي مثل ذلك الوقت من السنة، ومع ابتداء فصل الربيع واعتدال الطقس، تغدو النزهة ممتعة للغاية، خاصة وأن حضرة بهاءالله كان يعشق الريف وقضاء وقت فيه مستمتعا بجمال الطبيعة ومناظرها الخلابة.

وفي اليوم الخامس بعد النوروز نزل "لوح ملاح القدس". وخرج إثر ذلك ميرزا آقا جان، كاتب الوحي، من خيمة حضرة بهاءالله ومعه اللوح، فجمع الأحباء حوله وتلا عليهم ذلك اللوح الملئ بالأسى. ومع أن حضرة بهاءالله قد لمح في السنة الأخيرة لمكوثه في العراق، وفي عدة مناسبات، إلى الامتحانات والمحن القادمة، إلا أن أصحابه ومرافقيه لم يشعروا بالحزن بمثل ما شعروا في ذلك اليوم.

وسجل النبيل، الذي شهد الحدث، الكلمات التالية:

_____________________________________________________________________

(1) احتفال قديم يقيمه الإيرانيون في اليوم الأول من العام الجديد عندهم حين تدخل الشمس برج الحمل وعادة ما يكون في 21 آذار. وفي ذلك اليوم يبدأ التقويم البهائي أيضا ويعتبر من الأعياد البهائية. أما في نوروز عام 1863م فصادف أن وقع في 22 آذار لأن انتقال الشمس حدث بعد غروب يوم 21 آذار.

"تلاطمت بحار الأسى في القلب حين قرىء "لوح ملاح القدس"... وكان من الواضح لكل فرد أن فصل بغداد يوشك أن ينتهي، وأن فصلا جديدا يوشك أن يبدأ. وما كاد هذا اللوح يقرأ حتى أمر حضرة بهاءالله بأن تطوى الخيام المضروبة وأن يعود كل أصحابه إلى المدينة. وبينما كانت الخيام تطوى قال: (ما أشبه هذه الخيام بمتاع الدنيا وزخرفها، ما أن ينتشر وينبسط حتى يكرّ عليه الدهر فيطويه).(1)

وأضاف النبيل أن الخيام ما كادت تطوى حتى وصل مبعوث نامق باشا، والي بغداد وسلم حضرة بهاءالله مذكرة خطية تدعوه إلى مقابلة الوالي في مقره الحكومي. ومع أن حضرته قبل الدعوة إلا أنه اقترح أن يتم اللقاء في أحد مساجد المدينة في اليوم التالي لعدم رغبته في مقابلة رجال السلطة في مقر الحكومة.

كان نامق باشا -كسلفه- يكنّ لحضرة بهاءالله كل التقدير والإعجاب ويدرك علمه اللدني ومقامه الرفيع حتى أنه أحجم بنفسه، مدة ثلاثة شهور، عن الحضور لإبلاغ حضرته بقرار الحكومة العثمانية بوجوب الانتقال إلى الآستانة. ولما أمره الصدر العالي للمرة الخامسة بتدبير أمر النقل، اتخذ نامق باشا هذه الخطوة مكرها، ولشعوره بالخجل من مواجهة حضرته في المسجد، أرسل نائبه أمين أفندي لتسليمه المذكرة. وعندما كان حضرة بهاءالله في حديقة الرضوان، بعد عدة أسابيع، تشرف نامق باشا بمحضره الأنور وقدم فروض الاحترام لمن كان يعتبره علما لامعا من أعلام العصر.

نزل "لوح ملاح القدس" في جزأين، بالعربية والفارسية، ويتحدث بشكل رئيس عن الميثاق وعدم وفاء الناس به. ولا ينحصر هدف اللوح على فترة ولاية حضرة بهاءالله وحدها بل

يشمل فترة ولاية كل من حضرة عبدالبهاء وحضرة شوقي أفندي بالإضافة إلى ما يتبع ذلك من الفترات حتى وقتنا الحاضر. ويتفضل حضرة عبدالبهاء عن هذا اللوح: تفكروا في "لوح ملاح القدس" لتدركوا الحقيقة، وكيف أن الجمال المبارك أنبأ بكل الأحداث المقبلة وفي ذلك عظة للمتبصرين!(2)

لم يكن حضرة عبدالبهاء ليحث أحباءه على دراسة هذا اللوح خلال فترة ولايته فحسب، خاصة عندما نقض الناقضون ميثاق حضرة بهاءالله وعهده، بل حثهم على دراسته ثانية قبل صعوده بفترة قصيرة، لأنه كان يعلم حق العلم أن قليلا من أتباعه سوف ينقضون الميثاق ويرفعون علم العصيان أمام ولي أمر الله حضرة شوقي أفندي.

يستخدم "لوح ملاح القدس" لغة الرموز والإشارات، وعلى القارىء أن يلم بالحقائق الروحانية المكنوزة في آثار حضرة بهاءالله والتمعن فيها حتى يفهم هذه اللغة ويقدّرها. ومع أن الكناية والمجاز يشيران إلى معان عدة، إلا أن حضرة بهاءالله تنبأ بوضوح تام بأحداث قادمة وكشف عن بعض جوانب العهد والميثاق.

وفيما يلي النص العربي لـ"لوح ملاح القدس":
هو العزيز المحبوب

أن يا ملاح القدس فاحضر سفينة البقا في ملأ الأعلى فسبحان ربي الأبهى. ثم أمسكه على بحر القدم ببديع من الأسماء فسبحان ربي الأبهى. ثم أركب عليها هياكل الروح باسم الله العلي الأعلى فسبحان ربي الأبهى. إذا فأطلق زمام الفلك ليجري على قلزم الكبرياء ليصل أهلها إلى مواقع القرب في مكمن البقاء فسبحان ربي الأبهى. وإذا وصلتهم إلى شاطىء

القدس ساحل بحر الحمراء فسبحان ربي الأبهى. إذا فأخرجهم عن الفلك في هذا المقام الألطف الأخفى فسبحان ربي الأبهى. وهذا مقام الذي فيه تجلى الله بنار الجمال في سدرة البقاء فسبحان ربي الأبهى. وفيه خلعوا هياكل الأمر نعل النفس والهوى فسبحان ربي الأبهى. وفيه يطوف موسى العز بجنود البقاء فسبحان ربي الأبهى. وهذا مقام الذي خرج فيه يد الله عن رداء الكبرياء فسبحان ربي الأبهى. وهذا مقام الذي لن يحرك فيه سفينة الأمر ولو يقرء عليها كل الأسماء فسبحان ربي الأبهى. إذا يا ملاح القدس علم أهل السفينة ما علمناك خلف حجبات العماء فسبحان ربي الأبهى. لئلا يعطلون في وادي الكثيب البيضاء فسبحان ربي الأبهى. ويطيرون بجناحين الروح إلى مقام الذي قدسه الله عن الذكر في ممالك الإنشاء فسبحان ربي الأبهى. ويتحركون في الهواء كطيور القرب في جبروت اللقاء فسبحان ربي الأبهى. ويطلعون بالأسرار في لجج الأنوار فسبحان ربي الأبهى. وانقطعوا منازل التحديد حتى وصلوا إلى مقام التوحيد في مركز الهدى فسبحان ربي الأبهى. وأرادوا أن يصعدوا إلى مقام الذي جعله الله فوق مراتبهم إذا أطردهم شهاب الدري من سكان ملكوت اللقاء فسبحان ربي الأبهى. وسمعوا لحن الكبرياء عن وراء سرادق الغيب في مكمن السناء فسبحان ربي الأبهى. بأن يا ملائكة الحفظ أن أرجعوا هؤلاء إلى مواقعهم في ناسوت الإنشاء فسبحان ربي الأبهى. لأنهم أرادوا أن يطيروا في هواء الذي ما طارت فيه أجنحة الورقاء فسبحان ربي الأبهى. ولن يحرك فيه سفائن الظنون ولا أفئدة أولي النهى فسبحان ربي الأبهى. إذا أخرجت حورية الروح رأسها عن غرفات الأعلى فسبحان ربي الأبهى. وأشارت بطرف حاجبها إلى ملأ القدسا فسبحان ربي الأبهى. وأشرقت

أنوار جبينها من الأرض إلى السماء فسبحان ربي الأبهى. ووقع إشراق الجمال على أهل الأرض والتراب إذا اهتزت هياكل الوجود عن قبور الفناء فسبحان ربي الأبهى. ثم نادت بلحن الذي ما سمعه أذن السمع في أزل القدما فسبحان ربي الأبهى. وقالت تالله من لم يكن في قلبه روائح الحب من الفتى العراقي النوراء فسبحان ربي الأبهى. لن يقدر أن يصعد إلى رفرف الهاء في هذا الجبروت القصوى فسبحان ربي الأبهى. إذا أمرت جارية من جواريها الأحلى فسبحان ربي الأبهى. فقالت انزلي من قصور البقاء على هيكل الشمس في هذا الفضاء فسبحان ربي الأبهى. ثم التفتي إليهم فيما أسروه في سرائر سرهم الأخفى فسبحان ربي الأبهى. فإن وجدت روائح القميص عن غلام الذي ستر في سرادق النور من أيادي الأشقياء فسبحان ربي الأبهى. إذا صيحي في نفسك ليطلع بذلك كل من سكن في غرفات الفردوس من هياكل الغنا فسبحان ربي الأبهى. وينزلن كلهن عن غرف البقاء فسبحان ربي الأبهى. ويقبلن أرجلهم وأيديهم لما طاروا في هواء الوفاء فسبحان ربي الأبهى. ولعل تجدن روائح المحبوب عن قميص هؤلاء فسبحان ربي الأبهى. إذا أشرقت حورية القرب عن أفق الغرفات كإشراق وجه الغلام عن أفق الرداء فسبحان ربي الأبهى. ونزلت بطراز أشرقت السموات وما فيها فسبحان ربي الأبهى. وحركت في الهواء إذا عطرت كل الأشياء في أراضي القدس والسناء فسبحان ربي الأبهى. فلما بلغت إلى المقام قامت كخط الاستواء في قطب البداء فسبحان ربي الأبهى. ثم استنشقت منهم في زمان الذي ما يجري عليه حكم الابتداء ولا ذكر الانتهاء فسبحان ربي الأبهى. وما وجدت منهم ما أرادت وهذا من قصص العجباء فسبحان ربي الأبهى. ثم صاحت وضجت ورجعت إلى مقامها في قصرها الحمراء

فسبحان ربي الأبهى. ثم تكلمت بكلمة سرية تحت لسانها الروحي فسبحان ربي الأبهى. ونادت بين ملأ الأعلى وحوريات البقاء فسبحان ربي الأبهى. تالله ما وجدت من هؤلاء المدعين من نسمات الوفاء فسبحان ربي الأبهى. وتالله بقي الغلام في أرض الغربة وحيدا فريدا بين أيادي الفسقا فسبحان ربي في لاهوت الحزنا. وبعد ذلك صرخت في نفسها بصريخ الذي أصرخت وتزلزلت أهل ملأ الأعلى فسبحان ربي الذي تردى برداء السوداء ووقعت على التراب وماتت كأنها دعيت وأجابت من دعاها في لاهوت العماء فسبحان من خلقها من جوهر الحبا فسبحان ربي الأبهى. إذا أخرجن عن الغرفات حوريات ما وقعت على جمالهن عيون أحد من أهل جنان الأسنا فسبحان ربي الأبهى. وجمعن عليها وجدن جسدها مطروحة على التراب الغبراء فسبحان ربنا الأعلى. فلما شهدن حالها وعلمن حرفا من قصص الغلام عررن رؤسهن وشققن ثيابهن ولطمن على وجوههن وبدلن عيشهن وبكين بعيونهن وضربن بأيديهن على خدودهن وهذا من مصائب الخفي الأخفى فسبحان ربنا العلي الأعلى.(3)

يشير حضرة بهاءالله في هذا اللوح إلى نفسه بأنه "ملاح القدس"، وإلى أتباعه بأنهم "أهل السفينة". وفي آثاره عامة فإن اصطلاح السفينة (الفلك) غالبا ما يرمز به إلى أمر الله وميثاقه. وكل من دخل فيه نجا وأمن وأبحر نحو شاطىء الخلاص وتنور بنور الله.

ويومىء حضرة بهاءالله في فاتحة اللوح إلى عظمة ظهوره، وهي العظمة السامية فوق الإدراك، وإلى أن ظهوره هذا هو "الذي فيه تجلى الله بنار الجمال في سدرة البقاء". "وفيه يطوف موسى العز بجنود البقاء". ثم يشهد بعد ذلك بأن الذي كلم موسى في طور سيناء، قد ظهر اليوم أمام الناس حتى يتمكن المؤمنون -

ممن ركبوا في "سفينة البقا" وكانوا "هياكل الروح"- من الوصول "إلى مواقع القرب في مكمن البقاء" إذا ما طهرت قلوبهم وصفت نفوسهم.

وحتى نقف على أهمية هذا اللوح المبارك، علينا أن نعي أن بظهور حضرة بهاءالله قد ظهر يوم الله الموعود، وبه فاز عالم الناسوت بأبدع المواهب والعطايا.

وفي ثنايا كتاباته تكثر الإشارات إلى عظمة ظهوره. نقتطف هنا بعضها من ألواحه(1):

"إن المقصود من الخليقة هو ظهور هذا اليوم الأمنع الأقدس المعروف في الكتب والزبر والصحف الإلهية بيوم الله. يوم كان الأنبياء والمرسلون والأصفياء والأولياء المقربون يرجون لقاءه". "إن سلطان ما جرى من لسان الملل الأولى وأقلامهم، قد نزل في الحقيقة في هذا الظهور الأعظم من سماء مشية مالك القدم". (160-161)

"تالله الحق تلك أيام فيها امتحن الله كل النبيين والمرسلين ثم الذين هم كانوا خلف سرادق العصمة وفسطاط العظمة وخباء العزة". "لو ظهر مقام هذا اليوم لفدى كل نفس بمائة ألف حياة على هذه الأرض فكيف بترابها وزخارفها". (164)

"لعمري إن الأمر عظيم عظيم واليوم عظيم عظيم".

_____________________________________________________________________

(1) أخذت هذه الفقرات من كتاب "ظهور العدل الإلهي" لحضرة شوقي أفندي، وتظهر أرقام الصفحات في النسخة الفارسية بعد كل فقرة.

"بشر كل نبي بهذا اليوم وناح كل رسول حبا لهذا الظهور". "ما أن أشرق هذا الظهور من سماء إرادة الرحمن حتى نادت ألسن الكائنات: الملك لله العلي العظيم". (161)

"حقا أقول لم يدرك أحد أصل هذا الأمر". "في هذا اليوم على الكل أن ينظروا بالعين الإلهية ويسمعوا بالأذن الرحمانية. من ينظرني بعين غيري لن يعرفني أبدا. لم يقف أحد من المظاهر السابقين على كيفية هذا الظهور بتمامه إلا على قدر معلوم". (160)

"إن هذا اليوم يوم عظيم. وهو مذكور ومسطور في الكتب والصحف المقدسة بيوم الله. ومن هذا البيان عظمة هذا اليوم ظاهرة ومشهودة. لقد فدى الأنبياء والرسل بأرواحهم وأنفسهم شوقا لهذا اليوم المبارك، وتحسرت لوصاله الملل والأقوام الماضية". (161)

"هذا يوم فيه فازت الآذان بإصغاء ما سمع الكليم في الطور والحبيب في المعراج والروح إذ صعد إلى الله المهيمن القيوم". (163)

إنه فضل إلهي لا يعادله فضل في الوجود أن يولد الإنسان في هذا اليوم الجليل ويحظى بألطاف كهذه، وما هذا الفضل إلا امتياز مثقل بالمسئوليات الجسام أيضا. ذلك أن مهمة المؤمن بعد الإقرار بمظهر أمر الله هي إطاعة أوامره وأحكامه بإخلاص. وإنه بدون ولاء مثل هذا وتفان ممتد إلى أعماق القلب لن يكون ثبات على العهد والميثاق. إن مصير المؤمن الحقيقي وما يمكن أن يرقى إليه من سمو يعتمدان على إخلاصه ووفائه لأمر الله.

عندما يفوز المؤمن بعرفان حضرة بهاءالله ويدرك مقامه فإنه يدخل "الفلك" وتتحرر لديه الطاقات الروحية الكامنة بفضل قوة محبوبه وبإلهامات كتاباته فتهبه القدرة على التسامي والتعمق في أمر الله، إلا أنه في الوقت نفسه ستتضاعف الامتحانات أمامه لأن إيمانه سيمتحن بشتى الطرائق والسبل. فبعضهم بالمعاناة والاضطهاد وآخرون بالمشاحنات الروحية التي قد تدوم العمر كله. أما إذا تسلح الفرد بإيمانه واستعد في كل وقت أن تذوي إرادته في إرادة مولاه فإنه سيفوز في النهاية لا محالة، أما غبار الأنانية وهوى النفس ولوث الدنيا فإنها عوائق تحول دون تقدمه الروحي وقد تطفىء لديه شعلة الإيمان في النهاية.

إن المؤمن الصادق في هذا اليوم يمكنه بلوغ أسمى المقامات شأنا، فقد انبثق نور يوم الله بمجئ حضرة بهاءالله الذي أشرق ببهائه على العالمين، وغمر بفيوضات بحر ظهوره عالم الوجود كله، وبعث في الإنسانية مواهب جديدة. وفي ما يلي كلمات حضرة بهاءالله يصف بها مقام المؤمن الصادق:

"يا أهل البهاء قد جرى كوثر الحيوان لأنفسكم أن اشربوا منه باسمي رغما للذين كفروا بالله مالك الأديان. قد جعلناكم أيادي الأمر أن انصروا المظلوم إنه ابتلي بين أيدي الفجار إنه ينصر من نصره ويذكر من ذكره يشهد بذلك هذا اللوح الذي لاح من أفق عناية ربكم العزيز الجبار."

"طوبى لأهل البهاء! يشهد الله أن هذا الجمع هو قرة عين الخليقة ونور بصيرة الإبداع والفطرة. بوجودهم تزينت عوالم الله وتطرز اللوح المحفوظ السبحاني بطراز بديع. هم النفوس التي ركبت سفينة الاستقلال وأبصارهم متوجهة إلى مطلع الجمال. حبذا لهم بما وفقوا إلى ما أراده ربهم العليم الحكيم. بأنوارهم تزينت السموات واستنارت وجوه

المقربين". "قسما بحزن جمال ذو الجلال قد قدر لكل مقبل مقاما إذا كشف عنه لأهل الأرض بأقل من سم الإبرة ليهلك كل ناظر شوقا له. لذا سترنا في هذه الحياة الظاهرة مقام المؤمنين عن أنظارهم". "لو كشف الغطاء لينصعق من في الإمكان من مقامات الذين توجهوا إلى الله وانقطعوا في حبه عن العالمين".(4)

كما أفاض قلم حضرة عبدالبهاء بالعبارات التالية:

"إن المقام الذي أعد لكل من أقر بهذا الأمر لهو عين المقام الذي أعد لأنبياء بني إسرائيل من غير أولي العزم".(5)

كل من حاز هذه المرتبة غدا رمز التفاني ونكران الذات، والتواضع والعبودية وسوف يفنى في ذاته ويحيا بذات الله. وهذا هو المؤمن الذي يستحق، كما تفضل حضرة بهاءالله في "لوح ملاح القدس" أن يكون ممن: "يطيرون بجناحين الروح إلى مقام الذي قدسه الله عن الذكر في ممالك الإنشاء". "ويتحركون في الهواء كطيور القرب في جبروت اللقاء". "ويطلعون بالأسرار في لجج الأنوار".

وفاز نفر من أصحابه بهذا المقام الرفيع، فأظهر هؤلاء إيمانا وتفانيا وتواضعا وتجردا لم تشهد له الإنسانية مثيلا في الدورات السابقة.

وتشرف آخرون بمحضره الأنور ينهلون من علمه اللدني ولكنهم كانوا عاجزين عن إظهار الخشوع والخضوع والتواضع والتسليم أمام المظهر الإلهي بسبب غرورهم وطموحهم الدنيوي. فعميت أبصارهم عن مشاهدة مقامه القدسي لأن الحسد والغيرة ملأت نفوسهم وهم يرون علو شأنه وازدياد نفوذه، وطمعوا في

أن يحظوا بمثل مقامه وأن ينالوا منزلة مثل منزلته.

خلق الإنسان حتى يحب الله ويعبده، ويؤمن برسوله ويطيعه، ويكون كل ما يتمناه الاستقامة في عبوديته وازدهار مناقبه الروحية. إلا أنه كان هناك من عرفوا مظهره واعترضوا عليه وسعوا بأنفسهم للوصول إلى مقامه. إن عملا كهذا يجلب على صاحبه غضب الله وقهره ومثلهم مثل الذين نقضوا عهد حضرة الباب وميثاقه أو عارضوا حضرة بهاءالله، أو نقضوا ميثاق حضرة بهاءالله وعارضوا مركز العهد والميثاق حضرة عبدالبهاء.

لهؤلاء النفوس وأمثالهم أنزل حضرة بهاءالله في "لوح ملاح القدس" ما يلي:

"وأرادوا أن يصعدوا إلى مقام الذي جعله الله فوق مراتبهم إذا أطردهم شهاب الدري من سكان ملكوت اللقاء... وسمعوا لحن الكبرياء عن وراء سرادق الغيب في مكمن السناء... بأن يا ملائكة الحفظ أن أرجعوا هؤلاء إلى مواقعهم في ناسوت الإنشاء... لأنهم أرادوا أن يطيروا في هواء الذي ما طارت فيه أجنحة الورقاء".

بهذه الكلمات يشير حضرة بهاءالله، لأول مرة وبكل وضوح، إلى أن أولئك الذين يجابهون مركز العهد وينقضون ميثاق الله سوف يطرحون خارج أهل البهاء.

إن "الشهاب الدري" يمكن أن يرمز إلى الأداة القادرة المقتدرة التي أسّسها حضرة بهاءالله لحماية أمره ألا وهي "عهده وميثاقه". ففي أيام ولايته كانت لحضرته وحده السلطة في طرد ناقضي العهد والميثاق ومن بعده انتقلت إلى حضرة عبدالبهاء ثم إلى حضرة شوقي أفندي بعد ذلك كولي لأمر الله. أما من قام على النقض في هذه الأيام فإن قرار طرده راجع إلى أيادي أمر الله

المقيمين في أرض الأقدس(1) ومنوط بتصديق بيت العدل الأعظم.

لم يسبق في تاريخ الأديان أن يحدد أي رسول إلهي الإجراءات المتعلقة بطرد من ينقض عهده وميثاقه أو من يناوئ من ضمن جماعته مركز عهده. وما هذه الإجراءات إلا ميزة فريدة من ميزات دين حضرة بهاءالله. فعن طريق هذه الإجراءات يتطهر أمر الله من الشوائب التي تعلق به من وقت لآخر، كذلك جسم الإنسان فيه من الأعضاء ما ينقي الدم من المواد السامة التي تلوثه أحيانا، فيتخلص منها في فترات متعاقبة، وهكذا فإن الأمر الإلهي قد منح مؤسسات تعمل بطبيعة تكوينها على تطهيره من العناصر الضارة الموجودة في صفوف أولئك المنضمين تحت لوائه.

حين أنزل "لوح ملاح القدس" كان الأخ الخائن غير الشقيق لحضرة بهاءالله، ميرزا يحيى والسيد محمد الإصفهاني وقلة آخرون، لا يزالون أعضاء في الجامعة البابية وعلى صلة وثيقة بها بالرغم مما ارتكبوه من خطايا وآثام. وقد تنبأ حضرة بهاءالله بمصيرهم في هذا اللوح. ولم تمض بضع سنوات كما سنرى في المجلد التالي من الكتاب، حتى طرد كل هؤلاء من جامعة الاسم الأعظم، ليستمر دين الله الفتي في نموه وتعاظم حيويته بعد تطهيره من تلك الشوائب.

‏يقوم بعض الناس بنقض الميثاق الإلهي ويخونون عهد صاحب الرسالة الإلهية. وفي ما سبق من الأديان نجح هؤلاء في بث الفرقة والتشيع في دين الله. غير أن الأمر اختلف في هذه الدورة التي تعد ثمرة كل الديانات والأدوار السابقة، فقد باءت بالفشل

_____________________________________________________________________

(1) تنحصر وظائف أيادي أمر الله في حماية الأمر ونشر نفحات الله كما بيّنها حضرة عبدالبهاء في وصيته وميثاقه. ومن منهم على قيد الحياة الآن كان قد عينهم حضرة شوقي أفندي.

المحاولات التي بذلت لخلق الفرقة والاختلاف رغم قيام العديد من داخل جامعة المؤمنين في مقاومة مركز الأمر الإلهي. ويذكر حضرة بهاءالله في أحد ألواحه أن أمر الله في هذا اليوم من العظمة بمكان بحيث تكون القوى التي تنبري لمعارضته على جانب كبير من العظمة أيضا، وأن هجوم المنكرين ضد أمر الله هجوم عنيف شرس. لقد قام ناقضو ميثاق حضرة الباب وحضرة بهاءالله على تقويض أركان الصرح الإلهي بكل ما أوتوا من قوة، وبالرغم من تكاتفهم فإنهم لم يتمكنوا من تحقيق هدفهم في تفتيت وحدة أمر الله. وما هذا الصمود إلا صفة من صفات هذا الأمر الفريد والمدعوم بميثاق إلهي ضمن لدين الله وحدته وسلامته.

إن كل ناقض لميثاق حضرة بهاءالله قد تم فصله وطرده من الجامعة. فالفرع السقيم في الشجرة يقطع مع أنه يظهر في البداية مفعما بالحياة، ولكنه لا يلبث أن يموت فريدا في عزلته. إنها حقيقة ماثلة أمام ناقضي الميثاق في هذا اليوم الذين تراءى لهم أنهم زرعوا الدمار والخراب بين صفوف الأتباع، إلا أنهم ببترهم من الشجرة الإلهية غابوا واندثروا بالكلية، وغربت عن الوجود سحابة نفوذهم ولا نرى منهم اليوم سوى الأسماء.

إن "حورية الروح" التي ذكرت في "لوح ملاح القدس" صورة شعرية مجازية ذكرها حضرة بهاءالله في آثاره المباركة للإشارة إلى نفسه أو لإحدى المواهب الإلهية، وفي بعضها كان يريد تجسيد "الروح الأعظم". وفي اللوح يشير إلى نفسه بأنه "الفتى العراقي النوراء" والغلام "الذي ستر في سرادق النور" والذي بقي "في أرض الغربة وحيدا فريدا بين أيدي الفسقا".

يحتوي اللوح على جواهر ثمينة من المعرفة وأودع فيه حقائق عديدة من حقائق أمر حضرة بهاءالله، ويمكن اكتشافها فقط من

خلال التعمق في أمره والتمعن في كلماته.

واللوح، باللغة الفارسية، يشبه في معظم أجزائه، اللوح بالعربية، إضافة إلى النصائح والإرشادات نفسها التي خص بها أتباعه. فمثلا حثهم على ألا يستبدلوا نعمة الحضور بين يديه بكل ما في الأرض والسماء، وألا يطلبوا القرب من سواه. ويذكرهم بأن القلب هو منزل المحبوب فلا يسمحوا لغريب أن يدخله، ويدعوهم أن يفيقوا من قبور النفس والهوى وينصحهم بالوفاء، فإن لم يتمكنوا من الوصول إلى أسمى ذروات التقى والانقطاع عليهم، على الأقل، أن يسعوا ليكونوا مخلصين وأن يبذلوا جهدا حثيثا ليعكس سلوكهم خبايا قلوبهم بصورة صادقة.

إن الإخلاص والوفاء سمة المؤمن الحقيقي وسجيته، فما أعظم الألم الذي ينزل بالمظهر الإلهي حين يخونه من يدعي الإيمان به، فلا يوجد هناك من ألم -أكان تعذيبا جسديا أو استشهادا- أشد من هذا الألم بالنسبة له.

عندما استمع أصحاب حضرة بهاءالله ومرافقوه إلى "لوح ملاح القدس" لأول مرة أصابهم شديد القلق والاضطراب، وأدركوا ما ألمح إليه اللوح من المحن والآلام التي سوف تصيب حضرته. وحقا كان الأمر كذلك. ففي اليوم التالي لنزول ذلك اللوح وصل قرار السلطان المفجع باستدعاء حضرة بهاءالله إلى الآستانة، وكانت ضربة قاصمة لكل محبيه في العراق رجالا ونساء وأطفالا. وفي تلك الليلة عفّ أصحابه المكلومون عن الطعام وهجروا النوم وتعاهد بعضهم على الانتحار دون تردد إذا حرموا من نعمة مرافقته إلى مكان نفيه. إلا أنه في النهاية هدأت خواطرهم بنفوذ كلماته ومحبته ولطفه، فرضوا بالقضاء واستسلموا لإرادة مولاهم.

ألواح أخرى نزلت في هذه الفترة

لم يعترض حضرة بهاءالله على قرار الحكومة بدعوته إلى الآستانة، وهذا ما أدهش السلطات في بغداد، وحقيقة القول فإن رسالة عالي باشا التي سلمت لحضرته في المسجد قد صيغت بأسلوب مؤدب، كما أن والي بغداد قد أبدى استعداده في نقل أية رسالة يرغب في إرسالها للصدر العالي (رئيس الوزراء) حتى لو حملت الاعتذار عن قبول الدعوة. إلا أنه قبل الدعوة، وكان مطلبه الوحيد أن يرافقه أهل بيته وبعض أصحابه ومرافقيه، وأن يعطوا مهلة شهر واحد استعدادا للرحيل.

وخلال هذه الفترة غمر حضرة بهاءالله أحباءه المحيطين به بفيض عارم من محبته وخاصة أولئك الذين كتب عليهم البقاء في بغداد، معدا إياهم لليوم الذي سوف يغادرهم فيه إلى الآستانة. وأظهر لهم رغبته الشديدة في أن تعكس حياتهم استقامتهم ونبل مقاصدهم، بالإضافة إلى إيمانهم وتألق أرواحهم. وبيده المباركة رقم لكل واحد منهم -حتى الأطفال منهم- لوحا مباركا، ملمحا في أغلبها إلى عصيان ميرزا يحيى وتمرده المرتقب ومتنبئا بحدوث أقسى أزمة داخلية، حاثا الأحباء على الاستقامة والثبات أمام قواصف التجارب والامتحانات.

ونذكر هنا اثنين فقط من الألواح العديدة التي نزلت في تلك الفترة القصيرة في بغداد هما "لوح بلبل الفراق" و"سورة الله".

"لوح بلبل الفراق" من الألواح الموجهة إلى الأحباء كافة، وفيها يذكرهم أن فترة القرب والوصال أزفت نهايتها، وأن بلبل الفردوس قد فارق غصنه لبناء عشه على غصن آخر، موبخا مثيري الفتن والعصيان على لجوئهم إلى "طيور الليل"(1) في وقت تسطع

_____________________________________________________________________

(1) مشيرا إلى ميرزا يحيى وبطانته.

فيه شمس الحقيقة في أوج بهائها. وقد جاءت كلمات حضرة بهاءالله في اللوح بلحن حرك القلوب عند سماعها وامتلأت حزنا وأسى بفكرة الفراق.

أما "سورة الله" فقد نزلت بحق مؤمن يُدعى محمد علي، ويخاطب فيه حضرة بهاءالله أهل البيان موبخا من عميت أبصارهم أو أظهروا الحقد نحوه مشيرا إلى موقفهم وأنه لو كان إنزال الآيات جريمة في نظرهم، فإنه ليس الوحيد في ذلك. فقبله كان حضرة الباب والنبي محمد والسيد المسيح وموسى عليهم السلام. فقد نزل الروح القدس على كل واحد من تلك النفوس الطاهرة ليبعثها ويؤيدها.

يكشف هذا اللوح الأخير لأهل البيان(1) عن عظمة مقام حضرة بهاءالله مؤكدا أنه لا مثيل له بين الخلائق أجمعين وأنه الحاكم القدير، وأن من أعرض عنه فقد أعرض عن الله، ومن أنكر دينه فقد أنكر كل الرسل من قبل.

وينصح حضرة بهاءالله من وجه إليه هذا اللوح، أن يبتعد عن أهل الظنون وينبذ الدنيا شاخصا بصره إلى ظهوره الأسنى، مؤكدا أن من يسلك هذا السبيل سيحلق في سماء القرب ليتنعم بالعرفان والإدراك والحكمة على شأن لا يضارعه علم متعلم مهما كان. ومرة أخرى، يسهب اللوح في ذكر عداء غير المخلصين من البابيين ومعارضتهم لشخصه المبارك.

_____________________________________________________________________

(1) البابيون.
الفصل الخامس عشر
ميرزا يحيى والسيد محمد الإصفهاني

في كثير من ألواحه المباركة التي نزلت في بغداد والسليمانية، يلمح حضرة بهاءالله إلى خيانة ميرزا يحيى ومحرّضه على الشر والفتنة السيد محمد. وكان للأزمة التي أحدثها ميرزا يحيى داخل صفوف المؤمنين أن تصل ذروتها في أدرنة حين انفصل أتباع حضرة بهاءالله عن بطانة ميرزا يحيى انفصالا نهائيا، إلا أن الأخير فشل في رفع راية التمرد والعصيان بفضل النفوذ الكبير الذي كان لحضرة بهاءالله على جامعة البابيين في بغداد قبل هذه الفترة، فقضى ميرزا يحيى مدة إقامته في العراق مختبئا في عزلة عن الناس حيث وصل بغداد متنكرا وغادرها بعد عشر سنوات بالطريقة نفسها.

عندما أطلق سراح حضرة بهاءالله من سياه ﭽال، كان ميرزا يحيى، الذي أمضى سنتين متخفيا في أجزاء مختلفة من مازندران وجيلان، قد انتقل إلى كرمنشاه. وحتى لا يتعرف عليه أحد هناك، عمل مع صانع الأكفان عبد الله القزويني في ترويج بضاعته.

وفي طريقه إلى العراق، مرّ حضرة بهاءالله بمدن عدة قبل وصوله إلى مدينة كرمنشاه في مطلع شتاء عام 1853م. وبالرغم مما عاناه من فقر، ولما لمسه من ازدراء الشاه له فقد أظهر، على النقيض من ميرزا يحيى، عظمة فائقة جعلت وجهاء الناس يهرعون لملاقاته وهو في طريقه ليقدموا له فروض الاحترام. وفي كرمنشاه بعث له الأمير "عماد الدولة" رسالة يستأذنه المثول بين يديه، وأصيب الأمير بخيبة أمل عندما لم يتمكن من التشرف بلقاء حضرة بهاءالله.

أما ميرزا يحيى، فقد خاف من الاتصال بحضرة بهاءالله في كرمنشاه، وعندما ذهب أخوه غير الشقيق، ميرزا موسى، ليراه، كان في قلق واضطراب خشية أن يكشف أحد هويته. هكذا كانت حاله. وأخيرا استجمع ميرزا يحيى ما لديه من شجاعة وقابل حضرة بهاءالله حيث أبدى رغبته في السفر إلى بغداد ليعيش وحيدا مجهول الهوية في بيت مجاور لمنزل حضرة بهاءالله وأن يعمل بالتجارة. وبالمال القليل الذي أعطاه إياه حضرة بهاءالله، أخذ معه بضع بالات من القطن ليتاجر بها، واتجه نحو بغداد متنكرا بلباس عربي.

وبعد وصوله إلى بغداد توجه إلى منزل حضرة بهاءالله، وكان من العسير على ميرزا موسى، الذي فتح له الباب، أن يعرفه من الوهلة الأولى، حيث كان بلباس درويش يتدلى كشكوله من على كتفه. وأقام في المنزل عدة أيام وطلب عدم إفشاء سر وجوده في بغداد لأيّ كان، وبعد ذلك وجد مأوى له في الحي العربي من المدينة حيث لا وجود لفارسي فيه. وكان يرفض مقابلة أحد في النهار، أما في المساء، وبعد أن يحل الظلام، كان غالبا ما يذهب إلى البيت المبارك ويقابل ميرزا موسى ثم يعود إلى مسكنه في ظلام الليل.

وفي تلك الأثناء استخدم ميرزا يحيى لديه تاجرا فارسيا يدعى أبو القاسم، وجعله فيما بعد وسيطا بينه وبين الأحباء في بغداد، ولكونه الرئيس الاسمي للجامعة البابية، فقد بدأ ينشر أفكاره المضللة بينهم بمساعدة وسيطه أبي القاسم.

كان ذلك في الأيام الأولى من إقامة ميرزا يحيى في بغداد عندما اتصل به السيد محمد الإصفهاني. وهو الذي أصبح "المسيح الدجال للدورة البهائية" فيما بعد. اعتنق البابية بعد إعلان الباب دعوته بقليل، وكان مقيما في كربلاء عندما زارها

حضرة بهاءالله بعد استشهاد حضرة الباب بسنة تقريبا. وفي تلك الزيارة أدرك بعض البابيين وبعض أتباع الشيخية من أصحاب العلم والمعرفة في كربلاء، عظمة الخصال الفائقة لحضرة بهاءالله، حيث بدا ذلك من كلماتهم ومن مواقف الحب والإعجاب تجاهه. إلا أن السيد محمد ملأ قلبه الحسد منذ البداية، ولم تعمل مواقف التقدير والتبجيل لحضرة بهاءالله من أتباعه إلا في تأجيج نار الحقد والغيرة التي بدأت تشتعل في نفسه.

عندما وصل حضرة بهاءالله إلى العراق للمرة الثانية عام 1853م، لم يخف على السيد محمد النفوذ الذي كان لحضرة بهاءالله في تصريف شؤون البابيين. فقبل ورود حضرته كان أتباع حضرة الباب فريسة الفوضى والاضطراب بلا قيادة أو هداية، فنفخ فيهم حضرة بهاءالله الحياة من جديد، وبعث فيهم الشجاعة وجمع شملهم.

وكان لمثل هذا التحول الروحي الذي أحدثه حضرة بهاءالله ما أثار من جديد حسد السيد محمد وزاد من عدائه، وكونه ضليعا في تدبير المكائد وإثارة الفتن فقد وجد في ميرزا يحيى ضالته المنشودة وأداته الطيعة في مناوأة حضرة بهاءالله، فنهضا معا وأضرما نار الفتنة والشقاق بين الأحباء وسعى كلاهما لتشويه سمعة حضرة بهاءالله ورسم صورة زائفة لأمره الكريم، فخلقا جوا تضعضعت فيه شؤون أمر الله وساءت أحواله. وفي ذلك الوقت بالذات قرر حضرة بهاءالله الرحيل عن بغداد وتوجه إلى جبال كردستان.

وأثناء غياب حضرته وصلت بغداد أنباء استشهاد أحد المؤمنين في نجف آباد ببلاد فارس فذعر ميرزا يحيى واعتبر أن السلطات الفارسية ربما تلجأ إلى البحث عنه وتعرف مكانه فتلقي القبض عليه في بغداد. فدفعته هذه الأفكار إلى تغيير مسكنه، ثم اشترى كمية من

الأحذية بمساعدة ميرزا علي التبريزي وتنكر في زي يهودي وتوجه إلى البصرة حيث عاش فترة من الزمن تاجرا للأحذية. ثم اشترى أقمشة حريرية أخذها معه إلى بغداد برسم البيع، وهناك انخرط في مهنته الجديدة باسم "الحاج علي لاس فروش"(1) مستبدلا القبعة بعمامة كبيرة.

إن الجبن الذي اتصف به ميرزا يحيى لم يضارعه سوى سلوكه الشائن وسمعته السيئة، فتاريخ الأمر الكريم ناصع الصفحات إلا ما تعلق بسيرة ميرزا يحيى. ففي أثناء غياب حضرة بهاءالله في جبال كردستان اقترف ميرزا يحيى فعلة دنيئة بحق حضرة الباب، ذلك أنه تزوج من الزوجة الثانية لحضرة الباب،(2) وبعد شهر واحد زوّجها للسيد محمد. وعندما علم حضرة بهاءالله بذلك غرق في حزن لا حد له. فأكد في أحد ألواحه المباركة ذلك قائلا "أخذ الحزن جميع الأقطار" إزاء تلك الخيانة الشنعاء. وعاد فأشار إلى هذه الحادثة في "لوح ابن الذئب" بهذه الكلمات:

"تفكر قليلا في العار الذي لحق بالنقطة الأولى. ولاحظ ماذا حدث. فحينما عاد هذا المظلوم إلى دار السلام بعد هجرة سنتين في الصحارى والجبال، نتيجة توسط بعض النفوس الذين جابوا الفيافي والأقطار بحثا عنه، حضر ميرزا محمد علي الرشتي لمقابلة المظلوم وروى أمام جمع غفير ما جرى

_____________________________________________________________________

(1) "لاس فروش" بالفارسية تعني "تاجر الحرير".

(2) يختلف أسلوب الحياة في إيران في القرن التاسع عشر عما كان عليه في الغرب، وغالبا ما تتطلب الظروف الاجتماعية والدينية في الأقطار الإسلامية من الرجل (خاصة إذا كان مرموقا ذا شأن) أن يتخذ لنفسه أكثر من زوجة واحدة. وخلال إقامته ستة أشهر في إصفهان، اتخذ حضرة الباب له زوجة ثانية اسمها فاطمة وهي شقيقة الملا رجب علي قاهر، أحد البابيين من إصفهان.

بخصوص شرف حضرة النقطة الأولى بما أخذ في الحقيقة جميع الأقطار بالحزن. سبحان الله كيف سولت لهم أنفسهم بارتكاب تلك الخيانة العظمى. نسأل الحق أن يوفق الفاعل على التوبة إليه والإنابة لدى بابه. إنه هو المؤيد الحكيم.(1)

أما الفعلة الأخرى التي جلبت حزنا وأسى لا يوصف لحضرة بهاءالله فكانت اغتيال عدد من البابيين اللامعين بأمر من ميرزا يحيى، أبرزهم ميرزا أسد الله الخوئي العالم الضليع، والذي لقبه حضرة الباب بـ"الديان" وأشار إليه بأنه "مخزن أمانة الحق" و"مكمن لآليء علمه" كما بشره بقوله: "وإنك أنت يا حرف الثالث المؤمن بمن يظهره الله".

وإبان غياب حضرة بهاءالله في كردستان وجه "الديان" (ميرزا أسد الله الخوئي)، من مكان إقامته في آذربيجان، خطابا إلى ميرزا يحيى وجه إليه فيه بعض الأسئلة، فجاءته الإجابات صبيانية لا علاقة لها بالموضوع، وكانت كافية لإقناعه بجهل الأخير وضحالة معرفته وافتقاره للمواهب الروحانية. وقيل بعد ذلك إن "الديان" انقطع في خلوة تأمليّة واتهم بأنه ذهب في عزلته تلك مذهبا بعيدا وخلص إلى الادعاء بأنه هو "من يظهره الله".

إلا أن حضرة بهاءالله دحض هذا الاتهام في "الكتاب البديع"، وأكد أن "الديان" لم يعلن مثل هذا الادعاء بل كتب بعض الابتهالات ووزعها على نفر من الناس وخصّ إحداها بحضرة بهاءالله نفسه ولم يكن فيها ما يخالف تعاليم حضرة الباب وميثاقه، بل شهدت كلماته على تواضعه وعبوديته الخالصة وإيمانه الصادق بالله وبولائه المخلص للمظاهر الإلهية. ويذكر حضرة بهاءالله أن ميرزا يحيى عندما اطلع على هذه الابتهالات

سرعان ما أخذته الغيرة العارمة وصمم على إيذاء "الديان".

وكتب "الديان" أيضا رسالة فضح فيها جهل ميرزا يحيى ورفض قبول ادعائه بأنه خليفة حضرة الباب مدعما حجته بالبيانات والآثار المباركة، مما أثار غيظ ميرزا يحيى الذي حرر كتابا أسماه "المستيقظ" وبخ فيه بشدة كلا من "الديان" وصديقه السيد إبراهيم وهو أحد أكثر المعجبين به، فأدان أفعالهما، ونعت الأول بـ"أبي الدواهي" والآخر بـ"أبي الشرور"، ودعا البابيين، بلغة مليئة بالألفاظ البذيئة، إلى أن يقوموا على قتلهما.

وفي الوقت نفسه أرسل ميرزا يحيى خادمه، ميرزا محمد المازندراني، إلى آذربيجان بأوامر صريحة لقتل "الديان". وعندما وصل الخادم وجد أن "الديان" قد غادر آذربيجان إلى بغداد.

وما أن وصل "الديان" تلك المدينة حتى وجد عداوة شديدة له من البابيين الذين تأثروا بفتاوى ميرزا يحيى، وأصبحت حياته بذلك مهددة. وتفاقم الوضع خطورة لدرجة أن حضرة بهاءالله استدعى في أحد الأيام كافة المعنيين وقابلهم منفردين منذ الصباح الباكر إلى ما بعد الظهر ووبخهم على سلوكهم وأمرهم بكل وضوح أن لا يقترفوا مثل هذا الجرم.

وبعد يومين أذن "للديان" أن يتشرف بمحضر حضرة بهاءالله في المنزل المبارك، وهناك أدرك مقام حضرته واعترف بدينه ورمى بنفسه عند قدميه. وبذلك شاهد بأم عينيه تحقق بشارة حضرة الباب له.

وما أن مرت بضعة أيام على هذا الشرف العظيم حتى اغتيل "الديان" في بغداد على يد الخادم المذكور، ميرزا محمد

المازندراني، فجلب ذلك الحادث المفجع الأسى الكبير إلى قلب حضرة بهاءالله وقلوب الأحباء جميعهم. وفي ذلك اليوم منيت بغداد بريح صرصر حجبت نور الشمس بالغبار وغرقت المدينة في الظلمة، ودب فيها الرعب والخوف ما اضطر الأهالي إلى لزوم بيوتهم.

بعد اغتيال "الديان" وجه ميرزا يحيى سهام شروره إلى من كانوا من المعجبين بالمغدور، وأصدر تعلمياته بقتلهم، ومنهم ميرزا علي أكبر -ابن عم حضرة الباب- الذي لقي مصرعه على يد الخادم نفسه.

وفي "لوح ابن الذئب" يخاطب حضرة بهاءالله الحاج ميرزا هادي دولت آبادي، الذي عيّنه ميرزا يحيى خليفة من بعده، ويذكر بالكلمات التالية الأحداث التي وقعت:

"وكذلك خطابه(1) إلى الديان المظلوم الشهيد: (ستعرفن قدرك بقول من يظهره الله). وكذلك تسميته بالحرف الثالث المؤمن بمن يظهره الله بقوله (وإنك أنت يا حرف الثالث المؤمن بمن يظهره الله) وكذلك يتفضل (ولكن الله إذا شاء ليعرفنك بقول من يظهره الله). أن حضرة الديان الذي هو حسب قول النقطة الأولى،(2) روح ما سواه فداه (مخزن أمانة الحق جل جلاله ومكمن لآليء علمه) قد استشهد على أيديهم بظلم بكت له الملأ الأعلى وناحت. وهو الذي علّمه النقطة الأولى العلم المكنون المخزون وأودعه فيه بقوله (أن يا اسم الديان هذا علم مكنون مخزون قد أودعناك وآتيناك عزا من عند الله إذ عين فؤادك لطيف تعرف قدره وتعز بهاءه وقد منّ الله نقطة البيان بعلم مكنون

_____________________________________________________________________

(1) الإشارة هنا إلى خطاب وجهه حضرة الباب إلى "الديان".

(2) حضرة الباب.

مخزون ما نزل الله قبل ذلك الظهور وهو أعز من كل علم عند الله سبحانه وقد جعله حجة من عنده بمثل ما قد جعل الآيات حجة من عنده) انتهى. أن ذلك المظلوم الذي كان خزينة العلم الإلهي وكذلك جناب ميرزا علي أكبر من المنتسبين إلى النقطة الأولى، عليه بهاءالله ورحمته، وجناب آقا أبو القاسم الكاشي ونفر آخر استشهدوا نتيجة فتوى ميرزا يحيى...

وقد فاز جناب الديان، عليه بهاء الله ورحمته بالحضور طبقا لما نزل من قلم النقطة الأولى. نسأل الله أن يؤيد الغافلين على التوجه إليه والمعرضين على الإقبال إلى شطره والمنكرين على التصديق على هذا الأمر الذي إذ ظهر نطقت الأشياء كلها قد أتى من كان مكنونا في كنز العلم ومرقوما من القلم الأعلى في الكتب والصحف والزبر والألواح".(2)

كانت أنباء رحيل حضرة بهاءالله المباغت إلى الآستانة مصدر خوف واضطراب لميرزا يحيى. وقد نصحه حضرة بهاءالله بالتوجه إلى بلاد فارس لنشر آثار حضرة الباب، إلا أن أمر الدين لم يكن ليهمّ ميرزا يحيى بقدر ما كان يهمه العمل على حماية نفسه، ولم تكن بلاد فارس بالطبع ذلك المكان الآمن له، لأن السلطات الدينية والمدنية هناك كانت مصممة على اقتلاع الدين من جذوره وإبادة كافة البابيين.

انحصرت أفكار ميرزا يحيى في بادئ الأمر، في الفرار إلى الهند أو الحبشة، إلا أنه عدل عن ذلك فيما بعد وتوجه إلى حضرة بهاءالله وأعلمه بنيّته السكن في الهويدر قرب بغداد في حديقة يملكها الشيخ سلطان(1)، أحد أتباع حضرة بهاءالله من العرب المخلصين، فطلب من حضرته أن يصدر أمره بصورة خاصة

_____________________________________________________________________

(1) انظر الحاشية (2) في صفحة 70.

للشيخ ببناء كوخ صغير له من الخوص حتى يعيش فيه بعيدا عن كافة الأصحاب. فاستجاب حضرة بهاءالله لطلبه وباشر الشيخ في البناء، إلا أنه بعد برهة شعر ميرزا يحيى بفقدان الأمان وعاد إلى حضرة بهاءالله شاكيا متذمرا أن المكان لا يصلح مخبأ له مفضلا الذهاب إلى الموصل قبل رحيل حضرة بهاءالله وأبدى رغبته في عدم مرافقة قافلته خوفا من أن تغدر السلطات بهم بعد مغادرتهم بغداد فإما تقتلهم في الطريق أو تسلمهم للسلطات الفارسية.

ولما توصل ميرزا يحيى في النهاية إلى قرار بشأن مكان إقامته أرسل الحاج محمد كاظم، الذي كان يشبهه، إلى مقر الحكومة ليحصل له على جواز سفر خاص به. فصدر له باسمه الجديد المستعار "ميرزا على الكرمنشاهي"، ثم بعد ذلك اختار اسما آخر وغادر بغداد إلى الموصل متنكرا بصحبة خادم عربي.

وفي ذكر هذه الأمور كتب حضرة بهاءالله في "لوح ابن الذئب" ما يلي:

"لقد عيّنا خصيصا بعض الأفراد لجمع آثار النقطة الأولى. وبعد أن تمّ جمعها استدعينا ميرزا يحيى وميرزا وهاب الخراساني المعروف بميرزا جواد، للاجتماع في مكان معين، وأتمّا حسب أمرنا عمل نسختين من كتب النقطة الأولى. لعمر الله إن هذا المظلوم، لكثرة اتصاله بالناس لم ير تلك الكتب ولم يشاهدها بالبصر الظاهر. وكانت تلك الآثار في حوزة أولئك الاثنين عند المهاجرة. وتم الاتفاق أن يحمل ميرزا يحيى تلك الكتب ويتوجه بها إلى إيران وينشرها في تلك البلاد. وتوجه هذا المظلوم حسب استدعاء وزراء الدولة العلية إلى تلك الأشطار. وبعد ورودنا الموصل وجدنا أن ميرزا يحيى قد وصلها قبل تحرك

هذا المظلوم وكان ينتظرنا هناك. وبالاختصار فقد بقيت الكتب والآثار في بغداد وتوجه هو إلى الآستانة وانضم إلى هؤلاء العباد. يشهد الحق بما أصاب هذا المظلوم. فبعد كل العناء ترك (ميرزا يحيى) الآثار وضم نفسه إلى المهاجرين. ولفترة طويلة ابتلي هذا المظلوم بأحزان لا متناهية إلى أن أتممنا بعض التدابير التي لا يعرفها سوى الحق، بحيث نقلنا تلك الآثار إلى مكان آخر وأرض أخرى. ذلك أنه يستلزم ملاحظة الأوراق في كل شهر في العراق وإلا كانت تتبعثر وتضيع. ولكن الله حفظها وأرسلها إلى مقام قدره الله من قبل إنه هو الحافظ المعين. وأينما توجه هذا المظلوم كان ميرزا يحيى يتعقبه. أنت تعرف وتدرك أن كل ما ذكر هو الصدق. ولكن في السر قام السيد الإصفهاني(1) بإغواء ميرزا يحيى وارتكب ما سبب الفزع الأكبر. يا ليتك تسأل مأموري الدولة عن أعمال ميرزا يحيى في تلك الأرض".(3)

ويذكر حضرة عبدالبهاء أن من بين الذين رافقوا حضرة بهاءالله إلى الآستانة كان السيد محمد الإصفهاني الذي اعتاد أن يتهم ميرزا يحيى مستنكرا سلوكه وتصرفاته، إلا أن رائحة النفاق والخيانة كانت تفوح من كلماته.

وعندما شارفت قافلة حضرة بهاءالله مدينة الموصل ذكر السيد محمد لحضرة عبدالبهاء أنه شاهد ميرزا يحيى في المنطقة وسأل إذا كان من الممكن له دعوة ميرزا يحيى لمرافقته. ويروي لنا حضرة عبدالبهاء أنه عندما حضر ميرزا يحيى تظاهر بعدم معرفته لحضرة بهاءالله ومن معه من المسافرين وذلك نظرا لوجود بعض الغرباء. وعرّف نفسه على أنه الحاج علي وأنه عائد لتوه من مكة. ثم بعد

_____________________________________________________________________

(1) السيد محمد الإصفهاني.

ذلك أخذ طريقه مع الركب مع حرصه الشديد ألا يظهر برفقة أحد خلال النهار، ولم يكن لينضم للأصحاب سوى ليلا لينام ويستريح وحده في خيمة خاصة به.

هكذا كانت رحلة ميرزا يحيى إلى الآستانة معظم الطريق، وخلالها كان السيد محمد صديقه الوحيد المؤتمن وهو الذي طرده حضرة بهاءالله من جماعته فيما بعد. وفي أدرنة انضم السيد محمد علنا إلى ميرزا يحيى. وكما سنرى في المجلدات التالية من هذا الكتاب، فقد خلق هذان الاثنان معا أزمة لا نظير لها في تاريخ الأمر.

إن كتابات ميرزا يحيى لهي خير دليل على جهله وزيف ادعاءاته، وحيث أنه تربى في كنف حضرة بهاءالله منذ أن كان في الثامنة من عمره، فكان من الطبيعي أن يشب في صباه على معرفة بالأمر الكريم. ومنذ أن كان شابا أعطي الوقت الكثير لدراسة آثار حضرة الباب. ويذكر حضرة بهاءالله في أحد ألواحه أن ميرزا يحيى قد تعلم كل شيء كالببغاء، ولذلك كان فهمه لأمر الله سطحيا، وهذا ما شهد به العديد من الأتباع المؤمنين بحضرة بهاءالله. كما أن رجالا من ذوي البصيرة ممن اتصلوا به تبددت آمالهم بالنسبة لميرزا يحيى حين اكتشفوا جهله وضحالة تفكيره.

ونظرا لكون ميرزا يحيى مرشحا صوريا ليخلف حضرة الباب من بعده، فقد أصبح محط أنظار البابيين بعد استشهاد حضرته، وتلهف الجميع لرؤيته ومن بينهم الشيخ سلمان الذي قدم التماسات عدة لمقابلته. وأخيرا تمت الموافقة ليتم اللقاء على قمة تل معين قرب بغداد. وفي كل ما دار بينهما من حديث، كان ميرزا يحيى يتكلم في أمور تافهة، ولم يستطع الشيخ سلمان، وهو صاحب البصيرة الثاقبة من أن يلمس في ميرزا يحيى أي دليل من

دلائل العظمة. وسرعان ما أدرك، شأنه في ذلك شأن العديد من البابيين أن ميرزا يحيى، الذي ذاع صيته في طول البلاد وعرضها على أنه زعيم البابيين، لم يكن إلا زعيما صوريا يفتقر إلى كل المؤهلات القيادية والروحية.

وذات مرة كلف حضرة بهاءالله ميرزا يحيى بنسخ بعض آثار حضرة الباب. فانهمك في هذا العمل لمدة أربع سنوات. ونتيجة لذلك تمكن من تقليد خط حضرة الباب. وعندما رفع راية العصيان على حضرة بهاءالله استغل هذه المهارة في تأليف فقرات تشبه كتابات حضرة الباب، أسلوبا وخطا، وعمد ميرزا يحيى في تلك الألواح المزورة، والتي قام بنشرها وتوزيعها، إلى تلفيق العبارات الكاذبة حول مركزه الديني. وزيادة على ذلك قام أيضا بتزوير بعض النصوص الأصلية لحضرة الباب، فحرفها مضيفا إليها بعض العبارات لدعم ادعائه بأنه خليفة حضرة الباب.

إن معظم كتابات ميرزا يحيى ركيكة التركيب مفككة خالية المعنى، فمجرد إلقاء نظرة سريعة على أي من كتاباته نجد أمامنا رجلا طموحا معدوم الكفاءة بالغ الجهالة قد أعماه الطمع، وسيطرت عليه طوال حياته وسيّرته شهوة جامحة طلبا للسلطة والقوة والنفوذ.

الفصل السادس عشر
إعلان دعوة حضرة بهاءالله في حديقة الرضوان
نفوذه بين أهالي بغداد

إن مثل البون الشاسع بين حضرة بهاءالله وميرزا يحيى كتباين النور والظلمة. فالمظهر الإلهي في حقيقة الأمر يسمو فوق البشر، ولا وجه مقارنة بين ينبوع كل الخير وأولئك الذين ينبرون لاعتراضه. إنها حقيقة ليست ماثلة في الجانب الروحي فحسب بل في ظاهر الظاهر حيث يتمتع المظهر الإلهي بنفوذ وقوة ذاتيتين. وهذا حق لا ريب فيه خاصة وأن حضرة بهاءالله هو غاية الظهورات الإلهية السابقة.

كانت سيماء المهابة والجلال وعلائم الرهبة والكمال في حضرة بهاءالله ونفوذ كلمته بين الصديق والعدو على السواء، كلها حقائق أذعن لها ألد أعدائه. ويذكر حضرة عبدالبهاء أن الذين قاموا على مقاومة الرسل السابقين وإيذائهم قد استهزأوا بهم. فسخروا من موسى عليه السلام لأنه ألدغ، ومن عيسى عليه السلام لأنه بلا أب حسب تقديرهم، وسخرت قبائل عرب الجاهلية من محمد ( عليه لعدم قدرته على إنجاب وريث يرثه!

أما حضرة بهاءالله فكان سمو مجده يعلو كل شيء، وكل من حظي بمحضره كان يشعر بالصغر أمامه. حتى أعدائه لم يقووا إلا على التواضع عندما تشرفوا بزيارته، كما خضع المسئولون في سجن سياه ﭽال في طهران أمام عظمته مع أنه كان في الزنزانة مكبلا بالأغلال. وعندما أطلق سراحه من السجن واقتيد إلى مقر

الصدر الأعظم في طهران، لم يستطع الأخير تصدر الجلسة بالكلام بل نطق حضرة بهاءالله بما ينبغي بكل ثبات وثقة موبخا إياه على قصر نظره وعجزه. وكذا الأمر في الآستانة وأدرنة وعكاء عندما ذهل الأعداء والسلطات الدينية والمدنية مما شاهدوه من القوة الروحية التي كان يتمتع بها.

قبل وصول حضرة بهاءالله إلى بغداد، كان البابيون هناك لا يجرؤون على الظهور جماعات أمام الناس خشية الاضطهاد، وكان الأمر الإلهي في نظر العامة بدعة مختلقة يجازف أتباعه بحياتهم إن هم جاهروا به. ومع ذلك قرر حضرة بهاءالله حال وصوله أن يظهر علانية، وغالبا ما كان يسير في شوارع بغداد وأسواقها ويتردد على مقاه معينة، ومع أن أهالي بغداد كانوا يعرفون بأنه زعيم دين جديد حديث العهد، فقد سحرهم بمحبته الأصيلة وهيبته ووقاره وحاز على إعجاب الكثيرين منهم.

لقد أخضع حضرة بهاءالله بجلاله أعداء الأمر وخصومه. ونسوق هنا مثالا واحدا على ذلك: في الأيام الأولى لإقامة حضرة بهاءالله في بغداد، وكان ذات مرة يسير بصحبة بعض الأحباء بجانب عزبة الأمير علي شاه، ظل السلطان(1)، وطرق مسمعه عبارة يقصد منها تحقير الأمر الإلهي من بعض العاملين في منزل الأمير. وعلى الفور التفت حضرة بهاءالله إليهم ووبخهم بعنف على سلوكهم وطالب بمعاقبتهم من قبل سيدهم. ووجه كلامه إلى الحشد طالبا منهم أن يذكروا الأمير بأن لا عظمة السلطان ناصر الدين شاه ولا أبهته ولا كل الاضطهادات التي أنزلها استطاعت أن تؤثر، ولو بشكل ضئيل، على أتباع حضرة الباب. وفشلت كل

_____________________________________________________________________

(1) وهو غير الابن الأرشد لناصر الدين شاه الأمير مسعود ميرزا الذي كان يعرف بظل السلطان أيضا. وهو الذي سمّاه حضرة بهاءالله بـ"الشجرة الملعونة".

المحاولات في إضعاف روحهم أو كسر معنوياتهم. لذلك سوف تكون معارضة الأمير لهم أقل تأثيرا. كان وقع هذه الكلمات شديدا بحيث أقدم الأمير على معاقبة رجاله وأرسل ابنه شجاع الدولة للاعتذار من حضرة بهاءالله.

ولمدة لا تقل عن ثماني سنوات عاش المظهر الكلي الإلهي بين أهالي بغداد بكل حرية. تجول بينهم وجالسهم وأفاض عليهم من محبته وعنايته. ومع أنه لم يكشف لهم عن مقامه، فإن العديد من الناس من مختلف المنابت والأصول انجذبوا بشخصيته وتاقوا لمحضره ولسماع كلماته أو حتى الفوز بلمحة خاطفة منه أثناء تجواله على شاطئ دجلة وهو مستغرق في تأملاته.

وخلال هذه الفترة حضر كثير من البابيين من بلاد فارس للتشرف بمحضر حضرة بهاءالله، وأصبح بعضهم بعد ذلك من عظماء الأمر بطولة وتضحية. وإلى هؤلاء الذين ورد ذكرهم سابقا يجب أن نضيف أخوين اثنين من ألمع حواريي حضرة بهاءالله واللذين لقبهما بـ"سلطان الشهداء" و"محبوب الشهداء".

عيد الرضوان المبارك

إن مشاعر الحب ومظاهر الإعجاب التي أبداها أهالي بغداد لحضرة بهاءالله قد ظهرت بأجلى معانيها يوم مغادرته "بيته الأعظم"، وتجلى على الصديق والعدو معا جلال عظمته. وانتشرت سريعا أنباء رحيله إلى الآستانة بين أهالي بغداد والمدن المجاورة، ورغب كثير منهم بالحضور لتقديم وافر الاحترام له للمرة الأخيرة، ولكن سرعان ما تبين أن بيته لم يكن ليتسع لتلك الأعداد الغفيرة. وعندما سمع نجيب باشا، أحد وجهاء بغداد، بالخبر وضع فورا حديقته -النجيبية- تحت تصرف حضرة بهاءالله. وهذه الحديقة الجميلة التي سماها الأتباع فيما بعد

بـ"حديقة الرضوان"، تقع على الضفة المقابلة للبيت الأعظم من النهر وفي ضواحي بغداد آنذاك.

تحرك حضرة بهاءالله إلى تلك الحديقة بعد ظهر اليوم الثاني والعشرين من نيسان عام 1863م(1) أي بعد واحد وثلاثين يوما من عيد النوروز، ومكث فيها اثني عشر يوما حيث أعلن دعوته في اليوم الأول منها إلى المحيطين به من أصحابه(2). ويحتفل البهائيون بالأيام الاثنى عشر عيدا يسمونه "عيد الرضوان".

نادرا ما شهدت بغداد مثيلا لليوم الذي غادر فيه حضرة بهاءالله بيته الأعظم، فالناس من مختلف الطبقات، رجالا ونساء، أغنياء وفقراء، صغارا وكبارا، ومن رجال العلم والأدباء، أمراء وحكاما ورجال دولة، تجارا وعاملين، وقبل كل أولئك أصحابه، احتشدوا جميعهم قرب منزله وغصت بهم الشوارع وسطوح المنازل في طريقه نحو النهر. كانوا يبكون ويندبون فراق من كان يغمرهم بدفء محبته وبهاء روحه طيلة عقد من الزمن، إذ كان ملجأهم وهاديهم.

وعندما وصل حضرة بهاءالله باحة منزله، ألقى أصحابه بأنفسهم على قدميه، منكسري الخاطر ومفطوري الفؤاد. وبكلمات دافئة تهدىء خواطرهم خاطبهم بعد أن توقف هنيهة وسط بكاء أحبائه ونحيبهم ووعدهم بلقاء كل واحد منهم في الحديقة لاحقا. وفي لوح مبارك يذكر أنه بينما كان متجها نحو البوابة، إذا بطفل(3) عمره بضع سنوات ينبري من بين الحشود

_____________________________________________________________________

(1) بعد 31 يوما من النوروز (21 آذار) يصادف عادة 21 نيسان. وقد حدث عام 1863م أن دخلت الشمس برج الحمل بعد الغروب ليحل الاعتدال الربيعي. وهكذا احتفل بالنوروز في ذلك العام في 22 آذار.

(2) حسب بيان لحضرة عبدالبهاء في خطبة ألقاها في البهجة يوم 29 نيسان 1916م.(1)

(3) اسمه آقا علي، ابن الحاج ميرزا كمال الدين النراقي الذي أشير إليه في الصفحة=

ويتشبث بذيل ردائه باكيا بصوت طفولي رقيق متوسلا إياه ألا يرحل. وبين هياج المشاعر في جو مثل هذا اهتزت القلوب كلها وازدادت حزنا وأسى إزاء ما فعله ذلك الصبي الصغير.

إن مشاهد البكاء والنحيب خارج البيت من غير أتباعه لم تكن أقل إثارة للعجب والإعجاب ولا أقل انفطارا للقلب. فكل واحد من المحتشدين في الطريق كان يتلهف إلى الاقتراب من حضرته. وبعضهم ألقى بنفسه عند أقدامه وآخرون توقفوا ليستمعوا إلى بضع كلمات منه وبعضهم قنع بلمس يديه الكريمتين، أو بإلقاء نظرة إلى محياه. وشقت امرأة فارسية من عائلة نبيلة ولم تكن من المؤمنات، شقت طريقها وسط الجموع المحتشدة وألقت بطفلها عند قدمي حضرة بهاءالله بحركة تنم عن التضحية والفداء، وتلاحقت هذه المشاهد تباعا طول الطريق حتى النهر.

وقبل عبوره توجه حضرة بهاءالله إلى أصحابه من حوله وخاطبهم بالكلمات التالية:

"يا أصحابي! هذه بغداد أعهد بها إليكم، وهي على ما ترونها عليه من دمع ينهمر كأمطار الربيع من عيون الأصدقاء والغرباء الذين يزحمون سقوفها وشوارعها وأسواقها. فلا ينبغي أن تخمد نار المحبة المشتعلة في القلوب من أفعالكم وأعمالكم، ولا أن يبدو منكم ما يسبب انطفاءها".(2)

وعبر حضرة بهاءالله النهر مع ثلاثة من أبنائه، حضرة عبدالبهاء، ميرزا مهدي -الغصن الأطهر- ومحمد علي والذين كانت أعمارهم ثمانية عشر، أربعة عشر، وعشر سنوات على التوالي، وضم الركب أيضا كاتب الوحي ميرزا آقا جان. وأما باقي الذين رافقوه أو الذين كانوا في الحديقة ونصبوا الخيام

_____________________________________________________________________

= الصفحة 58.

وأعدوا الترتيبات اللازمة قبل وصوله، أو الذين لحقوا به في ذلك اليوم، فلم تعرف هوياتهم.

دخل حضرة بهاءالله الحديقة دخول ملك المجد بينما كان صدى نداء "الله اكبر" يتردد في أرجائها من صوت المؤذن لصلاة العصر. ومشى بالعظمة والإجلال بسرور بالغ عبر ممرات الحديقة التي تحف بها الزهور والأشجار، وحمل النسيم عطر الورد الفواح وعانق السماء تغريد البلابل وبذلك تردى الوجود برداء السحر والجمال.

أدرك الأصحاب لبعض الوقت أن الكشف عن مقام حضرة بهاءالله قد اقترب، ليس بإشاراته وتلميحاته خلال الأشهر الأخيرة لإقامته في بغداد فحسب، بل مما لمسوه من تغيير في تصرفاته. وعلامة أخرى أشارت إلى اقتراب الساعة تلك، اتخاذه التاج لباسا للرأس (قبعة طويلة من اللباد) وذلك يوم خروجه من البيت المبارك، واستمر في لبسها باقي أيام حياته.

ووصف حضرة عبدالبهاء كيف أن حضرة بهاءالله قد كشف عن مقامه لأصحابه الحاضرين لدى وصوله الحديقة، وأعلن بفرح عظيم بدء عيد الرضوان المجيد(1).

وبهذا الإعلان عن النبأ العظيم غاب الحزن عن الأحباء وفاضت قلوبهم سرورا وبهجة. ومع أن حضرة بهاءالله قد حكم بنفيه بعيدا، وكان يعلم بالمحن والشدائد التي تخبئها الأيام له ولأصحابه، إلا أنه بهذا الإعلان التاريخي استطاع قلب مشاعر الحزن والأسى إلى الفرح والحبور، وأمضى أسعد أيام ولايته في حديقة الرضوان. وفي أحد ألواحه المباركة أشار إلى أول أيام عيد

_____________________________________________________________________

(1) انظر الحاشية في صفحة 276.

الرضوان مخاطبا أتباعه: "افرحوا يا أهل الله بذكر أيام فيها ظهر الفرح الأعظم".(3)

ليست ظروف إعلان دعوة حضرة بهاءالله واضحة، ولم تعرف هويات من استمعوا إلى حضرته إلا أن أمرا واحدا كان واضحا. ففي السنوات العشر لإقامته في العراق، مع أنه أشار إلى مقامه، في ألواحه التي نزلت، وصف نفسه بأنه الناطق بلسان القدرة، إلا أنه لم ينعت نفسه بأنه "من يظهره الله". وفي إعلان دعوته في حديقة الرضوان فعل ذلك بأسلوب واضح لا لبس فيه على أنه الظهور الذي بشر به حضرة الباب وفدى نفسه في سبيله ولأجله أقام الميثاق مع أتباعه. إنه يوم من أكثر الأيام أحداثا في حياة حضرة بهاءالله وفيه دارت رحاها بأعمال بديعة كان ذروتها إعلان الدعوة وهو ما يعد الأبرز والأعظم في ولايته.

أحد الفروق التي تميز المظهر الإلهي عن الإنسان العادي هلع الأخير في المصائب والبلايا ومواجهة الصعاب والعقبات وعجزه في تذليلها أو تجاوزها. وفي ظروف مثل هذه يظهر الضعف والعجز حتى من أعتى الرجال لأن عقولهم لا تستوعب إلا مشكلة واحدة في وقت محدد، وغالبا ما ينشدون مساعدة أصحاب الرأي السديد والخبرة الناضجة في اتخاذ القرار.

ولكن الأمر ليس كذلك مع المظهر الإلهي، فهو يعمل بذات مستقلة ولا يستطيع أحد مساعدته، وليس لروحه ارتباط بحدودات عالم الناسوت، فلا يعجز عقله أو يرتبك في مواجهة سيل المشاكل في آن معا. وفي أتون الرزايا عندما تتهاوى قدرة الرجال تحت وطأتها تراه قادرا أن يعزل نفسه عنها ويتوجه بفكره حيث يشاء. هذه من خصال المظهر الإلهي المميزة، وقد شرحها حضرة بهاءالله في "كتاب الإيقان" مستشهدا بالآية القرآنية: "كل يوم هو في شأن".(4) فمثلا عندما أعلن حضرة بهاءالله عن مقامه طار

الحاضرون في رياض النشوة والفرح وركزوا أفكارهم في ذلك الحدث الهام. إلا أن حضرة بهاءالله نأى بفكره إلى أحداث وقعت قبل عشر سنوات، إلى ضروب البطولة وصنوف التضحيات من عشاق حضرة الباب وأتباعه في بلدة نيريز الصغيرة في إقليم فارس.

"لوح أيوب"

استذكر حضرة بهاءالله أحداث نيريز بإنزال "سورة الصبر" والمعروفة أيضا باسم "لوح أيوب" والتي تعادل ربع "كتاب الإيقان" حجما. نزلت بالعربية بحق الحاج محمد تقي من نيريز الذي لقبه حضرة بهاءالله بـ"أيوب".

كان الحاج رجلا مثقفا ثريا مهاب الجانب من مواطنيه الذين كان محط ثقتهم لدرجة كانوا يأتمنونه على ودائعهم وغالبا ما يستعملون إيصالاته كحوالات مالية معتمدة. وعندما وصل وحيد إلى نيريز عام 1850م محدثا صحوة روحية جيّاشة بعيدة المدى في نفوذها، تأثر بها عدد من النفوس المتفانية فاعتنقوا دين حضرة الباب والتفوا حول وحيد يناصرونه. وكان على رأس هؤلاء الحاج محمد تقي الذي عمل على نشر الدين بكل السبل في تلك المنطقة.

تنبه زين العابدين خان -حاكم نيريز- إلى الإقبال الطوعي الشديد نحو وحيد من قبل أهالي البلدة، فصدمه بل وأغضبه قبول عدد كبير الدعوة الجديدة خلال أيام قليلة. فقرر اتخاذ إجراء فوري وأمر الجيش أن يقتلع هذه الجماعة الجديدة بالكلية ويقتل زعيمها. وعلى أثر الهيجان الشديد الذي اجتاح الناس هناك اضطر البابيون إلى اللجوء إلى قلعة قديمة خارج البلدة. ورغم تفوق الجيش عددا وعدة، وقلة تدريب المدافعين عن قلعة "خاجة"، فقد دافعوا ببسالة أجبرت أعداءهم على التراجع مذعورين في هزيمة مخزية.

ولما أيقن زين العابدين خان أن قوة السلاح مع هذه الفئة غير مجدية لجأ إلى الحيلة والخيانة، فارتفعت منه، بكل مكر ودهاء، صيحة السلام وأرسل رسالة يدعو فيها وحيدا وقادة آخرين لزيارته في معسكر الجيش وتعهد أن يتحرى حقيقة رسالة حضرة الباب وينهي النزاع وسفك الدماء. وحتى يخدع هؤلاء الأبرياء ذوي القلوب الطاهرة قام مع نفر من ضباطه بوضع أختامهم على نسخة من القرآن الكريم وأرسلوه مع الرسالة الموجهة إلى وحيد شهادة عن صدقهم وأمانتهم.

لم يغب عن وحيد مكرهم هذا، إلا أنه، إذعانا لقدسية القرآن الكريم، غادر القلعة إلى المعسكر حيث تم استقباله في البداية استقبالا رسميا. وهناك لام المسئولين على استبدادهم وإغلاق أعينهم دون الحقيقة. ودعاهم إلى التحري عن دين الله الجديد واعتناقه. نفذت كلماته إلى أعماق النفوس حتى أن الحاكم ورجاله أصيبوا بالحيرة والارتباك من قوة حجته. ولإيقانه بسعة علم وحيد وعميق إيمانه الصادق، خشي الحاكم أن يتحول ولاء بعض رجاله إلى وحيد. فبالغش والخداع أفلح في إخلاء القلعة خلال ثلاثة أيام، ووقع الأبطال المدافعون في كمين نصبه لهم أفراد الجيش وأجهزوا على معظمهم. أما وحيد فقد قتل بشكل مهين وسحبت جثته في طرقات نيريز وأسواقها وسط قرع الطبول والصنوج، والرجال والنساء من حوله يرقصون.

ألقى استشهاد وحيد على الأمر الإلهي ظلا من المجد لا يفنى وتزينت صفحات التاريخ بقصة حياته، وسيبقى المثل الذي ضربه حيا يقود الأجيال القادمة ويلهمها عبر العصور. كان فريدا في ميدان العلم والمعرفة ثابتا في إيمانه الذي لا يقهر، منازلا لا تلين له قناة في المناظرات العامة، بطلا مغوارا في الدفاع عن دين الله لا يبزّه أحد بعشقه لحضرة الباب.

وفي "سورة الصبر" يذكر حضرة بهاءالله إنجازات وحيد في إعلان الأمر الإلهي والظروف التي أدت إلى هيجان الجمهور في نيريز، ويسترسل في سرد الأحداث التي أدت إلى حبس الأحباء ممجدا بطولتهم وتضحياتهم ثم استشهادهم في النهاية. ويصور عظم الشدائد والرزايا التي أحاطت بالناجين منهم، خاصة النساء والأطفال، الذين أجبروا على السير بجانب رؤوس شهدائهم التي رفعت على أسنة الرماح طيلة الطريق إلى شيراز في موكب جاب الشوارع والأسواق، ويدين بشدة أولئك الذين ارتكبوا هذه الفظائع، وحذرهم ألا يفرحوا بل يخشوا بأس ربهم بعدله في الآخرة لينزل بهم العقاب على ما ارتكبوه من القسوة والبطش ضد أحبائه.

وبعد ثلاث سنوات على ذلك الهياج تعرض الأحباء في نيريز فجأة إلى مذبحة كانت أشد فتكا من الأولى. وفي رواياته، سجل النبيل بعض الأحداث التي صاحبت هذه المذبحة:

"ولن أحاول أن أدون التفاصيل المتعددة التي أدت إلى المذبحة التي تمّت بها هذه المأساة بل أحيل القارئ إلى الرسالة المفصلة التي نمقها يراع ميرزا شافع النيريزي التي يشير فيها بالتفصيل والدقة والقوة إلى كل دقائق هذه الحادثة المؤثرة. ويكفي أن نقول أن الذين استشهدوا فيها لا يقلون عن ماية وثمانية من أشجع تلاميذ الباب ومثلهم من الجرحى ولم يصل منهم إلى العاصمة حيا سوى ثمانية وعشرين نفرا وهم الذين أمكنهم أن يتحملوا مشاق السفر ومن بين هؤلاء الثمانية والعشرين أخذ خمسة عشر توا إلى مكان الإعدام بمجرد وصولهم. وطرح الباقون في السجن ومكثوا فيه مدة سنتين يعانون من الآلام أشقها، ومن العذاب أقساه، ورغما عن الإفراج عنهم أخيرا قضى أغلبهم نحبه أثناء الرجوع إلى

مواطنهم نظرا لإنهاك قواهم من آلام السجن الطويل والأسر القاسي.

وذبح الكثيرون من أقرانهم في شيراز بأمر طهماسب ميرزا ووضعت رؤوس مايتين من هؤلاء على الأسنة وحملها الأعداء على هيئة موكب الانتصار إلى قرية آبادة في فارس وكانوا يرومون حملها إلى طهران ولكن أحد رسل الملك أمرهم بترك هذا الأمر ومن ثم عزموا على دفن الرؤوس في تلك القرية.

أما النسوة اللائي بلغ عددهن ستماية فأفرج عن نصفهن في نيريز وأخذ النصف الآخر على ظهور الخيول كل اثنتين على جواد بغير سرج إلى شيراز وبعد أن أوسعوهن أشد أنواع العذاب تركوهن وشأنهن وهلك أغلبهن في الطريق إلى تلك المدينة وغيرهن أسلمن الروح من اشتداد العذاب الذي كن يتحملنه قبل الإفراج عنهن وإن القلم ليجمد ويضج ذعرا في محاولة وصف ما أصاب هؤلاء الأبطال وتلك النسوة في سبيل تمسكهن بالإيمان وإن تلك الوحشية الفاجرة التي اقترنت بالمظالم التي ارتكبت فيهن وصلت إلى أحط درجات الخسة والسفالة في الأدوار الختامية لتلك المأساة المأسوف عليها".(5)

تورد الأحاديث النبوية الشريفة عدة علامات وإشارات خاصة بظهور الموعود. ففي إحداها يتنبأ الرسول الكريم بأن رؤوس بعض أتباع المهدي تتهاوى وتقدم هدايا للعدو. لقد تحققت هذه النبوءة في مذبحتين دمويتين في نيريز. ويقتبس حضرة بهاءالله في "كتاب الإيقان" الحديث الشريف:

"كما يقول في كتاب الكافي، في حديث جابر في لوح فاطمة في وصف القائم (عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب فيذل أولياؤه في زمانه وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى

رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين تصبغ الأرض بدمائهم ويفشوا الويل والرنة في نسائهم. أولئك أوليائي حقا)".(6)

في "سورة الصبر" يأتي حضرة بهاءالله على ذكر مقام وحيد بكلمات لا يمكن لقلم أن يصفه وصفا مناسبا. فيمجد تمجيدا باهرا قوة إيمانه وبُعد رؤياه، ويعلن حضرته أن وحيدا ثبت على ميثاق الله مخلصا له، ويؤكد وفاءه بعهد مولاه، ويدعوه إلى الفرح والابتهاج بين ملأ العالين(1) لورود ذكره في هذا اللوح المبارك، الذي يصفه حضرته بأنه لوح على قدر من الرفعة والعلا بحيث استمدت منه جوهرها الكتب المقدسة السابقة.

وفي هذا اللوح أيضا يوجه حضرة بهاءالله كلمات التشجيع والإطراء لأحباء نيريز ويطلب منهم أن يتذكروا ما كانوا عليه من جهل وغفلة في أوائل أيامهم عندما أفاض عليهم ربهم من فيض جوده بشخص وحيد ومكنهم من معرفة مظهره وقادهم إلى بحر عرفانه. وحثهم على تقدير هذه العطية الكبرى بشكره تعالى على جعلهم محط نعمته وآلائه وأن يفرحوا ويبتهجوا على ما هم عليه من مقام لو كشف النقاب عنه لأعين البشر لسارعوا إلى الفداء بأرواحهم في سبيله. إذ الحكمة في حجبه هي لامتحان الخلق وتمييز الطيّب من الخبيث والخير من الشر. وبمحبة عارمة يحض حضرة بهاءالله أحباء نيريز أن تظهر من أفعالهم صفات الرحمن، وأن يطهروا أرواحهم من علائق الدنيا وأن يتشبثوا بأهداب الدين ويقفوا بكل عزم وثبات أمام معارضيه.

يصور لنا تاريخ الشهداء في نيريز بطولة الأحباء وتفانيهم. فقد ظلت تلك الأرواح لأجيال لاحقة هدفا لاضطهاد مرير متكرر من أعداء قساة لا تلين لهم قناة. ومع هذا ظلوا مخلصين للعهد أوفياء له

_____________________________________________________________________

(1) انظر الحاشية في صفحة 84.
يتحملون ما نزل عليهم من محن بصبر وجلد مثاليين.

إنه لجدير بالذكر أن وحيدا وأصحابه قدموا حياتهم قربانا قبل استشهاد حضرة الباب بعشرة أيام. وفي نوروز 1909م، أي بعد ستين عاما تقريبا، وأثناء وضع الرمس المطهر للباب في مقامه المقدس الأخير على جبل الكرمل، قدم ثمانية عشر شهيدا حياتهم في نيريز على مذبح التضحية بيد الشيخ زكريا(1)، ذلك المعتدي الأثيم المتعطش للدماء. ويشهد حضرة عبدالبهاء بأن وضع أمانة على هذا القدر من القدسية كالرفاة الطاهرة للباب كان يستحق مثل هذا القربان من أولئك الأحباء. وأثنى ثناء حارا على أحباء نيريز على فوزهم بهذا الشرف العظيم.

وفي "سورة الصبر" يثني حضرة بهاءالله ثناء عطرا على الحاج محمد تقي ويستذكر دوره الرئيس في الهيجان الذي أصاب أهالي نيريز ودعمه ومساندته المادية لوحيد، وما أنفقه في الدفاع عن القلعة وما تحمله بالرضا والتسليم بقضاء الله ثم الفداء في سبيله. كانت مئونة الطعام وضروريات الحياة تأتي للأحباء في قلعة "خاجة" من الحاج محمد تقي، ولولا ذلك ما استطاع البابيون الصمود في القلعة أمام الجيش. وهو من الذين بقوا أحياء بعد حصار القلعة، ولقناعة حاكم نيريز بأن الحاج محمد تقي كان وراء انتشار أمر حضرة الباب في تلك البلدة بشكل رئيس، لجأ إلى مصادرة ممتلكاته كافة ثم حبسه، وكان ينوي تعذيبه حتى الموت مع آخرين من بينهم السيد جعفر، أحد علماء الدين المتفقهين في يزد والذي ذكر آنفا.

_____________________________________________________________________

(1) دخل الشيخ إلى نيريز مع عدد من المسلحين واحتل البلدة، وعلاوة على ما اقترفوه فقد هاجموا البهائيين بشراسة. ولم يكتف بالبحث عنهم لقتلهم بل عرض مكافأة مالية قدرها 100 تومان لمن يقتل بهائيا.

إن سرد معاناة الحاج محمد تقي في السجن وإطلاق سراحه فيما بعد ثم رحلته إلى بغداد التي توجت بمحضر حضرة بهاءالله، قد وردت في صفحات سابقة(1). وإشارة إلى روح التسليم والرضا والصبر والتحمل التي بدت على الحاج أثناء مذبحة نيريز، فإن حضرة بهاءالله يوضح أن الله يكون دوما في عون من ينفقون أرواحهم وممتلكاتهم ليدفعوا عجلة الأمر المبارك إلى الأمام، ومع الذين يواجهون الافتتان والامتحان بالصبر الجميل. ويضيف حضرته أن هذه النفوس ما شكت أو ضجرت من هول المصائب والبلايا بل اشتاقت الرزايا في سبيل مولاها(2).

كثيرة هي الأسرار التي أودعها الله في خلقه، وإحداها سر المعاناة. فالمرء يعاني في حياته كثيرا وغالبا ما يعجز عن فهم مغزاها. ومع أن الإدراك الكامل لمغزى المعاناة لا يمكن تحقيقه في هذا العالم إلا أنه يمكن ملاحظة التأثيرات الناجمة عنها على حياة الفرد.

تتأثر معظم عناصر الطبيعة بمؤثرات خارجية. فمثلا إذا تركنا قطعة من الحديد مهملة تصبح باردة يعلوها الصدأ. ومع هذا فإنها تصدر حرارة بمجرد الاحتكاك، ويصبح سطحها لامعا، وبازدياد الاحتكاك يغدو الجسم متوهجا منيرا. فهذه الصفات الكامنة في الحديد لا تظهر إلا بالضغط الخارجي.

_____________________________________________________________________

(1) انظر الصفحات 146-149.

(2) عندما سافر الحاج محمد تقي إلى بغداد كان بصحبته زوجته وابنته وابنه محمد علي الذي قتل في بغداد وهو شاب، ثم توفي الحاج بعد ذلك بعدة سنوات في بغداد أيضا، وشرفه حضرة بهاءالله بحضور جنازته. ولما علم حضرته بمدى الحزن الذي أصاب الزوجة بفقدانها الزوج والابن هيأ لها شابا تتبناه ليرافقها إلى نيريز والإقامة هناك.

وبالمثل، فإن كثيرا من المواهب والفضائل التي تبقى مخزونة داخل الإنسان تعمل الآلام والمعاناة في أغلب الأحيان على إطلاقها وتحرير الطاقات الكامنة ودفع هذه الصفات النبيلة إلى السطح. ويحدثنا التاريخ أن العديد من العظماء صنعوا مجدهم بمواجهة الشدائد والمشقات ليس إلا. فبمثابرتهم واستقامتهم وثباتهم تغلبوا وتمسكوا بالخلق القويم وكشفوا عما فيهم من قدرات. وعلى النقيض، فغالبا ما يستسلم الضعفاء الواهنون أمام الصعوبات وتذهب ريحهم. فالآلام والمعاناة تظهر بكل وضوح قوة الكائن البشري وخلقه وإيمانه. كلما كان الأمر عظيما كلما ازدادت شدة الامتحانات والافتتانات أمام المؤمن. وفي هذا الظهور الأعظم، ووسط حمامات دماء الشهداء، أبرز التاريخ أبطالا عظاما أضاءوا صفحاته بشجاعتهم البالغة وفدائهم الفذ.

وفي "سورة الصبر" يروي حضرة بهاءالله بالتفصيل قصة أيوب -أحد أنبياء بني إسرائيل- ويذكر أن الله قد أنعم عليه بالنبوة، وكان غنيا يملك أراض شاسعة ويعيش مع زوجته وعائلته في رفاهية وراحة تامة. وعندما أتاه أمر ربه بهداية الناس إلى طريق الحق والصلاح، كرس حياته لهذه الرسالة بين أهله وعشيرته ودعاهم إلى دين الله. ولكن نار الغيرة دبت في عروقهم فاتهموه بالنفاق وقالوا بأن هذا التكريس للحق عائد فقط لثرائه وممتلكاته المادية.

ولإظهار مصداقية أيوب للعباد، أحاط الله عبده أيوبا بالمحن والبلايا، وفي كل يوم تنزل به مصيبة جديدة. ففقد أولاده في البداية ثم ممتلكاته واحترقت محاصيله وابتلي جسمه بالعلل وغطته القروح والدمامل. ومع هذا بقي شاكرا صابرا راضيا منقطعا. ولم تقف محنته عند هذا الحد، فقد أجبر على الخروج من بلدته دون سند أو عون إلا من زوجته التي آمنت به وبذلت جهدها في تخفيف آلامه. وفي النهاية أصبح خالي الوفاض من كل شيء وحرم من

الطعام لعدة أيام.

يؤكد حضرة بهاءالله أن أيوبا ظل على هذه الحال صابرا مستسلما لإرادة مولاه حتى أنه ازداد شكرا وعشقا له بتفاقم الامتحانات. وأخيرا، وقد أثبت تجرده من ممتلكات الدنيا، أنعم الله عليه بكل ما فقد منه وانتشرت تعاليمه وتغلغلت كلماته في قلوب المريدين الذين أدركوا مقامه وأقروا به.

بهذه القصة في "سورة الصبر" يلقي حضرة بهاءالله الضوء على موهبة الصبر، إحدى أفضل نعم الله على الإنسان، ويمجد مقام أولئك الذين تحملوا الشدائد بصبر ورضاء. وبفضل ثباتهم وولائهم ثم صبرهم وجلدهم نالوا منزلة على قدر من الرفعة بحيث ينشد أهل الملأ الأعلى صحبتهم ويتوقون شوقا لبركاتهم.

يحث حضرة بهاءالله أهل البيان على التمثل بالصابرين وينصحهم أن يزينوا هياكلهم برداء الرضا والتسليم بقضائه وأن يستقيموا على أمر الله فلا يفزعوا في المحن والبلايا ويذكرهم بثواب الله لكل عمل صالح بما يستحق أما بالنسبة للصبر فيذكرهم بأن ثوابه غير محدود كما يشهد بذلك القرآن الكريم(1).

هذه الفضائل وهبها الله لرسله في ميثاقه معهم، وعلى العبد أن يحذو حذوهم. ففي الأولى صبر في النفس وكبح جماح النفس والهوى وما حرم عليها، وفي الثانية تحمل ملمات الحياة والاستقامة على أمره. وأخيرا عليه بالصبر والتسامح وتحمل أي أذى يُلحقه الأحباء به إكراما لربه ودينه.

أنزل هذا اللوح قبيل مغادرة حضرة بهاءالله العراق، وكم أثّر على الأحباء في ذلك القطر. فهو يعدهم لأيام الامتحان التي أنذر بها

_____________________________________________________________________

(1) "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب". القرآن الكريم، سورة الزمر، آية 10.

مرارا، ويملأ قلوبهم إيمانا وشجاعة في مواجهة ألم الفراق عن مولاهم بالتسليم والثبات.

وفي إشارته لمغادرة العراق، لمح حضرة بهاءالله إلى عصيان ميرزا يحيى في المستقبل محذرا بأن "طيور الليل" ستحلق في الفضاء بعد غروب الشمس، أي أنه في غيابه ستنفث النفوس الشريرة سمومها بين المؤمنين، وعلى الأتباع آنذاك أن يتصدوا لحماية أمر الله من الفرقة والشقاق وأن يثبتوا ويصمدوا كالجبال الرواسخ.

ويعارض حضرة بهاءالله في هذا اللوح ما ابتدعه الإنسان من مبدأ ختم الرسالات السماوية، ويفسر معنى "ختم النبوة"(1) مؤيدا مبدأ استمرار الفيض الإلهي، وإن الله سوف يرسل رسله حتى الآخر الذي لا آخر له. وفوق هذا كله يدين علماء الإسلام وفقهاءهم على عجز بصيرتهم وإنهم لم يتناولوا المعرفة الحقيقية ولم يكتشفوا أسرار الأمر الإلهي وكانوا هائمين في بيداء النفس والهوى. ويلومهم على إعراضهم عن رسالة حضرة الباب وعلى قتلهم إياه، فيمجد مقامه ويشهد بأنه قد أظهر جمال الله المعبود، ويقرر بأنه لن يمضي طويل وقت حتى يدرك مقامه عموم البشر.

وفي فقرة أخرى مشابهة حول الغلبة للأمر الإلهي في المستقبل، يوبخ الذين أنكروا الدين وقاموا عليه محذرا إياهم بأن جهودهم في اقتلاع شجرة أمر الله ستذهب أدراج الرياح، ويتنبأ ثانية بيوم فيه يؤمن بدينه الناس جميعا.

هناك بيان في أحد ألواح حضرة بهاءالله يؤكد بأن الله تعالى أخذ عهدا بمساعدة من يقوم على خدمته. إنه أمر يفوق تصور البشر أن يأخذ الله مثل هذا العهد على نفسه. ووجه آخر لهذا العهد نجده

_____________________________________________________________________

(1) انظر صفحة 69.

في هذا اللوح، إذ أن حضرة بهاءالله، يؤكد أن الله تعالى قد أخذ على نفسه عهدا أن يجمع البشر تحت ظل شجرة أمره، وأن هذا قضاء مبرم لا رجعة فيه.

يمكن وصف "سورة الصبر"، مثل العديد من ألواح حضرة بهاءالله، بالبحر الزاخر بالجواهر الرائعة معرفة وحكمة، فقد نزلت في مناسبة تجللت بالرهبة والإجلال، بكشف منزلها من مقامه لأصحابه في وقت تحققت فيه آمال ووعود ورؤى عدد لا يحصى من الرسل على مدى العصور والأزمان، وانقلبت أحزان الأحباء وهمومهم إلى فرحة عارمة وسعادة غامرة. وعليه فإن هذه السورة تقف شاهدا أبديا ليوم الأيام ذاك.

تشير بضع فقرات من هذا اللوح المبارك إلى إعلان دعوة حضرة بهاءالله وتزيل خيوط الحجبات عن مجد مقامه في حديقة الرضوان. وفي إحداها يطالب نفسه أن يمزق الحجبات التي حالت بين عيون الناس وجماله الأبهى، وينشر نفحات الروح التي كانت مخزونة منذ البدء ويظهر بهاءه بالقدرة الغالبة. وفي فقرة أخرى يشير إلى ما عاناه من محن وآلام ويلقب نفسه بـ"مظهر الله نفسه" ويمجد اليوم والساعة واللحظة التي أعلنت فيها دعوته، ويوجه خطابه في تلك اللحظة بالذات إلى كافة الخلق في بغداد حتى يحصل كل على نصيبه المقدر له من بهاء الرب ويؤكد أنه في ذلك اليوم ستتنور كل الأشياء بسطوع شمس الحقيقة من أفق العراق.

مغزى عيد الرضوان

في عدد من ألواحه، يشيد حضرة بهاءالله بذكر قدسية أيام الرضوان وعظمتها، وفيما يلي مقتطفات من لوح من تلك الألواح نزل بعد إعلان الدعوة ببضع سنين:

"... قد أتى ربيع البيان بما تقرب عيد الرحمن. قم بين الملأ الإنشاء بالذكر والثناء على شأن يجدد به قميص الإمكان ولا تكن من الصامتين. قد طلع نير الابتهاج من أفق سماء اسمنا البهّاج بما تزين ملكوت الأسماء باسم ربك فاطر السماء. قم بين الأمم بهذا الاسم الأعظم ولا تكن من الصابرين...

هذا يوم فيه يقول اللاهوت طوبى لك يا ناسوت بما جعلت موطئ قدم الله ومقر عرشه العظيم. ويقول الجبروت نفسي لك الفداء بما استقر عليك محبوب الرحمن الذي به وعد ما كان وما يكون. هذا يوم فيه استعطر كل عطر من عطر قميص الذي تضوع عرفه بين العالمين. هذا يوم فيه فاض بحر الحيوان من فم مشية الرحمن هلموا وتعالوا يا ملأ الأعلى بالأرواح والقلوب. قل هذا مطلع الغيب المكنون لو أنتم من العارفين وهذا مظهر الكنز المخزون إن أنتم من القاصدين. وهذا محبوب ما كان وما يكون لو أنتم من المقبلين...

قد أتى المحبوب بيده اليمنى رحيق اسمه المختوم. طوبى لمن أقبل وشرب وقال لك الحمد يا منزل الآيات. تالله ما بقي من أمر إلا وقد ظهر بالحق وما من نعمة إلا وقد نزلت بالفضل وما من كوثر إلا وقد ماج في الكئوب وما من قدح إلا وأداره المحبوب أن أقبلوا ولا توقفوا أقل من آن...

أن افرحوا يا أهل الله بذكر أيام فيها ظهر الفرح الأعظم بما نطق لسان القدم إذ خرج من البيت متوجها إلى مقام فيه تجلى باسمه الرحمن على من في الإمكان. تالله لو نذكر أسرار ذاك اليوم لينصعق من في الملك والملكوت إلا من شاء الله المقتدر العليم الحكيم. إذ أخذ سكر خمر الآيات مظهر البينات وختم البيان بذكر أنه لا إله إلا أنا المتعالي المقتدر العزيز العلام."(7)

مكث حضرة بهاءالله اثني عشر يوما في حديقة الرضوان، زاره فيها جمع غفير من الناس ليعبروا عن احترامهم وتقديرهم لشخصه الكريم. وقد ضم ذلك الجمع وجهاء مدينة بغداد وعلّيّة القوم فيها، كما ضم أيضا رجال الفكر والثقافة بالإضافة إلى حشد من عامة الناس المعجبين به. أما بالنسبة للأحباء المؤمنين به فقد دأب على دعوة عدد من أصحابه لزيارته كل يوم ثم يأذن لهم بالانصراف مساءً، وكان من عادته أن يسمح فقط لأولئك الذين لا عوائل لهم بالبقاء ليلا في ضيافته، حيث كان يقوم بعضهم بالحراسة حول خيمته المباركة.

وقد ترك النبيل للأجيال القادمة، وصفا حيا لذلك الجو المفعم بالبهجة والسعادة في تلك الفترة التاريخية:

"كان البستانيون يعمدون فجر كل يوم إلى الورود التي تحف بممرات الحديقة الأربعة فيقطفونها ويضعونها على أرض خيمته المباركة. وكانت الكومة من الارتفاع بحيث لم يكن في إمكان الصاحب أن يرى صاحبه عبرها وهم جلوس في حضرته على شكل دائرة لتناول شاي الصباح. وكان حضرة بهاءالله يقدّم هذه الورود بيديه المباركتين إلى كل من ينصرف عن محضره كل صباح حتى يهديها باسمه إلى أصدقائه من العرب والعجم في المدينة...

وفي تاسع ليلة للشهر القمري تصادف أن كنت من بين الذين يسهرون حول خيمته المباركة. وعند منتصف الليل تقريبا رأيته يخرج من خيمته، ويمر ببعض الأماكن التي نام فيها أصحابه. وأخذ يذرع طرقات الحديقة المزهرة المقمرة. وكان تغريد البلابل يتعالى من كل الجهات بحيث غطى على صوت حضرة بهاءالله فلم يكن يسمعه بوضوح إلا أقرب الناس إليه. وبات يذرع الطرقات جيئة وذهابا إلى أن وقف وسط طريق منها وقال: (تدبروا أمر هذه البلابل! لقد بلغ من حبها

لهذه الورود أنها لا تنام من غروب الشمس حتى مطلع الفجر مغردة بأهازيجها تناجي محبوبها في شوق ولهفة. فكيف يستطيع النوم من يدعون أنهم مشتغلون بحب محبوبهم وجماله الوردي). ومكثت ثلاث ليال أسهر بجوار خيمته المباركة وأطوف حولها. وكنت كلما مررت بالديوان الذي يستلقي عليه وجدته يقظان. وكنت أراه في كل يوم مشغولا من الصباح حتى المساء في محادثة سيل لا ينقطع من الزوار الوافدين من بغداد. فما شعرت في كلمة من كلماته بأي أثر من الحذر والاحتياط".(8)

يبين حضرة عبدالبهاء في أحد أحاديثه(1) أن أعداء الأمر أرادوا أن يطفئوا نور الله وسعوا إلى إبعاد حضرة بهاءالله عن بغداد بكل ما أوتوا من قوة. ولم يدركوا أن الإبعاد سوف يجلب النصر لدينه. وعلى أي حال، فإنهم شاهدوا عظمته بأم أعينهم عندما انتقل حضرة بهاءالله إلى حديقة الرضوان وأصابهم الفزع والإحباط الشديدين مما شاهدوه من احترام وتبجيل لحضرته من قبل أهالي بغداد ووجهائها. ثم أضاف أن النفي بحد ذاته حدث يدعو إلى الحزن والكآبة إلا أن حضرة بهاءالله حوّله إلى أبهج حدث في حياته، وأصبحت أيام الرضوان أعظم الأعياد احتفاء بإعلان دعوته لأصحابه وأتباعه.

يمكن أن ينظر لهذه المناسبة على أنها ذروة تجلي ظهوره، الذي مضى عليه عشر سنوات وأنها اكتمال المرحلة الأولى من ولايته. في ذلك اليوم أزاحت يد القدرة عن محيّاه "ألف حجاب من النور"، وأطل على الخليقة لتفوز بلمحة خاطفة من سلطانه وبهائه وليفتتح فصلا جديدا من حياتهم على هذا الكوكب. ويبين حضرة بهاءالله أن في ذلك اليوم "انغمست الأشياء في بحر الطهارة".(9)

_____________________________________________________________________

(1) في خطبة ألقاها في التاسع من الرضوان، 1916م في البهجة بعكاء.

وفي نفس اللوح المبارك، الذي ورد في المقتطف (7)، يمجّد حضرة بهاءالله عيد الرضوان ويشرح أهميته ومغزاه، فيتفضل:

"قد قبضنا الأرواح بسلطان القدرة والاقتدار وشرعنا في خلق بديع فضلا من عندنا وأنا الفضّال القديم".(10)

وفي أحد الأدعية المنزلة في أدرنة يشير حضرة بهاءالله إلى هذا الخلق البديع بهذه الكلمات:

"ما أعلى قدرتك! وما أعلى سلطنتك! وما أعلى اقتدارك! وما أعلى عظمتك! وما أعلى كبرياءك الذي ظهر منه وأعطيته بجودك وكرمك. فيا إلهي، أشهد بأن به ظهرت آياتك الكبرى وسبقت رحمتك الأشياء. لولاه ما هدرت الورقاء وما غن عندليب السناء في جبروت القضاء. وأشهد بأن من أول كلمة خرجت من فمه، وأول نداء ارتفع منه بمشيتك وإرادتك، انقلبت الأشياء كلها والسماء وما فيها والأرض ومن عليها. وبها انقلبت حقائق الوجود واختلفت وتفرقت وانفصلت وائتلفت واجتمعت، وظهرت الكلمات التكوينية في عالم الملك والملكوت والظهورات الواحدية في عالم الجبروت والآيات الأحدية في عالم اللاهوت".(11)

إن القوى الروحية التي أطلقت من عقالها وقت إعلان دعوة حضرة بهاءالله وهبت الجنس البشري طاقة جديدة مكنت كل مخلوق من التعرف على رسالة الله في هذا اليوم، ليقوم بدوره في تأسيس مدنية عالمية للجنس البشري تحت ظل المدنية الإلهية.

ثلاثة بيانات هامة لحضرة بهاءالله

ومع أن كيفية إعلان الدعوة ليست واضحة، فإن هناك لوحا بخط يد ميرزا آقا جان موجها إلى آقا محمد رضا، يلقي الضوء على بعض ما نطق به حضرة بهاءالله. وطبقا لذلك فإن حضرته ذكر في

اليوم الأول من الرضوان ثلاثة بيانات هامة ومحددة لأتباعه(1). ففي الأول نسخ حكم الجهاد في دورته وحرّم استعمال السيف حيث كان المؤمنون في دورة حضرة الباب يأخذون جانب الدفاع عن أنفسهم أمام مضطهديهم، فحرّم حضرة بهاءالله ذلك بصريح العبارة. وفي كثير من ألواحه دعا أتباعه إلى تبليغ الأمر بالحكمة والبيان وألا يثيروا من حولهم حفيظة المتعصبين، كما أمر بالحيطة والحذر في تبليغ أولئك الذين صمموا على اقتلاع الدين من جذوره وإيذاء أتباعه. وفي موضع آخر حذر أتباعه من الوقوع في أيدي الأعداء على وجه الخصوص، أما إذا واجهوا الشهادة فليقبلوها في سبيل دينهم وهو خير لهم من قتل مضطهديهم. وفي أحد ألواحه المباركة يبين بأن لسان المؤمن في تبليغ أمر الله لهو السيف الأعظم بيده، لأن ما ينطق به له من القوة والنفوذ ما يزيل حجب الجهل من القلوب. فتغيرت نظرة المؤمنين جذريا على الفور نتيجة هذا المطلب وتخلوا عن سيوفهم وأسلحتهم الأخرى بالكامل. وخلال ولايتي حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء تجرع كثير منهم كأس الشهادة بغاية الرضا دون اللجوء إلى العنف(2). وكثير منهم أعلن ساعة استشهاده أن دماءه هذه تشهد بأحقية دين الله لهذا العصر.

وفي كل الأحوال، لم يقصد حضرة بهاءالله أن يقف أتباعه مكتوفي الأيدي بكل بله دون الدفاع عن حياتهم. فالعدل واحد

_____________________________________________________________________

(1) لم يكن واضحا إذا كانت البيانات جزءا من الإعلان عن مقامه على أنه "من يظهره الله".

(2) يجب ألا نخلط بينها وبين السلامية -أي عدم استعمال القوة في حل النزاعات- إذ تتعارض مع التعاليم البهائية وفي حقيقة الأمر فقد أباح حضرة بهاءالله استعمال القوة في النزاعات الدولية بقصد الضرب على يد المعتدي. وكتب في هذا الصدد إلى ملوك وحكام العالم: "... إن قام أحد منكم على الآخر قوموا عليه، إن هذا إلا عدل مبين".(12)

من أهم تعاليم هذه الدورة الإلهية، فقد استعمل المؤمنون كل الوسائل المشروعة لحماية أنفسهم من هجوم الأعداء. ففي أيام حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء لم يتمكن الأحباء من رفع أيدي الظلم عنهم إلا ما ندر لأن القائمين على السلطة آنذاك غالبا ما كانوا يساندون بل ويأخذون لهم دورا في جرائمهم الشنيعة. وفي وقتنا الحاضر، والشعوب آخذة بالوعي بمبادىء حقوق الإنسان، وحيثما اضطهد البهائيون بسبب عقيدتهم فإن الجامعة البهائية في العالم تبادر إلى المطالبة بالعدالة وتنصفها الحكومات المعنية وتقدم لها الحماية المناسبة.

وصدر البيان الثاني لحضرة بهاءالله في اليوم الأول من الرضوان، كما ورد في اللوح المذكور، بأنه لا مظهر إلهي بعده قبل مرور ألف سنة. وفي "الكتاب البديع" الذي أنزل في أدرنة، يؤكد على هذه الحقيقة ويشير إليها أيضا في "الكتاب الأقدس" فيما بعد بهذه العبارة:

"من يدعي أمرا قبل إتمام ألف سنة كاملة إنه كذاب مفتر نسئل الله بأن يؤيده على الرجوع إن تاب إنه هو التواب وإن أصر على ما قال يبعث عليه من لا يرحمه إنه شديد العقاب. من يأوّل هذه الآية أو يفسرها بغير ما نزل في الظاهر إنه محروم من روح الله ورحمته التي سبقت العالمين. خافوا الله ولا تتبعوا ما عندكم من الأوهام اتبعوا ما يأمركم به ربكم العزيز الحكيم".(13)

كما نطق حضرة بهاءالله بالبيان الثالث في اليوم الأول أيضا مؤكدا أنه بمجرد نطقه بهذه الكلمات فإن كل الأسماء والصفات الربانية سوف تتجلى في مخلوقاته كافة. وبهذا قضى ضمنا بظهور هذا اليوم الجديد وسريان روح جديدة في جسد الإمكان.

نبوءات حضرة الباب تتحقق

بإعلان حضرة بهاءالله دعوته تحققت نبوءات حضرة الباب بخصوص "من يظهره الله"، وقد ألمح حضرة الباب في كتاباته عن هذا الإعلان في الرضوان وهبوب نسائم الفضل من بغداد، كما تنبأ في البيان الفارسي بأنه سيظهر عند إتمام الواحد الأول (تسعة عشر عاما) من بدء الدورة البابية عام 1844م. وفي الفصل الأول من قيوم الأسماء -وقت إعلان حضرة الباب دعوته للملا حسين- أشار إلى "أهل البهاء" على أنهم "أصحاب السفينة الحمراء"، دون غيرهم، الذين يتحركون في البحر القرمزي. ويقصد بالسفينة الحمراء دين حضرة بهاءالله الذي ارتفعت رايته أول أيام الرضوان وفيه ظهرت للوجود جامعة الاسم الأعظم عندما أقر أتباعه بمقامه الرفيع.

ومن الأيام الاثنى عشر التي قضاها حضرة بهاءالله في الرضوان ثلاثة منها فقط يحرّم فيها العمل هي اليوم الأول والتاسع والثاني عشر. ففي اليوم الأول منها أعلن دعوته وفي اليوم التاسع لحقت به عائلته وهي تعبّر عن ابتهاجها العظيم بذلك الإعلان، وفي اليوم الثاني عشر غادر موكبه المبارك الحديقة.

مغادرة حضرة بهاءالله حديقة الرضوان

وصف حضرة شوقي أفندي -ولي أمر الله- مغادرة حضرة بهاءالله حديقة الرضوان وصفا خلّد فيه تلك الذكرى حيث تفضل:

"كان رحيل حضرة بهاءالله من حديقة الرضوان ظهر اليوم الرابع عشر من ذي القعدة سنة 1279هـ (الموافق للثالث من شهر أيار 1863م). ولقد شهد هذا اليوم مناظر من الحماسة الفياضة الجيّاشة لا تقل روعة ولا تحريكا

للمشاعر عن تلك الحماسة يوم غادر بيته الأعظم في بغداد، إن لم تفقها. وفي ذلك كتب شاهد عيان يقول: (في هذه المناسبة رأينا بأعيننا فزع يوم النشور ويوم الحساب. كان الحبيب والغريب يبكي وينوح. وعجب الأكابر والرؤساء الذين احتشدوا، وتحركت المشاعر بصورة يعجز عن وصفها اللسان، ولا يمكن للمشاهد أن يهرب من عدواها).

ركب حضرة بهاءالله جوادا مطهما أصيلا كميت اللون من أكرم السلالات، كان خير ما استطاع أحباؤه شراءه له. وخلف وراءه حشدا راكعا من المعجبين المشتعلين. وانطلق في أول مرحلة من رحلته إلى الآستانة. وكتب النبيل الذي شاهد بعينه هذا المشهد الخالد قال: (ما أكثر الذين ركعوا للغبار الذي أثاره جواده وقبّلوا سنابكه، وما أكثر الذين اندفعوا ليحتضنوا ركابه!) كما شهد أحد رفاق السفر قائلا: (ما أكثر الذين كانوا هم الإخلاص بعينه فألقوا بأنفسهم بين يدي الجواد مفضلين الموت على مفارقة محبوبهم! حتى لكأني بالجواد المبارك يسير على هذه الأجساد ذات القلوب الطاهرة). وصرح حضرة بهاءالله بقوله: (هو وحده [أي الله] الذي مكّنني من أن أغادر المدينة [بغداد] بجلال لا ينكره إلا الجاحد اللئيم)".(14)

الفصل السابع عشر
الرحيل إلى الآستانة

بينما كان حضرة بهاءالله يهمّ بمغادرة حديقة الرضوان تعالى صوت المؤذن ينادي "الله أكبر"، وتردد صدى هذه الكلمات مرة أخرى في المنطقة كلها، فقد استقبل حضرته بمثلها لدى وصوله الحديقة. وكان يحيط به آنذاك جمهور غفير من الناس، بمن فيهم غير المؤمنين به، جاءوا للإعلان عن ولائهم وإجلالهم لشخصه الكريم للمرة الأخيرة، فساروا في ركابه يحيطون به وهو يمتطي صهوة جواده للرحيل.

وكان هناك رجل يدعى الشيخ عبد الحميد يكنّ لحضرة بهاءالله محبة عظيمة. ولم يكن الشيخ عبد الحميد من المؤمنين بالدين الجديد، بل كان مسلما، إلا أن تعلقه بحضرة بهاءالله لم يكن يحده حدود. وكدليل على ما كان يبديه الشيخ عبد الحميد من الاحترام لحضرة بهاءالله رافق الركب المبارك أثناء خروجه من بغداد وذلك بأن ركض أمام الجواد الذي كان يمتطيه حضرة بهاءالله مسافة عشرة أميال. وقد اعتنق الأمر الإلهي فيما بعد أحد أبنائه المدعو "الشيخ محمد العرب"، وهو الذي سار بعد ذلك ببضع سنوات مشيا على الأقدام طول الطريق إلى مدينة عكاء، وتشرف بالمثول بين يدي حضرة بهاءالله، ومن ثم سافر إلى بلاد فارس حيث قام على خدمة أمر الله بصورة متميزة في حقل التبليغ.

وممن رافق حضرة بهاءالله في سفره من أصحابه البارزين ميرزا آقا الكاشاني الذي لقّبه حضرته فيما بعد بـ"اسم الله المنيب"، كان قد انجذب للدين البابي وهو شاب وانضم إلى

صفوف البابيين. وكان والده تاجرا معروفا في كاشان وشديد العداء للدين الجديد، وبمجرد علمه بإيمان ولده قرر قتله. وفي أحد الأيام اصطحب ابنه إلى مكان مهجور قرب البلدة، وكان على وشك تنفيذ خطته المشؤومة، إلا أن ابنه أقنعه أن البابيين في كاشان سوف لا يسكتون على هذه الجريمة، ولا بد أن يعاقبوه عليها. اقتنع والده بذلك وتركه في سبيله شريطة أن يغادر منزل والده نهائيا.

سافر المنيب إلى بغداد بعد هذه الحادثة المأساوية وتشرف بمحضر حضرة بهاءالله الذي سمح له بالبقاء بعض الوقت. كان شابا ناضجا حاد الذكاء نافذ البصيرة، وسيما ذا شخصية جذابة، مثقفا وخطاطا متميزا وشاعرا موهوبا. وبهذه الشخصية النورانية المشحونة بطاقة روحانية هائلة استحق فيض الرسالة الإلهية. فامتلأ قلبه عشقا لحضرة بهاءالله وكرس كل طاقاته وأفكاره لخدمة مولاه. اعتاد أن يعيش وحيدا في منزل متواضع يأكل من الطعام ما يؤوده، ويقضي وقته في نسخ الآثار المباركة. وتميزت كتاباته بأسلوب سلس ملهم نبّاض بالحياة إلى جانب مواهبه التبليغية الرائعة.

وبعد أن أمضى المنيب في بغداد فترة من الوقت، أرسله حضرة بهاءالله حوالي عام 1859م تقريبا إلى بلاد فارس حيث زار الأحباء في طهران وقزوين وتبريز ثم عاد إلى بغداد وبقي هناك وشهد أيام الرضوان. وعندما تشرف بمرافقة حضرة بهاءالله إلى الآستانة، فضّل أن يقطع الطريق سائرا على قدميه بدل مرافقة مولاه راكبا. ويذكر حضرة عبدالبهاء كيف أنه كان مع المنيب يمشيان في كثير من الليالي على جانبي الهودج الذي كان يقل حضرة بهاءالله. ومما كان يجلب السرور إلى قلبه ويعتز به حمله قنديلا يسير به أمام الهودج.

رافق حضرة بهاءالله إلى الآستانة أفراد عائلته ومنهم آقاي

كليم وميرزا محمد قلي -أخواه الوفيان- وستة وعشرون من أتباعه. وكما ذكر سابقا فقد التحق بالقافلة أثناء الطريق النبيل الأعظم وميرزا يحيى.

وصف حضرة شوقي أفندي هذه الرحلة إلى الآستانة بالكلمات التالية:

"وكانت القافلة تتكون من خمسين بغلا وعشرة فرسان عليهم قائدهم، وسبعة أزواج من الهوادج يظلل كل زوج منها أربع مظلات، فشقت طريقها مجتازة النجاد والوهاد والأحراش والوديان والمراعي التي تؤلف فيما بينها مناظر الأناضول الشرقية الخلابة. وظلت كذلك إلى أن بلغت صامصون على البحر الأسود بعد مائة يوم وعشرة أيام. وكان حضرة بهاءالله يركب الجواد أحيانا، ويستريح أحيانا أخرى في هودجه الذي كان أصحابه يحفّون به سيرا على الأقدام. وبفضل أمر نامق باشا كان الولاة والحكام والمديرون والشيوخ والمفتون والقضاة ورجال الحكومة وأكابر الأقاليم التي يمرون بها أثناء رحيلهم شمالا في أوائل الربيع يستقبلونه بالترحيب الحار. ففي كركوك وأربيل والموصل حيث مكث ثلاثة أيام، وفي نصيبين وماردين وديار بكر، حيث توقف يومين، وفي خربوط وسيواس وكثير غيرها من القرى والدساكر خرجت الوفود للقائه قبل وصوله. كما كانت الوفود تخرج مسافة طويلة لوداعه. أما الولائم التي كانت تقام تكريما له في بعض المراحل، والطعام الذي كان القرويون يعدونه ويقدمونه بين يديه، والشوق الذي كانوا يظهرونه المرة تلو الأخرى لتهيئة كل وسائل الراحة فكانت تعيد إلى الذاكرة ذلك الإجلال والتكريم الذي كان أهل بغداد يخصونه به في كثير من الظروف والمناسبات."(1)

إن الذين قطعوا الصحاري والوديان والجبال في الشرق الأوسط على ظهور البغال والخيول يدركون مدى بطء السير وما يساور المسافر من ملل. وقد لا يصادف المسافر لأميال عدة أي أثر للحياة. ولم يكن بمقدور أفراد القافلة على الغالب أن يتكلموا مع بعضهم البعض بسهولة، وفي ظروف كهذه لا يجد المرء أكثر إنعاشا للروح من سماع صوت عذب يشدو بترتيل جميل. ذلك كان صوت المنيب الذي شنف الآذان بقصائد غنائية وأشعار متنوعة يتردد صداها في الحقول الواسعة والجبال المرتفعة من تركيا، فكانت تجلب السعادة والراحة لكل من كانوا برفقة حضرة بهاءالله. كانت قصائده كلها تحكي عن عشقه لمولاه، وأما مناجاته التي كان يتلوها في جوف الليل فقد كانت تحكي عما يجيش في قلب المنيب من شوق إلى مولاه.

كان المنيب ممن رافق حضرة بهاءالله حين خروجه من الآستانة إلى أدرنة حيث استدعاه مولاه وأمره أن يتوجه إلى بلاد فارس، وهناك يقوم على تبليغ الأمر المبارك ونشر بشائر إعلان دعوة حضرة بهاءالله بين البابيين. وفي الحقيقة فإن أنباء إعلان حضرة بهاءالله لدعوته استغرق وصولها إلى المؤمنين في بلاد فارس وقتا غير قصير، وذلك لسببين، أولهما وسائل الاتصال البدائية، وثانيهما ضرورة توخي الحذر والحكمة في نشر مثل هذه الأخبار الهامة، ولم يكن أحد أقدر على ذلك غير حواريي حضرة بهاءالله المعروفين بتفانيهم وحِدّة بصيرتهم، ولذلك كان حضرة بهاءالله يرسل منهم من كان أكثرهم كفاءة لتبليغ أمره.

بعد أن وصل المنيب إلى طهران، أخذ يلمّح للبابيين عن مقام حضرة بهاءالله بأسلوب بالغ التحفظ في بادئ الأمر. وبعد فترة قصيرة أرسل له حضرته من أدرنة لوحا مباركا موجها له عرف بـ"سورة الأصحاب" ليكون هاديا له ومصدر إلهام. وما أن تسلمه

حتى بدأ في الكشف عن مقام مولاه أمام أعين المؤمنين هناك. أما "سورة الأصحاب" هذه فسورة طويلة يتحدث حضرة بهاءالله فيها عن عظمة أمره ويشير إلى ميرزا يحيى، ويحذر أهل البيان من حبائل الذين أنكروه (ولسوف نستعرض في المجلد الثاني من هذا الكتاب تفاصيل أوفى عن هذه السورة).

قدّم المنيب في هذه الفترة خدمات جلى للأمر المبارك في بلاد فارس وخاصة في طهران. سافر بعد ذلك إلى أدرنة وتشرف بمحضر مولاه مرة أخرى. وكان في تلك المدينة عندما صدر الأمر بنفي حضرة بهاءالله إلى عكاء. في تلك الأثناء تقريبا أصيب المنيب بمرض اشتدت فيه حاجته إلى العلاج، ومع ذلك توسل إلى مولاه أن يسمح له بالانضمام إلى جماعة المنفيين ليشفي غليل شوقه بمرافقته دائما. واستجيب إلى طلبه في نهاية الأمر، ونجح في الوصول إلى جاليبولي مع الآخرين، وكان من شدة مرضه وضعفه أن حمله ثلاثة من الرجال إلى متن الباخرة التي سوف تقلّهم إلى عكاء. وفي الطريق ازدادت حالته الصحية سوءاً مما اضطر القبطان إلى إجباره على النزول في ميناء إزمير. كثيرا ما كان المنيب يظهر لحضرة بهاءالله أن غاية أمنيته في الحياة التضحية بروحه في سبيله. وأخيرا حان الوقت لذلك، وقبل أن يغادر الباخرة زحف بجسمه الهزيل وجثا أمام حضرة بهاءالله وألقى بنفسه على قدميه، وبعينين مغرورقتين بالدموع توسل للمرة الأخيرة أن يقبل منه هذه التضحية. ويستجاب لطلبه وتتحقق في النهاية أمنيته، ونقل بعد ذلك إلى مستشفى في إزمير وهناك فارق الحياة بعد وقت قصير ورفت روحه في عوالم الخلد الروحانية.

وفي لوح مبارك يصف حضرة بهاءالله هذه الأحداث فيذكر بأن روح المنيب عندما تبوأت مقامها في العالم الآخر هرعت إليها أرواح الملكوت وأهل الملأ الأعلى لاستقبالها بلهفة ومحبة. ومن

الذين حملوه إلى المستشفى كان حضرة عبدالبهاء الذي طلب من الأحباء فيما بعد أن يجعلوا من قبره مكانا معروفا ليستطيع الزائرون زيارته والإقتداء بسيرة حياته العطرة.(2)

وقد رافق حضرة بهاءالله إلى الآستانة أتباع آخرون منهم آقا محمد صادق من إصفهان الذي اعتنق الأمر في بغداد وعاش قريبا من البيت المبارك. وكان ذا إحساس روحاني نفاذ حيث أدرك حقيقة الأمر الإلهي بمجرد سماعه عنه.(3) ومؤمن آخر متفان من إصفهان يدعى آقا محمد علي حظي برفقة حضرة بهاءالله فصحبه إلى كل من أدرنة وعكاء.(4) وآقا محمد علي الصباغ من يزد، الذي أقام في الآستانة سنتين لمساعدة الأحباء المارين بها، وبعدها ذهب إلى أدرنة ونفي مع حضرة بهاءالله إلى عكاء.(5)

أما بالنسبة لجماعة المنفيين فلم يكن أحد يجيد اللغة التركية سوى عبد الغفار الإصفهاني، فقام بالترجمة آنذاك ورافق حضرة بهاءالله في أدرنة وفي طريقه إلى عكاء. إلا أنه بوصول المركب إلى ميناء حيفا اختارته السلطات أحد أربعة بهائيين تقرر نفيهم إلى جزيرة قبرص مع ميرزا يحيى، وكان وقع الخبر شديدا عليه بحيث ألقى بنفسه في البحر مفضلا الموت على الافتراق عن مولاه. ولكن الضباط المسئولين أنقذوه وأرسل إلى قبرص بالرغم من تظلمه واعتراضه الشديد. فسجن في فماغوستا، إلا أنه استطاع الهرب إلى عكاء والاستمتاع بأنوار شمس الحضور المبارك.(6)

ومؤمن مخلص آخر، يدعى محمد إبراهيم الأمير، رافق حضرة بهاءالله إلى الآستانة وهو من البقية الباقية بعد ملحمة نيريز. كان شجاعا مقداما خدم مولاه ليل نهار ونفي معه إلى أدرنة وعكاء.(7)

واثنان من المؤمنين المخلصين رافقا الموكب المبارك

متقدمين الهودج الذي كان يقل حضرة بهاءالله سائرين على الأقدام طول الطريق إلى ميناء صامصون على البحر الأسود، هما آقا ميرزا محمود من كاشان وآقا رضا من شيراز. كانا يعدان الطعام للمسافرين حيثما ألقت القافلة رحلها، وبالرغم من قسوة ظروف الرحلة والتعب والإعياء كانا يعملان على خدمة الأحباء حتى منتصف الليل من كل يوم بكل تفان وإخلاص. فإلى جانب طهي الطعام وغسل الصحاف كانا يؤمنان الراحة والخدمة المناسبة لكل فرد. فكانا آخر من يستريح ليلا وأول من يستيقظ صباحا ليقوما بكل محبة وإخلاص بهذه الخدمة كل يوم خلال الرحلة من بغداد إلى الآستانة.

وصف حضرة عبدالبهاء هذين الشخصين بأنهما مثال التجرد والانقطاع عن هذا العالم، تحيط بهما بركات حضرة بهاءالله دوما. عاشا في فقر شديد مع خمسة من الأحباء في غرفة واحدة صغيرة، واعتاد الأصحاب السبعة أن يجمعوا ما يكسبوه في اليوم لشراء وجبة المساء، وفي إحدى المرات، كما ذكر حضرة عبدالبهاء، لم يتمكن سوى واحد منهم من الكسب في ذلك اليوم، ولم يستطيعوا شراء شيء إلا حفنة من التمر. وبالرغم من فقرهما كان آقا ميرزا محمود وآقا رضا سعيدين في عيشة راضية، تعلو وجهيهما إشراقة البهجة التي لا تزول، ويملأ قلبهما حب حضرة بهاءالله. وكان أملهما في الحياة رضاء المحبوب وغايتهما القصوى خدمته.

ونفي الاثنان فيما بعد إلى عكاء حيث خدما مولاهما على الدوام بعشق وإخلاص. وبعد الصعود المبارك خدما حضرة عبدالبهاء بالإخلاص نفسه وبالولاء ذاته، وكانا مرافقيه المؤتمنين اللذين اعتمد عليهما في أحلك ساعات ولايته. امتدح فيهما التواضع والخضوع وتفضل بأنهما لم ينطقا بكلمة تنم عن النفس طيلة سني خدماتهما الطويلة.(8)

أما الشخص الآخر الذي كان متيما بحب حضرة بهاءالله هو الدرويش صدق علي الذي توسل إلى حضرة بهاءالله أن يسمح له بمرافقة القافلة إلى الآستانة. وعندما فاز بهذا الشرف أخذ يعمل سائسا للخيل أثناء الرحلة واعتاد السير على قدميه بجانب القافلة طيلة النهار مطلقا لصوته العنان في إنشاد القصائد والأشعار التي كانت تنعش الأرواح وتجلب السرور إلى قلوب الأحباء، ثم يقوم على خدمة الخيل ليلا. وبعد ذلك رافق حضرة بهاءالله من الآستانة إلى أدرنة ثم إلى عكاء. كان في الأصل درويشا اعتنق الأمر الكريم في بغداد وانقطع عن الدنيا، ومنذ ذلك الوقت كرس حياته لخدمة الأحباء وبقي حتى آخر حياته محط عنايات حضرة بهاءالله.(9)

وهناك ميرزا جعفر اليزدي(1) الذي كان يقوم بأعمال شاقة طيلة الرحلة وكان من علماء الدين المجتهدين. فبعد أن أدرك حقيقة الأمر المبارك حضر إلى بغداد وتشرف بالمحضر الأنور لحضرة بهاءالله حيث غمرته روح جديدة، وعلى أثرها استقال من منصبه وألقى جانبا لباسه الخاص برجال الدين واعتمر قبعة عادية واشتغل نجارا. ومع أنه كان رجل علم له مكانته المرموقة فقد اتصف بالتواضع ونكران الذات. خدم في البيت المبارك في بغداد بعض الوقت، وقام على خدمة الأحباء بكل وسيلة ممكنة أثناء سير القافلة إلى الآستانة. وعندما كان الأحباء يخلدون إلى الراحة أو ينامون أثناء توقف القافلة، اعتاد ميرزا جعفر وحضرة عبدالبهاء أن يذهبا إلى القرى المجاورة لشراء العلف واللوازم الأخرى للبغال والخيول. وكان ذلك العمل يستغرق أحيانا بضع ساعات بسبب المجاعة التي ضربت المنطقة وأضحى الطعام صعب المنال. ظل ميرزا جعفر في خدمة حضرة بهاءالله في أدرنة ثم نفي معه إلى السجن الأعظم في عكاء.

_____________________________________________________________________

(1) لا يخلط بينه وبين السيد جعفر اليزدي. (انظر الصفحات 144-149).

وفي ذكر ميرزا جعفر يروي حضرة عبدالبهاء القصة التالية:

"كان السجن بالنسبة له حديقة أزهار، وزنزانته الضيقة فناء واسعا عطرا. وعندما كنا في الثكنات وقع فريسة مرض خطير ألزمه الفراش. عانى كثيرا من مضاعفات المرض حتى أن طبيبه يئس من حالته وانقطع عن زيارته في النهاية إلى أن لفظ نفسه الأخير، عندها أسرع ميرزا آقا جان إلى حضرة بهاءالله بخبر الوفاة. لم يكن نَفَسُه قد توقف فحسب بل أن جسده أصبح مشلولا. فتجمعت عائلته حوله يندبون ويذرفون دموع الحزن والأسى. وأمرني الجمال المبارك قائلا: (اذهب، واتل دعاء "أنت الشافي" وسترجع إليه الحياة، وسرعان ما يعود إلى ما كان عليه من صحة وعافية). أسرعت ووقفت بجانبه. كان جسمه باردا وعليه علامات الموت، إلا أنه بالتدريج أخذ يتحرك ببطء ثم استطاع أن يحرك أطرافه، وقبل مضي ساعة رفع رأسه وجلس منتصبا وأخذ في الضحك وسرد النكات.

بعد ذلك عاش مدة طويلة منشغلا في خدمة الأحباء كما كان في الماضي، وكان ذلك مبعث الفخر له حيث كان للجميع خادما. كان في كل الأحيان خاشعا متواضعا حاضر الذهن بذكر الله ممتلئا حتى الثمالة أملا وإيمانا".(10)

وبعد عدة سنوات تعرض ميرزا جعفر لحادث مماثل شاهده الحاج محمد طاهر المالميري وسجله في مذكراته. وفيما يلي ترجمة لملاحظاته:

خلال إقامة حضرة بهاءالله في قصر المزرعة اعتاد ميرزا جعفر، وهو أحد خدمة البيت المبارك، أن يملأ إبريقا من الماء ويتركه كل ليلة خارج باب غرفة الجمال المبارك في

الطابق العلوي للقصر تحسبا لاحتياجه له أثناء الليل. وهناك شرفة(1) في واجهة القصر غالبا ما كان جمال القدم يذرعها جيئة وذهابا. وذات ليلة وبعد الغروب بأربع ساعات تقريبا، وبينما كان ميرزا جعفر يصعد الدرجات حاملا إبريق الماء كالمعتاد وسط الظلام الحالك، سقط من حافة السقف، لسوء تقدير المسافات، إلى أسفل الحديقة في جزء غير مستعمل منها ولا يتردد عليه أحد.

وفي الصباح الباكر من كل يوم اعتاد ميرزا جعفر أن يحلب البقرات ثم يتوجه إلى أعمال المنزل الأخرى، إلا أنهم في ذلك الصباح افتقدوه، وبحث الأحباء عنه في كل مكان ولم يجدوه، وأخيرا اضطروا إلى حلب البقرات وإحضار الحليب لأهل البيت، ثم انصرف كل فرد إلى إتمام الأعمال الأخرى. وبعد ثلاث ساعات من شروق الشمس تقريبا، شرف الجمال المبارك إلى الشرفة وتوجه مباشرة نحو المكان الذي سقط منه ميرزا جعفر ثم ناداه باسمه، فنهض على الفور وأخذ الإبريق الفارغ وخرج من الحديقة بصحة تامة. ومتى سأله الأحباء أن يقص عليهم تلك الحادثة كان يقول: "بمجرد سقوطي عن السطح وبيدي الإبريق فقدت الوعي إلى أن صاح جمال القدم عليّ باسمي"(2).(11)

وبغض النظر عن السيد محمد الإصفهاني السيئ السيرة الذي سافر مع الركب، وميرزا يحيى الذي انضم إلى القافلة المباركة أثناء الطريق، فإن أتباع حضرة بهاءالله قد أظهروا في هذه الرحلة

_____________________________________________________________________

(1) تغير شكل البناء عما كان عليه أيام حضرة بهاءالله بإضافة بعض الغرف.

(2) لا ينظر إلى هذه القصص العرضية وما شابهها على أنها ضرب من المعجزات أو دليل على أحقية رسالة حضرة بهاءالله، ويأبى حضرته أن تنسب إليه المعجزات لأنها إنقاص لمقام المظهر الإلهي.

كل محبة وتواضع وتفان نحو مولاهم بحيث يعجز القلم عن الوصف. إن امتيازهم الفريد بصحبتهم لحضرته إلى الآستانة ملأ عليهم أركانهم وجوارحهم وألهب مشاعرهم وغمرهم بسعادة وطمأنينة خففت عنهم مشاق السفر الطويل على الأقدام أو على البغال.

واستمر الناس طوال الطريق حتى وصول القافلة إلى ميناء صامصون يبدون مظاهر التبجيل والاحترام تجاه حضرة بهاءالله. ومن هناك توجه بحرا إلى الآستانة. وعن ذلك كتب حضرة شوقي أفندي في "كتاب القرن البديع" ما يلي:

"وفي صامصون زاره كبير مفتشي الولاية الممتدة من بغداد إلى الآستانة يصحبه عدد من الباشوات، وأبدوا له غاية الاحترام والإجلال، فدعاهم إلى مائدته لتناول الغداء، وكما تنبأ في لوح ملاح القدس، ركب سفينة تركية بعد سبعة أيام. وبعد ثلاثة أيام أخرى، في ظهر غرة ربيع الأول سنة 1280 للهجرة (الموافق 16 آب سنة 1863م) نزل في ثغر الآستانة هو ومن معه من رفاق المنفى. وركب هو وأسرته عربتين خاصتين كانتا في انتظاره على مرسى الميناء. وتوجه إلى دار شمسي بك الموظف الذي انتدبته الحكومة ليرحب بضيوفها. وكان منزله مجاورا لمسجد "خرقة شريف" إلا أنهم انتقلوا بعد ذلك إلى بيت ويسي باشا القريب من مسجد السلطان محمد. وكان منزلا أرحب وأوسع.

ببلوغ حضرة بهاءالله الآستانة عاصمة الإمبراطورية العثمانية ومقر الخلافة الإسلامية (ويكنيها المسلمون "قبة الإسلام" ويصفها حضرة بهاءالله بالبقعة التي استقر فيها "كرسي الظلم") يمكننا أن نقول أن أنكد فصل وأقساه بل أمجد فصل من القرن البهائي الأول قد ابتدأ فعلا. نعم، لقد

ابتدأت فترة اختلطت فيها الامتحانات التي لم يسبق لها مثيل، والحرمان الذي يجل عن الوصف، بأنبل الانتصارات الروحية وأكرمها، وأوشكت فيها شمس حضرة بهاءالله أن تبلغ سمت الزوال. واقتربت فيها أخطر سنوات عصر البطولة المجيد من دورته. وانطلقت فيها تلك العملية الهدامة المدمرة التي سبق أن تنبأ بها مبشره الفريد في قيوم الأسماء منذ سنة الستين المبكرة.

منذ عشرين سنة كاملة ولد الظهور البابي في إيران المظلمة بمدينة شيراز. وبالرغم من الحبس المرير الذي عاناه مؤسسه إلا أن حضرة الباب أعلن دعاويه الجبارة أمام مجتمع ممتاز في تبريز عاصمة آذربيجان. وفي مزرعة بدشت افتتح بجرأة حماة أمره الدورة التي بدأها. وبعد تسع سنوات أثمر هذا الظهور ثمرا مفاجئا على نحو غيبي عجيب سريع في ليل اليأس والعذا بسياه ﭽال في طهران. وبعودة حضرة بهاءالله من السليمانية تعطلت، بصورة بارعة، عملية التدمير والتخريب التي كانت قد انطلقت تنخر في مقادير الدين ومصائره والتي تسارعت بصورة مخيفة أثناء اعتكافه في كردستان، ليس هذا فحسب بل وتحول مجراها. وأثناء إقامته في بغداد بعد ذلك أرسى للجامعة الناشئة قواعدها الخلقية والأدبية والعقيدية على أساس متين. وأخيرا في حديقة الرضوان، عشية نفيه إلى الآستانة، انتهت مهلة السنوات العشر التي قدرتها العناية الإلهية الغيبية بإعلان رسالته وظهور ما سوف يصبح نواة لجامعة دينية عالمية."(12)

الفصل الثامن عشر
"من يظهره الله"

لم يسبق في التاريخ، حتى ظهور حضرة الباب، أن بشر مظهر إلهي بمن سيأتي من بعده وزامن الواحد فيهما الآخر. كان حضرة الباب(1) يصغر حضرة بهاءالله بعامين وعاشا في بلد واحد لا يفصل بينهما سوى 500 ميل: فحضرة الباب في شيراز وحضرة بهاءالله في طهران.

كان حضرة الباب مظهرا إلهيا مستقلا افتتح الدورة البابية، فنسخ أحكام الإسلام ووضع أحكاما جديدة، وكما فعل الرسل السابقون من قبل فقد جاء برسالة إلهية مستقلة سرعان ما انتشرت في أنحاء بلاد فارس والعراق. وبظهور حضرة الباب ختم كور النبوات بمجيء يوم الله على لسان رسله من جهة، وافتتح كور تحقق الوعود ومحوره حضرة بهاءالله من جهة أخرى. وقد مجد حضرة بهاءالله حضرة الباب فوصفه بأنه "سلطان الرسل" و"النقطة التي تدور حولها أرواح النبيين والمرسلين" والذي "قدره أعظم من كل الأنبياء" و"أمره أعلى وأرفع من عرفان كل الأولياء وإدراكهم".(1) فكانت رسالته تهيئة النفوس لمجيء حضرة

_____________________________________________________________________

(1) ولد حضرة الباب -واسمه علي محمد- في اليوم الأول من محرم عام 1235هـ. وحضرة بهاءالله في الثاني من محرم عام 1233هـ. حسب التقويم القمري المعمول به في العالم الإسلامي. وثمة حديث يروى عن الإمام علي كرم الله وجهه -خليفة رسول الله (- يقول: "إني أصغر من ربي بسنتين". ويطابق الميلادان في التقويم الشمسي الميلادي 20 تشرين الأول سنة 1819 لحضرة الباب، و12 تشرين الثاني سنة 1817 لحضرة بهاءالله.

بهاءالله، المظهر الكلي الإلهي وموعود كافة الكتب السماوية السابقة.

إن مقام حضرة بهاءالله من السمو بمكان بحيث بشر به مظهر إلهي مستقل هو حضرة الباب. فمهد الطريق لمجيئه وأسس عهدا متينا لظهوره وأنشأ خلقا جديدا يليق بلقائه وحمل رايته.

كان إعلان حضرة الباب لأتباعه عن "من يظهره الله" من بعده إعلانا حصينا متينا مبرما، وأكثر وضوحا وتأكيدا مما أبرمه الرسل السابقون. فعلامات المجيء القادم في الظهورات السابقة كان يكتنفها الغموض وجاءت في قالب مجازي، إلا أن حضرة الباب لم يأت بالعلامات على شاكلتها بل بيّن أن بهاء "من يظهره الله" سيكون واضحا للجميع بشكل مذهل حتى أنه ليس بحاجة إلى علامات. وحذر الخلائق أجمعين من أن أحدا لن يعرفه بما لديه من علوم، ولن يستطيع الحكم عليه بما عنده من موازين، أو يضع الحجج والبراهين على أحقيته، لأنه سوف يكون فوق الإدراك وسيعرف بنفسه وكلماته. والدليل الوحيد على صدق دعوته تنزيل قلمه الأعلى لا ما يأتي به البشر. وفي كتاباته في تمجيد حضرة بهاءالله يؤكد حضرة الباب قائلا: "يستحي اليقين أن يوقن به... ويستحي الدليل أن يدل عليه".(2)

وفي فترة ولايته، كان حضرة الباب يؤكد مرارا وتكرارا على عظمة المظهر الكلي الذي يأتي من بعده وجلاله. وفي أحد أدعيته يناجي حضرة بهاءالله بهذه الكلمات المنزلة:

"سبحانك يا ربي المقتدر ما أضعف كلمتي وكل ما يظهر عني إلا بأن يرجع إلى عزك المنيع، وإني ألتمس أن كل ما يظهر مني يكون بفضلك مقبولا لديك".(3)

وفي موضع آخر يتفضل :

"وقد كتبت جوهرة في ذكره وهو أنه لا يشار بإشارتي ولا بما ذكر في البيان".(4)

تدور رسالة حضرة الباب وتعاليمه وأحكامه وتحذيراته حول محور واحد كامن في "من يظهره الله". ففي "كتاب البيان" -أم الكتاب في دورته- قرر بأن الهدف من إنزال كل حرف فيه هو مساعدة أتباعه في معرفة "من يظهره الله" وإطاعته. وفي موضع آخر تفضل:

"إن البيان من أوله إلى آخره مكمن جميع صفاته وخزانة ناره ونوره".(5)

وصرح بأن "كتاب البيان" معلق بقبول "من يظهره الله" إذ بكلمة منه يقبل أحكامه وشرائعه أو يرفضها، وأن "كتاب البيان" يستمد عظمته من "من يظهره الله" وهو الذي أنزله حقا ويدرك وحده ما بطن فيه وما ظهر. وفي موضع آخر يؤكد أن "من يظهره الله" والذين يتعلمون منه فقط يستطيعون فهم معاني الكتب المقدسة السابقة.

أكد حضرة الباب على أنه رسول أرسله "من يظهره الله" وأنه عبد حقير لدى عتبته. فخاطب أتباعه محذرا بأنهم لن يكونوا أوفياء "لكتاب البيان" أو يحظوا بالقبول لدى المحبوب ما لم يؤمنوا "بمن يظهره الله". وشرح في "كتاب البيان" بأن الذين اتبعوه وأطاعوه بإخلاص فيما شرّع لهم في هذا الكتاب المبين هم المؤمنون بالله حقا، ومع هذا فإن روح الإيمان ستسلب منهم ما لم يؤمنوا "بمن يظهره الله" ويعتنقوا أمره. وفي موقع آخر من الكتاب يضرب لنا مثلا لو أن أحدا متفقها في "البيان" حافظا

آياته متفرسا بمعرفته متحليا بكل الفضائل لو يتردد أقل من آن في قبول "من يظهره الله" يحبط الله إيمانه ويبطل اعتقاده به. وفي خطابه لوحيد، أكثر أتباعه شهرة، حذره بكلماته التالية:

"فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أيقنت بأنك يوم ظهوره لا تؤمن به لأرفعت عنك حكم الإيمان... ولو علمت أن أحدا من النصارى ممن لم يؤمنوا بي يؤمن به لجعلته قرة عيناي".(6)

وفي كثير من كتاباته المباركة أعرب حضرة الباب عن بالغ حزنه وأساه بمجرد تفكيره بأولئك الذين سيعرضون عن موعود البيان من أتباعه. وفي إشارته إلى "من يظهره الله" تفضل قائلا:

"... وإن يؤمنن به يوم ظهوره كل ما على الأرض فإذا يسر كينونتي حيث كل قد بلغوا إلى ذروة وجودهم ... وإلا يحزن فؤادي وإني قد ربيت كل شيء لذلك فكيف يحتجب أحد؟!"(7)

ولكونه مظهرا إلهيا فقد أحاط حضرة الباب بمقام حضرة بهاءالله إحاطة تامة تعلو قدرة الإنسانية في الوصول إلى حقيقة مقامه. وإن الإدراك والعظمة والقدرة لمن قدر له أن يأتي من بعده لأمر معجز تقف دونه عقول البشر. ولهذا السبب فإن آيات حضرة الباب في تمجيد حضرة بهاءالله قد صعقت خيال أولئك الذين لم يكونوا على درجة من الوعي بمقامه المتعالي الرفيع. كان ظهور حضرة بهاءالله من العظمة والروعة، كما صوره حضرة الباب، بحيث لم يجد عذرا لأولئك الذين احتجبوا عنه. كان ظهوره بالنسبة له كالشمس وضوحا وجلوة، ولهذا نصح أتباعه ألا يتطرق الشك إلى قلوبهم لدى سماعهم برسالة "من يظهره الله". وإذا زلزلت قلوبهم في أمره فإن عليهم غضب الله طالما بقوا في شك وريبة.

وفي كتاباته دعا حضرة الباب أتباعه إلى الحذر من أن يقف "كتاب البيان" أو الكتب السماوية الأخرى أو أي شيء في الوجود دونهم في معرفة "من يظهره الله". وهذه بعض كلماته:

"لا يمنعكم البيان وما نزل فيه عن جوهر الوجود ومالك الغيب والشهود".(8)

وكذلك يتفضل :

"إياك إياك يوم ظهوره أن تحتجب بالواحد البيانية(1) فإن ذلك الواحد خلق عنده".(9)

وخاطب أتباعه مكررا:

"أن يا كل شيء في البيان فلتعرفن حد أنفسكم فإن مثل نقطة البيان يؤمن بمن يظهره الله قبل كل شيء وإنني أنا بذلك لأفتخرن على من في ملكوت السموات والأرض".(10)

لمّح حضرة الباب في مرات عدة إلى "سنة التسع" موعدا لمجيء "من يظهره الله" وبدأت رسالة حضرة الباب عام 1260هـ (الموافق 1844م) وسنة التسع توافق 1269هـ التي بدأت في منتصف عام 1852م تقريبا حيث كان حضرة بهاءالله قد أمضى شهرين في سياه ﭽال بطهران، مكان إعلان دعوته السرية.

وفيما يلي بعض الكلمات التي لمعت من أفق "البيان العربي" وألواح أخرى أنزلها حضرة الباب لبعض تلاميذه:

"وفي سنة التسع أنتم كل خير تدركون".

_____________________________________________________________________

(1) حضرة الباب وحروف الحي الثمانية عشر.
"وفي سنة التسع أنتم بلقاء ربكم ترزقون"(1).
"فإن لكم بعد حين(2) أمر ستعلمون".

"من أول ذلك الأمر إلى قبل أن يكمل تسع كينونات الخلق لم تظهر وإن كل ما قد رأيت من النطفة إلى ما كسوناه لحما ثم اصبر حتى تشهد خلق الآخر قل فتبارك الله أحسن الخالقين!"

"إصبر حتى ينقضي عن البيان تسعة فإذا قل فتبارك الله أحسن المبدعين".(11)

وأشار حضرة الباب من جهة أخرى إلى السنة التاسعة عشر المطابقة لإعلان دعوة حضرة بهاءالله في بغداد والتي وقعت في نهاية السنوات القمرية التسع عشرة من بداية العصر البهائي. وهذا ما تفضل به بهذا الخصوص:

"يظهر مالك يوم الدين في نهاية الواحد وابتداء الثمانين"(3).(12)

وفي معرض ذكره عن تاريخ مجيء "من يظهره الله" طلب حضرة الباب من أتباعه في "كتاب البيان" الفارسي أن يكونوا واعين من بداية ظهوره وحتى عدد "واحد" وأن يصغوا بآذان

_____________________________________________________________________

(1) شرح حضرة الباب في كتاباته أن الفوز بلقاء الله المذكور في الكتب السماوية ما هو إلا لقاء "من يظهره الله".

(2) قيمة (حين) العددية هي 68 وتعني عام 1268هـ وبعد حين تعني بداية عام 1269هـ. وقد كشف الشيخ أحمد الأحسائي عن هذه النبوءة التي تتعلق بظهور حضرة بهاءالله.

(3) أي عام 1280هـ الموافق 1863م.

واعية للرسول الجديد عند ظهوره. ومع أن حضرة الباب قد أشار مرارا إلى السنتين "تسع" و"تسع عشرة"، فقد نص صراحة على أن مجيء "من يظهره الله" رهن بإرادة ذاته، وفي أي وقت يختاره لإظهار نفسه فإن على كل فرد التوجه إليه وإطاعة أمره. وفي قلعة ماه كوه أعلن حضرة الباب هذا الإعلان الخطير:

"لو ظهر في هذه اللحظة لكنت أول العابدين وأول الساجدين".(13)

مجد حضرة الباب بعبارات التبجيل والتفخيم عظمة ظهور حضرة بهاءالله، وذكر أنه ليس في عالم الوجود شيء يهب السعادة مثل سماع آيات "من يظهره الله" وإدراكها. وتفضل قائلا: "إن تلاوة البيان ألف مرة لا توازي تلاوة آية واحدة ينزلها من يظهره الله".(14) وفي أحد فصول "كتاب البيان" يصرح بأن أعظم شاهد بيّن على أحقية "من يظهره الله" نزول آياته، وأن على أتباعه أن يكونوا واعين لطبيعة المظهر الجديد الفائقة، فيهيئوا أنفسهم لمجيء "من يظهره الله"، وأن يقرأوا الفصل الخاص بذلك الوارد في "كتاب البيان" ويتمعنوا فيه مرة كل تسعة عشر يوما.

وعن الذين قد يدّعون أنهم موعودو "كتاب البيان"، فقد أكد حضرة الباب بكل ثقة أن من يدعي هذا المقام بالباطل فلن يقوى على إثباته ويغدو عاجزا عن إنزال كلمات الله وهي البرهان الأتم لـ"من يظهره الله". ومع هذا، ومن أجل إعزاز مقام "من يظهره الله" وإجلاله، فإن من يدعي هذا المقام، فقد أمر حضرة الباب أن يترك وشأنه دون اعتراض عليه وعلى أقواله.

كان حضرة الباب حريصا على حماية حضرة بهاءالله، لذا منع أتباعه من الجدال والنزاع الذي مارسه علماء الإسلام لأن نتيجته

الحتمية تشيع وانقسام، وحثهم على طهارة القلم واللسان ومراعاة الآداب في الحديث والبيان، خاصة في التعبير عن آرائهم، أو طرح براهينهم أثناء أي نقاش، وكان هدفه من ذلك كله عدم الإساءة لـ"من يظهره الله" من قبل أتباعه بقول أو عمل. وحذر أتباعه أيضا من توجيه أسئلة لـ"من يظهره الله" إلا بما يليق بمقامه الرفيع احتراما وتبجيلا بالمظهر الكلي الإلهي المتعالي فوق امتحان العباد. إلا أن حضرة بهاءالله رفع هذا المنع في "الكتاب الأقدس" وسمح للأحباء سؤاله بكل حرية.

لدى تلاوتنا كتابات حضرة الباب، خاصة "كتاب البيان"، ندرك أنه هيأ أتباعه بكل وسيلة ممكنة لمجيء "من يظهره الله". فلم يعطهم فهما حقيقيا لمقامه السامي ولا وضع أمامهم صفات روحانية تجعلهم لائقين بقبول ظهوره فحسب، بل وجه سلوكهم وأوصاهم بمظهرهم ولباسهم، حتى لا يكدّروا جانبه بالإضافة إلى تطهير نفوسهم من علائق هذا العالم.

في عدة فقرات من "كتاب البيان" وفي كتاباته الأخرى ذكر حضرة الباب حضرة بهاءالله باسمه مشيرا إليه بـ"من يظهره الله". وكل هذه الإشارات تدل دلالة واضحة على أن حضرة بهاءالله هو موعود "كتاب البيان" وقبلة الباب نفسه في عبادته. وفي "كتاب البيان" الفارسي نجد مثالا مدهشا في معرض إشارته لـ"من يظهره الله" حيث يتنبأ حضرة الباب بتأسيس نظام جديد من قبل حضرة بهاءالله. وتلك كلماته:

"طوبى لمن ينظر إلى نظم بهاءالله ويشكر ربه. فإنه يظهر ولا مرد له من عند الله في البيان".(15)

كثيرة هي الخصائص التي أوردها حضرة الباب في كتاباته عن عظمة الرسالة التي يحملها "من يظهره الله" وهي عظمة تفوق أي

تصور، وعديدة هي عبارات الولاء والفناء تجاه صاحب تلك الرسالة. فقد عرف حضرة الباب حضرة بهاءالله على أنه مصدر وحيه وإلهامه ومظهر ظهوره وهدف عبادته، وكثيرا ما تمنى القتل في سبيله. ففي كتاب "قيوم الأسماء"،(1) الذي وصفه حضرة بهاءالله بـ"أول وأعظم وأكبر"(16) ما أنزله قلم حضرة الباب، نجد الإشارات التالية إلى حضرة بهاءالله -"من يظهره الله"-:

"يا سيدي الأكبر. ما أنا بشيء إلا وقد أقامتني قدرتك على الأمر، ما اتكلت في شيء إلا عليك وما اعتصمت في أمر إلا إليك... يا بقية الله قد فديت بكلي لك ورضيت السبّ في سبيلك وما تمنيت إلا القتل في محبتك وكفى بالله العلي معتصما قديما وكفى بالله شاهدا ووكيلا...

وعندما يحل الميقات أظهر بإذن الله الحكيم من علياء الجبل الأرفع الأسنى قبسا من مكمنك المنيع لينصعق الذين أقروا بتلألىء السيناء وهم يأنسون بارقة من نورك الخاطف الذي يحيط بأمرك".(17)

صوّر حضرة الباب في كتاباته شخص "من يظهره الله" بأنه صاحب جلال يبعث الرهبة في النفوس، وهو عظيم لا يحدّ عظمته وجبروته حدّ. فريد لا مثال له. فدراسة هذه الكتابات تمنح القارئ إدراكا أفضل لحقائق أمر حضرة بهاءالله مع أنها تظهر عجز الإنسان عن تقدير أهمية ظهوره أو نفوذ كلماته أو معرفة سمو مقامه تمام المعرفة.

ولهذا العجز يعزى ربما وجود مدرستين فكريتين رئيستين بين

_____________________________________________________________________

(1) أنزل حضرة الباب الفصل الأول من هذا الكتاب ليلة إعلانه دعوته للملا حسين في 22 أيار 1844م.

الأحباء حول مقامه، برزتا في إحدى مراحل ولاية حضرة بهاءالله. فبعضهم اعتقد أنه المظهر الكلي الإلهي وآخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك. وعندما سئل عن مقامه، أكد حضرة بهاءالله بأن الفريقين على حق طالما أنهم مخلصون في اعتقادهم، أما إذا تجادلوا وتنازعوا فيما بينهم وحاول أحدهما تبديل معتقد الآخر فكلاهما على باطل. وهذا دليل قاطع أن الإنسان بعقله المحدود عاجز عن فهم المقام الحقيقي للمظهر الإلهي، والميزان في ذلك مدى الإيمان والإخلاص، وحيث أن الله تعالى يعرف حدود الإنسان وقدراته فهو يقبل منه ما يستطيع تحقيقه من إنجازات.

ورغما عن هذا الاختلاف في وجهات النظر في مقامه بين أتباع حضرة بهاءالله في بداية ولايته، والذي منشؤه الوحيد تباين قدراتهم في إدراك حقيقة هي على غاية من السمو والرفعة، فإن الهدف الرئيس لظهوره في اتحاد بني البشر لم ينحرف عن مساره مطلقا. فمنذ البداية، طوقت الجامعة البهائية بسوار من الحفظ والحماية ضد أي انقسام أو تشيع واستمرت في ذلك خلال تاريخها الحافل بالأحداث، لتعكس تأثير التلاحم والوحدة الذي يقوى نسيجها ويحركها. إن الذين عرفوا حضرة بهاءالله واعتنقوا أمره قد دخلوا حصن وحدة روحانية تتخطى في طبيعتها كل الحدود البشرية، وقد نشأت هذه الوحدة بقوة الميثاق الإلهي مع البشرية في هذا العصر.

وفي الآثار الكتابية للشخصيات الرئيسة للدين البهائي إشارات عديدة للطبيعة الفائقة لظهور حضرة بهاءالله. كما أن ولي أمر الله، حضرة شوقي أفندي، تطرق إلى توضيح هذا الموضوع، بل ويمكن القول بأن شرحه الواضح للمغزى من ظهور حضرة بهاءالله كان من الدعائم التي أسهمت في ترسيخ بنيان الأمر المبارك. ففي مؤلفه الهام، "دورة بهاءالله" ألقى الضوء برأي سديد حصيف على كل

ما يتعلق بالظهور الأعظم: مؤسسيه، هيئاته ومؤسساته، تعاليمه الرشيدة، أهدافه، غاياته ومقدراته النهائية المصيرية. ولم يتوفر للبهائيين قبل ذلك مرجع مماثل يعرض نمطا متماسك العناصر في وضع أسس دراسة منهجية لدينهم. فحضرة شوقي أفندي هو الذي وضع الظهور المحيّر لحضرة بهاءالله في قالب يستوعبه الإنسان المعاصر بقدراته المحدودة، وساعد في وضع الفيوضات الهاطلة من طاقاته الروحية في قنوات، ومكّن المؤمنين من أتباعه من التركيز على رؤية جلية واضحة للأمر المبارك وإدراك رصين للكيفية التي تدار به أموره وتسيّر شؤونه.

وأما عن ظهور حضرة بهاءالله ومقامه فقد كتب حضرة شوقي أفندي أروع فقراته وهي كما يلي:

إن الذي(1) تلقى العبء الفادح لهذا الظهور الفائق المجد، في مثل هذه الظروف المؤثرة، لم يكن سوى هذا الذي سوف تفتخر به الأجيال القادمة وتمجّده، بل ويؤمن به اليوم أتباع يفوقون العدّ والحصر، باعتباره قاضي الجنس البشري ومشرّعه ومخلصه، ومنظم الكوكب كله، وموحّد بني الإنسان كلهم، وفاتح العصر الألفي المرتجى، ومنشئ "الكور العالمي"، ومؤسس السلام الأعظم، ومنبع العدل الأعظم، ومعلن بلوغ النوع الإنساني سن الرشد، ومبدع النظام العالمي الجديد، وملهم الحضارة العالمية وخالقها.

لبني إسرائيل لم يكن بأكثر ولا بأقل من تجسيد "الأب الأبدي"، "رب الجنود" الذي "أتى من ربوات القدس"، وللعالم المسيحي عودة السيد المسيح "في مجد أبيه" ولشيعة الإسلام رجعة الإمام الحسين، ولأهل السنة نزول "الروح"

_____________________________________________________________________

(1) حضرة بهاءالله.

(عيسى المسيح)، وللزردشتيين شاه بهرام الموعود، وللهندوس تجسيد كريشنا، وللبوذيين بوذا الخامس.

أما اسمه فقد جمع بين اسم الإمام الحسين، أعظم خلفاء محمد رسول الله وألمع "نجم" في "الإكليل" المذكور في رؤيا يوحنا، واسم الإمام علي أمير المؤمنين وثاني الشاهدين اللذين مجدهما يوحنا في رؤياه. أما اسمه الرسمي فبهاءالله، وهو اسم نص عليه "البيان الفارسي" بصفة خاصة، ويعني مجد الله ونوره وسناءه. أما ألقابه فهي "ملك الملوك" و"رب الأرباب" و"الاسم الأعظم" و"جمال القدم" و"القلم الأعلى" و"الاسم المكنون" و "الكنز المخزون" و"من يظهره الله" و"نور الأنوار" و"الأفق الأعلى" و"البحر الأعظم" و"سماء الرفعة" و"الأصل القديم" و"القيوم" و"نير الآفاق" و"النبأ العظيم" و"مكلم الطور" و"ممتحن الحقائق" و"مظلوم العالم" و"مقصود الأمم" و"رب الميثاق" و"سدرة المنتهى" وهو ينحدر من صلب إبراهيم (أبي المؤمنين) عن زوجته قتّورة، كما ينتمي إلى زرادشت ويزدجرد آخر ملوك بني ساسان. أضف إلى ذلك إنه كان من سلالة يسّى وينتسب إلى أسرة من أعرق أسر مازندران وأشهرها عن طريق والده ميرزا عباس المعروف بميرزا بزرك وهو رجل نبيل كان على اتصال وثيق بالدوائر الوزارية في بلاط فتح علي شاه.

إليه أشار أشعيا أعظم أنبياء بني إسرائيل، بأنه "مجد الرب" و"الأب الأبدي" و"رئيس السلام" و"العجيب" و"المشير" و"القضيب الخارج من جذع يسّى" و"الغصن النابت من أصوله" الذي "يجلس على كرسي داود" و"بقوة يأتي وذراعه تحكم له" و"يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض" و"يضرب الأرض بقضيب فمه

ويميت المنافق بنفخة شفتيه" و"يجمع منفيي إسرائيل ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض". وبه تغنى داود في مزاميره واصفا إياه بـ"رب الجنود" و"ملك المجد"...

وإليه أشار السيد المسيح بـ"رئيس هذا العالم" "المعزي" الذي "يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة" و"روح الحق يرشدكم إلى جميع الحق". والذي "لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية" و"صاحب الكرم" "ابن الإنسان يأتي في مجد أبيه" "آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كبير" من حوله "جميع الملائكة القديسين" وقدّام عرشه تجتمع "جميع الشعوب" وإليه أشار صاحب الرؤيا بـ"مجد الله" و"الألف والياء" و"البداية والنهاية"، "الأول والآخر"، وجعل ظهوره "الويل الثالث" ومجد شريعته ووصفها بأنها "سماء جديدة وأرض جديدة"، "مسكن الله مع الناس"، "المدينة المقدسة"، "أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله مهيأة كالعروس مزينة لرجلها". وإلى يومه أشار السيد المسيح نفسه بأنه "التجديد، متى يجلس ابن الإنسان على كرسي مجده"...

وإليه أشار القرآن الكريم "بالنبأ العظيم" وأعلن أن يومه هو يوم "يأتيهم الله في ظلل من الغمام" يوم "جاء ربك والملك صفا صفا" و"يوم يقوم الروح والملائكة صفا"...

وشبه رسول الله كماله ومجده، كما يشهد حضرة بهاءالله نفسه "بالبدر ليلة أربعة عشر". وحدد الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين مقامه، حسب الشهادة السابقة، بأنه "مكلم موسى من الشجرة على الطور". ولطبيعة رسالته الفائقة شهد الإمام الحسين، كما صرح حضرة بهاءالله أيضا، بأنها "ظهور من أرسل رسول الله"...

أما حضرة الباب فقد مجده تمجيدا لا يقل دلالة فوصفه "بساذج الوجود" و"بقية الله" و"السيد الأكبر" و"النور المهيمن الحمراء" و"مالك الغيب والشهود" و"غاية الدورات السابقة، بما في ذلك دورة القائم". وكان يميزه رسميا بأنه "من يظهره الله" و"الأفق الأبهى" حيث عاش هو نفسه. ونص على لقبه نصا خاصا ومجد "نظمه" في أشهر كتبه وهو "البيان الفارسي"، وصرح باسمه حين أشار إليه بقوله: "ابن علي مرشد صدق للبشر" وكثيرا ما حدد موعد ظهوره شفاها وكتابة بصورة لا يرقى إليها الشك، وحذر أتباعه من الاحتجاب عنه "بالواحد البيانية فإن ذلك الواحد خلق عنده". وفضلا عن ذلك أعلن أنه هو نفسه "أول العابدين وأول الساجدين" وأنه خشع له "من قبل أن تخلق كينونات الخلق" وأنه "لا يشار بإشارتي ولا بما ذكر في البيان" وأن "نطفة ظهوره في عامها الأول أقوى من كل البيان". وبوضوح أكد أنه "قد أخذ عهد ولايته عن كل شيء قبل أن يأخذ عهد ولايته هو". واعترف بلا تحفظ أنه ما هو إلا "حرف من ذلك الكتاب المبين وقطرة من ذلك البحر العظيم" وأن ظهوره "ورقة من أوراق أشجار جنته"، "وأن كل ما رفع البيان" لم يكن إلا خاتما في إصبعه وأنه هو نفسه "خاتم في يدي من يظهره الله... يقلب كيف يشاء لما يشاء بما يشاء". ويخاطبه بصراحة بأنه "قد فديت بكلي لك ورضيت السب في سبيلك وما تمنيت إلا القتل في محبتك". وأخيرا تنبأ بكل وضوح بأن "البيان في مقام النطفة اليوم، وآخر كمال البيان أول ظهور من يظهره الله". "من أول ذلك الأمر إلى قبل أن يكمل تسعة كينونات الخلق لن يظهر لأن كل ما قد رأيت من النطفة إلى ما كسوناه لحما. ثم اصبر حتى تشهد خلقا آخر. هنالك قل فتبارك الله أحسن الخالقين".

وهذه شهادة حضرة بهاءالله المؤيدة والدالة على طبيعة ظهوره العظيم عظمة لا تحيط بها الأفهام، الفائقة تفوقا لا تدركه العقول قال: "ظهر من طاف حوله نقطة البيان (حضرة الباب)" وأكد ذلك مرة أخرى فقال: "لو أصبح اليوم كل من في السموات والأرض في عداد الحروف البيانية الذين هم أعظم وأكبر من الحروف الفرقانية عشرة آلاف مرتبة وتوقفوا عن قبول الأمر أقل من آن لعدوا عند الله من المعرضين، وأدخلوا في عداد حروف النفي".

وأشار إلى نفسه في كتاب الإيقان: "إن سلطان الهوية ذلك قادر على أن يقبض روح كل البيان وخلقه بحرف من بدائع كلماته، وأن يهب لهم جميعا بحرف واحد حياة بديعة خالدة، وأن يبعثهم من قبور النفس والهوى ويحشرهم". وفضلا عن ذلك وصف يومه بأنه "سلطان الأيام" و"يوم الله" الذي هو "بمثابة النور لظلمة الأيام" "النهار الذي لا يعقبه ليل" "الربيع الذي لن يعقبه خريف" وهو "بمثابة البصر للقرون والأعصار". وهو اليوم الذي به "بشر كل نبي وناح كل رسول حبا لظهوره" و"الذي تمنّته كل القبائل والأمم" يوم "امتحن الله كل النبيين والمرسلين ثم الذين هم كانوا خلف سرادق العصمة وفسطاط العظمة وخباء العزة". وبالإضافة إلى ذلك قال: "قد انتهت الظهورات إلى هذا الظهور الأعظم، به بلغت غايتها ومنتهاها" وقال مرة أخرى: "لم يقف أحد من المظاهر السابقين على كيفية هذا الظهور بتمامه إلا على قدر مقدور". وأشار إلى مقامه بقوله: "لولاه لما أرسل رسول وما نزل كتاب".

وأخيرا، وليس آخرا، إليك ما قاله حضرة عبدالبهاء في طبيعة ظهور والده الفائق: "تمضي القرون وتنتهي الدهور وتنقضي آلاف الأعصار حتى تطلع شمس الحقيقة في برج

الأسد وتسطع من دارة الحمل". وقال مرة أخرى: "إن الأولياء السابقين لينصعقون حين يتصورون دور الجمال المبارك، ويتمنون دقيقة واحدة منه".(18)

تضم الآثار البهائية عدة إشارات لحضرة بهاءالله على أنه المظهر العالمي الإلهي الذي افتتح كورا عالميا جديدا في تاريخ الإنسانية. وفي إجابته عن أحد الأسئلة، شرح حضرة عبدالبهاء هذا الموضوع، فتفضل قائلا:

"وبالاختصار نقول أن الدورة الكلية لعالم الوجود عبارة عن مدة مديدة وقرون وأعصار عديدة من غير حد ولا حساب. وتتجلى مظاهر الظهور في تلك الدورة في ساحة الشهود حتى يتجلى ظهور عظيم كلي يجعل الآفاق مركز الإشراق وظهوره يكون سبب بلوغ العالم رشده ودورته تمتد كثيرا. ثم تنبعث المظاهر في ظله من بعده ويجددون بعض الأحكام المتعلقة بالجسمانيات والمعاملات حسب اقتضاء الزمان وهم مستظلون بظله".(19)

إن حضرة بهاءالله ليس صاحب الظهور البهائي الذي سيمتد إلى فترة لا تقل عن ألف سنة طبقا لشهادته فحسب، بل صانع كور عالمي يدعى بالكور البهائي سيمتد ظله إلى خمسة آلاف قرن من الزمان على الأقل حسب ما ذكره حضرة عبدالبهاء. وسيظهر خلال هذه المدة المديدة عدد من مظاهر أمر الله ليؤسسوا شرائع إلهية مستقلة إلا أنهم يستمدون وحيهم من حضرة بهاءالله. وفي أحد ألواحه يتفضل حضرة عبدالبهاء بالبيان التالي:

"أما ما يختص بالمظاهر الذين ينزلون في المستقبل في ظلل من الغمام، فاعلم بأنهم من حيث الإلهام فإنهم يكونون

في ظل جمال القدم،(1) وأما من حيث العصر الذي يظهرون فيه كل يفعل ما يشاء".(20)

وعلى ضوء هذا البيان يتضح أن حضرة بهاءالله بظهوره هذا هو مصدر الحياة الروحية للبشرية خلال دورته، وسيبقى القوة الباعثة للظهورات القادمة ليطلق بواسطتها قوى روحية في سبيل تقدم الجنس البشري في الكور البهائي. ويدخل في صميم العقيدة البهائية أن المظاهر الإلهية في حقيقتهم متحدون، وما اختلافهم إلا في شدة إشراقهم. فيكشف كل منهم عن فضائل إلهية توافق استعداد الناس وإدراكهم في عصره. وقد يبدو لأول وهلة أن هذا الاعتقاد لا ينسجم والقول بأن مظاهر أمر الله في المستقبل هم تحت ظل حضرة بهاءالله، ومع ذلك هم يأتون بأحكام وتعاليم جديدة للإنسانية، ويفتتح كل منهم دورة جديدة ضمن الكور البهائي. فدعونا نلقي بنظرة فاحصة على كل هذه المواضيع.

إن مجيء المظهر الإلهي قد يشبه بحلول فصل الربيع في عالم الطبيعة، فكما تستقبل الطبيعة حياة جديدة في كل ربيع، فإن الإنسانية تنتعش وتتجدد حياتها بمجيء كل مظهر إلهي جديد. ونلاحظ في الطبيعة أن الشجرة تنمو بالتدريج بتوالي الفصول عاما بعد عام إلى أن تصل مرحلة الإثمار أول مرة. وهذا حدث على غاية من الأهمية لأن الشجرة وصلت إلى مرحلة النضج وستعطي ثمارها كل عام مدى حياتها.

وكذلك الأمر في الإنسان. فقد نما بالتدريج خطوة خطوة بظهور مظاهر أمر الله، وفي عصر قدر للإنسانية فيه أن تبلغ مرحلة البلوغ، جاء ظهور حضرة بهاءالله. إنها مرحلة شبيهة بتلك التي ستعطي فيها الشجرة أولى ثمارها. لذلك، فإن كل ما يمكن أن

_____________________________________________________________________

(1) حضرة بهاءالله.

تحققه الإنسانية نتيجة فيوضات ظهور حضرة بهاءالله، وكل ما تحمله شجرة الإنسانية من ثمار في العصر الذهبي لظهوره، سيضمن الأساس للتقدم والتطور في عهود المظاهر الإلهية القادمة. وتوضح دراسة الآثار الكتابية البهائية أن الهدف الأساسي لحضرة بهاءالله، ما بقيت الحياة على الأرض، هو تأسيس وحدة العالم الإنساني. وسيكون تحقيق ذلك ثمرة ظهوره لهيكل المجتمع الإنساني، والهدف الأقصى الذي يمكن للإنسانية أن تبلغه.

وستستمر الإنسانية في حقب المظاهر الإلهية القادمة في التطور بفضل فيوضاتهم، لتكتسب مواهب نبيلة وقوى روحانية بحيث يصعب تصور مداها في الوقت الحاضر، إلا أنها ستعمل في إطار وحدة العالم الإنساني التي أسسها حضرة بهاءالله ومن سيتبعه من المظاهر الربانية من عصر لعصر ضمن الكور البهائي وفي ظله.

وفي خطابه للجيل المعاصر له، وضح حضرة بهاءالله طبيعة الأساس الثابت الذي وضعه للإنسانية وأكد عليه بقوله:

"يا بني الإنسان إن المقصد الأساسي للإيمان بالله والإقرار بدينه هو المحافظة على مصالح الجنس البشري وترويج اتحاده... هذا هو الصراط المستقيم والأساس الثابت القويم. كل ما يرتفع فوق هذا الأساس لن تضعضعه تغيرات العالم ولا حوادثه ولن تقوض أركانه ثورة القرون الأولى التي لا عدد لها".(21)

وفي المقتطف التالي بقلم حضرة ولي أمر الله شوقي أفندي حول أهمية الظهور الإلهي نجد حضرته يقتبس كلمات حضرة بهاءالله نفسه ليؤكد لنا رفعة شأن هذا الظهور الجليل وطبيعته المتميزة الفريدة من نوعها:

"(إنّا نشهد بهذا الأمر وعظمته ولقد شهدنا بذلك مرارا في أكثر الألواح ليستيقظ أهل العالم من غفلتهم). كذلك يعلن حضرته صراحة بقوله عز بيانه (قد بلغت كل الأمور في هذا الأمر الأعز غايتها وتمامها) (إن الذي ظهر في هذا الأمر الأعز الأمنع لا يقوم معه شيء مما ظهر من قبل ولن ترى شبهه القرون). ويتفضل مشيرا إلى نفسه بقوله الأحلى (إنه هو الذي سمي في التوراة بيهوه وفي الإنجيل بروح الحق وفي الفرقان بالنبأ العظيم)، (لولاه ما أرسلت الرسل وما نزلت الكتب يشهد بذلك كل الأشياء)، (قل إنه لو يتكلم بكلمة تكون أحلى من كلمات العالمين). وأيضا مترجما (إن أكثر الناس لا يزالون ضعافا. فلو كان لديهم من الاستعداد ما يكفي إذاً لأفضنا عليهم من علمنا على شأن يجد أهل الأرض والسماء أنفسهم بهذا الفضل الجاري من قلمنا أغنياء عن كل عرفان سوى عرفان الله ولاستووا على عرش الاطمئنان المقيم) وأيضا (أشهد أن قلم القدس قد كتب على جبيني الأبيض بنور مبين أن يا ملأ الأرض وسكان السماء هذا لهو محبوبكم بالحق وهو الذي ما رأت عين الإبداع شبهه والذي بجماله قرت عين الله الآمر المقتدر العزيز".(22)

إن كلمات حضرة بهاءالله هذه تشهد بعظمة أمره وتبعث الرهبة والدهشة في نفوس أتباعه وهم يتأملون الطاقات الهائلة التي منحها للجنس البشري، ومن المقدر أن يرسل أنواره إلى قرون وعصور لا يمكن حصرها إلى حيث يبلغ الزمان مداه. وإن مبشره حضرة الباب، النقطة الأولى "التي تدور حولها أرواح النبيين والمرسلين"،(23) قد نفخ في الصور باعثا إلى الوجود فجر اليوم الجديد، وأضفى على هذا الأمر باستشهاده المجد والعزة والخلود. وأما مؤسسه حضرة بهاءالله، فقد بعث "بقبس من مكمنه المنيع"(24) في يوم الله هذا في الوجود خلقا جديدا نفخ

فيه روحا جديدة، وأنزل الأحكام والتعاليم التي صيغت لتطوير مصالح الجنس البشري وحماية وحدته، ووضع أساسا متينا لسنوات قادمة تعد بالآلاف، وحمى مركز عهده حضرة عبدالبهاء -وهو المظهر لكل فضيلة بهائية والنموذج لكل مثل أعلى بهائي-(25) من هجوم الناقضين، وأرسل شعاع رسالته إلى أمم الغرب، ورسم معالم نظامه الإداري وهو نواة النظام العالمي الجديد الذي سيرتفع بنيانه على هذا الكوكب.

يقوم أتباع حضرة بهاءالله المخلصون على تشييد مؤسسات هذا النظام الإداري البديع، محليا ومركزيا وعالميا، على أنقاض نظام قديم بال، تملأهم ثقة تامة بأن الطاقات الخلاقة الكامنة في ظهوره، وبالقدرة الإلهية، ستعيد هيكلة المجتمع الإنساني، مجتمع نشبت فيه اليوم أنياب الاضطراب وفتكت به خيبة الأمل، لتحيله إلى مجتمع عالمي متحد في جميع شؤونه التي قدر لها أن تبلغ في القرون القادمة عصرها الذهبي حتى يتحقق ملكوت الله الذي طال انتظار تأسيسه على الأرض.

الملحق رقم 1
ميرزا آقا جان

بعد صعود حضرة بهاءالله، ونتيجة لتمرد ميرزا محمد علي،(1) نقض العهد والميثاق عدد من المبلغين البارزين وبعض أتباع حضرة بهاءالله، فقاموا ضد حضرة عبدالبهاء وأشاعوا الفوضى داخل الجامعة البهائية. إلا أن ميثاق حضرة بهاءالله كان قد شيد على أسس متينة، كما التف حول حضرة عبدالبهاء أبطال مخلصون متفانون انبروا للدفاع عنه ضد هجوم ثلة خارجة مارقة.

ومن بين أتباع حضرة بهاءالله كافة كان ميرزا آقا جان هو الذي تشرف بمرافقة حضرته وكان كاتب وحيه. ورغم ما أسبغ عليه من شرف كبير كهذا فإن غروره وأطماعه منعته من الثبات على عهد الله، فوقف ضد حضرة عبدالبهاء وأحدث البلبلة في عقول المؤمنين.

وفي مذكرات الدكتور يونس خان أفروخته، أحد المؤمنين المخلصين في فترة ولاية حضرة عبدالبهاء وكان كاتبا لحضرته لسنوات عدة، نجد وصفا شيقا لبعض الأحداث التي وقعت خلال السنوات التسع لخدمته في عكاء. وفيما يلي ترجمة لجزء من مذكراته يدور حول أواخر سنوات آقا جان في عكاء قرابة عام 1897م:

... عند صعود حضرة بهاءالله كان ميرزا آقا جان، الذي فقد

_____________________________________________________________________

(1) لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى "كتاب القرن البديع" لحضرة شوقي أفندي، الصفحات 295-303.

حظوته لدى حضرته، يعيش حياة مخزية مزرية، إلا أنه نتيجة لكرم حضرة بهاءالله فقد توفر له دخل مناسب. وقد قرر الناقضون قتله سرا ربما طمعا بممتلكاته أو لعدم رضى حضرة بهاءالله عنه في أواخر أيام حياة حضرته. ولما علم آقا جان بمؤامرتهم سارع فورا إلى حضرة عبدالبهاء يطلب العفو عن هفواته واحتمى في بيته...

وفيما بعد، قرر الناقضون استغلال وضع ميرزا آقا جان لخلق المتاعب (لحضرة عبدالبهاء)... فأفلحوا في تكوين علاقة سرية مع ميرزا آقا جان ودفعوه إلى مساعدتهم في إثارة الفتنة بين الأحباء. وبقوا على اتصال معه وخلال فترة طويلة كانوا يدبرون خلق الشقاق والنزاع داخل جامعة الأحباء. ولأن ميرزا آقا جان كان كاتب الوحي الذي كان يسجل كلمات حضرة بهاءالله أثناء نزولها، فقد أقنعوه بأنه من حقه الادعاء بنزول الوحي الإلهي عليه أيضا.

ونتيجة لتحريض الناقضين له فقد أمضى ميرزا آقا جان، تعيس الحظ هذا، فترة طويلة في إعداد كتابات ادعى فيها بأنه تشرف في المنام بحضرة بهاءالله وأنه أصبح محط الإلهامات والوحي الإلهي. وقد تضمنت كتاباته تلك فقرات تحمل غضب الله على أحباء معينين ويجب أن تُسلّم لهم.

بل أن ميرزا آقا جان ادعى أنه تسلم لوحا من السماء مكتوبا بالحبر الأخضر أمر فيه بإنقاذ دين الله من أيدي الكفار. وكانت التهم والافتراءات التي وجهها لحضرة عبدالبهاء -مركز العهد والميثاق- تفوق ما وجهه له الناقضون سوءا وخسة. وأعدت الترتيبات لقيام ميرزا آقا جان -في يوم اتفق عليه لإعلان التمرد- بتسليم كافة الأوراق التي كتبت بأسلوب الوحي للناقضين الذي سيعملون على نسخها، كما كان متبعا أيام حضرة بهاءالله، بخط يد ميرزا مجد

الدين(1) ثم نشرها بين البهائيين.(1)

ويشرح الدكتور يونس خان في مذكراته كيف أن الناقضين قرروا تنفيذ الخطة يوم إحياء ذكرى صعود حضرة بهاءالله. إذ كانوا يعلمون باجتماع الأحباء خارج مرقد حضرته، فقرروا أن يتحدث ميرزا آقا جان صراحة في الاجتماع مهاجما حضرة عبدالبهاء فيحدث الصدع في صفوف الأحباء. وفي نفس الوقت رتب الناقضون لحضور يحيى طابور آقاسي في ذلك اليوم -وهو موظف حكومي رفيع المنصب كان يضمر العداء لحضرة عبدالبهاء ولكنه كان يتعاطف معهم. وتمثل دوره أن يبقى بعيدا عن مسرح الأحداث إلى أن تحدث البلبلة والاضطرابات المتوقعة، وعندها يتدخل مع رجاله ويأمر باتخاذ الإجراءات ضد الأحباء، ثم يرسل تقريرا إلى السلطات الحكومية في الآستانة طالبا إبعاد حضرة عبدالبهاء عن الأراضي المقدسة.

وفي ما يلي وصف الدكتور يونس خان لأول لقاء له مع ميرزا آقا جان، وللأحداث التي وقعت في يوم ذكرى الصعود المبارك عندما تم تفادي مصيبة كبيرة بأسلوب فاعل وهادئ:

...عندما كنا ندعى لمحضر حضرة عبدالبهاء في غرفة الاستقبال الخاصة به، كنت ألاحظ في معظم المناسبات أن رجلا مسنا، قصير القامة بلحيته البيضاء ووجهه الأسمر، كان يحضر إلى الغرفة بعد ورود الآخرين، فيسجد أولا عند عتبة الباب ثم يدخل وينحني حتى خاصرته، وبإيماءة من حضرة عبدالبهاء يجلس قرب العتبة. وكم كنت تواقا لمعرفة ذلك

_____________________________________________________________________

(1) نجل ميرزا موسى -آقاي كليم- الأخ الوفي لحضرة بهاءالله. أمضى وقتا في نسخ الألواح المباركة، ولكنه أصبح من ألد أعداء حضرة عبدالبهاء إذ انضم فيما بعد إلى الناقض الأكبر وأصبح من أخلص أعوانه.

الشخص وعزمت عدة مرات، بعد مغادرتي الغرفة، أن أسأل الأحباء المقيمين عن هويته. ولفترة من الوقت كنت أنسى أن أفعل ذلك، إذ كنا في نشوة بيانات المولى لدرجة أن الواحد منا لا يفكر بالتحدث مع الآخر.

وذات يوم بينما كنت جالسا (في محضر حضرة عبدالبهاء) قريبا جدا من مدخل الغرفة، رأيت الرجل المسن قادما. وفي البداية سجد عند مدخل الممر ثم اقترب من الغرفة وسجد ثانية على عتبتها ثم دخل وانحني كثيرا أمام حضرة عبدالبهاء وبقي كذلك إلى أن أشار إليه حضرة عبدالبهاء بالجلوس، فجلس قرب الباب وعيناه تنظران إلى الأرض... وقتها كان الفضول الشديد قد تملكني لمعرفته، ولماذا لم أشاهده بين الأحباء في المدينة؟

وعندما غادرنا جميعنا محضر المولى، لاحظت أن هذا الرجل قد توجه نحو الجناح الداخلي من المنزل. ولما سألت عنه أحد الأحباء أعلمني بأنه ميرزا آقا جان... وتابعت سؤال أصدقائي عما يفعله هنا. أليس هو الشخص الذي نبذه حضرة بهاءالله وكان الناقضون ينوون قتله؟ فأجابوني بأنه لائذ ببيت المولى في الوقت الحاضر. في تلك الأيام فكرت مرارا بميرزا آقا جان الذي فقد حظوته وما سيكون مصيره في النهاية. ولم يخطر ببالي وقتها أنه سيلعب في الأسبوعين التاليين دورا هاما لا ينسى على مسرح أحداث الأمر المبارك، وأنني سأشاهده بأم عيني.(2)

وفي سياق مذكراته المفصلة، يصف الدكتور يونس خان كيف أنه في ليلة إحياء ذكرى صعود حضرة بهاءالله، كما في السنوات السابقة، كان كل الأحباء في المنطقة يجتمعون معا في عكاء ويتوجهون برفقة حضرة عبدالبهاء إلى مرقد حضرة بهاءالله قبل

الفجر، ويتلون الدعاء في ذلك المقام المقدس حتى شروق الشمس، ثم يعودون إلى جناح الزائرين في البهجة لأخذ قسط من الراحة.

ويروي الدكتور يونس خان ما جرى في ذلك اليوم ويقول:

... بعد الغداء، وبينما كنا جالسين بعض الوقت... لاحظنا حركة الناقضين النشطة من حولنا وتواجد عدد من الغرباء. ولم يمر وقت طويل حتى أدركنا خطتهم في خلق الأذى والإزعاج.

بعد أن تناولنا الشاي بعد الظهر، وكان الأحباء على وشك التوجه إلى مرقد حضرة بهاءالله، إذ سمعنا أن ميرزا آقا جان يرغب بالتحدث إلينا، وأنه قد أعدت لنا مقاعد أمام قصر البهجة.

هذا الرجل المسن، الذي كان دائما يلقي بنفسه على أقدام حضرة عبدالبهاء، وقف الآن على كرسي صغير حتى يراه سائر الحضور... وإذ بدأ حديثه لاحظت أنه لم يكن مفهوما، وتابعت الاصغاء لاستيعاب مضمون كلماته ولكنني في النهاية أصبت بالإحباط... رأيته وقد امتلأ رعبا وكان يرتجف، إلا أنني لم أكن لأسمع سوى بضع كلمات هنا وهناك، مثل: "وعندما ركعت غرقت في النوم..."، "قال لي الجمال المبارك..."، "هذه الرسالة بالحبر الأخضر سلمت لي..."، "لماذا تجلس ساكنا؟" "لماذا، لماذا؟" وحيث أنني لم أنم في الليلة السابقة، وكان عليّ الآن أن أجلس للاستماع إلى هذا الكلام السخيف، فقد نفد صبري وغادرت. كما أن ميرزا محمود الكاشاني، أحد الأحباء المقيمين، اعترض على كلام ميرزا آقا جان ثم وقع هياج وصخب.(3)

ويضيف الدكتور يونس خان بأنه في تلك الأثناء ذهب أحد الأحباء ليعلم حضرة عبدالبهاء بما يحدث. وبمجرد تشريفه لاذ ميرزا آقا جان بالفرار إلى مرقد حضرة بهاءالله حيث دخل وتبعه على الفور ميرزا علي أكبر، المؤمن الثابت، واستطاع أن يجرد ميرزا آقا جان من الكتابات التي كان يخفيها في حزامه حول وسطه وتحت ثوبه. وكانت تلك الكتابات، التي سلمت لحضرة عبدالبهاء، تضم عبارات تهاجم حضرته وكتبها ميرزا آقا جان بأسلوب مشابه لكتابات حضرة بهاءالله، وجهزت لنشرها بين الأحباء.

ونتيجة لحضور حضرة عبدالبهاء هدأت نفوس الأحباء في بضع دقائق. أما ميرزا آقا جان فقد ذهب وانضم للناقضين، ولم يجد موظفو الحكومة، الذين كانوا يشاهدون المنظر من نافذة غرفة محمد علي، الفرصة المواتية لتنفيذ مآربهم الشريرة. وبعد تلك الحادثة انساق ميرزا آقا جان مع الناقضين وأصبح من أبرز مناصريهم إلى أن توفي عام 1901م.

الملحق رقم 2(1)
الحاج محمد طاهر المالميري

ولد الحاج محمد طاهر المالميري عام 1852م تقريبا في يزد، وهي مدينة قديمة في إيران اشتهرت بتعصب أهلها وكثرة ملاّتها. ومات فيها بعد حياة من التقشف وشظف العيش. صادفت سنة ميلاده بزوغ فجر رسالة حضرة بهاءالله، وامتد به العمر ليشهد الاحتفال بالذكرى المئوية لتلك السنة المقدسة. كان معروفا لدى أغلب سكان البلدة، ولم يحظ أحد بما حظي به من حب الأحباء وإعجابهم، ولم يلق غيره ما لاقاه من قسوة الأعداء وتحقيرهم.

تحصّن بالإيمان الراسخ، وتقوّى برغبته الجامحة للخدمة، وتأيّد بيد حضرة بهاءالله المرشدة، وصمد في وجه البلايا الشديدة، فكان لحياته وسيرته أثر كبير في تخليد روح العصر البطولي الذي انتمي إليه. كانت حياته كلها مكرسة لخدمة الأمر المبارك. وكان تبليغ الأمر هو الموضوع الذي يشغل جلّ تفكيره. فلا من قوة تعيقه أو شأن يتملكه أو شاغل دنيوي يثنيه عن مراده السامي. وكانت مآثره في التبليغ مكثفة جدا إذ يدين اليوم قسم كبير من الجامعة البهائية في يزد في ولائه وإخلاصه للأمر المبارك إلى جهوده طيلة فترة حياته الطويلة.

كان الحاج محمد طاهر متحدثا بارعا ومناظرا فذا، ومن الصعب وصف النشوة التي تغمر المستمع إلى حديثه الذي يتناول الفكاهة اللطيفة إلى جانب الحديث الرصين الموزون. كان متفوقا في إطلاعه الواسع بتاريخ الديانات العظيمة وثقافاتها، ويحفظ من

_____________________________________________________________________

(1) من مجلد العالم البهائي رقم (12) الصفحات 692-694.

القرآن الكريم نصفه تقريبا والمئات من الأحاديث النبوية الشريفة، ضليعا في "الكتاب المقدس" وكتب سماوية أخرى، ويبدو أن معين مواهبه لا ينضب. فهو قادر على التكلم لساعات في المسائل الدينية دون أن يصيبه الكلل أو يبعث في مستمعيه الملل. فقد كان يأسر المستمعين إليه بسحر حديثه وطلاقة بلسانه وعذوبة بيانه. حتى أن أعداء الأمر يخيم عليهم الصمت والوجوم إزاء ما كان يتحلى به من الظرف والوقار فيستسلمون لحديثه دون أي اعتراض. وكثيرا ما كان المتعصبون يحضرون جلساته التبليغية متظاهرين بأنهم باحثون عن الحقيقة بهدف الاعتداء على حياته فيخفون أسلحتهم في جيوبهم، ولكن سرعان ما يعودون عن مآربهم بفضل شخصيته المهيمنة عندما يصبحون في محضره وجها لوجه. ومن الغرابة بمكان أن ينتهي الأمر بدخول اثنين من هؤلاء المتعصبين إلى حظيرة الدين الجديد ويصبحا فيما بعد من المؤمنين الصادقين.

لم تكن أحاديث الحاج محمد طاهر دائما من الأحاديث التي لها حلاوة الشهد. فلم يسلم من لسانه اللاذع إلا قلة من كبار علماء يزد -ولعل لسانه طال كل واحد منهم- فكان هؤلاء العلماء، بين كل آونة وأخرى هدفا لتهكمه وسخريته يفحمهم بردوده المقنعة، أو أنهم كانوا يقعون فريسة محاوراته التي كانت بمثابة فخ ينصبه لهم فيقعون فيه. وكان هؤلاء العلماء إذا خرجوا من مجابهتهم مع الحاج يشعرون وكأن أجنحتهم قد قُضّت، ويتملكهم الاضطراب والذهول نتيجة ما كان يتمتع به الحاج من قوة خارقة في كل حوار يجريه.

وعندما كان في ذروة نشاطه التبليغي اعتاد أن يحضر جلسات التبليغ المسائية كل يوم تقريبا إلى ما بعد منتصف الليل. وكلما وجد متسعا من الوقت في الليل، أو عاد إلى بيته مبكرا، كان يبقى مستيقظا حتى ساعات الصباح الباكر يذرع فناء بيته البسيط مناجيا

مبتهلا أو يجلس للكتابة أو القراءة.

وكان قلمه كلسانه حاضر البديهة بالغ القدرة، واتسمت آثاره الغزيرة بالصراحة والحيوية والإلهام. واشتهر من أعماله "تاريخ شهداء يزد" الذي يرسم فيه صورة مؤثرة لأشد فصل من فصول تاريخ الأمر. وهي الفصول الباعثة على التقزز والاشمئزاز تجاه ظلم الأعداء واضطهاداتهم. وأشار حضرة شوقي أفندي إلى مذكرات الحاج، التي كتبها أثناء الحرب العالمية الثانية، على أنها مخزن لمعلومات قيمة تهمّ المؤرخين البهائيين في المستقبل، نظرا لما تحويه من ذكريات اختارها من أحداث الماضي. وعمل خالد آخر ذلك الذي أوصاه به المحفل الروحاني المركزي في إيران وهو كتابة تاريخ الأمر وتطوره في المقاطعة التي عاش فيها. وقد وقع في مجلدين صوّر فيهما حياة الأبطال والمهاجرين الأوائل في تلك المنطقة وإنجازاتهم وآلامهم واستشهادهم. كما يعتبر كتابه "الفصول الأربعة" كنزا ثمينا في شرح الأدلة والبراهين على أحقية رسالة مؤسس ديننا والمبشر به مدعمة بالعديد من المقتطفات من مختلف الكتب الدينية.

وكان تاج فخر حياته نيله شرف الإقامة في عكاء عام 1878م لمدة تسعة أشهر تقريبا، وهو شرف نادر. فالأحداث الرائعة والخبرات التي ارتبطت بتلك الزيارة التاريخية، ولا أقل منها تماسه بالقوة الخارقة المنبعثة من شخص حضرة بهاءالله، أثّرت بعمق في كيانه وجوارحه وجعلت منه مصدرا لانتعاش الروح وتنوير العقل ومكنته من شق طريقه بثبات وغلبة وسط معترك الأخطار التي عصفت بحياته الزاخرة بالأحداث.

ولعل ما كان يميز لقاءاته مع حضرة بهاءالله أنه نادرا ما رفع البصر إلى وجه مولاه أو تفوّه بكلمة واحدة في محضره، وذلك أنه

كان مبهورا بما شاهده من عظمة حضرة بهاءالله وجلال قدره. وجلّ ما كان يفعله أن يقترب منه بوعي وبصيرة روحانية. وفي مذكراته المثيرة يقول: "كلما تشرفت بالمحضر المبارك ولديّ ما أستفسر عنه، كنت أذكره في قرارة نفسي وسرعان ما أجد الجواب في كلماته. كنت مأخوذا بقوته الخارقة وأجلس في محضره مسحورا مشدوها ناسيا نفسي". وذات مرة توسل لحضرة بهاءالله أن يهب حياته في سبيل الأمر شهيدا. فأجابه حضرته على الفور: "ستعيش طويلا لتبلّغ أمر الله". وقد عاش طويلا بالفعل -مائة عام- وتميّز بالتبليغ وخدمة الأمر المبارك بتفان يحتذى. ويحمل كثيرُ من ألواح حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء ورسائل حضرة ولي أمر الله المحبوب، التي نزلت بحقه، التقديرَ البالغ لحياته النبيلة المليئة بالخدمة.

وفي أوائل عام 1914م ذهب الحاج محمد طاهر في زيارته الثانية إلى أرض الأقدس حيث نعم مدة أربعة أشهر بدفء أنوار حضرة عبدالبهاء وبركاته ومحبته اللامتناهية.

لم تعرف المرتبة الدنيوية أو المادية طريقا إلى حياة الحاج محمد طاهر، فكان يكسب قوته المتواضع من عمله نساجا يدويا. ومع هذا، فإنه كلما تجمعت لدينا(1) كمية من الحبوب أو المؤن الأخرى لاستعمالنا اليومي كان لا يسمح بالتصرف بأي منها قبل أن يخصص بعضها لفقراء البلدة والمحتاجين من الأيتام وأرامل الشهداء.

بعد المذبحة الرهيبة التي تعرض لها البهائيون في يزد في بداية القرن الجديد، عهد حضرة عبدالبهاء إلى الحاج محمد طاهر رعاية شؤون المنكوبين ومن تبقى من عائلات الشهداء

_____________________________________________________________________

(1) كاتب المقال هو ابن الحاج محمد طاهر. (المترجم)

الذين أخذهم رعب المذبحة. فكرّس نفسه لذلك العمل المضني في مساعدة الفقراء ومواساة البائسين والعناية بالمرضى وتربية الأطفال وتعليمهم. وكان مصدر فرحه وسروره ما قدمه من مال ومأكل وملبس للمحتاجين والبؤساء. كان يرحب بكل طارق وكل جالس على مائدته. وتقف كلمات حضرة عبدالبهاء الدافقة من قلمه ثناءً وإعجابا بعمله الخيّر شاهدا على تألق مشاعر حبه وتفانيه أمام المقهورين والمضطربين.

وخلال سنيّ حياته القاسية، يبدو الحاج محمد طاهر وكأنه ارتبط بالمصائب والمصاعب كارتباط الزوجية الأبدي، ولم تكن المحن والآلام التي كابدها خلال حياته الطويلة على يد أعدائه، ولا موجات الإهانات المتلاحقة، ولا المواقف المحفوفة بالمخاطر التي كان يدخلها بلا تردد، ولا حتى فقدانه المؤلم لثلاثة من أولاده في أحداث مذبحة يزد، ولا ثقل السلاسل في السجن بكل فرح وابتهاج حتى آخر أيام حياته بصحبة زملائه أعضاء المحفل الروحاني في يزد، لم تكن كلها مجتمعة، بالإضافة إلى أحداث أخرى مؤلمة، لتثني من عزيمته. وبعيدا عن النيل من روحه المقدامة، فقد زادته عزما وصلابة وصقلت روحه وملأتها إرادة لا تقهر وتصميما لا يعرف التراجع وكشفت القدر الحقيقي لإيمانه الراسخ.

وتتساقط عليه باقي أوراق البلايا في خريف حياته، ويبدأ جسمه يذوي تحت وطأة المرض والعجز والوهن وأخذ يلقي عنه حملا ناء تحته قرابة الثمانين عاما لترف روحه بسلام في منزله في يزد في اليوم الرابع من شهر حزيران عام 1953م موصيا بكل ما يملك للأمر المبارك...

حبيب طاهرزاده
صفحة خالية
الملحق رقم 3
وحـيـد

كان السيد يحيى الدارابي، الملقب بوحيد والذي وصفه حضرة بهاءالله بأنه "وحيد عصره وفريد زمانه"، عالما بارزا آمن بدين حضرة الباب وأصبح من أعظم نجوم دورته. كان رجلا غزير العلم، واسع المعرفة، ذا موهبة فريدة بقوة الحافظة. وتروي مصادر موثوقة بأنه كان يحفظ أغلب القرآن الكريم عن ظهر قلب، ومن الأحاديث الإسلامية نحو ثلاثين ألفا. وكان مبجلا موقرا بين العامة، ومحترما موثوقا به لدى البلاط الملكي.

بلغ تأثير رسالة حضرة الباب على أهالي بلاد فارس حدا هائلا إذ اجتاح البلاد بأكملها هيجان واضطراب شديدين بعد عودة حضرة الباب من مكة بوقت قصير. وقد سجل النبيل الأعظم في رواياته ما يتعلق بتلك الأيام قائلا:

... واشتد البحث والتحري من الرؤساء والمرؤسين وأخذت الدهشة والحيرة كل الذين سمعوا من أفواه رسل الباب تلك العلامات والدلائل التي بشرّت بظهوره وكان عظماء الدولة ورؤساء الديانة دائبين على البحث والتحري بأنفسهم ويوفدون من يثقون بهم من القادرين للبحث والتنقيب عن حقيقة وصِفة هذه الحركة العظيمة.

وتحرك محمد شاه أيضا للتحقق من هذه الأخبار والبحث في صفتها فأوفد السيد يحيى الدارابي أشهر علماء العصر وأفصحهم وأكثرهم أثرا في الرعايا لمقابلة الباب ولكتابة تقرير عن حقيقة الحال ونتيجة بحثه. وكان للشاه ثقة تامة في

إنصافه وعدم تحيزه وكفاءته ونورانية باطنه. وكانت له مكانة بين كبار رجالات فارس حتى أنه في أي مجمع يحضره يكون هو المتكلم فيهم ومهما حضر في المجمع من الرؤساء الدينيين لا يجسر أحد منهم أن يذكر رأيه في حضوره وجميعهم يكونون صامتين أمامه بكل احترام ومقرين ومذعنين برجحان عقله وغزارة علمه وحكمته البالغة.(1)

وكان وحيد يقطن في طهران وينزل ضيفا على الشاه نفسه عندما أوفده للذهاب إلى شيراز لمقابلة حضرة الباب. وقيل أن الشاه أعطاه حصانا وسيفا ومبلغ مائة تومان للرحلة. واستجابة لرغبته الشخصية توجه وحيد على الفور إلى شيراز مارا بمنزله(1) في يزد حيث تعيش زوجته وأبناؤه الأربعة. وجاءه جمع غفير من الناس في تلك المدينة ليستمعوا منه عن مهمته. وقد ورد وصف مختصر لما دار في ذلك الاجتماع في كتاب "تاريخ شهداء يزد":

... وامتطى وحيد صهوة جواده حاملا سيفه ويسير خلفه بعض من أعيان البلدة الذين جاءوا إلى "مصلى صافدار خان"، وهو مكان مشهور تجمع فيه آلاف من الناس للاستماع إليه. وهناك خاطبهم قائلا: "يا أهالي يزد، إن سيدا مشهورا في شيراز ادعى أنه القائم الموعود. سأتوجه إليه لمقابلته، فإذا وجدته دجالا سأتعامل معه بهذا السيف، وإذا وجدت ادعائه صادقا وضعت حياتي في سبيله بإرادتي. سأغادر قريبا، ومن رغب في مرافقتي في هذه الرحلة فليفعل". فردّ عليه الجمع الحاشد بالإجماع مؤكدين ثقتهم به وأعلنوا عن مشاعرهم بهذه الكلمات: "كلنا في هذا المكان، العالم منا والأمي، الشريف والوضيع، الغني والفقير نطلب منك أن تكون

_____________________________________________________________________

(1) كان بيت أسلافه في داراب حيث ولد. وكان له بيت آخر في نيريز.

مندوبا عنا في هذا الأمر، ونشهد بعلمك وحكمتك وورعك وإيمانك وبحدة بصيرتك، وتكفينا شهادتك في قبوله أو رفضه. ومهما تكن نتائج بحثك فإننا نقبل جميعنا بآرائك ونطيع رغباتك."(2)

ويذكر وحيد في إحدى كتاباته أن يوم لقائه بحضرة الباب في شيراز كان في شهر جمادى الأولى عام 1262هـ (نيسان / أيار سنة 1846م). وفيما يلي وصف حيّ بقلم النبيل لهذه المقابلة:

وكانت مقابلة السيد يحيى في منزل الحاجي ميرزا سيد علي وأظهر له الاحترام والإجلال أثناء المحادثة كما أوصاه عظيم(1) ومكث زهاء ساعتين يلفت نظر الباب إلى المسائل العويصة المشكلة المستعصية والآيات المتشابهة في القرآن ونبوّات أئمة الدين وكان الباب ينصت أولا إلى إشاراته العلمية عن الشريعة والنبوّات الإسلامية ويستوعب كل أسئلته ثم يشرع في بيان الجواب المقنع المختصر لكل سؤال وكانت سلاسة أجوبته واختصارها مما أثار إعجاب ودهشة السيد يحيى الذي رأى نفسه مغلوبا وأحس في نفسه بشعور أزال صلفه وكبرياءه ومحا منه محبة الرئاسة ولما عزم على الاستئذان من الباب خاطبه قائلا (إن شاء الله في المقابلة الآتية أعرض لكم بقية أسئلتي وبها أنتهي من بحثي) وبعد الافتراق اجتمع بعظيم وأخبره بكل ما جرى. وقال له (إنني أسهبت في حضرته بدون جدوى في إظهار معارفي ولكنه بكلمات قليلة أجاب على كل أسئلتي. وحلّ لي ما أشكل علي وشعرت أمامه بتذلل وخضوع جعلني أسرع وأطلب

_____________________________________________________________________

(1) أحد أتباع حضرة الباب، وكان عالما مثقفا وصديقا لوحيد وكان قد نصح الأخير بإبداء غاية الاحترام لحضرة الباب حتى لا يندم على ارتكاب عمل يسيء إلى حضرته.

الانصراف من أمامه).

وفي المقابلة الثانية وجد السيد يحيى لفرط دهشته أنه نسي جميع الأسئلة التي كان قد عزم على إلقائها على الباب. وجعل يعالج مواضيع لا علاقة لها ببحثه ورأى مع ذلك أن الباب كان يجيب عليها بنفس السلاسة والاختصار الذي رآه في إجاباته السابقة وأجابه أيضا على الأسئلة التي نسيها وقتيا فكان يذكّره بها. ووصف السيد يحيى ذلك قال (كنت أشعر إذ ذاك أني أنام نوما عميقا وكانت كلماته وإجاباته على المسائل التي نسيت أن أسألها توقظني من سباتي وكان يتردد في أذني وفي سرّي قول قائل "هل يمكن أن يكون ذلك كله من باب المصادفات" فاضطربت نفسي من تراكم وتزاحم أفكاري وطلبت ثانيا الإذن بالانصراف وقابلني عظيم فيما بعد وقال لي في غير مبالاة وهو مقطب الوجه "يا ليت كانت هذه المدارس التي تعلمنا فيها مغلقة وليتنا لم ندخلها فمن قصر عقولنا وغرورنا احتجبنا عن فضل الله الذي هو مخلصنا وكنا سببا لمتاعب منبع الفضل. ألا يحسن بك أن تتضرع لله في هذه الدفعة ليهبك في حضوره شرف الانقطاع والخشوع ليخلصك بلطفه ورحمته من ألم الشك والحيرة". فصممت في المقابلة الثالثة أن أطلب منه في سرّ سرّي تفسيرا لسورة الكوثر(1). وعزمت أن لا أذكر هذا الطلب له شفاها. فإذا أتى بالتفسير من تلقاء نفسه وبكيفية تخالف بحسب رأيي التفاسير المعهودة اقتنعت إذ ذاك بصحة رسالته السماوية واعتنقت أمره وإلا فلا أعترف به. وبمجرد تشريفي شعرت بخوف لم أكن أعلم سببه وكنت أرتجف وأنا أنظر إلى وجهه ومع أني حضرت جملة مرات أمامه ما كان يحصل لي فيها أي اضطراب مع تشككي إلا أني في هذه الدفعة كنت غير قادر

_____________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم.

على الوقوف على قدمي ولما شاهد الباب حالتي قام من مقعده وأخذ بيدي وأجلسني بجانبه وقال "أطلب مني كل ما يرومه قلبك أذكره توا لك" فبقيت متعجبا وبدون حراك كطفل لا يقدر أن يفهم أو يتكلم فتبسم وهو ينظر إلي وقال "إذا فسرت لك سورة الكوثر هل تعترف أن كلامي هو من روح الله وأنه لا علاقة له بالسحر". فلما سمعته يذكر ذلك أجهشت بالبكاء وما قدرت أن أتكلم بشيء سوى الآية القرآنية "ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين".

وكان قبل العصر إذ طلب الباب حاجي ميرزا سيد علي أن يأتيه بدواة وقرطاس ثم ابتدأ تفسيره لسورة الكوثر. وكيف اقدر أن أصف جلال ذلك المنظر المهيب فكانت الآيات تتموج من قلمه بسرعة مدهشة(1) لا تكاد تصدق وكانت لطافته وظرافة صوته وتغنياته وقوة بيانه المهيب أدهشتني وحيرتني واستمر على هذا المنوال لغاية الغروب ولم يقف حتى أتمّ تفسير السورة ثم وضع القلم وطلب الشاي وبعد ذلك ابتدأ يقرؤها بصوت جهوري أمامنا فكان قلبي يخفق وصرت كالمجنون من شدة تأثري وأنا أصغي إلى نغمات قراءته الشجية التي لا توصف بالعبارة وتفسيره الرفيع الهادي لتلك الكنوز المحجوبة وسحرني جمالها على شأن كنت على وشك الإغماء ثلاث مرات فكان ينعش قوتي الهابطة برش بعض نقط من ماء الورد على وجهي فأستعيد بعدها قوتي وأتمكن من متابعة القراءة للنهاية.

وبعد أن أتم التلاوة قام وانصرف وأوصى بها خاله قائلا "ليكن في ضيافتك إلى أن يتم مع الملا عبد الكريم استنساخ ما نزل حديثا من التفسير ويقابله بالدقة على الأصل" وصرف

_____________________________________________________________________

(1) حسب شهادة حضرة الباب فقد أنزل الكلمة الإلهية بمعدل ألف آية في ست ساعات.

الملا عبد الكريم معي ثلاثة أيام بلياليها في ذلك وكنا نقرأ لأنفسنا بالتناوب بصوت جهوري أجزاء متتابعة من التفسير حتى أتم استنساخها. وتحققنا من الأحاديث الواردة في الأصل ووجدناها على غاية من الدقة ووصل إيماني بعظمة الأمر إذ ذاك إلى درجة لو اجتمعت جميع قوات الأرض وتحزبت ضدي فلا تقدر أن تقلل شيئا منه).(3)

كتب وحيد تقريرا مفصلا عن مقابلاته مع حضرة الباب وأرسله إلى ميرزا لطف علي رئيس تشريفاتي الشاه ليسلمه بدوره إلى محمد شاه الذي قال لرئيس وزرائه، بعد علمه باعتناق وحيد الدين البابي: "بلغنا أخيرا أن السيد يحيى الدارابي صار بابيا، فإذا صح الأمر، فالأليق بنا أن لا نقلل من أهمية أمر ذلك السيد(1)."(4)

وكتب وحيد أيضا رسالة إلى أهالي يزد يعلمهم بأحقية رسالة حضرة الباب.

كان إدراكه لمقام حضرة الباب صادقا وكاملا. ومنذ لحظة مغادرته محضر حضرة الباب إلى نهاية حياته الحافلة بالأحداث كرس نفسه لخدمة دين حضرته. كان في حماسه المتقد وغيرته الشديدة في ترويج دين حضرة الباب مثالا يحتذى على أعلى درجة من التفاني والإخلاص. فجاب أنحاء البلاد مبلغا للأمر علانية بين الجماهير.

وأثناء جولاته هذه حظي بمحضر حضرة بهاءالله في طهران. ومن هناك توجه جنوبا حاملا سيفه وممتطيا جواده الذي امتطاه سابقا إلى شيراز إلى أن وصل يزد وقصد "مصلى صافدار خان"

_____________________________________________________________________

(1) حضرة الباب.

-حيث لقاؤه الأول- وهناك أعلن للآلاف ظهور موعود الإسلام. وعلى الفور آمن كثير من المجتمعين من بينهم شخصيات مرموقة مثل ملا محمد رضا الملقب بـ"رضى الروح"؛ وإخوانه الثلاثة الذين تجرعوا كأس الشهادة فيما بعد في منشاد؛ والحاج الملا مهدي العطري، والد ورقاء أحد شهداء الأمر البارزين؛ وميرزا جعفر اليزدي، الذي رافق حضرة بهاءالله من بغداد إلى عكاء كما ذكر في فصل سابق؛ والسيد جعفر اليزدي، العالم ذائع الصيت الذي رافق وحيد إلى نيريز وورد ذكر لخدماته في فصل سابق. فهؤلاء الرجال البارزون وآخرون كثيرون أصبحوا دعامة الدين في يزد، وبفضل جهودهم المخلصة في تبليغ الكلمة وتضحياتهم وتفانيهم ازدهر الأمر في تلك البلدة.

وأخيرا تكالب الأعداء على وحيد وأجبروه على مغادرة يزد، فتوجه إلى نيريز حيث ارتفع صوته معلنا الدين الجديد بشجاعة فائقة وثبات أكيد. وفي النهاية فدى نفسه في سبيل مولاه.

صفحة خالية
الملحق رقم 4
الحاج ميرزا كريم خان

كان الحاج ميرزا كريم خان،(1) الذي أحل لنفسه رئاسة فرقة الشيخية بعد وفاة معلمه اللامع السيد كاظم الرشتي، أحد علماء الإسلام وقد ذكره حضرة بهاءالله في "كتاب الإيقان"، موجها له اللوم والتوبيخ.

وكان انتحاله مقاما كهذا يناقض تماما تعاليم السيد كاظم الذي نصح أتباعه من بعده أن يهجروا دروسهم ويتجردوا من علائق الدنيا وينتشروا في البلاد بحثا عن الموعود. ومع هذا فإن كثيرا من الرجال الطموحين لم يستجيبوا لتلك النصيحة ومن بينهم الحاج ميرزا كريم خان والذي كان واضحا للكثيرين عدم إخلاصه وقلة وفائه، خاصة للسيد كاظم. وفي رواياته يورد النبيل الأعظم هذه الكلمات:

وسمعت الشيخ أبا تراب(2) يحكي الآتي (... أما الحاجي كريم خان فقد لازم السيد عدة سنين وأخذ عنه علمه الذي يدّعيه وأخيرا استأذن منه أن يقيم في كرمان وهناك يشتغل في ترقية الإسلام وإذاعة تلك الأحاديث التي حامت حول ذكرى أئمة الهدى. ومرة كنت موجودا في مكتبة السيد كاظم إذ وصل رسول الحاجي ميرزا كريم خان وبيده كتاب فقدمه للسيد ورجاه أن يقرأه ويصادق على محتوياته بخطه فقرأ

__________________________________________________________________

(1) اسمه الكامل الحاج ميرزا محمد كريم خان الكرماني.

(2) أحد تلاميذ السيد كاظم البارزين، توفي في سجن طهران الذي سجن فيه لأنه كان بابيا.

السيد بعض فصوله وأعاده للرسول قائلا: قل لسيدك إنه أقوى من غيره على تقدير كتابه فلما ذهب الرسول كلّمني السيد بصوت حزين قائلا (ألا لعنة الله عليه إنه عاشرني عدة سنوات والآن إذ أراد الانفصال كان غرضه الوحيد بعد صرف السنوات العديدة في الدرس والصحبة أن ينشر في كتابه قواعد الكفر والإلحاد وهي ما يريدني أن أقرظها وقد اتفق مع بعض الملحدين على أن يتخذ له مركزا في كرمان حتى بعد فراقي من هذا العالم يمسك زمام القيادة والرياسة فما أخطأ ظنه في ذلك لأن نسيم الوحي الإلهي قد هبّ من ربيع الهداية وسوف يطفىء ناره ويهدم سلطته فلن تثمر شجرة وجوده سوى الخزي والوهم الباطل وإني الحق أقول لك إنك سوف ترى بعينيك كل ذلك وأطلب من الله أن يحفظك من فتنة هذا الدجال الذي يعاند الموعود في مستقبل الأيام).(1)

ولم يمض وقت طويل على إعلان الحاج ميرزا كريم خان تزعمه لجماعة الشيخية حتى أيده في ذلك عدد لا بأس به من أتباع الشيخية في أنحاء البلاد وبدأوا حملة معادية لدين الله الجديد.

لقد ادعى هذا الرجل الطموح التوّاق إلى الشهرة والمتطلع إلى الرياسة لنفسه مقاما رفيعا في دين الإسلام بأنه هو "الركن الرابع للدين"(1). إلا أن هذا الادعاء المزعوم أثار حفيظة رجال الدين فأجبروه على إلغائه في بيان عام نشره في رسالتين له.

وبعد إعلان دعوته بقليل، أرسل حضرة الباب مبعوثا إلى الحاج ميرزا كريم خان يعلمه بمقامه على أنه الباب ويدعوه لاعتناق دينه. إلا أنه أصرّ على إنكار دعوة حضرة الباب وواصل

____________________________________________________________________

(1) الأركان الثلاثة الأخرون هم: الله – الرسول محمد – الأئمة الأطهار.

نشر الكتب ضدّها، وبقي على عناده وتصميمه على تقويض دعائم الدين الجديد حتى آخر حياته ويعتبر البابيون الحاج ميرزا كريم خان رمزا لقوى الظلام ضد جحافل النور.

وفي عدة مناسبات أشار حضرة بهاءالله في آثاره المباركة إلى الحاج ميرزا كريم خان وأدان أفعاله. و"لوح القناع"(1) المشهور-الذي نزل بلهجة التوبيخ- موجه له. وفي "كتاب الإيقان" يذكره حضرة بهاءالله بما يلي: "... أن أحد العباد المشهور بالعلم والفضل، والذي يعدّ نفسه من صناديد القوم قد ردّ وسبّ جميع العلماء الراشدين في كتابه". ويدينه في موقع آخر بأنه "سالك سبيل النفس والهوى، وساكن في تيه الجهل والعمى".

ويشير حضرة بهاءالله إلى سمعة الحاج ميرزا كريم خان العلمية والتي اشتهر بها بين الناس، فيعلّق على ذلك بقوله:

"... أقسم بالله بأنه ما مرّ عليه نسيم من رياض العلم الإلهي، وما اطّلع على حرف من أسرار الحكمة الربّانية بل لو يقال له معنى العلم ليضطرب حتما، ويندكّ جبل وجوده. ومع هذه الأقوال السخيفة التي لا معنى لها. كم ادعى من الادعاءات الزائدة عن الحدّ!

سبحان الله كم أتعجب من أناس ملتفّين حوله، وتابعين لمثل هذا الشخص، حيث قنعوا بالتراب وأقبلوا إليه، وأعرضوا عن ربّ الأرباب، واكتفوا بنعيق الغراب عن نغمة البلبل وقنعوا بمنظر غراب البين عن جمال الورد".(2)

وفي سياق شرحه لبعض آيات القرآن الكريم بيّن حضرة بهاءالله، بطريقة نادرة، أنه قبل ألف ومائتي عام تقريبا أدان

_____________________________________________________________________

(1) ستتم الإشارة إلى هذا اللوح في مجلد قادم.

الرسولُ الكريم الحاجَ ميرزا كريم خان. ومما تفضل به:

"وأما عن مراتب علمه وجهله، وعرفانه وإيقانه، فقد ورد ذكرها في الكتاب(1) الذي ما فرّط فيه من شيء، ذلك قوله تعالى (إن شجرة الزّقوم طعام الأثيم)(2) ثم يتفضل بذكر آية أخرى حتى ينتهي بهذه الآية (ذق إنك أنت العزيز الكريم)(3) فانظر كيف أن وصفه مذكور في محكم الكتاب بغاية الوضوح والصراحة. ومن عجب هذا الشخص أيضا أنه يدعو نفسه في كتابه من باب خفض الجناح، بأنه العبد الأثيم. أثيم في الكتاب، وعزيز بين الأنعام، وكريم في الاسم".(3)

كتب الحاج ميرزا كريم خان عدة كتب تظهره جميعها رجلا متعجرفا أعماه الغرور، فخورا بعلمه بعيدا عن الإدراك والحكمة الحقة، وفيها يظهر عداءه الواضح وحقده الشديد لدين حضرة الباب. توفي عام 1288هـ (1873م) وهو في طريقه لزيارة أضرحة الأئمة الأطهار في العراق.

___________________________________________________________________

(1) القرآن الكريم.

(2) القرآن الكريم، سورة الدخان، الآيتان 43، 44.

(3) المصدر السابق، آية 49.
مسرد الكتب والمراجع
تذكرة الوفاء – حضرة عبدالبهاء
طبع في مطبعة العباسية – حيفاABDU’L-BAHA’
Memorials of the Faithful.

Translated from the original Persian text and annotated by Marzieh Gail. Wilmette,

Illinois: Baha’I Publishing Trust, 1971"النور الأبهى في مفاوضات عبدالبهاء"

معرب عن الفارسية – بمعرفة لجنة الترجمة والنشر البهائية في مصر. الطبعة الأولى سنة 85 ب

(1928م)Some Answered Questions

Collected and translated from the Persian of Abdu’l-Baha’ by Laura Clifford Barney. الدكتور يونس خان أفروخته

"خاطرات نه ساله"
سنة 99ب (1942م) طهران AFRU’KHTIH, DR. YUNIS KHAN.
Khatirat-i-Nuh-Saliy Akka’.آهنك بديع
مجلة الشباب البهائي في إيرانAhang-i-Badi’.

Persian Baha’I Youth Magazine.Baha’I News and Reviews.

Journal of the National Spiritual Assembly of the Baha’is of Iran.Baha’I Prayers

A selection. London: Baha’I Publishing Trust.
مجلد العالم البهائي – رقم 12
للأعوام 50-1954م.Baha’I World, The.
Vol. XII, 1950-54.حضرة بهاءالله
"لوح ابن الذئب" (كتاب الشيخ)

1) طبعة من إعداد لجنة نشر الآثار الأمرية باللغتين الفارسية والعربية في لانجنهاين – ألمانيا.

2) طبعة من مطبعة السعادة في مصر سنة 1920م.BAHA’U’LLAH

Epistle to the Son of the Wolf.
Trans. By Shoghi Effendi.
Wilmette, Illinois: Baha’i
Publishing Trust, rev.
edn. 1953."منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"
إعداد لجنة نشر الآثار الأمرية
باللغتين الفارسية والعربية في
لانجنهاين – ألمانيا. الطبعة الأولى

141 ب (1984م).Gleanings from the Writings of Baha’u’llah.

Trans. By Shoghi Effendi

Wilmette, Illinois: Baha’I Publishing Trust, 1949."الكلمات المكنونة"

من منشورات دار النشر البهائية
في البرازيل.
152ب، حزيران 1995م.The Hidden Words

Trans. By Shoghi Effendi with the assistance of some English friends. First published in England 1932.

London: Baha’I Publishing Trust, 1949. Wilmette, Illinois: Baha’I Publishing Trust, rev. edn. 1954."كتاب الإيقان"

معرب عن الفارسية – الطبعة الثالثة،

من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل.The Kitáb-i-Iqan. The Book of

Certitude.
Trans. By Shoghi Effendi

Wilmette, Illinois: Baha’I Publishing Trust, 1931; 2nd edn. 1950. London: Baha’I Publishing Trust, 2nd edn. 1961.

مجموعة "مناجاة"
من منشورات دار النشر البهائية
في البرازيل.

شهر البهاء 138ب / آذار 1981م.Prayers and Meditations by

Baha’u’llah.

Compiled and trans. By Shoghi Effendi. New York: Baha’I Publishing Committee, 1938. Reprinted Wilmette,

Illinois: Baha’I Publishing Trust.

London: Baha’I Publishing Trust, 1967."ألواح حضرة بهاءالله الى الملوك والرؤساء"

من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل. رضوان 140 ب، 1983م.The Proclamation of Baha’u’llah

to the kings and leaders of the world.

Haifa: Baha’I World Centre,1967."الوديان السبعة والوديان الأربعة"

نقلت النصوص عن كتاب آثار قلم أعلى،
المجلد الثالث. طبع مؤسسة المطبوعات الأمرية
في إيران، 121ب.The Seven Valleys and the

Four Valleys. Trans. By Ali-Kuli Khan (Nabilu’d-Dawlih), assisted by

Marzieh Gail. Wilmette, Illinois:
Baha’I Publishing Trust, 1954;
rev. edn. 1952.BALYUZI, H. M.

Abdu’l Baha. The Centre of the Covenant of Baha’u’llah.

London and Oxford: George Ronald, 1971; repr. 1972.

BLOMFIELD, LADY
(Sitarih Khanum).

The Chosen Highway. London: Baha’I Trust, 1940 Wilmette, Illinois: Baha’i

Publishing Trust, 1967.ميرزا أسد الله فاضل المازندراني

"أسرار الآثار"
طبع مؤسسة المطبوعات الأمرية في إيران،
المجلد 5، 129ب (1972م).FADEL-I-MAZINDARANI,
ASADU’LLAH, MIRZA

Asraru’l-Athar. A Glossary of Baha’I terms. Tehran: Baha’I Publishing Trust.

Vol. V, 129 B.E
(A.D. 1972) محمد علي فيضي
"خاندان أفنان"
طبع مؤسسة المطبوعات الأمرية في إيران،
127ب (1970).FAIZI, MUHAMMAD ALI.
Khanidan-i-Afnan.
A biography of some members of the Afnan family.

Tehran: Baha’I Publishing Trust, 127 B.E (A.D. 1970).GIACHERY, UGO.

Shoghi Effendi – Recollections.
Oxford: George Ronald. 1973.
الحاج ميرزا حيدر علي
"بهجة الصدور"
بومبى 1913م.HAYDAR-ALI, HAJI MIRZA.
Bihjatu’s- Sudur.
Reminiscences and

autobiography. Bombay: 1913.عبد الحميد إشراق خاوري

"مائدة آسماني" – المجلد الثاني
طبع مؤسسة المطبوعات الأمرية في إيران،
129ب (1972م).ISHRAQ KHAVARI,
ABDU’L HAMID
Ma’idiy-i-Asamani,
A compilation of Bahá'í Writings.
Tehran: Baha’I Publishing Trust.
Vol. II. 129 B.E. (A.D. 1972 )."محاضرات"
طبع مؤسسة المطبوعات الأمرية في إيران،
120ب (1963م).Muhadarat. An account of discussions
on Baha’I subjects. Tehran: Baha’I

Publishing Trust, 120 B.E. (A.D. 1963).103 "رسالة الأيام التسعة"

مطبعة "كلمات" في الولايات المتحدة الأمريكية.
1981م.
(2) "الأيام التسعة" – إعداد الدكتور شوقي مرعي
من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل.

رضوان 144ب ، نيسان 1987م. Risaliy-i-Ayyam-i-Tis’ih.

The history of the nine Baha’I Holy

Days together with a compilation of relevant Tablets.

Tehran: Baha’I Publishing Trust,
103 B.E.(A.D. 1946);
3rd repr. 121 B.E. (A.D. 1964).محمد الزرندي
"مطالع الأنوار"
ترجمه عن الإنجليزية عبد الجليل سعدNABIL-I-AZAM
(MUHAMMAD-I-ZARANDI)
The Dawm Breakers.
Nabil’s narrative of the
طبع بمعرفة المحفل الروحاني
المركزي للبهائيين في مصر
والسودان سنة 1940م.Early Days of the Baha’i
revelation. Wilmette
Illinois: Baha’I Publishing Trust, 1932.

London: Baha’I Publishing Trust, 1953.حضرة شوقي أفندي

"ظهور العدل الإلهي"
ترجمه إلى الفارسية نصر الله مودت.SHOGHI EFFENDI.
The Advent of Divine Justice.
First published 1939. Wilmette,
Illinois: Baha’I Publishing Trust,
rev. edn. 1963."كتاب القرن البديع"
من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل.
نيسان 1986م.God Passes By.
Wilmette, Illinois: Baha’i
Publishing Trust, 1944.The promised Day Is Come.

First published 1941. Wilmette, Illinois: Baha’I Publishing Trust, rev. edn. 1961.The World Order of Baha’u’llah.

First published 1938. Wilmette, Illinois: Baha’I Publishing Trust, rev. edn. 1955.Star of the West.

The Baha’I Magazine. Published from 1910 to 1933 from Chicago and

Washington, D.C., by official Baha’I agencies. Vol. XIV. April 1923 – March 1924.

عزيز الله سليماني
"مصابيح هدايت"
طبع مؤسسة المطبوعات الأمرية في إيران،
المجلدين 1 و 2، سنة 121ب (1964م)؛
المجلد 6، سنة 125ب (1968م).SULAYMANI, AZIZU’LLAH.
Masabih-i-Hidayat.

Biography of some of the early Baha’is. Tehran: Baha’I Publishing Trust.

Vols. I and II, 121 B.E. (A.D. 1964);
Vol. VI. 125 B.E (A.D. 1968).TOWNSHEND, GEORGE.

Christ and Baha’u’llah. London and Oxford: George Ronald, 1957;

4th repr. 1971.
القرآن الكريمYUSUF ALI, ABDULLAH,
The Holy Qur-an.

Text, Translation & Comentary. Lahore. Pakistan: Sh.Muhammad Ashraf, 1938;

repr. 1969.
صفحة خالية
المصادر

تمهيد - المظاهر الإلهية1-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، صفحة 74.الفصل الأول: ميلاد الدين البهائي1-بهاءالله، "لوح ابن الذئب"، طبعة ألمانيا، صفحة 16؛ طبعة مصر، صفحة 17.الفصل الثاني: حضرة بهاءالله في المنفى1-Blomfield, The Chosen Highway, p. 45.2-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 147.3-Blomfield, The Chosen Highway, p. 40. 4-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 225.الفصل الثالث: الكلمة الإلهية1-بهاءالله، "لوح السلطان"، "ألواح حضرة بهاءالله إلى الملوك والرؤساء"، صفحة 8.2-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 209.3-"بهجة الصدور"، صفحة 247.4-بهاءالله، "لوح الزيارة"، تتضمنه معظم كتب الأدعية البهائية.5-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، رقم 74.6-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، صفحة 18.7-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، رقم 89.8-"مصابيح هدايت"، الجزء 6، الصفحتان 446-447.

9-بهاءالله، "لوح السلطان"، "ألواح حضرة بهاءالله إلى الملوك والرؤساء"، صفحة 8.10-مجلة "آهنك بديع"، الجزء 24، العددان 7-8.11-من مذكرات الحاج محمد طاهر المالميري (لم تنشر).12-المصدر السابق.13-"محاضرات"، المجلد الأول، صفحة 453.14-"أسرار الآثار"، المجلد الأول، صفحة 33.15-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، صفحة 37.16-مجلة "نجمة الغرب"، المجلد 14، صفحة 114.الفصل الرابع: أول فيوضات القلم الأعلى1-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، الصفحتان 74-75.2-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، الأرقام 63، 64، 65.3-المصدر السابق، رقم 56.4-المصدر السابق، رقم 63.5-المصدر السابق، رقم 55.6-بهاءالله، "لوح ابن الذئب"، طبعة ألمانيا، صفحة 109؛ طبعة مصر، الصفحتان 125-126.7-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 137.الفصل الخامس: بواكر الألواح النازلة في العراق1-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، صفحة 200.2-"القرآن الكريم"، سورة آل عمران، آية 93.3-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 147.4-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، صفحة 25.5-المصدر السابق، صفحة 26.

6-حديث شريف، أورده حضرة بهاءالله في "لوح ابن الذئب"، طبعة ألمانيا، صفحة 31؛ طبعة مصر، صفحة 33.7-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 149.8-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، صفحة 200.9-شوقي أفندي، "ظهور العدل الإلهي"، صفحة 160.10-المصدر السابق.11-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، صفحة 28.12-بهاءالله، "لوح أحمد" العربي.13-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، صفحة 17.14-المصدر السابق.15-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 164.16-المصدر السابق، صفحة 170.الفصل السادس: "الكلمات المكنونة"1-بهاءالله، "الكلمات المكنونة" العربية، المقدمة.2-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، رقم 153.3-شوقي أفندي، "ظهور العدل الإلهي"، صفحة 69.4-بهاءالله، "الكلمات المكنونة" الفارسية، رقم 53.5-المصدر السابق، رقم 82.6-المصدر السابق، المقتطفات في هذه الفقرة هي بالترتيب من الكلمات العربية (ع) والفارسية (ف) كما يلي: 1(ع)، 26(ف)، 57(ف)، 12(ع)، 14(ع)، 32(ع)، 32(ف)، 74(ف)، 82(ف)، 81(ف)، 17(ف)، 64(ف)، 63(ف)، 53(ف)، 76(ف).7-المصدر السابق، العربية رقم 13.8-المصدر السابق، الفارسية رقم 19.9-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 289.10-بهاءالله، "الكلمات المكنونة" الفارسية، رقم 71.

11-المصدر السابق، الفارسية، رقم 79.12-المصدر السابق، الكلمات التي تسبق الرقمين 20، 48 الفارسية.13-المصدر السابق، الفارسية، رقم 77.14-تفسير حضرة عبدالبهاء المقتطف في هذه الفقرات، مصدره أحد ألواحه المباركة الواردة في "أسرار الآثار"، المجلد 5، الصفحات 36-40. و"مائدة آسماني"، المجلد 2، صفحة 37.15-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، صفحة 30.الفصل السابع: من أوائل المؤمنين1-"مصابيح هدايت"، المجلد 1، صفحة 216.2-حبيب طاهر زاده، مقال في مجلة إخبارية صادرة في إيران.3-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 176.4-ورد شرح لسيرة حياة ملا محمد صادق الخراساني في كتاب "تذكرة الوفاء" لحضرة عبدالبهاء، الصفحات 13-18، وفي تاريخ النبيل "مطالع الأنوار".5-"مصابيح هدايت"، المجلد 1، الصفحات 446-449.الفصل الثامن: "الوديان السبعة"1-بهاءالله، "الوديان السبعة"، من كتاب "آثار قلم أعلى"، المجلد 3، صفحة 97.2-المصدر السابق، صفحة 98.3-المصدر السابق، الصفحتان 102-103.4-المصدر السابق، صفحة 107.5-المصدر السابق، صفحة 103. 6-المصدر السابق، صفحة 109. 7-المصدر السابق، صفحة 122. 8-Blomfield, The Chosen Highway, p. 166.

9-بهاءالله، "الوديان السبعة"، من كتاب "آثار قلم أعلى"، المجلد 3، صفحة 124.10-المصدر السابق، الصفحتان 124-125.11-المصدر السابق، صفحة 134.12-المصدر السابق، صفحة 129. 13-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 168.14-بهاءالله، "الوديان الأربعة"، من كتاب "آثار قلم أعلى"، المجلد 3، الصفحات 149، 151، 152.الفصل التاسع: بعض الألواح البارزة1-من مذكرات الحاج محمد طاهر المالميري (لم تنشر).2-بهاءالله، مجموعة "مناجاة"، رقم 184.3-المصدر السابق، رقم 88.4-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، رقم 24.5-محمد حسن باليوزي، "عبدالبهاء"، صفحة 141 (من الأصل الإنجليزي).6-شوقي أفندي، "الكشف عن المدنية الإلهية"، صفحة 14.7-المصدر السابق، صفحة 16.8-المصدر السابق.9-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، رقم 74.10-بهاءالله، "الكتاب الأقدس"، 43.11-من مذكرات الحاج محمد طاهر المالميري (لم تنشر).12-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، الصفحتان 301، 300.13-مقتطف من "دورة حضرة بهاءالله" لحضرة شوقي أفندي، ، صفحة 47.14-المصدر السابق، الصفحتان 47، 48.15-النبيل الأعظم، "مطالع الأنوار"، صفحة 395.16-من مقال لحبيب طاهرزاده، ترجمه المؤلف بتصرف.

17-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 175.18-المصدر السابق، صفحة 177.19-المصدر السابق.20-المصدر السابق، صفحة 174.21-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، رقم 113.22-"القرآن الكريم"، سورة الأنعام، آية 35.23-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، رقم 45.24-بهاءالله، "الكلمات المكنونة" العربية، رقم 51.25-بهاءالله، "لوح ابن الذئب"، طبعة ألمانيا، صفحة 37؛ طبعة مصر، الصفحتان 39-40.26-المصدر السابق، الصفحتان 57، 63 بالترتيب.27-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، صفحة 21.الفصل العاشر: "كتاب الإيقان"1-"خاندان أفنان"، الصفحتان 25-26.2-المصدر السابق، الصفحات 32-35.3-المصدر السابق، الصفحتان 42-43. 4-بهاءالله، "كتاب الإيقان" صفحة 201. 5-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، الصفحتان 170-171.6-"الكتاب المقدس"، سفر دانيال، الإصحاح 12، آية 9.7-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، الصفحتان 2-3.8-المصدر السابق، صفحة 10.9-المصدر السابق، صفحة 12. 10-المصدر السابق، صفحة 130.11-المصدر السابق، الصفحات 18، 20، 21.12-المصدر السابق، الصفحات 26، 24، 25، 25-26.13-المصدر السابق، الصفحات 27، 29-30، 31، 33.14-المصدر السابق، صفحة 50.

15-المصدر السابق، صفحة 51-52.16-المصدر السابق، صفحة 52.17-المصدر السابق، الصفحتان 52-53.18-المصدر السابق، صفحة 56.19-المصدر السابق، صفحة 63.20-المصدر السابق، الصفحتان 63-64.21-المصدر السابق، الصفحتان 64-65.22-المصدر السابق، الصفحتان 54-55.23-المصدر السابق، صفحة 39.24-المصدر السابق، الصفحات 39، 40، 41.25-المصدر السابق، الصفحات 42-43، 44.26-المصدر السابق، الصفحتان 44، 45.27-المصدر السابق، الصفحتان 74-75.28-المصدر السابق، الصفحتان 75-76.29-المصدر السابق، صفحة 78.30-المصدر السابق، الصفحات 119، 120-121.31-المصدر السابق، الصفحتان 139-140.32-المصدر السابق، صفحة 125.33-المصدر السابق، الصفحات 140-141، 141-142.34-المصدر السابق، الصفحتان 81-82.35-المصدر السابق، الصفحتان 95-96.36-المصدر السابق، الصفحتان 103-104.37-المصدر السابق، الصفحتان 86-87.38-المصدر السابق، صفحة 87-88.39-المصدر السابق، الصفحات 90-92.40-المصدر السابق، صفحة 112.41-المصدر السابق، صفحة 149.

42-المصدر السابق، الصفحتان 167-168.43-المصدر السابق، الصفحات 152-156.44-المصدر السابق، الصفحات 160، 161-162.45-المصدر السابق، صفحة 158.46-المصدر السابق، صفحة 172.47-المصدر السابق، الصفحتان 177-178.48-المصدر السابق، الصفحتان 183-184.49-المصدر السابق، صفحة 186.50-المصدر السابق، الصفحتان 186-187.51-المصدر السابق، صفحة 73.52-المصدر السابق، صفحة 139.53-المصدر السابق، الصفحتان 198-199.54-المصدر السابق، صفحة 199.55-المصدر السابق، صفحة 48.الفصل الحادي عشر: شخصيات أخرى من أوائل المؤمنين1-"خاندان أفنان"، الصفحتان 111-112.2-شوقي أفندي، "النظام العالمي لحضرة بهاءالله"، صفحة 17 (من الأصل الإنجليزي).3-النبيل الأعظم، "مطالع الأنوار"، ديباجة.4-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 166.5-المصدر السابق، الصفحتان 168-169.الفصل الثاني عشر: اقتراب الإعلان عن رسالة حضرة بهاءالله1-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 445.2-Townshend, Christ and Bahá'u'lláh, from chap. 8 3-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، صفحة 194.

الفصل الثالث عشر: الأحباء والخصوم1-"مصابيح هدايت"، المجلد 2، الصفحات 489-491.2-المصدر السابق، الصفحات 504-506.الفصل الرابع عشر: "لوح ملاح القدس"1-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 181.2-مجموعة "الأدعية البهائية"، طبعة بريطانيا، كلمات حضرة عبدالبهاء مترجمة عن مقدمة لحضرته قبل اللوح.3-مجموعة "لوح قد أحترق المخلصون، لوح ملاح القدس". إصدار لجنة "نشر الآثار الأمرية بالفارسية والعربية" في ألمانيا.4-شوقي أفندي، "ظهور العدل الإلهي"، صفحة 159.5-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، الصفحتان 22-23.الفصل الخامس عشر: ميرزا يحيى والسيد محمد الإصفهاني1-بهاءالله، "لوح ابن الذئب"، طبعة ألمانيا، صفحة 114؛ طبعة مصر، صفحة 131.2-المصدر السابق، الصفحات 113، 130-131 بالترتيب.3-المصدر السابق، الصفحات 108، 123-125 بالترتيب.الفصل السادس عشر: إعلان دعوة حضرة بهاءالله في حديقة الرضوان1-"رسالة الأيام التسعة"، صفحة 177 (إعداد الدكتور شوقي مرعي).2-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 183.3-المصدر السابق، صفحة 188.4-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، صفحة 53.5-النبيل الأعظم، "مطالع الأنوار" ، الصفحتان 516-517.6-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، صفحة 195.7-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، رقم 14.

8-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، الصفحتان 187-188.9-المصدر السابق، صفحة 188.10-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، رقم 14.11-بهاءالله، مجموعة "مناجاة"، رقم 178.12-بهاءالله، "منتخبات من آثار حضرة بهاءالله"، رقم 119.13-المصدر السابق، رقم 166.14-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 189.الفصل السابع عشر: الرحيل إلى الآستانة1-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع" الصفحتان 190-191.2-انظر كتاب "تذكرة الوفاء"، لحضرة عبدالبهاء، الصفحات 222-226.3-المصدر السابق، الصفحتان 124-125.4-المصدر السابق، الصفحات 43-46.5-المصدر السابق، الصفحات 93-95.6-المصدر السابق، الصفحات 96-98.7-المصدر السابق، الصفحتان 146-147.8-المصدر السابق، الصفحات 67-71.9-المصدر السابق، الصفحات 63-67.10-المصدر السابق، الصفحتان 241-242.11-من مذكرات الحاج محمد طاهر المالميري (لم تنشر).12-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، الصفحتان 192-193.الفصل الثامن عشر: "من يظهره الله"1-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 79، عدا اللقب الأول فهو من "لوح أحمد" العربي.2-المصدر السابق، صفحة 46.3-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، صفحة 10.

4-المصدر السابق، صفحة 9.5-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 45.6-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، صفحة 10.7-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 110.8-المصدر السابق، صفحة 45.9-المصدر السابق.10-المصدر السابق.11-المصدر السابق.12-المصدر السابق.13-المصدر السابق.14-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، الصفحتان 9-10.15-المصدر السابق، صفحة 59.16-المصدر السابق، صفحة 10.17-المصدر السابق، الصفحتان 10، 11.18-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، الصفحات 120-126.19-عبدالبهاء، "المفاوضات"، الطبعة الأولى في مصر، الصفحتان 141-142. أو طبعة دار النشر البهائية في بلجيكا، صفحة 106.20-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، صفحة 23.21-شوقي أفندي، "الكشف عن المدنية الإلهية"، الصفحتان 66-67.22-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، صفحة 14.23-Shoghi Effendi, The Promised Day is Come, p. 6.24-شوقي أفندي، "دورة حضرة بهاءالله"، صفحة 11.25-شوقي أفندي، "كتاب القرن البديع"، صفحة 343.الملحق رقم 1: ميرزا آقا جان1-الدكتور يونس خان، "خاطرات نه ساله"، الصفحتان 89-90. توجد نبذة عن حياة المؤلف في مجلد "العالم البهائي"، رقم

12، الصفحات 679-681.2-المصدر السابق، الصفحات 54-56.3-المصدر السابق، الصفحتان 84-85.الملحق رقم 3: وحيد1-النبيل الأعظم، "مطالع الأنوار"، الصفحتان 134-135.2-الحاج محمد طاهر المالميري، "تاريخ شهداء يزد"، صفحة 5.3-النبيل الأعظم، "مطالع الأنوار"، الصفحات 136-139.4-المصدر السابق، صفحة 139.الملحق رقم 4: الحاج ميرزا كريم خان1-النبيل الأعظم، "مطالع الأنوار"، الصفحتان 30-31.2-بهاءالله، "كتاب الإيقان"، الصفحتان 149-150.3-المصدر السابق، الصفحتان 150-151.

الفهرس

يشمل الجزء الأول من هذا الفهرس قائمة بأسماء ألواح حضرة بهاءالله وكتاباته التي ذكرها المؤلف، بما فيها تلك التي نزلت بعد عام 1863م. بينما يتضمن الجزء الثاني فهرسا عاما. وأضيف حرف "ح" بعد رقم الصفحة عند الإشارة إلى الحواشي.

1- ألواح حضرة بهاءالله وكتاباته

"أز باغ إلهي" (قصيدة)، 224، 233، 234"سبحان ربي الأعلى"، 224، 226"ألواح مريم"، 14"سورة الأصحاب"، 302-303"تفسير الحروف المقطعة" –

انظر "لوح آية النور""سورة الله"، 259-260"سورتي الحج"، 225"جواهر الأسرار"، 159-160"سورة الصبر" -

انظر الفهرس العام"الحروفات العاليات"، 128-130"الحور العجاب"، 224، 232"سورة الغصن"، 141"رسالة ابن الذئب"، 10، 52، 264،

267-270"سورة القدير"، 125-128"سورة الملوك"، 154"رسالة سؤال وجواب"، 27"سورة الهيكل"، 44، 127-128"رشح العماء" (قصيدة)، 47-48، 52"شكر شكن شوند"، 155-159"ساقي أز غيب بقا" (قصيدة)،"الصحيفة الشطية"، 111-11466"الصلاة الكبيرة"، 32

"القصيدة الورقائية"، 65-67، 88"لوح الحورية"، 130"الكتاب الأقدس"، 27، 62، 161، 169، 225،"لوح الزيارة"، 32، 217، 217ح318"لوح غلام الخلد"، 224، 226-232مقتطفات من: 49، 130، 141، 296"لوح الفتنة"، 134-135، 142"كتاب الإيقان" - الفصل العاشر- انظر الفهرس العام"لوح القناع"، 353، 353ح"الكتاب البديع"، 107، 265، 296"لوح كل الطعام"، 58-63"كتاب عهدي"، 38، 83، 140، 143"لوح ملاح القدس"، 245-258"الكلمات المكنونة" – الفصل السادس –

انظر الفهرس العام"مدينة التوحيد"، 115، 120، 122-124"مدينة الرضا"، 114-115"لوح آية النور"، 131-134"هلة هلة يا بشارت"، 224، 234"لوح أيوب" - انظر "سورة الصبر""الوديان الأربعة"، 108"لوح بلبل الفراق"، 259"الوديان السبعة"، - الفصل الثامن –

انظر الفهرس العام"لوح الحكمة"، 21
2- الفهرس العام

الأئمة، 62، 73، 131-134، 134ح، 164ح، 196، 354، أحاديثهم، 48، 203، 345، 351، انظر أيضا الحسين، الإمام؛ علي، الإمام

آبادة، 79، 79ح، 283
إبراهيم (عليه السلام)، 7
إبراهيم، السيد، 266
ابن الفارض، الشاعر، 65
الألف بيت، لوح، 133
أبو بكر، الخليفة، 133
أبو تراب القزويني، الشيخ، 216، 351
أبو الفضل الكلبايكاني، ميرزا، 7، 237
أبو القاسم، خادم ميرزا يحيى، 262
أبو القاسم الكاشي، 268
أبو القاسم الهمداني، خادم حضرة بهاءالله، 64، 70
أبو لهب، 164، 164ح

أحمد الأحسائي، الشيخ، 179ح، 216، 237، 316حأحمد الأزغندي، ميرزا، 205

أختام حضرة بهاءالله، 26، 26ح
أدرنة، 18، 25، 28، 38، 102، كتابات حضرة

بهاءالله فيها، 107، 294، 296؛ البهائيون فيها، 28، 30، 215، 302-304، 306

أركان الدين (عند الشيعة)، 352، 352ح

الآستانة (إسطنبول)، الفصل 17؛ رحيل حضرة بهاءالله ووصوله إليها، 17، 18، 102، 214، 242، 243، 275، 298؛ أحباء فيها، 28، 30، 300-302، 304-306، 309

أسد الله، ميرزا، من خوئي، انظر الديان

أسد الله القمي، السيد، 35؛ رواية له، 36-37، 90-94

الإسلام، 20، 27، 32، 45، 132-134، 134ح، 149، 151، 159، 160ح، 228- 330، 351، 352، 352ح؛ أحكامه، 20، 27، 59؛

الأحاديث، 34ح، 35، 48، 50، 61، 65، 86ح، 122، 124ح، 132، 136، 136ح، 160، 166، 171، 181، 191، 205، 230، 283، 311ح؛ الانقسامات فيه، 134؛ انظر أيضا العلماء، الأئمة، القرآن الكريم، الشيخية، الشيعة، السنّة

الاسم الأعظم، 29، 49، 122، 123، 291، 297
إسماعيل، الشيخ، من السليمانية، 64

إسماعيل، السيد، من زوارة (الذبيح)، 106-108، 216

إسماعيل الأزغندي، الحاج السيد، 117-119
إسماعيل الوزير، ميرزا، 16
آسية خانم، (نواب)، حرم حضرة بهاءالله،
13، 16، 20
أشعيا، نبؤاته، 322
إصفهان، 28، 30، 264ح، 304

الأغصان، (الذكور من ذرية حضرة بهاءالله)، 141، 141ح

الأفنان، (أقرباء حضرة الباب)، 141، 141ح، 163-168، 209-210

آقا جان، ميرزا، (خادم الله)، 96، 137، كاتب وحي حضرة بهاءالله، 25، 36-39، 41- 44، 165، 165ح، 217، 245، 277، 294؛ كتابة الوحي، 25، 36-37؛ سيرة حياته، 25، 41-44؛ شهادته الهامة، 43؛ نقضه عهد حضرة بهاءالله، 331-336

آقا خان، ميرزا، رئيس الوزراء الفارسي، 10-11
آقا رضا الشيرازي، 305
آقا ركاب ساز، ميرزا، 131
آقا كاشاني، ميرزا، (اسم الله المنيب)،299-303
آقا كليم، انظر موسى، ميرزا

الله، الذي لا يُعرف، 1، 48، 120، 160، 185- 186؛ تعهده بمساعدة من يقوم على خدمته 289؛ التقرب إليه، 101؛ عوالمه، 59-61، 66، 74-76؛ صفاته، 1-3، 31، 45، 48، 60، 75، 104، 120، 121-124، 131، 160، 186-187، 189-190؛ لقاؤه، 196، 306؛ وحدانيته، 120-122؛ وصف حضرة بهاءالله، 120-121؛ انظر أيضا الكلمة الإلهية، أمر الله، يوم الله، ملكوت الله

الأناجيل (العهد الجديد)، اقتباس حضرة بهاءالله منها

وشرحها، 174، 175، 179-181، 195،
ذكرها، 159، 160، 201
أنبياء، انظر المظاهر الإلهية
الانقطاع، 77-80، 104-105، 114، 171،
198، 226، 253؛ مثال أيوب، 287-288
أنيسا، شجرة، 82، 83
الامتحانات المرتبطة بالظهور الإلهي، 135-136،
142-144، 183-185؛ انظر الرضا، المعاناة

الإنسان، طبيعته، 60، 74-76، 140؛ الغاية من خلقه، 75، 255؛ مراحل رحلته الروحية، 101، 159-160؛ تطوير صفاته الروحية، 76، 81-82، 101، 113؛ إمكاناته وقدراته، 81-82، 125، 126؛ نصائح حضرة بهاءالله له، 81- 83

أمر الله، ميزاته، 135، 140، 144؛

لا يقاوَم، 111-112، 156-157، 202، 212؛ رسالته العالمية، 231، 289؛ معارضته، 149-154، 257؛ كيفية تبليغه، 169، 295أيادي أمر الله، 37، 255، 256ح

الأيام المحرمة، 297
إيران، انظر فارس، بلاد
إيمان المؤمن، 252، 258؛ خيانة البشر للمظهر
الإلهي 258
أيوب، النبي، 283، 287
ب، ه‍، الحرفان، 86

الباب، حضرة، (السيد علي محمد): ولادته، 311ح؛ عائلته، 161-168، 209، 217ح،

264، 267؛ والدته، انظر فاطمة بيكم؛ بيته،
225؛ في مكة وبوشهر، 162، 211، 237،
239؛ في شيراز، 211، 344؛ في إصفهان،

107؛ المبشر بحضرة بهاءالله، 7-8، 231؛ ألقابه الروحانية، 62، 70، 237، 238، 311، 329؛ الأيام الأولى لبعثته، 238- 239، 343-347؛ وحيه، 83، 114، 114ح، 200-205، 347، 347ح؛ كتاباته، 24، 24ح، 35، 50، 55، 57، 62، 71، 107، 123، 219، 267، 271-272، 297، 312-319، 323؛ مقامه، 227،

239، 311-312، 329؛ تعظيم حضرة بهاءالله له، 124، 200، 227، 289، 311؛ تعظيمه لحضرة بهاءالله، 311-319، 324؛ استشهاده، 55-56، 70، 161، 285؛ المقام الأعلى (ضريحه)، 16، 211، 218؛ وكذلك انظر: 3، 4، 14، 17، 18، 21، 55، 62، 69، 179، 213، 227، 343-348

بابي، بابيّون، 41ح، 56-58، 87، 96، 149، 179ح، 202، 202ح، 213؛ الجامعة البابية في إيران، 87، 265، 303؛ الاضطهادات والشهداء، 7، 9-11، 145، 281-285، 295؛ الجامعة البابية في العراق، 55-57، 64، 71-72، 151، 204، 214، 218- 221، 241-243، 263، 274-279؛ انقسام الجامعة البابية، 71، 263-267؛ إعلان حضرة بهاءالله دعوته للبابيين، 278

البابية، الدورة، 24ح، 35، 97ح، 201، 201ح، 297، 310، 311

الباحث الحقيقي، مؤهلاته، 171، 197-199، 200
بخارى، 99
بدشت، مؤتمر، 8، 310

البديع، التقويم، للدورة البهائية، 122، 122ح، 245ح

بديع الله، ميرزا، ابن حضرة بهاءالله، 138
بزرك، ميرزا، النوري، انظر عباس، ميرزا

بزرك خان، ميرزا، القنصل الفارسي العام في بغداد، 150، 153-154، 241، 243

بغداد، 17، 26، 41، 64، 109، 111، 114، 125، 130، 134، 144، 154، 154ح، 158، 159، 229، 233، 259، 261، 269، 271، 290، 292، 309، 310؛ أحداث فيها، 149-155، 218-221، 234- 235، 239-240، 245-246؛ أعمال ميرزا يحيى فيها، 56، 262-270؛ إقامة حضرة بهاءالله، 18، 162، 273-275؛ بيت حضرة بهاءالله، 25، 96، 223-225، 234، 276، 298؛ حديقة الرضوان، 55، 115ح، 275- 276،

278؛ رحيل حضرة بهاءالله، 102، 214، 276-278، 297-298؛ زوارها، 40، 40ح، 58، 71، 87، 88، 95، 96، 102، 103، 107، 134، 148، 150، 158، 165، 218، 220، 286، 286ح، 293، 299، 300، 306؛ حضرة عبدالبهاء في بغداد، 15، 26؛ عودة حضرة بهاءالله من كردستان، 42، 66، 70-72؛ غياب حضرة بهاءالله، 58-59، 64، 70ح

البلايا (والمحن)، سرها والهدف منها، 103، 156، 279؛ المظاهر الإلهية، 156-157، 172- 173، 192-193؛ بلايا أيوب، 287

البهاء: بهاءالله، 34، 85، 85ح، 167؛ صفة إلهية واسم الله، 49، 121، 123، 157

بهاءالله (ميرزا حسين علي): نسبه، 7؛ شبابه، 20- 21؛ تعليمه، 20-22، 64-65؛ عائلته، 9- 17، 128، 136-137، 300، 322؛ إخوانه، 11، 16، 17؛ أخواته، 51-52؛ ألقابه، 8، 13، 44، 69، 80، 86، 115، 139، 156، 250، 321-325، 329؛ في كربلاء، 239؛ اضطهاده في طهران، 7-11، 47، 52، 241؛ سجنه: انظر سياه ﭽال، سجن؛ ميلاد ظهوره، 7، 10، 13، 316؛ نفيه من بلاد فارس، 11، 13، 17-18، 52-53، 241؛ في بغداد، 17، 55-57، 87، 95-99، 223، 241-247، 275، 290؛ اعتزاله في كردستان، 18، 42، 55، 57، 59، 63-67، 263، 264؛ عودته من كردستان، 27، 66، 70-72، 87، 101؛ في حديقة الرضوان، 275-279، 292-293، 297-298، إعلان دعوته، 18، 55، 115ح، 149، 220، 223، 276-280، 290-294، 302، 310، 316؛ بياناته الهامة في الرضوان، 294-295؛ مغادرته بغداد، 17، 102، 242-243، 258-259، 297-298، انظر بغداد؛ إلى الآستانة، 18، 102، 258-259، 299-309؛ في

الآستانة، 18، 309؛ إلى أدرنة، 18، 107، 215؛ إعلان دعوته في أدرنة، 18، 115ح؛ إلى عكاء، 18، 215، 303-307؛ مقامه، 10، 70، 312، 321-322، 328؛ يلمح إلى مقامه، 124، 149، 204-205، 223، 227، 232-233، 257، 290، 324؛ تمجيد حضرة الباب له، 312-314، 318-319، 324؛ علاقته بالمظاهر الإلهية، 67-70، 325-327؛ علاقة الإنسان به، 75-76، 81-83؛ الإيمان به، 58، 71، 87، 95، 99؛ تأثيره على الناس، 97-98، 106- 109، 152، 209، 218-221، 235، 273-275؛ أصحابه، 28، 41، 97، 102، 218-221، 232-233؛ سلطنته وجلاله، 155، 273-275، 298؛ علمه اللدني، 19، 21؛ بلاياه ومصائبه، 10، 12-13، 53، 59، 63-64، 66، 155-157، 207، 256؛ معارضة ميرزا يحيى له، 38، 56- 57، 113، 125، 136، 139، 142، 207، 233، 256، 261-272؛ صعوده، 25، 139، 217-218؛ مرقده، 217-218؛ انظر أيضا أدرنة، حواريي حضرة بهاءالله، "من يظهره الله"، ظهور حضرة بهاءالله، الكلمة الإلهية كما أنزلها حضرة بهاءالله، كتابات حضرة بهاءالله

بهائية خانم، (الورقة المباركة العليا)، ابنة حضرة بهاءالله، 13، 15، 20

البهجة، قصر، 25، 276، 276ح، 293ح، 335؛ مرقد حضرة بهاءالله، 218ح، 334-335

بوذا، 3
بوشهر، 162، 165، 211، 237

"البيان" كتاب، 24، 71، 97ح، 201، 297؛ أم الكتاب في الدورة البابية، 24ح، 313؛ مقصده، 313؛ تبشيره وإشاراته بشأن "من يظهره الله"، 313-318؛ نقطة البيان، 315، 324؛ الواحد البيانية، 315، 316، 324؛ الحروف البيانية، 324؛ شهود البيان، 97ح؛ سنة التسع، 315-317؛ خطاب حضرة بهاءالله لأهل البيان،

115، 204-205، 259، 288، 302
تاريخ شهداء يزد"، 339، 344
تاكور، 51
تاونزند، جورج، مقتطف له، 228-230
تبريز، 300، 310
التسليم( بالقضاء)، 103، 114-115، 285
التضحية، 102، 148
جاليبولي، 28، 303

الجامعة البهائية في العالم، 296؛ جامعة الاسم الأعظم، 256، 297

الجبروت، العالم الروحاني، 61
جبريل، الملاك، 73
جعفر، الملا، من نراق، 58
جعفر اليزدي، السيد، 144-149، 144ح، 348
جعفر اليزدي، ميرزا، 306-308، 349
جناب البهاء، لقب لحضرة بهاءالله، 8، 167، 240

جمال القِدم، من ألقاب حضرة بهاءالله، 86، 156، 309، 322، 327

الجمال المبارك، من ألقاب حضرة بهاءالله، 13، 17، 80، 87، 93، 212، 217

جواد الكربلائي، الحاج السيد، 163، 163ح، 165، 166، 234، 237-241

حافظ، أشعاره، 11، 11ح
حبيب الله، الحاج ميرزا (أفنان)، 163
حديث، انظر الإسلام
حروف الحي، 62، 62ح، 96، 161
الحسن، الإمام، 73
حسن الزنوزي، الشيخ، 216، 219-220

حسن علي، الحاج ميرزا، خال حضرة الباب، 161، 165، 167

حسن عمو، الحاج الملا، 152-153، 152ح

حسن المازندراني، ابن عم حضرة بهاءالله، 52، 52ح

الحسين، الإمام، 58، 73، 162، 164ح، 193، 321؛ بيانه بخصوص ظهور حضرة بهاءالله، 323

حسين البشروئي، الملا، 157، 202، 202ح، 297، 319ح

حسين خان، الحاج ميرزا، 242
حسين الزنجاني، ميرزا، روايته 93-94
حسين علي، ميرزا، انظر بهاءالله
حسين المتولي، 154-159، 158ح
حسين، ميرزا، من إصفهان، انظر مشكين قلم
حميد، الملا، من السليمانية، 64

حواريو حضرة بهاءالله، 17، 27، 29، 29ح، 37، 42ح، 99، 213، 275

حواء، ابنة عم حضرة بهاءالله، 128، 130

حورية السماء، 66، 86، 131، 226، 232، 248، 249، 257

حيدر علي، الحاج ميرزا، 30
حيفا، 31، 42، 138، 212ح، 304

الحيوانية، المملكة، 2، 3، 60، الرفق بالحيوان، 199

خاتم الأنبياء (محمد)، 69، 70
خاجة، قلعة، 280، 285
خانم بزرك، 52
خان السوق الأبيض، في عكاء، 138
خديجة بيكم، زوجة حضرة الباب، 163، 217ح

خلفاء الإسلام، 133، 134، 228، 229الخلق (مخلوقات)، 1-2، 103-105، 106، 120، 121، 123، 127، 129، 131، 153، 284، 286، 294

دجلة، نهر، 73، 275
الدورة البهائية، 230-232، 295، 326

الديان، (ميرزا أسد الله الخوئي) 265-268، 267ح

دين، (أديان)، ميلاده، 4؛ مبدأ تتابع الرسالات، 67-69، 289، 325-326؛ وحدة الأديان، 170-171؛ معارضة العلماء له، 172- 173، 181-182؛ مقصده الأساسي، 327

الذبيح، انظر إسماعيل، السيد، من زوارة
رجب علي قاهر، الملا، 264ح

الرضا ، 103-105، 168، 177، 198؛ ثلاثة وجوه له، 114

رضا قلي، ميرزا، الأخ غير الشقيق لحضرة بهاءالله، 13

الروح القدس، 19، 22، 30، 65، 66، 73، 156، 185،

189، 195؛ انظر الروح الأعظم
الروح الأعظم، 35، 47، 66، 257
رَضى الروح (الملا محمد رضا)، 41، 87-88، 349

الرضوان، 115، 193؛ حديقة، 115ح، 246، 275-279، 290-291، 293، 297؛ عيد، 275-276، 278، 290، 293؛ إشارة حضرة الباب إلى الرضوان، 297؛ أهميته، 290-294؛ اليوم الأول، 275، 276، 278، 295-297؛ اليوم التاسع، 293ح، 297؛ اليوم الثاني عشر، 297

الركن الرابع (للشيعة)، انظر أركان الدين

روح الإنسان، 74، 76، 77، 82، 195، 199؛ رحلة الروح، 101-106، 159؛ خلودها، 75، 81، 130

روح الإيمان، 75-77، 129
روزبه (سلمان الفارسي)، الصحابي، 115، 179
زرادشت، 3، 7
زكريا، الشيخ، 285، 285ح

زين العابدين خان، الأمير، 152، 153زين العابدين خان، الأمير، حاكم نيريز، 144- 148، 280-281، 285، زوجته، 148

زين العابدين، الملا (ملقب بزين المقربين)، 26- 28

ساسان، ملوك (226-651م)، 7
سارة خانم، الأخت الوفية لحضرة بهاءالله، 51
سامراء، 164ح
سبز ميدان (طهران)، 9، 11
سجن، عكاء، 18، 103، 306
سدرة المنتهى، 3، 85، 86، 141
سركلو، 63

سعيد خان، ميرزا، وزير الخارجية الفارسي، 241-243

سكينة خانم (طلان خانم)، الأخت غير الشقيقة لحضرة بهاءالله، 51

السلاح، تحريم استعماله، 295، 295ح
السلاسل في سياه ﭽال، 9، 9ح، 10، 53
سلطان، الشيخ، من كربلاء، 70، 70ح، 234، 268
سلمان، الشيخ، من هنديان،
115-120، 271
السليمانية، 64، 65، 70، 101، 109، 310
سمندري، طراز الله، ميرزا، 37
السنّة، مذهب، 134، 205
السودان، 30

سور لحضرة بهاءالله، انظر الفهرس الخاص بالألواح

"سورة الكوثر"، انظر الكوثر
"سورة والعصر"، 35، 107
"سورة والشمس"، 34

سياه ﭽال، سجن، 7، 9-10، 26، 47، 48، 56، 220، 241، 242، 261، 273، 310، 315

شاه سلطان خانم (خانم بزرك)، الأخت غير الشقيقة لحضرة بهاءالله، 52، 52ح

شجاع الدولة، 275
شداد، سنين، 142، 142ح
شمس جهان، الأميرة، ملقبة بـ"فتنة"، 134
شهداء طهران السبعة، 9، 161
شهداء، شهادة، 287، 295؛ في نيريز، 281

شهود البيان، انظر البيانشوقي أفندي، حضرة، ولي أمر الدين البهائي، 16، 37، 39ح، 80، 80ح، 143، 168، 213، 247، 251ح، 255، 256ح، 320؛ مقتطفات من كتاباته، 139، 150، 169، 220-221، 297-298، 301، 309-310، 321-326، 329

الشيخ بهائي، 123
الشيخية، 179ح، 237، 238، 263، 351، 352

شيراز، 117-119، 118ح، 131، 161، 162، 165، 238، 239، 282، 283، 304، 311؛ إعلان دعوة حضرة الباب، 203، 309؛ بيت حضرة الباب، 163، 225

الشيعة، 48، 73، 131، 134، 134ح، 152، 164ح، 203، 204، 321

الشيوخ( الأربعة والعشرون)، 213، 213ح
صامصون، 301، 304، 309

الصبر، سورة، (لوح أيوب)، 148، 148ح، 280-290، قصة أيوب، 287-288، تأثير "سورة الصبر" على البابيين، 288-289

صدق علي، الدرويش، 305
صفاء القلب، 81، 82، 102، 171، 182، 197

الصلاة (الدعاء، المناجاة، الذكر)، 32، 82، 121، 199؛ أدعية حضرة بهاءالله، 53، 120-121

الصوفيون، 101
ضياء الله، ميرزا، ابن حضرة بهاءالله، 138
طابور آقاسي، يحيى، 333
الطاهرة (قرة العين)، 71، 134، 219
طبرسي، قلعة الشيخ، 157، 158ح
طلان، انظر سكينة خانم

طهران، 37، 51، 52، 88، 214، 274، 284، 300، 302، 303، 351ح؛ بهاءالله في طهران، 13-15، 18؛ انظر سياه ﭽال؛ خطاب بهاءالله لها، 49-51؛ بلاط الشاه فيها، 28، 42، 344؛ انظر شهداء طهران السبعة

ظهور حضرة بهاءالله: تجربته الأولى، 10، 13، 22؛ طبيعته، 22-23؛ أطلق قوى روحية، 4-5، 19، 24، 47؛ عظمته، 19، 24، 67-70، 127-128، 227، 232، 250-252، 260، 317-318، 324-325، 327-329؛ تبجيل حضرة الباب له، 312- 315، 317-318، 318-319، 323-324؛ ارتباطه بالامتحانات، 135؛ انظر حضرة بهاءالله، تأثيره على الناس

عالي باشا، رئيس وزراء تركيا، 242، 243، 259
عباس أفندي، انظر عبدالبهاء
عباس شاه، (حكم من 1589- 1627م)، 123

عباس ميرزا (ميرزا بزرك) والد حضرة بهاءالله، 7، 20، 322

عباس، ميرزا (قابيل) من آبادة، 79-81

عبدالبهاء (عباس أفندي)، 17، 20، 31، 36، 38، 41، 42-43، 80، 95، 99، 116، 138، 139، 143، 210-212، 217، 225، 234، 295، 296، 304؛ عن طفولته 9، 14، 105؛ ألقابه الروحانية، 14، 105،

139، 141-142؛ خدماته لحضرة بهاءالله، 26، 167؛ تعيينه من قبل حضرة بهاءالله، 141؛ المثل الأعلى للتعاليم، 15، 105، 140؛ مركز العهد والميثاق، 15، 26، 83، 136، 139، 140، 143، 254، 256، 255ح، مقامه، 15، 140-141، 329؛ ألواحه، 51، 79، 83، 95، 99، 133، 136، 169، 212، 254؛ بياناته، 65، 105، 126، 133، 227، 247، 254، 270، 276، 276ح، 278، 285، 293، 300، 305-306، 325، 326؛ في التبيين، 82- 85؛ في حديقة الرضوان، 277-278؛ يمجد حضرة بهاءالله، 325؛ حول ناقضي العهد، 139-140، 331-336؛ المفاوضات، 227؛ تعيينه لحضرة شوقي أفندي، 144

عبد الغفار الإصفهاني، 304

عبد الحسين الطهراني، الشيخ، 149-154، 241؛ حضرة بهاءالله يدينه، 156

عبد الحميد، الشيخ، 299
عبد الرحمن الكركوكي، الشيخ، 64، 109
عبد الكريم القزويني، الملا، 55-56، 347-348
عبد الله، الحاج ميرزا، 42، 43
عبد المجيد الشيرازي، الحاج، 99، 163، 165
العبودية، 140، 190، 254-255

العراق، 25، 27، 116، 150، 151؛ نفي حضرة بهاءالله وإقامته فيه، 13، 14، 18، 53، 55- 57، 71، 148، 153، 224، 245، 258، 261، 269؛ عائلة حضرة الباب فيه، 162، 164، 165؛ إرسال الألواح، 30، 116؛ المقامات المقدسة، 149؛ انظر أيضا البابيين في العراق؛ بغداد

العثمانية، الحكومة، 18، 154، 242، 243، 246، 269

العرب، 22، 228-229

العربية، اللغة، 20، 22، 23، 27، 36ح، 49، 50، 58؛ استعملها حضرة بهاءالله، 23، 62، 65

عرفان رسل الله، 113، 129، 160، 170، 220، 252، 254؛ أول هدف للإنسان،

101؛ متطلباته، 171؛ الموانع، 172-175، 181-182، 194-195؛ الامتحانات التي تصاحبه، 135-137، 183-185

عشق آباد، 99، 210، 211
عصبة الأمم، 225
عظيم، (الملا علي)، 345، 345ح

عكاء، 33، 127، 349؛ أحاديث نبوية عنها، 34ح؛ نفي حضرة بهاءالله وسجنه فيها، 25، 29، 39، 44، 103، 215، 303-306؛ الأحباء المقيمون، 27، 29، 30، 36، 40، 216، 299-304، 331، 334؛ حضرة عبدالبهاء في عكاء، 105، 138، 210؛ الزوار البهائيين، 38، 50، 52ح، 117، 138-139؛ الناقضون فيها، 212، 331- 336

علماء الإسلام، 19-21، 25، 41، 41ح، 80، 95، 132، 151-153، 163ح، 172- 173، 197، 197ح، 204؛ في عكاء، 33؛ في السليمانية، 64-65؛ مناظرات حضرة بهاءالله معهم، 21، 152-153؛ المجتهدون، 27، 95، 96ح، 149

العلم، المعرفة، 20-25، 34، 39، 44، 45، 56، 58، 64، 135، 145، 227-232؛

علم حضرة بهاءالله، 19، 21؛
العلم الحقيقي، 44-45، 103، 182، 196، 231-232
علي الأفنان، الحاج السيد، 43
علي أكبر، ميرزا، ابن عم حضرة الباب، 267

علي، الإمام، ابن أبي طالب، 11، 35، 73، 133-134، 311ح، 321، يشير إلى حضرة بهاءالله 323

علي البسطامي، الملا، 238-239

علي، الحاج ميرزا سيد، خال حضرة الباب، 161، 162، 345، 347

علي السياح، ميرزا، 234
علي شاه، الأمير، 274
علي محمد، السيد، انظر الباب (حضرة)
عمر بن الخطاب، الخليفة، 133

العهد: العهد الإلهي، 74، 83، 256؛ عهد حضرة بهاءالله، 25، 31، 83-85، 133ح،

137، 247، 255، 331؛ امتحانه للأحباء، 144، 252؛ انظر ناقضي العهد، وصية حضرة بهاءالله

العهد القديم، 160، 169
العوالم (الممالك) الإلهية، 59-62، 66، 74-76
العوالم الروحية، انظر العوالم الإلهية
الغصن الأطهر، انظر مهدي، ميرزا
الغصن الأعظم، انظر عبدالبهاء
غلام رضا خان، 92
الغيبة، 82، 198

الغرور (الافتخار، الاستعلاء)، 78، 82، 114، 125، 136-137، 140، 160، 182، 198

فاران، جبل، 84
فارس أفندي، 215

فارس، بلاد (القرن 19، والآن تدعى إيران): 11، 18، 52، 52ح، 53، 56، 115-117، 119، 123؛ الأحباء الإيرانيين، 169، 231، 275، 280؛ اتصالات حضرة بهاءالله مع، 30، 116-119، 214-215، 299، 300، 302-303؛ التعليم، 19-20، الحكومة، 18، 150، 153؛ الكتابة (الخط)، 36ح؛ اللغة التي استعملها حضرة بهاءالله، 23، 47، 50، 66

فاضل المازندراني، أسد الله، ميرزا، 44
فاطمة، الزوجة الثانية لحضرة الباب، 264، 264ح

فاطمة بيكم، والدة حضرة الباب، 162-165، 167، 211

فاطمة خانم أفنان، 168

فاطمة الزهراء (ابنة الرسول محمد)، 73-74؛ الصحيفة المخزونة الفاطمية، 73

فتح علي شاه ( حكم: 1798-1834م)، 134
فروغية، ابنة حضرة بهاءالله، 42
فريد الدين العطار، 101
"الفصول الأربعة"، 339
فماغوستا، 304
الفلاسفة، اليونان، 227
فؤاد باشا، وزير خارجية تركيا، 242

القائم، 131، 134ح، 149، 160، 160ح، 163، 164، 166، 179، 179ح، 191،

204، 344، 349؛ الأحاديث الشريفة بخصوصه، 196، 205، 230، 283

قبرص، 28، 304
القدس، انظر بيت المقدس

القدوس (الحاج ملا محمد البارفروشي)، 62، 71، 157-158، 221

القرآن الكريم، كلمات الله، 23، 24، 35، 134، 200؛ الإحاطة بعلومه، 20، 134؛ سوره، انظر "الكوثر"، "والعصر"، "والشمس"؛ مقتطفات، 58، 173، 181، 187-190، 194-196، 199، 288ح، 354؛ نبأه عن حضرة بهاءالله، 124ح؛ تفسير حضرة بهاءالله لبعض سوره، 50، 62، 131-132، 160، 181، 188-190، 196، 354؛ إساءة استعماله، 281؛ وكذلك 65، 72، 89، 92، 94، 115ح، 134، 156، 171، 213، 228، 281

قزوين، 71، 300
قتورة، 7

القلم الأعلى، 35-36، 36ح، 38، 47، 84، 88، 99، 134، 139، 149، 268القصيدة التائية، 65

قيوم الأسماء، 297، 310، 319، 319ح؛ مقتطف، 319

كاشان، 25، 58، 299، 300، 305

كاظم الرشتي، السيد، 179، 179ح، 202ح، 216، 237، 238، 240ح، 351، 351ح

كاظم سمندر، الشيخ، 37
الكاظمين، 99، 164ح

كتابات حضرة بهاءالله، س (توطئة)، 23؛ أسلوبها ونمطها، 22-26، 41، 44، 62، 63-64، 101، 155، 168، 227، 232-233؛ بخط يده، 35، 39، 72؛ نسخ الألواح، 26- 27، 28؛ إتلاف بعضها، 72؛ انظر الكلمة الإلهية كما أنزلها حضرة بهاءالله

كتاب الإيقان، الفصل العاشر، انظر جدول المحتوى؛ 160، 279، 280، 283، 351، 353؛ وكذلك انظر: عنوان الكتاب في الأصل، 166؛ نزل خصيصا لمسلم، 171؛ النسخة الأصلية، 168؛ أهميته، 161، 207؛ تأثيره على القارئ، 168،

170؛ توزيع نسخ عنه، 168-169؛ مواضيع متنوعة: الغيبة، 198؛ الرضا، 198؛ المعاشرة مع الأخيار، 198؛ فك رموز الكتب السابقة، 172، 174-176، 180-182؛ العلم، 182، 197؛ المحبة، 198؛ الافتخار، 198؛ نقاء القلب، 182، 198؛ ختم الكتب المقدسة، 169؛ وحدة الأديان، 170؛ انظر أيضا، الانقطاع، الروح القدس، المظاهر الإلهية، القائم، مصطلحات الكتب المقدسة، الامتحانات، الباحث الحقيقي

الكتب المقدسة (للأديان السابقة)، 143، 159، 160، 169-172، 181، 183، 191، 205؛ تفسيرها، 175-181، 193-195، 200؛ انظر أيضا العهد القديم، الأناجيل، القرآن الكريم، عبارات في الكتب المقدسة

كربلاء، 95، 149، 159، 162، 164ح، 165، 238، 239، 241، 263؛ حضرة بهاءالله في كربلاء، 25، 219، 262

كردستان، 18، 27، 42، 55، 57-59، 63، 70، 72كرمان، 95، 351، 352

كرمانشاه، 243، 261-262
الكرمل، جبل، 16، 20، 31، 211، 216، 285
كريشنا، 3، 10
كريم خان، الحاج ميرزا، 197ح، 351-354

الكلمات المكنونة، الفصل 6؛ 113ح؛ كيفية النزول، 73، المواضيع الرئيسة، 74، 77، 79-80، 81-83؛ قدرتها على التأثير، 81؛ تبيين حضرة عبدالبهاء 83-86، مواضيع متنوعة: الغيبة، 82؛ دواء حضرة بهاءالله الشافي للإنسان، 79-82؛ المصائب والبلايا، 82، 156-157؛ عهد حضرة بهاءالله، 82-84؛ عهد الله مع الإنسان، 74، 83؛ الموت،81؛ الانقطاع، 77-79، 82-83؛ المحبة، 81، 82؛ حورية السماء، 85؛ الدعاء، 81؛ الغرور، 78، 81، 83؛ صفاء القلب، 82؛ روح الإنسان، 74-77، 80-81؛ الأجنحة والمشط، 84؛ انظر أيضا شجرة أنيسا، اللوح الياقوتي، جبل فاران،

سدرة المنتهى، لوح الفردوس
كمال الدين، الحاج ميرزا، 58-59، 62، 276ح

الكلمة الإلهية: تنزل بواسطة المظاهر الإلهية، 3، 21-22، 31-33، 37-38؛ تواصل نزولها، 34، 68-69، 112؛ دليل النبوة، 112، 200-201؛ روحها وشكلها، 22-24؛ منزهة عن العلوم التحصيلية، 21، 24؛ نفوذها، 31- 33، 191-193؛ خلاقيتها، 31؛ معانيها اللامحدودة، 34، 59؛ مصدر المعرفة، 34- 35، 45؛ انظر الكلمة الإلهية كما أنزلها حضرة بهاءالله

الكلمة الإلهية كما أنزلها حضرة بهاءالله، 19، 23، 43-44، 47؛ طبيعة الوحي، 23-26، 29- 30، 35-38، 41-43، 57، 66؛ سرعة تنزيل الوحي، 24، 30، 36-37، 65، 166؛ نفوذها، 30، 31-32، 64، 86، 107، 233؛ خلاقيتها، 31-32؛ غزارة نزولها، 24-25، 26، 72

كن، 32

الكوثر، 188، 208، 208ح؛ "سورة الكوثر"، 346، 347

الكور البهائي، 325-327لسان العظمة، إشارة إلى حضرة بهاءالله، 44

لاهوت، عالم روحاني، 60
لندن، 126، 230
لطف علي، ميرزا، 348
اللوح الياقوتي، 85
مازندران، 56، 261، 322
ماه كوه، 58، 317
مجد الدين، ميرزا، 332، 332ح
المجتهدون، انظر العلماء
المحبة (العشق)، 2، 101-103، 106-108، 198-199
محفظة الآثار البهائية العالمية، 20، 168
محمد إبراهيم الأمير، آقا، 304
محمد إبراهيم الكاشاني، آقا، 137

محمد الإصفهاني، السيد، دجال الدورة البهائية، 28، 28ح، 57، 71، 113، 234، 239، 240ح، 240، 261-264، 270، 270ح، 308

محمد باقر (الإمام الخامس)، 131
محمد تقي الأفنان، الحاج ميرزا،
ابن خال حضرة الباب، 167، 209-213

محمد تقي، الحاج، ملقب بـ"أيوب"، من نيريز، 147-148، 280، 285، 286ح

محمد جعفر التبريزي، الحاج، 102

محمد، الحاج ميرزا سيد، خال حضرة الباب، 191، 200، 209ح، 161-168؛ خطاب حضرة بهاءالله له، 198-200

محمد حسن، ميرزا، الأخ المخلص غير الشقيق لحضرة بهاءالله، 10، 17

محمد حسن السبزواري، الشيخ، 40
محمد حسن، ميرزا (سلطان الشهداء)، 108ح، 275
محمد حسين، ميرزا (محبوب الشهداء)، 108ح، 275

محمد، الدرويش (اسم عرف به حضرة بهاءالله في كردستان)، 70

محمد، الرسول الكريم، 3، 21-24، 34ح، 61، 73، 132، 155، 164، 164ح، 175، 179، 183، 184ح، 190، 193، 200، 201، 205، 273، 321؛ خاتم الأنبياء، 69؛ إشارته إلى حضرة بهاءالله، 323؛ انظر أيضا فاطمة؛ علي، الإمام

محمد رضا، آقا، 107، 108، 294
محمد رضا، الملا، من محمد آباد، 87-95

محمد رضا، الملا، من منشاد، انظر رضى الروح

محمد الزرندي، الملا، انظر النبيل الأعظم
محمد، السيد، من يزد، 40

محمد شاه (حكم 1835-1848م)، 11، 11ح، 144ح، 343، 348

محمد صادق، آقا، من إصفهان، 304

محمد صادق الخراساني، الملا، (المقدس)، المعروف بالملا صادق، 96

محمد طاهر المالميري، الحاج، سيرته الذاتية، 337-341؛ استلامه لوحا، 38-41؛ كتاباته، 39ح، 339؛ مذكراته، 117-119، 138، 307؛ والد المؤلف، 38ح

محمد العرب، الشيخ، 299
محمد علي، آقا، من إصفهان، 304

محمد علي، الحاج ميرزا، ابن خال حضرة الباب، 209

محمد علي الصباغ، آقا، 304

محمد علي، ميرزا، ابن حضرة بهاءالله، 137- 139، 142، 277، 331، 331ح، 336

محمد القائني، الملا (النبيل الأكبر)، 95-100، 152ح

محمد قلي، ميرزا، الأخ المخلص غير الشقيق لحضرة بهاءالله، 17، 301

محمد كاظم، الحاج، 269
محمد المازندراني، ميرزا، 266

محمد الوزير، ميرزا، ابن عم حضرة بهاءالله، 128

محمود، آقا ميرزا، 305
محمود، الحاج ميرزا أفنان، 211
محمود، الشيخ، من عكاء، 33، 34، 34ح
محمود الكاشاني، ميرزا، 335
محمود، ميرزا، ابن أخ حضرة بهاءالله، 9، 10
محي الدين، الشيخ، 101

مدائن التحصيل الروحاني، 160؛ المدينة الإلهية، 200؛ مدينة الإيقان، 201المدنية الإلهية، 126، 231-232، 294

مرتضى الأنصاري، الشيخ، 95، 96، 152

مريم، ابنة عمة حضرة بهاءالله، 13-14، 63، 128، 130

المزرعة، قصر، 307
مزرعة الوشاش، 245
"المستيقظ" (كتاب لميرزا يحيى)، 266
مسجد السلطان محمد، 309
مسعود ميرزا، الأمير (ظل السلطان)، 274ح

المسيح عليه السلام، 3، 21، 60، 67، 79، 146، 174، 178، 185، 192، 228، 273، 283، 321؛ كلماته، 113، 125، 192، 193؛ علامات رجوعه، 174-178؛ إشارته إلى حضرة بهاءالله، 323

المسيحية، الحضارة، 227، 228، 230
مشرق الأذكار، 90، 90ح، 210، 210ح
مشكين قلم، ميرزا حسين، 28-29
مشير الملك، 118، 118ح، 119
مصر، 30، 215
مظفر الدين شاه (حكم 1896- 1907م)، 94
المظهر الإلهي (المظاهر)، 1-5،

30، 37ح، 60-62، 66-70، 101، 252، 254، 258؛ علاقتهم بالله، 60، 67-68، 120-121، 123، 149، 170، 185- 187، 189-190؛ علاقتهم ببعضهم، 68، 123، 149، 170، 187-189، 325- 326؛ صفاتهم، 177، 188، 279-280؛ نفوذهم، 112، 279؛ سلطنتهم، 191-194؛ الطاقات الروحية التي يبثونها، 4-5، 33، 176، 187، 195، 22، 227-232؛ المقام المزدوج، 61، 135، 188-190؛ وحدتهم، 124، 171، 187-188؛ تميزهم عن بعضهم، 124، 188-189، 325-326؛ علائم مجئ الظهور التالي، 172-181؛ براهينهم، 112، 200-201؛ علاقتهم بالإنسان، 60، 62، 102، 122؛ عجز الإنسان عن عرفانهم، 319-320؛ معارضة علماء الدين لهم، 172-174، 181-183؛ معاناتهم وبلاياهم، 173، 192-193، 204- 206؛ المظهر الإلهي العالمي، 326؛ المظهر الكلي الإلهي، 10، 56، 69، 99، 123، 131، 312، 318-319؛ في المستقبل، 296، 325-326؛ انظر أيضا عرفان رسل الله

المعجزات، 112-113، 125، 153، 308ح
مكة المكرمة، 162، 162ح، 183
الملأ الأعلى، 84، 84ح، 85، 284
الملاوات، انظر العلماء
مُلك عَرا، الأمير، 96
ملكوت الله، 5، 61، 85، 123، 126، 330
ملكوت، العالم الروحاني، 61
ممالك الوجود، 1-3، 60-62
منيب، جناب، انظر آقا الكاشاني، ميرزا

"من يظهره الله"، 39، 58، 87، 97ح، 111، 143، 160، 205ح، 311-320؛ الإعلان عن مقام حضرة بهاءالله، 18، 218، 279، 295ح؛ نبوءات حضرة الباب تتحقق، 219، 231، 265، 266، 297؛ ادعاءات، 71، 214، 265، 317

مهدي، الحاج الملا، 58

مهدي، ميرزا (الغصن الأطهر) ابن حضرة بهاءالله، 20، 277

مهدي العطري، 349
المؤمن الحقيقي، 252-254، 258

الموت، 81، 129-130، 145، 160، 185، 191، 194، 195، 199

موعود المسلمين، انظر القائم

موسى (عليه السلام)، 3، 21، 60، 67، 70، 113، 178، 184، 200، 227، 248، 250، 273، 283

موسى، ميرزا (آقاي كليم)، الأخ المخلص لحضرة بهاءالله، 16، 55، 70ح، 138، 151، 216، 245، 262، 300، 333ح

موسى الجواهري، الحاج ميرزا، 224، 226
الموصل، 27، 269-270، 301
الناسوت، عالم، 61

ناصر الدين شاه (حكم 1848- 1896م)، 8، 10، 11، 14، 14ح، 28، 37، 42، 242، 274، 274ح

ناقضو العهد، 10، 17، 25، 29، 31، 43، 136-139، 143-144، 247، 254-256؛ انظر أيضا الملحق رقم 1؛ يحيى، ميرزا؛ محمد علي (ابن حضرة بهاءالله)

نامق باشا (والي بغداد)، 243، 246، 301
النبيل الأكبر، انظر محمد القائني، الملا

النبيل الأعظم، (الملا محمد الزرندي)، 43، 50، 72، 122ح، 138، 139، 213-218، 225، 237، 301؛ مقتطفات من رواياته، 145، 216-217، 221، 235، 245- 246، 282-283، 292-293، 298، 343-344، 345-348

النظام العالمي الجديد، 112، 126، 127، 143، 231

نفخة الصور، 47، 115، 115ح
النجف، 164ح، 166
نجف آباد، 26، 263
نجيب باشا، 275
النجيبية (حديقة الرضوان)، 275
النوروز، 245، 245ح، 276، 276ح، 285
نيريز، 80ح، 304، 344ح، 348، 349؛ الاضطرابات

فيها، 144-149، 280-286؛ ثناء حضرة بهاءالله على أحبائها، 285

نياوران، 8
نور، إقليم، 7، 8، 10، 11، 51، 128
نور الدين، آقا ميرزا، 163
هادي، الحاج ميرزا، 224
هادي دولت آبادي، الحاج ميرزا، 267
الهاهوت، أحد العوالم الروحانية، 60

وحيد (السيد يحيى الدارابي)، 144، 201ح، 280-282، 284-285، 343-349؛ ثناء حضرة بهاءالله عليه، 202، 282، 284؛ خطاب حضرة الباب له، 314

"الوديان السبعة"، 101-108؛ وادي الطلب، 102؛ وادي العشق، 101-102؛ وادي المعرفة، 103؛ وادي التوحيد، 103-104؛ وادي الاستغناء، 104-105؛ وادي الحيرة، 105- 106؛ وادي الفقر الحقيقي والفناء المحض، 106

ورقاء (أو ورقا)، ميرزا علي محمد، 42، 42ح، 349
الورقة العليا، انظر بهائية خانم
الورقة المباركة العليا، انظر بهائية خانم
وصية حضرة بهاءالله، انظر "كتاب عهدي"
وصية حضرة عبدالبهاء، 143، 255ح
وهاب الخراساني، ميرزا (ميرزا جواد)، 269
يحيى الدارابي، انظر وحيد

يحيى، ميرزا (صبح الأزل)، الأخ غير الشقيق لحضرة بهاءالله، 55-59، 261-272؛ 41، 56-58، 139، 142، 273، 301، 308؛ انظر أيضا: معارضته لحضرة بهاءالله، 17، 38، 55، 55ح، 113، 136؛ إشارة حضرة بهاءالله إليه، 125، 139، 142، 233، 256، 259، 259ح، 289، 302؛ نفيه إلى قبرص، 29، 304؛ أتباعه، 10، 52، 71، 159، 215

يزد، الأحباء والشهداء، 38-40، 41ح، 87، 88، 337-341؛ سكانها، 144، 147، 148،

210، 338، 348؛ وحيد في يزد، 344، 348
يسوع، انظر المسيح
اليهود، 59، 113، 178، 192، 193، 227
يوحنا المعمدان، 178
يوسف السديهي، السيد، 159يوم القيامة، 181، 192-196

يوم الله، 47-48، 67-70، 124-125،135، 160، 226، 233، 251-253، 291، 311، 329

اليونان، 227
يونس خان أفروخته، الدكتور، 331-336
65

Table of Contents: Albanian :Arabic :Belarusian :Bulgarian :Chinese_Simplified :Chinese_Traditional :Danish :Dutch :English :French :German :Hungarian :Italian :Japanese :Korean :Norwegian :Persian :Portuguese :Romanian :Russian :Spanish :Swedish :Turkish :Ukrainian :